شبكة نور الاستقامة
الأحد 23 / ربيع الثاني / 1438 - 10:07:01 صباحاً
شبكة نور الاستقامة

ترتيب ذكر الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم .. يشتمل على أسرار بلاغية

ترتيب

الكتاب العزيز ليس كتاب عرض تاريخي .. بل هداية وموعظة وتشريع
أوضح فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد مفتي عام السلطنة أنه لا يمكن النظر في القرآن الكريم باعتباره كتاب عرض تاريخي؛ فحينما يتعرض القرآن الكريم لذكر الأنبياء والمرسلين؛ ليس شرطا أن يراعي تسلسلهم الزمني، لأنه ليس كتاب تاريخ، وإنما كتاب هداية وموعظة وحكم وأحكام وتشريع، إذ إن له حكما وعللا واعتبارات، بمختلف تلك السياقات والمواضع التي يرد فيها ذكر الأنبياء والمرسلين.


ونبه فضيلة الشيخ الدكتور إلى أهمية تدبر آيات القرآن الكريم؛ ذلك أن القرآن الكريم غاية في البلاغة والإعجاز، فقال: ينبغي لنا أن نتذوق جمال القرآن وبلاغته وبيانه، ففي المواضع التي نجد فيها ذكر الأنبياء والمرسلين؛ نجد في كل موضع حكمة أو مجموعة من الحكم، تدعو إلى العجب والإيقان أن هذا الكتاب إنما هو من عند الخالق الحكيم البصير، وكيفما قلّب الإنسان عند تدبره هذه الآيات فإنه يكتشف الأسرار والمعاني ما يتدفق ويتوارد على قلبه وذهنه معاني جزلة غنية.. جاء ذلك في برنامج سؤال أهل الذكر بتلفزيون سلطنة عمان، فإلى المزيد مما جاء في اللقاء.

 

وقال فضيلته: إن قضية عدم ذكر اسم النبي إسماعيل في بعض السياقات التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام، وولده إسحاق عليه السلام، وولده يعقوب عليه السلام، ولا يذكر إسماعيل فيها، هذه القضية مما تناوله المفسرون. وأضاف: إن هناك حكمة إجمالية في عدم ذكر إسماعيل عليه السلام، في كثير من المواضع التي ذكر فيها إبراهيم وذكر فيها ولده إسحاق عليهما السلام، وقد بينها سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله، وهي حكمة إجمالية، لا سيما في العهد المكي؛ إذ لم يذكر إسماعيل كثيرا باستثناء سورة إبراهيم، وهي سورة مكية ذكر فيها إسماعيل: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» فإن هذه الحكمة الإجمالية هي كما بين سماحته حفظه الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في العهد المكي يُخاطب أهل مكة، وأريد أن تكون استجابتهم للدين استجابة خالصة، استجابة للإيمان، دون أن تشوبها شائبة عصبية، لأنهم يعلمون أنهم ينتسبون إلى إسماعيل، وأن محمد صلى الله عليه وسلم من نسل إسماعيل لم يذكر إسماعيل عليه السلام، حتى تكون دعوتهم واستجابتهم خالصة للاستجابة لهذا الدين، غير مشوبة بشائبة من عصبية أو قومية أو افتخار بالآباء.


وأضاف موضحا: إن هذه حكمة إجمالية يمكن أن تسري على أغلب المواضع، لكن هذا ليس مطردا، بمعنى أنه نجد في سورة مكية وهي سورة إبراهيم، وذكر فيها إبراهيم وذكر فيها إسماعيل عليه السلام، وهي سورة مكية لأن بعض المستشرقين ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أراد أن يتقرب إلى اليهود وهم ينتسبون إلى إسحاق، اخترع – هكذا يقولون – ذكر إسماعيل، وهذه دعوى باطلة لا أساس لها كما تقدم، لا سيما وأنها مندفعة بأنه في السورة التي سميت باسم إبراهيم عليه السلام ورد ذكر إسماعيل عليه السلام وهي سورة مكية.

 

غاية في البلاغة والإعجاز

ثم تطرق فضيلته إلى قضية تأخر ذكر إسماعيل عليه السلام عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب في آية سورة الانعام: «وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَُ» ، فقال : هؤلاء ثمانية عشر من الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، ولم يأت ذكرهم على ما يظن الظان وفقا لتسلسلهم التاريخي الزمني، فإبراهيم وإسحاق ويعقوب ذكروا أولا، ثم ذُكر نوح، ثم ذكر إسماعيل، وآخر من ذكر هو لوط عليه السلام، ولكن الحقيقة التي تدعو إلى الإيقان والإعجاب وإلى تلمس وتذوق وجوه البيان والإعجاز في كتاب الله عز وجل في هذا السياق، أنها مشتملة على نظام عجيب، وعلى نسق لا يمكن أن يكون إلا من تنزيل الحكيم الحميد.

 

النسق الأول

ثم تحدث فضيلة الشيخ د.كهلان الخروصي مفصلا عن الأنساق والوجوه التي اشتملت عليها آية سورة الأنعام المذكورة، فقال في توضيح الوجه الأول من الترتيب: هؤلاء ثمانية عشر من الأنبياء والمرسلين، في وسطهم موسى وهارون، وقبل موسى وهارون هناك ثمانية، وبعد موسى وهارون هناك ثمانية، وفي الوسط موسى وهارون، المجموع هو ثمانية عشر، في الثمانية الذين هم قبل موسى وهارون، وبعد موسى وهاون يأتي ذكر الأنبياء «أربعة أربعة» ، كل ثلاثة من الأنبياء يكون رابعهم أقدمهم ، حيث إن كل ثلاثة يكون رابعهم أقدمهم زمنا.
وأضاف موضحا: لنفصل المسألة، جاء ذكر إبراهيم وإسماعيل ويعقوب، ثم ذكر رابعهم نوح عليه السلام، وهو أقدمهم جميعا، ثم جاء ذكر داود وسليمان وأيوب ويوسف، ويوسف أقدمهم زمنا، هذه الثمانية الأولى، ثم جاء ذكر موسى وهارون، ثم جاء ذكر الثمانية الأخيرة «أربعة أربعة»، على هذا النسق نفسه؛ زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وإلياس الرابع هذا هو أقدمهم، إذن هذا هو النسق، «ثمانية ثمانية»، وكل أربعة يكون رابعهم أقدمهم ممن كان قبله، وفي الوسط موسى وهارون عليهم السلام.

 

النسق الثاني

ثم تحدث فضيلته عن نسق ثان في ترتيب ذكر أسماء الأنبياء والمرسلين في آية سورة الأنعام فقال: إن ترتيب هؤلاء الأنبياء يتناوب بين النسب والسبب، بل يسير على هذه الشاكلة، فالرابطة الآصرة بين المذكورين: نسب، ثم نسب، ثم سبب، لنفحص الآيات: إبراهيم ونوح هما آباء الأنبياء، وهذا نسب.


ثم استطرد فضيلته فقال: ولقد اختلف المفسرون في قوله: «ومن ذريته» هل الضمير يعود إلى نوح أو إلى إبراهيم؛ قولان مشهوران، والآية القرآنية تصلح أن يكون الضمير عائدا فيها إلى إبراهيم، وتصلح أن يكون عائدا على نوح، وهذا من الإعجاز.


وبعد ذكر إبراهيم ونوح، جاء ذكر إسحاق ويعقوب: أب وابن؛ والعلاقة بينهما أبوة، ثم جاء بعدهما داوود وسليمان أب وابن، أي علاقة نسب، ثم أيوب ويوسف، وهي علاقة سبب وهو أن كلاهما أُصيب ببلاء شديد، ثم فرّج الله تبارك عنهما، فكلاهما ابتلي ببلاء عظيم فصبرا واحتملا حتى فرّج الله تبارك وتعالى عنهما.


ثم جاء ذكر موسى وهارون وبينهما علاقة نسب، ثم زكريا ويحيى وبينهما علاقة نسب، ثم ذكر عيسى وإلياس والعلاقة بينهما علاقة سبب، وهذا مبني على قول إن إلياس هو إدريس عليه السلام، فإلياس هو لقب لإدريس، وهذا قول قديم وهي قراءة تفسيرية لابن مسعود ، فعبدالله بن مسعود كان يقرأ: «وإن إدريس لمن المرسلين» وكان يقرأ: «سلام على إدراسين» وهذا قول طائفة من المفسرين، من القدماء ومن المعاصرين، فالسبب هو هذا الثناء الذي نجده في كتاب الله عز وجل، المعبر عنه بالرفع: «بل رفعه الله إليه» في عيسى عليه السلام، «ورفعناه مكانا عليا» في إدريس.


ثم أوضح فضيلته فقال: الآن في النسب ذكر إسحاق ويعقوب، وداوود وسليمان، وزكريا ويحيى، وموسى وهارون، عندنا ثمانية وردوا في علاقة الأنساب، أما الأسباب، فهم الاثنان اللذان تقدم ذكرهما عيسى وإلياس، ثم الآية الأخيرة: «وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا» لتمام علاقة السبب .. العلاقة السببية بين هؤلاء الأنبياء الأربعة هي وجه من وجوه الإعجاز والبيان.


وأضاف فضيلته: إذا ما عدنا قليلا للنظر في هذا الوجه الذي على أساسه يكون هذا التقسيم، فنقسمهم إلى أربع مجموعات؛ المجموعة الأولى هي مجموعة الآباء؛ لأن لهم في ذريتهم الكثير من الأنبياء والمرسلين، وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح.


والقسم الثاني قسم الحكم مع النبوة؛ أي النبوة ومعها حكم بوجه من وجوه الحكم، داوود وسليمان، أيوب ويوسف، موسى وهارون، هؤلاء أوتوا حكما مع النبوة، فداوود وسليمان معنى الحكم فيهما متمكن وظاهر، كما أن أيوب ويوسف عليهما السلام لهما وجه من وجوه الحكم؛ لأن أيوب كان أميرا في قومه قبل مرضه، ثم عادت وجاهته وإمارته وسيادته بعد شفائه، ويوسف عليه السلام كذلك، وهنا شيبت إمارتهم أو حكمهم بابتلاء، على خلاف النوع الأول عند داوود وسليمان فقد كان ملكا خالصا فيه كثير من مظاهر الأبهة والغنى والأثرة وغيرها من مظاهر الحكم، ثم تنزل درجة الحكم في أيوب ويوسف عليهما السلام، فيوسف صار وزيرا مطاعا، آمرا ناهيا في مصر، ثم موسى وهارون عليهما السلام اللذان كانا يمارسان الحكم دون ملك، لكنهما كانا المرجع في قومهما، ففي يدهما كان الإبرام والحل والعقد والنقض وسائر الأمور، فقد كان يرجع إليهما بنو إسرائيل كما يرجعون إلى ملوكهم، بل كانوا يقدمونهم دون ملك ظاهر، ونلاحظ هنا أن درجة الملك تتدلى وتنزل، وقوة النبوة من حيث كثرة المعجزات والبراهين ومعاناة التبليغ تزداد.


القسم الثالث: الزهاد من الأنبياء: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، هؤلاء معروفون في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى لو توسع المرء في قراءة التوراة والإنجيل؛ فإنه سيجد أنهم معروفون ببعدهم عن زخارف الدنيا وزهدهم فيها، وتبتلهم وانصرافهم عن مظاهر الحياة الدنيا. القسم الرابع: هؤلاء الأنبياء ليست لهم أي من الخصوصيات المتقدمة، فليسوا هم من الآباء، فإسماعيل عليه السلام لا يذكر له عقب في النبوة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول الله سبحانه وتعلى: «وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» فكان الرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل، ولم يعرف لهم ملك أو حكم بوجه من الوجوه ؛ فليسوا من القسم الثاني، وليسوا في زهد أهل القسم الثالث وانقطاعهم عن الدنيا، ويضاف إلى ذلك أن هؤلاء الذين ذكروا أخيرا، -وهذا نربطه بالسبب الذي ذكر في القسم السابق- أنهم لم يخلفوا بأنبياء ومرسلين، في أقوامهم، فلا نجد أدلة أن إسماعيل عليه السلام في مكة وما حولها وما جاورها أن أحدا من الأنبياء والمرسلين خلفه، وكذا الحال بالنسبة إلى اليسع، لأن اليسع كما جاء في عدد من الروايات هو خليفة إدريس عليه السلام، فهو في ذاته خليفة، ولا يذكر من خلفه أو من كان معه، ويونس عليه السلام أيضا تذكر لنا قصته، ولا يذكر لنا من كان معه أو هل عزز بنبي أو برسول، أو هل أتى بعده نبي أو رسول، لا ذكر لذلك، ولوط عليه السلام كذلك.

 

معنى لطيف

وختم فضيلة الشيخ الخروصي الحديث عن هذه المسألة، فقال إن هناك معنى لطيفًا آخر اشتملت عليه الآية الكريمة وهو أن هذه السلسلة ابتدأت بإبراهيم عليه السلام، الذي قال: «إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ» واختتمت بلوط عليه السلام، الذي قال: «مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».


ونوه فضيلته أنه عندما نتفحص هذه المواضع في كتاب الله عز وجل، نجد ان فيها الكثير من المعاني والأسرار التي تنكشف جلية، وهي أهم وأعمق وأولى من التسلسل الزمني التاريخي.

----------------------------

جريدة عمان: الجمعة, 22 ذو القعدة 1437هـ. 26 أغسطس 2016م

متابعة: عبدالرحمن بن سعيد المسكري

اترك تعليقا