ملخص دروس التفسير لسماحة الشيخ الخليلي - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات



علوم القرآن الكريم [القرآن الكريم] [إعراب القرآن] [تفسير القرآن الكريم] [تفسير الجلالين] [التفسير الميسر]


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
افتراضي  ملخص دروس التفسير لسماحة الشيخ الخليلي
كُتبَ بتاريخ: [ 09-02-2011 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية عابر الفيافي
 
عابر الفيافي غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,747
عدد النقاط : 363
قوة التقييم : عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



ملخص دروس التفسير لسماحة الشيخ الخليلي

تفسير الآية الأخيرة من سورة آل عمران


الإنسان مأمور بالصبر والمصابرة والمرابطة
الفلاح في الآخرة محصور بالمتقين وحدهم

يختتم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة تفسيره لسورة آل عمران باختتام تفسيره للآية الأخيرة منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ضمن سلسلة دروسه التي يلقيها بجامع السلطان قابوس بروي.

وقد ذكر سماحته بعد ان أمر الإنسان بالصبر والمصابرة أمر بالمرابطة وهي التي تكون بمحاسبة النفس بحيث يكيف هذه الأعمال جميعا وفق أمر الله مع اخلاصه لله سبحانه وتعالى متجردا من نزعات النفس ورغباتها، وهذا يفعله جميعا لأجل، غاية في هذه الحياة وغاية فيما بعد.
وأضاف: كل احد يهدف إلى أمر انما يصبر، يصبر على الأذى ويصبر على الشدائد ويصبر على ما يتكلفه في ذلك الأمر ماديا ومعنويا حتى يصل إليه، وبعد عمله بهذه الأوامر يفوز بالفلاح.
موضحا ان الفلاح في الآخرة محصور بالمتقين وحدهم فما على العاقل إلا ان يحرص على ان يكون في زمرة المتقين..وإلى التفسير:

والمصابرة انما هي فيما يتعلق بالتعامل مع غيره، فهو مأمور ان يصبر من حيث المعتقدات ومن حيث الفروع.
اما المعتقدات فلأن النظر في الأدلة الدالة على الألوهية والدالة على النبوة والدالة على العدل الإلهي والدالة على المعاد والدالة على هذه الجوانب انما أمر يقتضي الصبر.
فلا بد من ان يعطي الانسان هذا الأمر حقه من البحث حتى يصل إلى الأدلة التي تنزل اليقين في نفسه فهذا امر يستوجب الصبر لأنه نظر في المقدمات ونتائجها، وأما بالنسبة إلى التكاليف الشرعية فجميع التكاليف ايضا تستوجب الصبر، وهي التكاليف الفرعية فإقام الصلاة وايتاء الزكاة والصيام والحج وغير ذلك من العبادات كلها مما يستوجب الصبر حتى تؤدى على النحو الأفضل، وكذلك ترك المنهيات لأن النفس تجاذب الانسان إلى فعل تلكم المنهيات فالصبر الذي يكون منه هو الذي يخلصه منها.
وكذلك عليه ان يصبر عندما يواجه الشدائد على اختلافها، هذا فيما يتعلق به نفسه.

أما بالنسبة إلى التعامل مع الآخرين فإنه يؤمر بالصبر على أذى أهل البيت وعلى أذى الجيران وعلى أذى العشيرة وعلى أذى سائر الناس، وكذلك هو مأمور بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وذلك يعني ان العلاقة بينه وبين غيره تكون علاقة أمر ونهي وهذا مما يدعو إلى الأذى فلا بد من ان يصبر على ذلك (وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك).
كذلك بالنسبة إلى الجهاد، بالنسبة إلى عون الضعفاء ونصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين وغير ذلك، كل ذلك مما يستوجب الصبر.

فإذاً من هذه الناحية كان عليه أن يصابر بجانب ذلك الصبر الذي يتعلق بفعله وحده كذلك عليه ان يصابر فيما يتعلق بعلاقته مع غيره.
ثم أمر بالمرابطة، والمرابطة على حسب تفسيره هي المرابطة التي تكون بمحاسبة النفس لأنه لا بد من ان يحاسب هذه النفس بحيث يكيف هذه الأعمال جميعا وفق أمر الله مع اخلاصه لله سبحانه وتعالى متجرد من نزعات النفس ورغباتها، هذا امر يقتضي المصابرة.
وهذا يفعله جميعا لأجل غاية، غاية في هذه الحياة وغاية فيما بعد.
فالغاية هنا هي ان يكون متقيا لله سبحانه وتعالى لذلك اتبع ذلك بقوله(واتقوا الله).
ثم الغاية التي في المعاد وهي الفلاح (لعلكم تفلحون) فالغاية في المعاد انما هي ان يفلح ان يفوز بمراده من نيل رضوان الله سبحانه وتعالى واتقاء سخطه.

وقد اشار الألوسي إلى ما قاله الفخر من غير ان يعزوه إليه وبين بأنه على ما فيها من التمحل الظاهر والتعسف هو ظاهر ايضا، ولكن خير منه ان يقال بأنه أمر بالصبر ان يوطن نفسه على ما يلقاه من العنت في فعل المأمورات وترك المنهيات وشدائد الحياة جميعا ثم بعد ذلك أمر بالمصابرة أي مواجهة العدو بالصبر ثم أمر بعد ذلك بالمرابطة التي تعني بجانب الجهاد ان يكون الانسان متيقظا لعدوه بحيث يكون ساداً لثغور أمته ومجتمعه لئلا يتسلل من خلالها العدو، ثم امر بالتقوى لأنها ملاك كل خير (واتقوا الله لعلكم تفلحون).

هذا ولا ريب ان الصبر كما قلت هو اساس النجاح وهو ملاك امر المسلم بل هو سبب نجاح كل احد في هذه الحياة فإن الصبر وسيلة وسبيل إلى النجاح.
كل احد يهدف إلى أمر انما يصبر، يصبر على الأذى ويصبر على الشدائد ويصبر على ما يتكلفه في ذلك الأمر ماديا ومعنويا حتى يصل إليه.

والمصابرة هي كما قلنا مفاعلة ما بين الجانبين، فالمصابرة ايضا تحتمل الأمرين، تحتمل اما شدة الصبر حتى يكون الانسان كأنما يغالب نفسه في الصبر، واما ان تكون مع الآخر لأن المفاعلة يعبر عنها حتى في فعل الانسان نفسه من اجل المبالغة، فاعل مفاعلة يعبر بها عن فعل النفس لأنه يغالب النفس، فالمصابرة إما ان تكون بمعنى مغالبة النفس بحيث يطوعها مع كراهتها على هذا الصبر.
وإما ان يكون ذلك في مواجهة الخصم، مواجهة الخصم كما قلنا المصابرة ليست بالأمر الهين لأنها مغالبة للخصم حتى يكون هذا الذي يصابر خصمه اشد صبرا منه وإلا فإنه يفقد نتيجة صبره.

أما المرابطة، فالمرابطة كما هو ظاهر دلت الأحايث على امر المسلمين بالرباط ودل القرآن الكريم (ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) فإذا المرابطة ظاهرة وذلك كله انما يجب ان يؤطر في الإطار العام اطار التقوى، (واتقوا الله لعلكم تفلحون).

تقوى الله انما هو اتقاء سخط الله إذ الانسان لا يمكن ان يلبي هذا الطلب وان يمتثل هذا الأمر على ما تدل عليه الكلمة لغة من غير ان يحمل معنى ذلك على مجاز اللفظ، فإن اتقاء الشيء بمعنى تجنبه، اتقيت هذا الشيء بمعنى تجنبته، كوقيته بمعنى جنبته، وقيته هذا الأمر فاتقاه بمعنى جنبته اياه فتجنبه، وتجنب الذات العلية امر مستحيل لا معنى له، وانما المراد تجنب سخط الله وتجنب سخطه انما هو بفعل مأموراته وبترك منهياته ولذلك مدلول هذا اللفظ من حيث الدلالة الشرعية شامل لفعل المأمورات واجتناب المنهيات كما تؤذن بذلك الدلائل الكثيرة في كتاب الله، والله سبحانه وتعالى يقول (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) وكذلك قوله سبحانه وتعالى في نفس هذه السورة في أوائل آياتها (قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وازواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد، الذين يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) هذه هي صفات المتقين فإذا تقوى الله يعني فعل أوامره واجتناب نواهيه فكل من ذلك داخل في مدلول التقوى.

وكما نرى ان الفلاح نيط بالتقوى (واتقوا الله لعلكم تفلحون)، بل ما سبق كله يندرج ضمن التقوى، الصبر والمصابرة والمرابطة كل ذلك من تقوى الله تعالى لأن ذلك انما هو امتثال لأمره سبحانه وتعالى، فعل ذلك امتثال لأمره ولما كان ذلك امتثال لأمره فهو اتقاء له سبحانه وتعالى أي اتقاء لسخطه.


فبهذا يتبين ان هذا كله مما يندرج ضمن التقوى وانما الأمر بالتقوى بعدما سبق من باب الأمر العام بعد الخاص، فالأمر بالتقوى شامل لذلك كله وقد نيط الفلاح بالتقوى فقوله (لعلكم تتقون) أي للتقوى على القول الراجح، كما سبق بيان ان لعل في مثل هذه المقامات تحمل على معنى كي، وسبق الحديث في ذلك، وان طائفة من النحويين والمفسرين قالوا ذلك وان شواهد تدل على هذا فقوله (لعلكم تفلحون) أي لتفلحوا، والفلاح اعم من الفلاح الأخروي لأن الفلاح يشمل النجاح بالمطلوب سواء كان النجاح بالمطلوب من مطالب الدنيا أو بالمطلوب من مطالب الآخرة. فإذا الفلاح بسبب التقوى فلاح اعم، فمن اتقى الله تهيأت له أمور الخير في دنياه وفي عقباه، فالله سبحانه وتعالى قال (واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين) ومن كان الله تعالى معه تيسرت اموره وبلغ مقاصده، ويقول سبحانه وتعالى (ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) ويقول (ومن يتقي الله يجعل له من أمره يسرى) ويقول (يا أيها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم) فإذا هذا الفلاح فلاح أعم والوصول إلى مكاسب الدنيا والآخرة جميعا انما هو بالفلاح واما في الدار الآخرة فلا ريب ان الفلاح فيها لا يكون إلا للمتقين (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) (قل أؤنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا) (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) إذا الفلاح في الآخرة انما هو محصور بالمتقين وحدهم فما على العاقل إلا ان يحرص على ان يكون في زمرة المتقين.

lgow ]v,s hgjtsdv gslhpm hgado hgogdgd lld. gslhpm hgjtsdv hgogdgd hgado ]v,s





توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس

كُتبَ بتاريخ : [ 09-02-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,747
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



سورة النساء: مقدمة تعريف بالسورة وفضلها ومقاصدها

يبدأ سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في هذه الحلقة بتمهيد قبل الدخول في تفسير سورة النساء موضحا ما قيل في سبب نزولها قائلا:
ترتيب السورة:
يقول سماحته: بعد ان من الله سبحانه وتعالى علي باختتام سورة آل عمران وبيان ما فتح الله سبحانه وتعالى من معانيها ننتقل الآن الى السورة التي بعدها وهي السورة المسماة بسورة النساء وهي السورة الرابعة في ترتيب القرآن بحسب التسلسل في ترتيب سوره اما من حيث النزول فقد قيل بأنها السورة السابعة والتسعون وقيل غير ذلك.
ونحن لا نملك دليلا من هذه الناحية حتى نقول بأن هذه السورة من حيث ترتيب النزول هي رقمها كذا وانما نذكر بعض ما قيل في ترتيب نزولها فمن المفسرين من قال بانها نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة الزلزلة وهذا الشائع وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد روي عنه انه اول ما نزل في المدينة المنورة بعد هجرة الرسول عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ولا يوجد دليل قاطع ان يعتمد عليه على ان من المفسرين من قال بان هذه السورة سورة مكية.
وقد قال ذلك النحاس وكل ما عول عليه في هذا ان آية من آياتها وهي قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) نزلت بمكة في قصة عثمان بن أبي طلحة الشيبي عندما رد اليه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة المشرفة وقد كان بنوا شيبة حجبة الكعبة في الجاهلية فاقرهم على ذلك الاسلام رد اليه النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح ولكن في هذا نظر فقبل كل شيء لو سلمنا ان هذه الآية الكريمة نزلت بمكة المكرمة فان نزول آية من السورة بمكة لا يعني ان جميع السورة مكية ومن ناحية أخرى فان ما قيل من نزول هذه الآية بمكة المكرمة انما كان ذلك في ما بعد فتح مكة في عام الفتح ومن المعلوم ان العلماء اختلفوا في تحديد المدني والمكي من السور فأكثر العلماء على ان المكي هو ما نزل قبل الهجرة سواء نزل بمكة نفسها او كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكان آخر ونزل عليه شيء من القرآن فانه يعد مكيا.
اما المدني فهو ما نزل بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة او نزل بمكة في عام الفتح او في حجة الوداع او نزل بالحديبية او نزل في أي مكان آخر لأن كونه بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين الى المدينة المنورة وقيام دولة الحق في المدينة المنورة فان كل ما نزل من القرآن انما يعد مدنيا.
ومنهم من قال: بان المكي انما هو ما نزل بمكة سواء كان ذلك قبل الهجرة او بعدها والمدني انما هو ما نزل بالمدينة.
ومنهم من قال: بأن ما نزل بمكة فهو مكي وما نزل بالمدينة فهو مدني وما نزل في مكان آخر في اسفار النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته فإنه لا يعد مكيا ولا مدنيا ولكن القول الشهير كما ذكرنا ان المكي ما كان قبل الهجرة والمدني ما كان بعد الهجرة على ان نزول السور لا يمكن ان يقال بان هذه السورة بكل آياتها نزلت قبل سورة كذا لأن نزول السور ليس دفعة واحدة كانت آياتها تتابع وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما تنزل عليه آية يقول ضعوها في سورة كذا في موضع كذا فمات النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن مرتب متلو وكان ذلك لا يعني بتسلسل الآيات بحيث يأمر بوضعها في سورة كذا ما دامت آياتها تنزل حتى تنتهي آياتها متسلسلة ثم بعد ذلك يأمر بوضع الآيات في سورة اخرى تنزل من بعدها.
فسورة البقرة التي قيل بأنها أول سورة نزلت بالمدينة المنورة نجد من العلماء ومن بينهم اهل التفسير من يقول بأن آية من آياتها كانت آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
قالوا بان هذه الآية هي آخر ما نزل على النبي عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام هذا قول من بعض اهل العلم ولم نجد ايضا عليه دليلا يمكننا ان نعتمد عليه لكنه قيل ذلك.
كما ان سورة النساء أيضا قيل بان آخر آية من آياتها وهي آية الكلالة كانت آخر ما نزل من القرآن وللكلالة آيتان في النساء الأولى وجاء تسميتها بآية الشتاء والأخيرة وجاء ايضا في السنة تسميتها بآية الصيف.
ونجد ان هذه السورة من آياتها ما يقتضي الدليل على انه نزل في مرحلة مبكرة بعد هجرة الرسول عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام.
ومن السور ما نزل من آياتها في مرحلة مبكرة من هجرته عليه افضل الصلاة والسلام حتى ان من المفسرين من قطع بذلك وهي قوله سبحانه وتعالى (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) ذلك لأن هذه الآية حسب الدليل انما نزلت في ما قبل سورة النور بدليل ان الله تبارك وتعالى بعد ما انزل سورة النور على النبي عليه افضل الصلاة والسلام وفيه (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا).
ومما يؤذن بأن ما في سورة النساء هنا انما نزل قبل ما في سورة النور وهذا واضح فإذن نزول آياتها لا يلزم ان يكون في تسلسل حتى يقال بأنها نزلت بعد سورة كذا او بعد سورة كذامع اننا نجزم بأن هذه السورة انما نزلت بالمدينة لأدلة كثيرة منها ما يدل عليه سياقها والأحكام التي جاءت فيها احكام القتال وذكر المنافقين ومحاجة اهل الكتاب والاشارة الى معركة أحد والى غزوة حمراء الأسد فان ذلك كله مما يدل على انها نزلت بالمدينة فضلا عما جاء من الروايات الكثيرة عن طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم فعائشة ام المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت (ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وانا عنده) تعني انه صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هاتان السورتان الشريفتان قد بنى بها.
ومن المعلوم ان بناء النبي صلى الله عليه سلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها انما كان بعد الهجرة فقد جاء في رواية ابن سعد عنها انه أعرس بها في شوال لثمانية اشهر خلون بعدالهجرة ومعنى ذلك ان بناء النبي صلى الله عليه وسلم بها كان في شهر شوال من اول عام من اعوام الهجرة وقيل بأن بناءه بها كان في العام الثاني الهجري وجاء ما يؤكد ذلك فيما روي عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما من الصحابة ويؤيد الذي استظهرناه من الآيات الدالة على انها سورة مدنية.
وما جاء من ان قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) نزل في قصة عثمان بن ابي طلحة لا يمكن ان ناخذ منه دليلا جازما بان هذه الآية نزلت بمكة فقد سبق ان كثيرا ما يقول السلف نزلت آية كذا في كذا ويعنون ذلك ان تلك الآية مشتملة على ذلك المعنى من الحكم في القضية كما سبق في مقدمة التفسير وبيناه مرارا ثم بجانب ذلك أيضا يفهم ان من قال هذا القول انما استنتج ذلك من تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم من آية عندما دخل الكعبة المشرفة واخذ منها تمثال ابراهيم عليه السلام وحطمه والقداح الذي كانوا يستقسمون به وحطمه دعا بعد ذلك بعثمان بن ابي طلحة ودفع اليه المفتاح وتلا الآية الكريمة كما جاء في رواية بن مردويه وهذا يعني ان النبي صلى الله عليه وسلم انما تلا الآية للاستشهاد بها ليس لأنها نزلت عليه في ذلك الوقت لايؤخذ في هذا دليل على انها نزلت عليه في ذلك الوقت .
تسمية السورة ومقاصدها:
والسورة الكريمة لا اختلاف في تسميتها بسورة النساء وانما سميت بذلك لأن كثيرا من احكام النساء جاءت فيها وقد تكرر فيها ذكر النساء اول ما فيها ان الله سبحانه وتعالى امر بالتقوى امر عباده ان يتقوه مذكرا اياهم نعمته عليهم بان خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ثم ان الله سبحانه وتعالى امر بانصاف اليتامى وايتائهم حقوقهم واكثر اليتامى تعرضا للظم يتامى النساء ثم بجانب ذلك ايضا تناولت آيات السورة الكريمة احكام الزواج فابيح للرجال مع العدل ان يتزوجوا مثنى وثلاث ورباع وجاءت احكام متعددة تتعلق بالزواج كعدم جواز ارث النساء أي بعد ما يكن في عصمة ازواج اذا مات ازواجهن فليس لأوليائهن ان يرثوهن كما يورث المتاع كذلك ما جاء من انصاف النساء في استبدال زوج مكان زوج وعدم اخذ شيء مما آتاها اياه الزوج كذلك ما يحرم من تزوج النساء اللاتي كن في عصمة الآباء وكذلك المحارم بسبب النسب وبسبب الصهر كل ذلك مما اشتملت عليه الآية الكريمة مع اشتمالها ايضا على ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية فيما بين الزوجين وفيما بين الأقارب فيها كثير من الآيات التي تتعلق بالأحكام والحقوق الزوجية وما يجب على المرأة للرجل وما يجب على الرجل للمرأة وكيف ان حصل شجار بينهما كيف يحسم هذا الشجار وكيف يكون العلاج سواء كان العلاج من الزوج وهو العلاج الأولي وهو على مراحل او كان علاجا من الأسرتين وهو تحكيم حكم من اهله وحكما من اهلها فان ذلك كله مما اشتملت عليه هذه السورة.
كذلك ما يتعلق بالنشوز الذي تخافه المرأة من زوجها والصلح بينهما الى غير ذلك من الأحكام احكام عدة ترجع الى العلاقات الزوجية ثم كذلك العلاقات الاجتماعية الأخرى ايتاء الوالدين حقهما والوالدان انما هما اب وام فللنساء دخل في هذه الأحكام كذلك حقوق الأرحام والقرابات للنساء دخل في ذلك ايضا كذلك بالنسبة الى القتل سواء كان قتلا عمدا اوكان خطأ للمرأة دخل في ذلك والمواريث في القرآن الكريم تعرض لأحكام المواريث وكانت النساء اكثر تعرضا للظلم في المواريث في عهود الجاهلية لذلك سميت هذه السورة سورة النساء، وهذه التسمية جاء ت في السنة وجاءت عن السلف كما فيما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكذلك جاءت في جميع المصاحف واطبق عليها جميع المفسرين فاذن هي سورة النساء..
سورة النساء تربط الناس بوشيجة القربى وتدعو إلى القضاء على النعرات الجاهلية وتحذر من سفك الدماء.
التعدد وعضل المرأة:
كذلك بالنسبة إلى تزوج الرجل بالعديد من النساء كان أهل الجاهلية لا نصاب لهم في ذلك لا يبالي احدهم ان يتزوج عشرا او اكثر او اقل، فجاءت السورة لتحدد المقدار الذي يمكن ان يجتمع عند الرجل من النساء (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) على ان ذلك لم يكن عند الجاهلية مقيدا بالعدل، وهنا قيد بالعدل.
كذلك بالنسبة كون المرأة عرضة ان تورث كما يورث المتاع فعندما يموت الرجل وعنده امرأة يأتي ولده أو أي احد ممن اخص به واقرب اليه فيضع عليها ثوبا فلا تملك من امرها شيئا، إما ان يتزوجها هو واما ان يعضلها عن الزواج حتى تفتدي منه، وهكذا كان شأن المرأة في الجاهلية، هذا كله جاء القرآن الكريم في هذه السورة المباركة ليحسمه بالحكم الرباني بما في ذلك من انصاف للمرأة وإيتاء كل واحد من الزوجين حقه.


كذلك تناولت السورة العضل، عضل المرأة لأجل الذهاب لحقها من الصداق الشرعي تعرضت لذلك وتعرضت للمرأة ومضايقتها حتى تفتدي عندما يريد احدا ان يستبدل زوجا مكان زوج.
تعديد المحارم في النكاح:
كما تعرضت للمحارم وبينت ما يجوز للرجل ان ينكحه من النساء أو ما لا يجوز، كما بينت ايضا كيف ان للرجل ان يتزوج الأمة مع حاجته اليها ومع عدم امكانه ان يتزوج الحرة تعرضت لذلك.
العلاقات الاجتماعية:
كما تعرضت السورة الكريمة للعلائق، العلائق الاجتماعية التي تشد الانسان إلى الانسان وكان ابتداؤها بربط الكل بالمبدأ ذلك لان الله سبحانه وتعالى ذكر الجميع هنا انه بدأ خلقهم من اصل واحد، من اب واحد وهو آدم وأم واحدة وهي حواء، وآدم وحواء خلقهم من نفس واحدة وهذه النفس ايضا جعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، فمعنى هذا ان في هذا ما يدعو إلى تقدير هذه العلاقة الانسانية التي تشد الانسان إلى الانسان لان الناس جميعا مهما تباينت اجناسهم واختلفت الوانهم انما ينحدرون من اصل واحد فبينهم رحم عامة رحم مشتركة لان الكل يرجعون إلى اصل واحد وفي هذا ما يخطب على التفاخر الذي كان بين الناس بالآباء والاجداد واستعلاء بعضهم على بعض فالسورة تضمنت ربط الناس بوشيجة القربى في البشرية مع القضاء على تلك النعرات الجاهلية التي كانت تفرق الناس عزين، هذه طبقة رفيعة وهذه طبقة وضيعة والأمر بخلاف ذلك.
أحكام القتل الخطأ:
كذلك تناولت السورة احكام القتل الخطأ، تعرضت للقتل الخطأ ووجوب الدية ووجوب الكفارة في القتل الخطأ ومراعاة الحقوق الإنسانية من هذه الناحية، ثم بجانب ذلك ايضا تضمنت الوعيد على القتل العمد وحذرت في احكام القتال من اقدام احد على ان يسفك دما بدعوى ان هذا المسفوك دمه ليس هو من الاسلام في شيء مع رفعه شعار الاسلام بحيث يدعى ان هذا انما قال ما قله تقية وخوفا.
فالقرآن في هذا السورة المباركة حذر اولئك الذين يضربون في الأرض مجاهدين في سبيل الله ان يسفكوا الدماء هكذا.
الإنصاف في المعاملة:
كما تعرضت السورة الكريمة للإنصاف، الإنصاف ما بين جميع الناس بحيث لا يفرق بين قريب وبعيد ولا بين بغيض وحبيب، ولا بين بار وفاجر او مؤمن وكافر فإن الانصاف يشمل الجميع والناس عليهم ان يترفعوا على حمية الجاهلية فلا يتعصبوا لاحد على انه قريب بسبب قرابته ولا يتعصبوا ضد احد بسبب بعده او بسبب عداوته فالناس جميعا مشتركون في حق العدل، العدل مشروع للجميع لا فرق فيه بين قريب وبعيد ولا بين بغيض وحبيب ولا بين مؤمن وكافر ولا بين بار وفاجر مهما كانت العلائق بين الناس انما عليهم ان ينصف بعضهم من بعض، فالسورة الكريمة تعرضت لذلك في قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ) فلا يتعصب لقريب بسبب قرابته ولا ضد بعيد بسبب بعده، الناس في الانصاف متساوون في الحق والسورة أيضا ضربت أروع الأمثال في انصاف اشد الخصوم خصومة ولجاجة في الخصومة في انصاف اليهود مع ان اليهود هم اشد قسوة على المسلمين واكثر الناس تآمرا على هذه الدين وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فمنذ هاجر الرسول عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام كان اليهود له بالمرصاد، كانوا يتآمرون عليه صلوات الله وسلامه عليه ويتآمرون على امته ويدسون لهم الدسائس ولكن مع ذلك الانصاف حق مشروع للجميع، فقد نزل قرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها في هذه السورة والكريمة من قوله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) إلى رأس اثنتي عشرة آية كل ذلك من اجل دفاع عن يهودي، هذا اليهودي رمي بغير حق ومن الذي رماه، انما رماه طائفة من الأنصار مع ان الانصار هم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم وقربوه وبذلوا النفس والنفيس في مناصرته والوقوف بجانبه ولكن مع ذلك كله لا مجاملة في الحق بل الحق والباطل باطل فعلى هؤلاء الأنصار ان يكونوا منصفين من انفسهم وان يتكيفوا وفق مقتضيات ايمانهم بالله واليوم الآخر، ولئن كانت في نفوسهم رواسب من عهد الجاهلية تقتضي ان يكونوا أولو حمية وعصبية فإن عليهم ان يتطهروا من رجس هذه الرواسب ولذلك جاء القرآن الكريم مشددا في ذلك.

فهناك رجل منهم سرق درعا ولما خشوا عليه الفضيحة وان ينكشف امره رأوا ان يرموا بهذا الأمر الى يهودي فأخذوا الدرع ورموها في بيت يهودي وقالوا بأن اليهودي هو الذي سرق هذه الدرع وانكشف الأمر كذلك وكاد النبي صلى الله عليه وسلم ان يقيم عليه الحد، ولكن الله تبارك وتعالى تدارك الأمر بما انزله من كتابه لينقذ النبي صلى الله عليه وسلم من اقامة حد على بريء (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) فالله سبحانه وتعالى شدد في هذه القضية تشديدا بالغا ذلك لأجل ضرب أروع الأمثال في الانصاف كيفما كانت خصومة الخصم وكيف ما كانت لجاجته في هذه الخصومة وكيف ما كان قرب القريب فإن ذلك لا يمنع من انصاف هذا البعيد المشاقق من هذا القريب الموافق إذ لا عبرة بالوفاق وبالشقاق انما العبرة بالحق، هذا حق منْ فيجب ان ينصف صاحب الحق.

جدال أهل الكتاب:
كذلك تضمنت السورة جدال اهل الكتاب وبيان ما كانوا ينطرون عليه من عقائد الكفر فالله سبحانه وتعالى انزل ما انزل هنا بيانا لمؤامرات اليهود وانحرافهم عن الحق وضلالهم عن سواء الصراط كما ان خاتمة السورة الكريمة اشتملت ايضا على مجادلة النصارى في طبيعة المسيح وان المسيح لم يكن يستنكف ان يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون فالكل عباد الله سبحانه وتعالى مع بيان ان هؤلاء الذين رابهم ان يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم انما يرتابون فيما لا ريبة فيه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم انما أوحي اليه كما اوحي إلى من قبله من النبيين أوحي اليه كما أوحي إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وايوب وهارون وسليمان وكذلك داود فهؤلاء جميعا اوحي اليهم، ومعظم هؤلاء الذين ذكروا موسى وعيسى وكذلك سليمان ودواد وانما هم من انبياء بني اسرائيل ولكن مع هذا كله هم ارتابوا من كون النبي صلى الله عليه وسلم اوحي اليه فإذاً السورة انما تتلاءم مع اجواء المدينة المنورة.


وربما اشتملت السورة ايضا على ما يتمم فيما سبق هنا احكام جاءت مجملة وتقدمت قبل ذلك مفصلة وهنا احكام بالعكس أي جاءت مفصلة بعد اجمالها.
التناسب بين سورة النساء والبقرة وآل عمران:
فبعض الأحكام جاءت في سورة البقرة بشيء من الاجمال ولكن هنا فصلت، هناك في سورة البقرة في احكام الطلاق بطبيعة الحال ذكرت بعض الاحكام فيما يتعلق بالطلاق ولكن ما في هذه السورة انما كان إما تفصيلا لبعض ما في سورة البقرة وإما تتميما للاحكام التي لم تذكر في سورة البقرة.
فهكذا جاءت هذه السورة كما جاءت السورتان من قبل - بين هذه السور التكامل- فهذه السورة كما ذكرنا ذكرت قصة أحد مجملة وما في سورة آل عمران انما جاء مفصلا كذلك بالنسبة ايضا إلى قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين إلى حمراء الأسد، هكذا كانت هذه السورة الكريمة .
عدد آية سورة النساء:
وهي مائة وخمس وسبعون آية عند اهل الحرمين الشريفين واهل البصرة ومائة وست وسبعون عند اهل الكوفة ومائة وسبع وسبعون عند اهل الشام، ولذلك قد تختلف احيانا ارقام آياتها ففي مصاحف الاستانة ومصاحف مصر هي مائة وست وسبعون وفي غالب المصاحف هي مئة وخمس وسبعون آية.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 09-02-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,747
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



تفسير الآية الأولى من سورة النساء

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)
ألقاه سماحة الشيخ أحد بن حمد الخليلي-بارك الله في عمره - بتأريخ:
22 من ذي الحجة 1425هـ - 1/2/2005م
--------------------
مقدمة الدرس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..
فأحييكم أيها الأخوة بتحية الإيمان والأمان، بتحية الإسلام والسلام، فالسلام علكم ورحمة الله وبركاته، وأهنئ من وفقه الله تعالى لحج بيته الحرام، بأدائه المناسك، وبلوغه تلك الأماكن المقدسة، وأهنئ الآخرين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، سائلاً الله تبارك وتعالى أن يمن على الجميع بأن يعيد هذه المناسبات على الكل باليمن والبركات والخير وما فيه عز الدنيا وسعادة الآخرة، إنه تعالى على كل شيء قدير.
هذا؛ وقد وقفنا في آخر درس عند نبذة عن سورة النساء الكريمة التي نستهل في هذا الدرس بمشيئة الله سبحانه وتعالى تفسيرها.
الخطاب لمن في قوله تعالى ( يا أيها الناس ):
فالله سبحانه وتعالى يقول: ( بسم الله الرحمن الرحيم، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) في هذه الفاتحة الشريفة يوجه الله تبارك وتعالى نداءه إلى الناس جميعاً، ومعنى ذلك أن هذا خطاب لأمة الدعوة، فهو خطاب لكل من أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطابٌ للجنس البشري بأن يستجيب لداعِ الله سبحانه وتعالى، فهو يتعدى جميع الحدود الإقليمية والنوعية والجنسية؛ لأنه خطاب الله تبارك لعباده من الجنس البشري، يدعوهم سبحانه وتعالى إلى تقواه.
هذا؛ وقد وقع لبعض أهل العلم رأي آخر يقول بأن هذا الخطاب خطاب لأهل مكة، وهو عجيب؛ لأن هذه السورة إنما هي سورة مدنية، وقد روي هذا عن ابن عباس - رضي الله عنهما- ولا يبعد أن يكون الأمر كما قال العلامة صاحب المنار بأن منشأ ذلك ما شاع عند كثير من الناس أن كل خطاب جاء فيه لفظ ( يا أيها الناس ) فهو خطاب مكي، وكل خطاب جاء فيه ( يا أيها الذين آمنوا ) فهو خطاب مدني، ولا ننازع في هذا الأخير، ولكن بالنسبة إلى الأول فإن ذلك أمر أَغْلَبِيّ ، وليس هو مطرداً في كل شيء، فقد يكون الخطاب بـ ( يا أيها الناس ) في آية مدنية أو سورة مدنية، ذلك لأننا نجد في سورة البقرة وهي سورة نزلت بالمدينة المنورة بالإجماع، نجد فيها الخطاب بـ ( يا أيها الناس ) ، كما أننا نجد في هذه السورة هذا الخطاب بـ ( يا أيها الناس ) مع أن هذه السورة هي سورة مدنية، وكذلك سورة الحج على الصحيح هي سورة مدنية؛ لأنها اشتملت على أحكام كثيرة لم تكن نزلت بمكة المكرمة، وإنما نزلت بعد الهجرة من بينها أحكام الحج، وأحكام الجهاد، فَهذه أحكام لم تشرع بمكة المكرمة، ولذلك يتبين أن هذه السورة-أي سورة الحج- إنما نزلت بالمدينة المنورة، وقد استهلت بـ ( يا أيها الناس ).
ومن غريب الاختلاف أن يذكر عن بعضهم أنه يرى أن مثل هذا الخطاب لا يكون شاملاً للأَرِقَّاءِ من الناس، وإنما هو للأحرار وحدهم، وهذا كلام عجيب؛ لأن الأَرِقَّاءَ مُتَعَبَّدُونَ كما أن الأحرار مُتَعبَّدون لا فرق بينهم في العبادات، فهناك عبادات عامة وواجبات عامة مشتركة لا فرق فيها بين حر ورقيق، وهناك عبادات خاصة للأحرار كوجوب الحج والعمرة والجهاد، ووجوب الزكاة من المال بناء على أن الأرقاء لا يملكون، ووجوب الجمعة والجماعات، هذه أحكام إنما هي واجبة على الأحرار، وهناك أحكام أيضاً واجبة على الأرقاء -تَعَبُّدَات، كأن يُتَعَبَّدُوا بطاعة ساداتهم؛ لأن ذلك مما يجب بجانب طاعة الله سبحانه وتعالى.
واستدل الذين قالوا بعدم دخول الأرقاء بأن المملوك إنما منفعته لسيده، فعندما كانت منفعته لسيده فإنه لا يصلح لمثل هذا الخطاب، وهذا مردود؛ لأن كون منفعته لسيده ليس ذلك على إطلاقه، فلو أنه ضاق وقت الصلاة ولم يبق منه إلا مقدار ما يمارسها فيه الرقيق، ففي هذه الحالة لو أمره سيده بأمرٍ فإنّه لا يطيعه، بل يطيع ربه سبحانه وتعالى، فعليه أن يستجيب لداعي الله.
وكذلك استدل القائلون بأن هذا الخطاب لا يدخل فيه الأرقاء، استدل هؤلاء بأن الأرقاء غير متعبدين بمجموعة من الأحكام منها: الجُمُعَات، والجماعات والحج والعمرة والجهاد، والتكاليف التي تحتاج إلى إنفاق الأموال، هذه التكاليف هم غير متعبدين به، وهذا ليس بمشكل، فإن ذلك إنما هو كما يخرج بعض الأحرار عن بعض عمومات الأحكام لأسباب خاصة، فقد يخرج المريض عن بعض التكاليف فلا يكلف بها، وذلك المسافر قد لا يكلف ببعض التكاليف، وكذلك العاجز بسبب من الأسباب، وهذا لا يمنع أن يكون داخلاً في عموم الخطاب الموجه إلى الناس.
هذا؛ ونحن نرى الأمر الذي جاء عقب هذا الخطاب إنما هو الأمر بالتقوى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) والأمر بالتقوى شامل للجنسين جميعاً، شامل للأَرِقّاء كما أنه شامل للأحرار، فلماذا يقال بأن الأرقاء لا يدخلون في هذا الخطاب؟!
هذا؛ ولا ريب في دخول النساء في هذا الخطاب فإنهن من جنس الناس، والناس هنا جمع معرّف بالألف واللام وأصلاً يُحْمَلُ على العموم، فيدخل في ذلك الرجال وتدخل في ذلك النساء، ومما يؤكد ذلك ما ولي ذلك من الأمر بالتقوى، وكون هذه التقوى مضافة إلى الرب سبحانه الذي خلق الجميع، خلق جميع الناس من نفسٍ واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وهذا مما يدخل فيه الامتنان على النساء كما هو امتنان على الرجال.
فإذاً الخطاب شامل للجميع، ولكن هل هذا الدخول بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز؟ أما بالنسبة إلى الناس فلا ريب أنه خطاب للنساء بطريق الحقيقة؛ لأنهن داخلات في جنس الناس، وأما بالنسبة إلى ما بعده من قوله ( اتقوا ربكم ) فطائفة من الناس يقولون بأن هذا الخطاب جاء بصيغة التذكير، فدخول الإناث فيه إنما هو بطريق التغليب الذي هو مبني على المجاز؛ لأن الخطاب إنما هو خطاب جَمْعِيّ موجه إلى جمع الذكور، والجمع إنما هو بنية تكرار المفرد، فالمفرد الذي يكرر حتى يصاغ منه الجمع، إن كان الجمع بصيغة التذكير فهو مفرد مذكر، وإن كان بصيغة التأنيث فهو مفرد مؤنث.
وآخرون يقولون: لا، بل دخول النساء أيضاً في هذا الخطاب في قوله ( اتقوا ربكم ) إنما هو بطريق الحقيقة؛ لأنه إذا اجتمع الجنسان فجنس الذكور مُغَلَّبٌ على جنس الإناث، وذلك واضح فيما إذا قال أحد: أوصى فلان لفلانٍ بكذا، ولفلان بكذا، ولفلان بكذا، وأوصى لفلانة بكذا، وأوصى لفلانة بكذا، وأوصى لفلانة بكذا، ثم عَمَّمَ الجميع في وصية معاً فقال: وأوصى لهم بكذا، فلا ريب في دخول الإناث في هذا، فهذا الدخول إنما يُعْلَمُ من غير قرينة، فلما كان معلوماً من غير قرينة فدلالته إنما هي دلالة حقيقية وليست دلال مجازية، هذا ما ذهبت إليه طائفة.
وقيل: بل لا تدل الناس في مثل هذا الخطاب، وهذا كلام بعيد لأنهن مكلفات، كما أن الرجال مكلفون، فَهُنَّ مأمورات بتقوى الله تبارك وتعالى، وما قيل بأنهن مخصوصات ببعض الأحكام فذلك إنما هو لمخصصات دَلَّتْ على ذلك، وهنا لا يوجد المخصص، إذ الأمر إنما هو أمر بالتقوى، وكل أحدٍ إنما يتقي الله تبارك وتعالى بحسب ما آتاه الله تبارك وتعالى من طاقات، وبحسب ما كلفه من تكاليف، فحتى الجنس الذكري قد يتفاوت الناس في التكاليف، وهم من أفراد هذا الجنس بحسب تفاوتهم في قدراتهم أو بحسب تفاوتهم في مؤهلاتهم، فإذاً الجنس البشري بأسره هو داخل في هذا الخطاب.
والذين قالوا بأن هذا الخطاب ليس هو خطاباً عاماً لجميع أفراد هذا الجنس، وإنما هو خاص بأهل مكة كما روي ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- كما سبق، إنما استدلوا لهذا بما جاء من بعد من قول الله تعالى ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) فقالوا بأن المناشدة بالرحمة إنما هي من شأن العرب، فقد كانوا يسألون بالأرحام، ينشد بعضهم بعضاً مراعاةَ حقَّ الرحم، وبهذا يتبين أن الخطاب لأهل مكة.
وقد اُعْتِرضَ على ذلك بأنه إن وُجِدَ خطاب عام، وَوَلِيَه ما هو موجه إلى الخصوص فيما بعد، فإن ذلك الجزء الموجه إلى الخصوص إنما يكون خطاباً خاصاً، وما سبقه وهو المعطوف عليه يظل خطاباً عَامَّاً، كما يدل عليه لفظه ولا يعدل عن هذا الظاهر، على أن مناشدة الرحم لم تكن من شأن أهل مكة وحدهم، بل هي من شأن العرب، وما يدريك لعل الشعوب الأخرى أيضاً تراعي هذا الجانب، وينشد بعضها بعضاً حق الرحم، ولما كان الأمر كذلك لا أرى داعياً للقول بأن مثل هذا الخطاب إنما يقال هو خاص بشعب دون شعب.
أمر الناس بالتقوى:
( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) جِيءَ هنا بهذا الوصف، وصف الربوبية، المُشْعِر بالنعمة السابغة من الرب سبحانه وتعالى على عباده، فإن الرب هو الذي يَرُبُّ مربوبيه بنعمته، وتربيته إياهم وإصلاحه لهم، ولما كان ذلك فإن الرب الخالق سبحانه وتعالى الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ومَنَّ عليه بما مَنَّ عليه من الآلاء هو حقيق بأن يُتَّقَى، فإن ذلك من حقه، في هذا استجاشة لعزيمة التقوى في نفوس الناس؛ ليراعوا حق الله تبارك وتعالى الذي خلقهم .
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ) هنا دعوة إلى التقوى مع مراعاة أسبابها، فالأمر إذا عُلِّقَ بوصف فإن ذلك الوصف إما أن يكون عِلَّةً له، أو سبباً أو مناسبة، فإذاً خَلْقُ الله تبارك وتعالى الناس من نفس واحدة عِلّة للأمر بالتقوى، علة للأمر بتقواه، ذلك لأن الأمر بالتقوى اقترن بذكر خلقه سبحانه وتعالى إياهم، وكونِهِ خلقهم من نفس واحدة، فأما بالنظر إلى كونه تبارك وتعالى خلقهم فذلك لا ريب موجب لن يتقوه؛ لأن من كان خالقاً لهذا الإنسان فقد منَّ عليه بإخراجه من العدم إلى الوجود، أوجده بعد أن كان معدوماً، وأحياه بعد أن كان ميتاً، وبَصَّره بعد أن كان أعمى، وأسمعه بعد أن كان أصم، وعَلَّمَه بعدما كان جاهلاً، فهو جدير بأن يَتَّقى، إذ معنى التقوى -كما سبق-: الطاعة المطلقة، الطاعة في أمره ونهيه، بأن تطاع أوامره وتجتنب نواهيه، فمن كان خالقاً لأحد هو جدير بالطاعة المطلقة من ذلك المخلوق، إذ المخلوق ما كان ليوجد لولا أن الخالق أخرجه من العدم إلى الوجود، وما كان ليتمتع بنعمة من النعم لولا أنه سبحانه وتعالى أسبغ عليه هذه النعم، وقد جعل الله تعالى النعم بأسرها مترتبة على نعمة الخلق، فإن العدم لا يمكن أن يُنعم عليه، إنما ينعم على الموجود، ومع ذلك فإن هذا الخلق لم يكن في مقابل شيء من العبد، إذ العبد المخلوق يستحيل أن يكون قدم إلى خالقه شيئاً وهو في العدم قبل أن يخلقه.
ثم بجانب ذلك هو أيضاً بعد خلقه إياه فإنه لا يستطيع أن يقوم بواجب أداء نعمة هذا الخلق، أداء شكر هذه النعمة العظيمة نعمة الإخراج من العدم إلى الوجود، فلما كان عاجزاً عن نذلك، فإن التقوى من حق الخالق على المخلوق.
هذا؛ مع أن هذه التقوى في الحقيقة ليست من قبل العبْد، فلما كانت ليست مِن قِبَلِ العبْد، وإنما هي من قبل الخالق سبحانه وتعالى، إذ هو الذي يخلق القدرة في العبد على التقوى، ويخلق في نفسه داعيةَ التقوى؛ فلأجل ذلك كان القيام بالتقوى نفسه بتوفيق الله فهي نعمة ثانية من نعم الله تبارك وتعالى تَلِي نعمة الخلق.
وهذا يعني أن القيام بتقوى الله تبارك وتعالى، وأداءِ جميع الواجبات التي تقتضيها لا يعني ذلك أن العبْد يقدم إلى الله تبارك وتعالى ما يستحق بسببه ثواباً، فكيف والله سبحانه وتعالى يثيب العباد، فالمخلوق إنما هو ملك لخالقه، والمالك هو يتصرف في مملوكه كيف شاء، وعلى المملوك أن يطيعه في كل دقيقة وجليلة، فليس للمخلوق أن يخرج بأي حال من الأحوال عن المنهج الذي رسمه له خالقه، فهو عبد لا يملك من أمره شيئاً، هذا بالنظر إلى كونه تبارك وتعالى خالقاً للعباد.
( خلقكم من نفس واحدة ):
أما كونه خلقهم من نفسٍ واحدة فذلك يقتضي تأكيد هذا المعنى؛ لأن جميع هؤلاء البشر وأعدادهم لا تحصى، فمن الذي يحصي البشر منذ هبط آدم عليه السلام إلى هذه الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنما أعدادهم أعداد هائلة، مرت قرون كثيرة، في كل قرن أعداد لا تحصى من البشر، وهم جميعاً يرجعون إلى أصلٍ واحد، ولكنهم مع رجوعهم إلى أصل واحد، فإن كل واحد منهم يتميز بميزته، لكل واحدٍ منهم خصائصه بجانب الخصائص العامة المشتركة، ولا يوجد ما يميز بين أفراد جنس من أجناس المخلوقات كهذه الميزة التي توجد بين أفراد الجنس البشري، سواءً من حيث الصور أو من حيث المواهب، فالناس متفاوتون في مواهبهم الحسية والمعنوية، هذا قد يكون أكثر من ذلك مالاً، وذلك قد يكون أكثر من هذا جاهً، وهذا يكون أقوى من ذلك بدناً، وذلك يكون أقوى من هذا عقلاً وتفكيراً، وهكذا التفاوت في المواهب الحسية والمعنوية، تفاوتٍ لا يقف عند حد.
فلو كانت القضية قضية تواجد طبيعي من غير أن تتدخل إرادة خالق، وقدرة قادر في ذلك، فإن البشر يلزم على هذا أن يكونوا جميعاً طبقة واحدة، متساوين في كل شيء، متساوين في صورهم، متساوين في ألوانهم، متساوين في قدراتهم الجسدية، متساوين في قدراتهم العقلية، متساوين في ميولهم ورغباتهم النفسية، متساوين في مصالحهم التي يطمحون إليها، ولكن التفاوت ما بين الجنس البشري -كما قلنا- هو تفاوت لا يقف عند حد، سواء كان ذلك من حيث طول الأعمال وقصرها، أو كان ذلك من حيث كثرة الأموال وقلتها، أو كان ذلك من حيث الطاقات البدنية وعدمها، أو كان ذلك من حيث الطاقات الفكرية وضعفها، كل ذلك البشر متفاوتون فيه.
وهذا دليل على أن هناك قدرة عظيمة، خُلِقُوا من نفس واحدة، ولكنهم جُعِلُوا متفاوتين؛ بحيث أن كل واحد منهم كان أمة وَحْده، من حيث النظر إلى طموحات نفسه، وما يجول بخاطره من أفكار، وما يتطلع إليه من آمال، ومن حيث أوصافه المختلفة؛ التي تتفاوت مع أوصاف الآخرين، هذا أدل على القدرة، أدل على أن الله تبارك وتعالى أراد بهذا التفاوت، في هذه الصفات الحسية والمعنوية أن يكون بين أفراد هذا الجنس التكامل؛ لأن الله تعالى أراد هذا الجنس أن يكون جنساً اجتماعياً، فهذا التكامل إنما هو مظهر من مظاهر الاجتماع والمدنية في حياة البشر.
وبجانب هذا أيضاً كونه سبحانه وتعالى خلقهم من نفسٍ واحدة، والامتنان بذلك على عباده، يرجع إلى النظر فيما جاء في هذه السورة الكريمة من أولها، وهو مراعاة الحقوق الواجبة، فَابْتُدِأَتْ بالتذكير بحق الأرحام، ثم بجانب ذلك ذُكِرَتْ الحقوق المختلفة: حقوق الضعفاء، حقوق النساء، حقوق الأيتام، الحقوق التي تكون بين الزوجين، إلى غير ذلك مما يدل على أنه يجب أن تراعى هذه الحقوق؛ لأن هؤلاء البشر الذين فرض الله تبارك وتعالى على كل واحدٍ منهم مراعاة حقوق الآخرين إنما هم ينحدرون من أصل واحد، هم مخلوقون من نفس واحدة، فليس بعضهم مخلوقاً من عنصر، والآخر مخلوقاً من عنصر آخر، إنما بينهم قرابة، قرابة جنس، فالجنس واحد، وقرابة نسب، إذ الأصل واحد؛ لأنهم ينحدرون من أب واحد ومن أمٍّ واحدة .
ثم بجانب هذا أيضاً هناك تذكير بأن من كان قادراً على خلق هؤلاء البشر مع هذا التفاوت العجيب، ومع هذا الكم الهائل؛ الذي لا يمكن أن يحصيه أي أحدٍ من خلق الله سبحانه وتعالى، ومع هذا الاختلاف والتباين في هذه المواهب، مَن خَلَقَ هؤلاء البشر من أصل واحد من أب واحد ومن أم واحدة هو جدير بأن يُتقى؛ لأنه قادر على البعث، فهم ينحدرون من أصل واحد، إذ هم كما قيل: صنوان متفرعة عن أصل واحد، ولكن مع ذلك أعدادهم لا تحصى، فمن خلق البشر بهذا الخلق هو قادر على أن ينشأهم النشأة الأخرى، وهذا مما يدل على التذكير بالمعاد.
وكذلك هناك وجه آخر حُكِيَ عن الأصم، وهو أن كون البشر مخلوقين لله سبحانه وتعالى مما تدل عليه دلائل العقل، فإن كل أحد يهتدي بما آتاه الله تبارك وتعالى من عقل، إن استخدم هذا العقل، ووفق لذلك إلى أن أصله إنما كان بخلق الله، ما كان وجوده بنفسه فهو ليست له إرادة في إيجاد نفسه، كان عدما، والعدم ليست له إرادة، وَوُجِدَ بكيفية أرادها غيره، إذ لم يكن للإنسان وهو في حالة العدم أن يصوره نفسه بصورة كما يريدها بنفسه، وإنما تلك هي إرادة غيره، وهو الله سبحانه وتعالى الذي تتجلى آياته في هذا الخلق، فهذا مما تدل عليه دلائل العقل، لكن كون البشر جميعاً مخلوقين من نفس واحدة لا يدل على ذلك العقل، وإنما يدل على ذلك الوحي، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً، لا يقرأ كتاباً ولا يخطه بيمينه، فما كان ليعرف ذلك من تلقاء نفسه لولا أن الله أوحى إليه، وقال بناءً على هذا فإن قوله سبحانه ( الذي خلقكم ) إنما يدل على الربوبية، وقوله ( من نفسٍ واحدة ) إنما يدل على النبوة.
هذا؛ وقد أشار الإمام محمد عبده إلى الوجه الأول من الوجوه التي ذكرناها، ولكنه مال إلى الوجه الثاني، وقال بأن كون هذه السورة اُسْتُهِلَّتْ بما اسْتُهِلَّتْ به من أحكام اجتماعية تتعلق بالأوضاع الاجتماعية بين البشر مما يستدعي تذكيرهم بأنهم مخلوقون من نفس واحدة؛ ليؤدوا هذه الحقوق الاجتماعية الواجبة فيما بينهم، وهذا لا ينافي ما سبقه من وجهٍ ومَا وَلِيه؛ لأن القرآن هو حمَّال أوجه كما قيل، وهذه الأوجه إن لم يكن بينها تعارض فإنها يُؤْخذ بها جميعاً في الاعتبار، وليس هنا تعارض بين وجه ووجه، ولما لم يكن هنالك تعارض فإنه مما ينبغي أن يُؤْخَذَ بها جميعاً في الاعتبار.
المراد بالنفس الواحدة:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) نعم، الله تبارك وتعالى خلق البشر جميعاً من نفسٍ واحدة؛ لأنهم ينحدرون من أصلٍ واحدٍ، ولا خلاف في أن ذلك الأصل الذي عُبِّرَ عنه بالنفس إنما هو آدم عليه السلام فيما تقدَّم، ولا خلاف في أن المراد بـ ( زوجها ) حواء عليها السلام، هذا مما لا خلاف فيه فيما تقدم عن المفسرين، وإنما للإمام محمد عبده رأي سنتعرض له إن شاء الله في الدرس الآتي، وهو رأي انفرد به دون غيره من المفسرين ويحتاج إلى توسع، فآدم عليه السلام هو النفس الواحدة، وسيأتي الكلام إن شاء الله فيما يأتي على النفس في الدرس الآتي.
والنفس لفظة مؤنثة فلذلك جاء الوصف هنا بصيغة التأنيث "واحدة" مراعاة لهذا اللفظ، ويجوز مراعاة المعنى، فاللفظ والمعنى كل منهما يجوز أن يراعى في مثل هذه الأحوال، وقرأ ابن أبي عبلة -طبعاً من غير القراء السبعة- بل ومن غير القراء العشرة، فقراءته ليست من القراءات التي يعوّل عليها في القراءة في الصلوات وغيرها ، قرأ ابن أبي عبلة ( من نفس واحد ) مراعاةً للمعنى؛ لأن المراد بالنفس آدم عليه السلام.
وخلق منها زوجها:
( وخلق منها زوجها ) خلق منها مَا تَمَّ به التزاوج بينهما، الأصل في الزوج أن يكون وصفاً لاثنين متكاملين، فكلاهما زوج كالليل والنهار، فهما زوج، الزوج يقابل الفرد: الليل والنهار، والصيف والشتاء، والحر والبرد، والضيق والسعة، والشدة والرخاء، كل من ذلك، كل اثنين متقابلين إنما يقال لهما زوج، ولكن اُصطُلِحَ على أن يُطْلَقَ لفظ الزوج بالنسبة إلى الجنس البشري إطلاقاً مستقلاً للرجل وللمرأة، إن كانا مترابطَيْن برباط الزوجية الذي يحل كل واحد منهما للآخر، فهذا من باب التوسع؛ بحيث يقال للرجل زوج بطريق الاستقلال، ويقال للمرأة أيضاً زوج بطريق الاستقلال، فهو زوج لها، وهي زوج له.
ولأجل كونهما متكاملَيْن ومتقابلَيْن كان هذا الوصف بالزوجية لا تفريق فيه بين مذكر ومؤنث، فيقال للرجل زوج من غير تاء، ويقال للأنثى زوج من غير تاء، وهذه هي لغة القرآن وهي الفصيح في كلام العرب، كما في قول الله تبارك وتعالى ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ولم يقل وزوجتك، وكما في قول الله تبارك وتعالى ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله )، ومن أجل هذا كان الجمع على أزواج كما هو شائع في القرآن، كما في قول الله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك )، وقوله سبحانه ( وأزواجه أمهاتهم )، وقوله تعالى في هذه السورة الكريمة )ولكم نصف ما ترك أزواجكم (، فالجمع الفصيح حتى بالنسبة إلى النساء إنما هو أزواج وليس بزوجات، وإنما هناك لغة ضعيفة جاءت بتأنيث المرأة، هذه اللغة بطبيعة الحال لم يستخدمها القرآن، وليست شائعة عند العرب، فمن ذلك: قول ذي الرُّمَّة:
أذو زوجةٍ بالمصر أم ذو خصومة ** أراك لها بالبِصْرَة العام ثاويا
وكذلك يقول أبو فراس وهو الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ** كساعٍ إلى أسد الشرى يستميلها
وجاء أيضاً جمع الزوج على زوجات مراعاة لهذه التاء في قول الشاعر:
صاح بَلِّغْ ذوي الزوجات كلهم ** أن ليس وصلاً إذا انحلت عرى الذنبِ
هذا من الكلام الشاذ عند العرب الذي لا يعول عليه بحيث يُجْعل هو الأصل، وإنما يُجْعل شاذاً، على أن الأصمعي كان شديد الإنكار على من يقول زوجه ، وينكر هذه اللغة رأساً، فقيل له عن بيت ذي الرُّمَّة، فقال: إن ذا الرُّمة قد تردَّدَ إلى حوانيت البصرة فأكل منها المالح والبقل حتى بَشِم، يعني بذلك أنه لا يُعَوَّلُ على كلامه؛ لأنه يُعْتبر من المُولدين، ولا يعتبر من العرب الذين يُؤخذ بكلامهم.
وأكثر اللغويين قالوا بأن هذه اللغة لغة شاذة، ولكن بما أن الناس جهلوا العربية، وجهلوا لغة القرآن، وقع عندهم من الأشكال في هذا الشيء الكثير، حتى أنني سمعت أحداً من العلماء يقول: بأن أحد الجهلة كان يستدل بهذه الآية الكريمة على أن حواء خُلِقَتْ قبل آدم، ويقول: بدليل أن الله قال: ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها )، وهذا إنما يرجع إلى الجهل بلغة العرب؛ بل وإلى الجهل بأسلوب القرآن نفسه، فإن أسلوب القرآن واضح من خلال الآيات الكثيرة التي قيل فيها للمرأة زوج بدون تاء، وكذلك من حيث الجمع بحيث جُمِع الزوج على أزواج مع قصد النساء، هذا كما قلنا إنما يرجع إلى عدم إدراك أسلوب القرآن، وعدم فهم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
الله سبحانه وتعالى اِمتن هاهنا بأنه خلق الجنس البشري من نفس واحدة، أي من أصل واحد، وأنه خلق من هذه النفس زوجها، بناءً على هذا ذهب جمهور المفسرين إلى أن حواء خلقت من آدم عليه السلام، فهي مخلوقة من جسده، وهذا الذي دَلَّ عليه الحديث: أنها خُلِقَتْ من ضلعه الأيسر أو الأقصر كما جاء في بعض الروايات، وفي بعض الروايات أنها خُلِقَتْ من ضلعٍ أيمن، فهي مخلوقة من الضلع، ويؤيد ذلك أيضاً ما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن المرأة خُلِقَتْ من ضِلْعٍ أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه )، فالحديث يدل على هذا، هذا الذي ذهب إليه جمهور أهل التفسير.
وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن المراد بكونها خُلِقَتْ منه أي من جنسه، وليست من جنس آخر، وإنما هي من جنس هذه النفس، من جنس آدم عليه السلام، وهذا حكاه أبو حيان عن ابن بحر، واستدلوا لذلك بما جاء في آياتٍ كثيرة، من نحو قول الله سبحانه وتعالى ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) أي: من جنسهم، كذلك ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم )، وليس معنى ذلك أنه بعثه من أجسادهم، وإنما المراد من جنسهم، ومن ذلك قوله تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً )، مع أن كل واحد من الناس زوجه ليست مخلوقة من جسده وإنما هي من جنسه، إلى غير ذلك، وهذا ركن إليه أبو حيان في تفسيره، وقال في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ) بأنه من باب التمثيل؛ لأن المرأة شديدة المراس، فقد تشتد على الرجل فلا يجد إلا أن يسايرها بالرفق، وإلا أدى الأمر إلى حسم الصلة التي بينه وبينها، هذا الذي قال أبو حيان بأنه يحتمله الحديث، ولكن تُعُقِّبَ ذلك بأنه لو كانت حواء لم تُخْلَق من آدم عليه السلام لما كان البشر مخلوقين من نفس واحدة؛ لأنهم تكونوا بعد ذلك من النطفة الأمشاج التي تكونت من مائه ومائها.
وبهذا يتبين أن الأصح ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان أجاز أبوحيان وسبقه إلى ذلك الفخر الرازي أن يكون هذا من باب اعتبار "مِن" لابتداء الغائب وهذا يَبْعُد كثيراً، وقد قالوا: بأنها خُلِقَتْ من فضل طينته، فقالوا بأن الله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب كما خلق آدم عليه السلام من تراب، فما كان هناك داعٍ إلى أن تُخْلَقَ منه وحده.
وأجيب عن هذا بأن الله تبارك وتعالى قادر أيضاً على أن يخلق جميع البشر من ترابٍ، من غير أن يتوالدوا، ومن غير أن يكون هناك لقاء بين ذكر وأنثى، ولكن اقتضت حكمته ذلك، فمثل هذا لا يُعْتَرضُ به على هذه الدلائل الواضحة.
نعم، الزوج هنا هي حواء عليها السلام، فآدم عليه السلام هو النفس الواحدة التي خلق الله تعالى منها البشر، وحواء عليها السلام هي مخلوقة من هذه النفس، ثم بعد ذلك بث منهما رجالاً كثيراً ونساءً؛ ليتسلسل هذا الجنس البشري، ولتعمر هذه الأرض بإرادة الله سبحانه وتعالى وكما أراد.
ملخص الدرس وخاتمته
وفي هذا الشطر من هذه الآية الكريمة التذكير بأكثر من أمر، فقبل كل شيء في هذا الشطر الكريم تذكير العباد بأنهم لم يوجدوا أنفسهم في هذه الحياة، وإنما هم أُوجِدُوا من قبل الخالق سبحانه وتعالى؛ الذي هو على كل شيء قدير، وما كان لإنسان أن يخرج من عالم الغيب إلى عالم الوجود بإرادته، فإن إرادته ليس لها أثر، على أن البشر متفاوتون في هذا الوجود كما قلنا، وهذا التفاوت لا يرجع بحالٍ من الأحوال إلى إرادتهم، وإلا فالقبيح ما كان ليخلق نفسه قبيحاً، والضعيف ما كان ليخلق نفسه ضعيفاً، والمريض ما كان ليخلق نفسه مريضاً وهكذا، وإنما هذه هي إرادة الله سبحانه وتعالى أن يكون البشر متفاوتين، ففي هذا تذكير بحق الله سبحانه.
على أن هذا الخلق إنما هو من نفس واحدة، وفي هذا قضاء على العنصريات التي تؤدي إلى استعلاء بعض الناس على بعض، وفخر بعضهم على بعض؛ بسبب العنصر، أو بسبب اللون أو بسبب الإقليم، أو بأي سبب من الأسباب، فإن البشر جميعاً متساوون؛ لأنهم ينحدرون من أصل واحد، وإنما يفرق بينهم ما يتفاوتون فيه من توفيق الله تبارك وتعالى لهم بأن يَتَّقُوه ويطيعوه، فالتنافس إنما هو في مضمار التقوى، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
فالناس جميعاً مدعوون إلى أن يتقوا الله تبارك وتعالى حق تقاته، ومن ضمن التقوى عدم استعلاء أحد على آخر بنسب أو بلون أو بأي شيء كان، فالكل إنما هم عباد الله سبحانه وتعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )، هكذا جاء البيان الإلهي بهذا الميزان الذي يُسَوِّي بين الناس أجمعين، فلا تفاوت بين أحد وآخر إلا بما يثقل الميزان من تقوى الله سبحانه وتعالى وحسن العمل ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )، لا عبرة بأي شيء: لا بالغنى، ولا بالنسب ولا بالجاه، ولا بالسلطة ولا بأي فارق بين إنسان وآخر، وإنما العبرة بما يتفاوت به الناس من تقوى الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا الخطاب الإلهي بيان أيضاً أن المرأة لها من الحقوق الاجتماعية ما يتمتع به الرجل، وذلك في حدود طبيعتها، فما كان إبان الجاهلية -أي جاهلية كانت - من هضم المرأة حقوقها أو اعتبارها رجساً من عمل الشيطان، كما كان ذلك في الديانات المنحرفة، أو أنها مسلوبة الآدمية ليست من هذا الجنس البشري، فإن ذلك إنما هو شطط في البعد عن المنهج الحق.
كذلك ما تنادي به الجاهلية الحديثة من أنها مساوية للرجل من كل ناحية من النواحي، فإن الله تعالى إنما أخبر بأنهما زوجان، ومعنى كونهما زوجين أنهما ليسا مِثْلَيْنِ ولكنهما متكاملان، فكل واحد منهما مكمل للآخر، هذا بطبعه وذلك بطبعه، فهي بطبعها مكملة للرجل، وهو بطبعه مكمل لها، هي بطبعها مفتقرة إلى الرجل وهو بطبعه أيضاً مفتقر إليها، لا يستغني أي واحد منهما عن الآخر، هكذا اقتضت سنة الله تعالى في خلقه، فلا بد من مراعاة هذه الجوانب.
ثم ما يتبع ذلك من الأحكام التي تشير إليها الآية الكريمة فيما يأتي إن شاء الله، وما يأتي من الأحكام التي تضمنتها هذه السورة الكريمة، وهي أحكام متنوعة تعود -كما قلنا- إلى العلاقات الاجتماعية بين الناس، فيجب على الناس جميعاً أن يراعوا ذلك وأن يحافظوا على هذه الأحكام.
وسنبدأ -إن شاء الله- في الدرس الآتي بطرح قضية النفس الواحدة، والزوج التي خلقت من هذه النفس، وبيان معنى النفس، نبدأ بذلك إن شاء الله، وإلى لقاءنا ذلك نستودعكم الله تبارك وتعالى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الرشد، وأن يعلمنا ما لم نعلم، وأن يفهمنا ما لم نفهم، وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، واقطع اللهم دابر أعداء الدين، واستأصل شأفتهم أجمعين، اللهم شتت شملهم، ومزق جمعهم، وفُلَّ حَدَّهُم، وأقلل عَدَّهم، واردد كيدهم في نحورهم، وأعذنا وجميع المسلمين من شرورهم، وامحُ آثارهم، وأورثنا أرضهم وديارهم، واطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير.
وصلِّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله،،،

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 09-02-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,747
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



تكملة لتفسير الآية الأولى من سورة النساء\

يواصل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة تفسيره للآية الأولى من سورة النساء وهي قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)

فإلى نص ما قاله سماحته في تفسيره للحلقة الثالثة من هذه الآية الكريمة يقول سماحته:
يقول الله تبارك وتعالى (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده هنا بهذه المنة العظيمة وهي بث الرجال الكثير والنساء من هذين الأبوين اللذين ينحدر منهما العنصر البشري وهما المعبر عنهما بالنفس الواحدة وزوجها فإن الله تبارك وتعالى جعل انتشار هذا الجنس في هذه المعمورة وهذه الكثرة الكاثرة منه انما هي بسبب ما كان من لقاء هذين الزوجين اللقاء الفطري وما ترتب عنه من هذه الذرية.
معنى البث ( وبث منهما ):
والبث في الأصل هو بمعنى النشر يقال بث الحديث اذا نشره بين الناس وبث هذا الشيء بمعنى نشره كما يقول الله تبارك وتعالى (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) أي كالفراش المنشور ويقول (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) أي منشورة فبث الرجال الكثير والنساء من هذين الأبوين اللذين ينحدر منهما العنصر البشري انما هو نشر هذه الأعداد الهائلة من البشر لتغطي هذه المعمورة وقد سبق اعتراض من اعترض على كون آدم عليه السلام هو الأصل الوحيد لجميع البشر وان زوجه خلقت منه ذلك لأن الله تعالى لم يقل هنا (وبث منهم الرجال والنساء) وإنما قال (رجلا كثيرا ونساء).
وسبق الجواب عن هذا الاعتراض بأن ذلك انما هو لأجل أن آدم وحواء عليهما السلام كانت منهما ذرية كثيرة فيها الرجال وفيها النساء خرجت من صلب آدم ومن صلب حواء ولكن هذه الذرية هي التي كانت منها هذه الأعداد الهائلة من هذين النوعين من أنواع الجنس البشري فمن ذريتهما خرجت جميع اعداد الرجال والنساء.
وقد وصف الرجال هنا بالكثير ولربما وقع اشكال لبعض الناس من هذا الوصف الذي يتراءى انه وصف مفرد مع ان الرجال جمع فلماذا لم يقل وبث منهما رجالا كثيرين وانما قال سبحانه (وبث منهما رجالا كثيرا) والجواب عن هذا الاشكال بأن الكثير على وزن فعيل وفعيل يستوي فيه الجمع والمفرد كما يقول الله تبارك وتعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) ونحو هذا له شواهد كثيرة فإذن لا اشكال في هذا .
كذلك ربما يتساءل أيضا متسائل لماذا ما ذكر الا هذان النوعان مع الناس من يكون أمره مشكلة بحيث انه لا يتبين هل هو من جنس الذكور أو جنس الاناث وهو الخنثى المشكل .
وقد اجاب من اجاب عن هذا بأن الآية الكريمة انما تدل على ان الفرد البشري لا بد إما ان يكون رجلا وإما ان يكون امرأة وانما يشكل أمره لعدم ظهور ملامح الرجولة او ملامح الأنوثة عليه فالاشكال بعدم ظهور هذه الملامح لأصل خلقته فإنما هو في الخلقة لا بد اما ان يكون ذكرا وإما ان يكون انثى فلا يخرج عن كونه ذكرا او انثى.


هكذا اجاب من اجاب من المفسرين ومن بينهم ابن عطية وأخذ عنه كثير من المفسرين الذين جاءوا من بعده ولكن لا ارى في هذا اشكالا ذلك لأن الخنثى المشكل ليس هو كالرجل او كالمرأة من حيث الامتنان بهما والسياق انما هو سياق امتنان من الله تبارك وتعالى على عباده فالخنثى المشكل امره مشكل ولذلك لا يلد والله تبارك وتعالى انما ذكر هذا التسلسل في الخلق الذي يرجع على اصل واحد وهو الأب الذي انحدر منه الجنس البشري وأن الله سبحانه وتعالى خلق من اهل الاصل زوجه وهذا الامتنان انما يتم بخلق الذكر والانثى من الذرية اذ بهما يكون تسلسل الوجود البشري فيما بعدهما فليس خلق الخنثى كخلق الذكر والأنثى لأن تسلسل الوجود البشري انما يتوقف على هذين النوعين .
اقتصار الوصف ( كثيرا ) على الرجال:
وقد اقتصر في الوصف على الرجال اذ لم يقل سبحانه وتعالى (ونساء كثيرا) وانما قال (رجالا كثيرا ونساء) ذلك لأن الوصف بالكثرة في الرجال مؤذن بالكثرة في النساء فإن النساء عطفن على الرجال والمعطوف والمعطوف عليه كثيرا ما يشتركان في الأوصاف عندما يكون الوصف لأحدهما بحيث يكون هذا الوصف منسحبا ايضا على الآخر.


فذكر الكثرة في الرجال قرينة على الكثرة في النساء ايضا هكذا يتبادر وقد قيل بأن وصف الرجال بالكثرة دون النساء انما هو لأجل ان الرجال هم الذين يبرزون ويظهرون فلذلك وصفوا بالكثرة لأن كثرتهم تظهر بخلاف النساء فهن يحتجزن ويختفين.
ومنهم من قال: بأن وصف الرجال بالكثرة مؤذن بطريق الأولوية ان يكون عدد النساء أكثر من عدد الرجال ذلك لأن الرجل انما يتزوج اكثر من امرأة فقد ينكح مثنى وثلاث ورباع والمرأة لا تنكح الا رجلا واحدا وهذا يدل على كثرة العنصر النسائي.

الأمر بالتقوى مرة أخرى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) امر الله تبارك وتعالى عباده بأن يتقوه وعطف ذلك على الأمر بالتقوى في قوله(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا). مع الاختلاف في الاسم الكريم فهناك سمى سبحانه وتعالى باسم الربوبية وهنا سمى نفسه باسم الجلالة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) فيما سبق وهنا (واتقوا الله) وهذا العطف قيل انما هو من أجل افادة التأكيد على ما تقدم لأن الكلام عندما يكرر يفيد التأكيد فعندما يقول احد لآخر اقبل يفيد طلب الاقبال منه لكن عندما يكرر ذلك بحيث يقول له اقبل اقبل فإن ذلك يفيد تأكيد طلب الاقبال فهكذا لأهمية التقوى امر بالتقوى اولا مع الأمر بالتقوى ثانيا.
وقيل بأن الأمر بالتقوى فيما تقدم انما هو لأجل الوفاء بحق الربوبية ولذلك وصف سبحانه وتعالى هناك بصفة الربوبية.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فالأمر بالتقوى هناك انما هو من اجل حقه سبحانه وتعالى بسبب ربوبيته تعالى فإن الله تبارك وتعالى ربى عباده بنعمه الكثيرة التي لا تحصى وهذه النعم جميعا انما هي مترتبة على النعمة الكبرى التي هي اصل النعم وهو الايجاد من العدم فإخراجهم من العدم الى الوجود هو الذي ترتب عليه ما اسبغه عليهم من نعمه سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم ان ذلك يتلاءم مع وصفه تبارك وتعالى بالربوبية اما هنا فإنه سبحانه وتعالى امر عباده بتقواه مع تسميته لجلاله باسم الجلالة الذي يؤذن بالمهابة العظيمة وأنتم تعلمون ان كثيرا من المفسرين وعلماء العربية قالوا بأن هذا الاسم الكريم هو مشتق من وصف الألوهية واصل الله اله كما سبق بيان ذلك فيما تقدم ومعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده هنا الى ان يتقوه مراعين حق الألوهية بعد ان امرهم بأن يتقوه مراعين حق الربوبية .
وقيل بأن الآمر بالتقوى فيما تقدم هنالك انما هو مراع فيه ما سبق من وصفه تعالى لنفسه بأنه خلقهم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وهنا انما امروا بالتقوى بسبب أن هناك واجبات اجتماعية تناط بهم هذه الواجبات تتعلق برعاية حقوق الارحام وحسب همم هؤلاء بأن يوفوا هذه الحقوق ولا يقصروها، فالله سبحانه وتعالى كرر الأمر بالتقوى من اجل قرن الأمر بالتقوى هنا للتذكير بحقوق الأرحام التي كانت مضاعة في الجاهلية وان كانوا يتناشدون بعلاقة الرحم التي تشد بعضهم الى بعض الا انهم كانوا من شأنهم قطيعة الرحم وقد قطعوا رحمه صلوات الله وسلامه عليه اذ آذوه ذلك الايذاء الشديد مع هذه الصلة التي بينه وبينهم وقد قال الله تبارك وتعالى له ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).


وذهب العلامة ابن عاشور الى ان الأمر هنا بالتقوى مرة ثانية لأن هذا الخطاب خطاب خاص بعد الخطاب العام الذي يشمل جميع الناس فيما تبقى وفيما تقدم كان الخطاب لجميع الناس على اختلاف فئاتهم مؤمنهم وكافرهم عربيهم وأعجميهم وهناك كان الخطاب للمسلمين خاصة وهذا الخطاب بالتقوى لهم من اجل ان يحاسبوا انفسهمم فيما كانوا واقعين فيه من الاهمال فإنهم كانوا غير مراعين تمام الرعاية كما يجب حقوق الايتام وحقوق الأرحام فالامر بالتقوى انما هو لفئة من الناس وهي الفئة المؤمنة والمراد بالتقوى هنا اخص من المراد هناك فإن الآية الكريمة وليها ما وليها من التذكير لحقوق الأيتام ووجوب ايتائهم هذه الحقوق كاملة غير منقوصة كما اشتملت الآية الكريمة على التذكير بحق الأرحام وهذا ما يؤذن بأن التقوى المذكورة هنا انما هي تقوى خاصة بخلاف المعنية فيما سبق وان المخاطبين انما هو جزء من المخاطبين فيما تقدم .
وهذه الوجوه كلها محتملة فهي وجوه وإن خرجت مخرج الأقوال كلها محتملة.
ولا ريب ان الأمر بالتقوى هنا مع ذكر الاسم الكريم مع ذكر اسم الجلالة انما هو لأجل تربية المهابة في النفوس فان هذا الاسم يشعر النفوس بهيبة جلال الله تبارك وتعالى.

قراءة ( تسَّالون ) بالتشديد والتخفيف:
(الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) هذه هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم من القراء السبعة وقرأ بها خلف من بقية العشرة والباقون قرأوا (تسّاءلون) فقراءة تساءلون انما هي مبنية على حذف احدى التاءين (تاء المضارعة وتاء الفعل) مع الخلاف بين النحاه هل المحذوف تاء الفعل والباقية تاء المضارعة لأن تاء المضارعة هي دليل على ان الفعل تحول من المضي إلى ان يكون فعلا مضارعا فأولى إلى ان تبقى تاء المضارعة او ان المحذوف انما هو تاء المضارعة وتاء الفعل هي الباقية نظرا إلى ان تاء الفعل هي من جوهر الفعل بخلاف تاء المضارعة فإنها عارضة على الفعل هذا خلاف بين النحاه وهو مشروح في مواضعه من كتب الاعراب.
اما قراءة تسّاءلون فهي على الادغام ادغام التاء الثانية في السين، وسوّغ هذا الادغام التقارب ما بين السين والتاء ذلك لانهما جميعا يخرجان من طرف اللسان وعليّ الثنايا.
هذا مع اشتراكهما جميعا في الهمس فهما حرفان مهموسان فلذلك تدغم التاء في السين تسّاءلون، وقرئ تسألون لكن هذه القراءة خارجة عن القراءات السبع فقد رويت عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه انه قال: (تسألون به والأرحام).
عطف الأرحام على تقوى الله:
(تساءلون او تسّاءلون) به والأرحام، نعم اصل الأرحام هنا انما هو معطوف على اسم الجلالة فالأرحام مأمور بتقواها أي تقوى قطيعتها كما ان الحق سبحانه وتعالى مأمور بتقواها أي تقوى معصيته فالتقوى كما سبق بمعنى الاجتناب ومما يستحيل أن يكون الحق تعالى يأمر عباده بأن يجتنبوه هو ولكن عليهم ان يجتنبوا سخطه بفعل ما أمر وبترك ما نهى.
فالله سبحانه وتعالى يأمر عباده بأن يتقوه بأن يفعلوا أوامره وان يجتنبوا نواهيه، ثم يأمرهم بأن يتقوه اتقاء خاصا باتقاء الأرحام أي بتجنب قطع الأرحام التي امر الله تعالى ان يوصل، فإن في تجنب قطع الأرحام اتقاء لله سبحانه وتعالى.
هذا بناء على قراءة من قرأ (واتقوا الله الذي تَسَاءلون به والأرحامَ) وهي قراءة الجمهور جمهور القراء، فمعظم السبعة والعشرة انما قراؤا كذلك وانما انفرد حمزة وحده بقراءة والأرحام بجر الأرحام.
وقيل بأن الأرحام هنا انما هو معطوف على موضع الجار والمجرور فإن موضعهما النصب ولذلك يأتي النصب في مثل هذا كما في قول الشاعر:
فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا
مراعاة لمحل الجار والمجرور وقيل بأن نص الأرحام انما هو من اجل الإغراء وراعُوا الأرحام عليكم الأرحام هذا من باب الإغراء انما يغرون بأن يحافظوا على حقوق الأرحام رعاية لها.
قراءة حمزة ( الأرحامِ ) بالجر وتنازع العلماء فيها:
وقراءة حمزة (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بجر الأرحام انما هي مبنية على عطف الارحام على الضمير العائد على اسم الجلالة ومعنى ذلك انهم كانوا يتساءلون بالله وبالرحم فإنه من الشائع ان العرب كانوا يقولون انشدك الله والرحم أو اسألك بالله وبالرحم، فلذلك ذكروا بهذا بأن الله الذي تتساءلون به والأرحام التي تتساءلون بها عليكم بتقواهما فعليكم ان تتقوا الله وعليكم ايضا ان تراعوا حق الرحم، في هذا تذكير بحق الرحم بجانب الأمر بتقوى الله (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) هذا، وهذه القراءة لم تعجب معظم النحاة.
اما البصريون فقالوا بتخطئتها وأما الكوفيون فقالوا بقبحها، قالوا: بأنه لا يجوز ان يعطف الاسم الظاهر على الضمير المتصل المجرور وانما يجب ان يعاد الحرف الجار فلا يقول قائل: مررت بك وزيد، وانما يقول مررت بك وبزيد، هذا هو الشائع وقد تابعهم على هذا كثير من المفسرين كابن جرير الطبري وابن عطية وكثير ممن جاؤوا من بعدهم، تجرأوا على تخطئة هذه القراءة حتى بلغ الأمر بالمبرد فيما يحكى عنه انه قال: لو سمعت اماما يقرأ في صلاته (ما انتم بمصرخيِّ) أي بكسر الياء أو (واتقوا الله الذي تسَاءلون به والأرحامِ) لأخذت نعلي وذهبت، يعني لخرج من الصلاة لأنه يعتبر الصلاة باطلة بسبب ذلك.
وقد قال العلامة ابن عاشور: بأن هذا من ضيق العطن ومن الغرور بأنه أحاط بأم الاعراب وانه لم يفته منه شيء، فنحن نجد هؤلاء الذين قالوا بخطأ هذا العطف او قبحه وبنوا على ذلك تخطئة هذه القراءة أو تقبيحها نجد ان هؤلاء لهم آراء في السبب الذي دفعهم إلى القول بالتخطئة أو التقبيح، فسيبويه يقول بأن الضمير المتصل المجرور لا يعدو ان يكون بمثابة التنوين، فكما ان التنوين لا يعطف عليه كذلك الضمير المتصل المجرور ايضا لا يعطف عليه، وحكى الزجاج عن المازني بأن المتعاطفَيْن يلزم ان يصح تعاقبهما، وكما لا يجوز لأحد ان يقول: مررت بزيد وكأ، أي بأن يعطف الضمير المتصل على الاسم الظاهر وهو زيد مثلا فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد.
وطائفة من النحاة ومن بينهم الزمخشري قالوا: بأن الضمير المتصل المجرور لتلاصقه مع الحرف الجار وعدم انفراده عنه كان بمثابة جزء من كلمة أي كانا جميعا بمثابة كلمة واحدة والضمير انما هو بمثابة جزء من الكلمة وكما لا يعطف على حرف من الكلمة فكذلك لا يعطف على هذا الضمير وحده إلا بإعادة الجر.
هذا، وذهبت طائفة من المحققين إلى انه لا مانع من ذلك فابن مالك يقول:
وليس عندي لازما إذ قد أتى ** في النظم والنثر كثير مثبتا
يعني اعادة الحرف الجار أو الخافض سواء كان حرفا او كان اضافة ليس بلازم لأنه جاءت شواهد تدل على الجواز منها منثورة ومنها منظومة.
وابو نصر القشيري شدد النكير على الذين انكروا قراءة حمزة وقال بأنها قراءة سبعية متواترة إذ قراءات القراء السبعة كلها متواترة ومعنى ذلك انها تُلقيت عن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهذا مما يعرفه اهل الصنعة فتخطئة شيء من ذلك يعني تخطئة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
والفخر الرازي تعجب ان يستشهد بقاعدة نحوية ببيت أو بيتين ولا يستشهد بقراءة تبعية ثبتت عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والقرطبي جرى ايضا مجرى ابي نصر القشيري في هذا وايده وكذلك ابو حيان وكذلك الامام محمد عبده والعلامة ابن عاشور هؤلاء كلهم قالوا بأن هذه القراءة لا غبار عليها وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، وقد اختلف العلماء في القراءات السبع هل طرقها تواترية أو آحادية، فالشوكاني يقول بأن طرقها ليست متواترة ليست كل قراءة سبعية متواترة ولكن الشواهد التي تدل على صحة هذه القراءة شواهد كثيرة ويعول على تلك الشواهد.
ولا ريب ان هذه القراءة كما قرأ بها حمزة رويت عن كثير من السلف فقد رويت عن ابن مسعود وعن ابن عباس رضي الله عنهما ورويت ايضا عن جماعة من التابعين كالنخعي ومجاهد وغيرهما، في هذا ما يكفي على انها قرأ بها كثير، على ان القراءات السبع الذين يقولون بتواتر طرقها لا يقولون بلزوم ان يكون القارئ من هؤلاء القراء السبعة له طرق بنفسه متصلة جاءت من طرق متواترة حتى وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانما يكفي ان يكون قرأ بها جمهور من الناس تلقوها كابرا عن كابر وكان من بينهم القارئ من القراء السبعة، إذ القارئ الذي يقرأ بالقراءة من القراء السبعة ليس منفردا بهذه القراءة دون غيره إذ جمهور من الناس تلقوا هذه القراءات وشاعت وانما برز هؤلاء القراء السبعة لعلمهم بالقراءات.
هذا، وقد ايّد ابن القيم في اول كتابه زاد المعاد رأي من يقول بأن هذه القراءة صحيحة وليست خطأ وان العطف جائز واستشهد بذلك بقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال بأن الاسم الموصول وهو (مَن) في قوله: (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) انما هو معطوف على ضمير الخطاب الذي يعود إلى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، (يا أيها النبي) و(من اتبعك) أي وحسب من اتبعك من المؤمنين، وقال بأنه لا يسوغ ان يقال بأن العطف هنا على اسم الجلالة ولو استدل من استدل بذلك بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فإن المؤمنين انما هم ينصرون الرسول ويقفون بجنبه ويؤيدونه ولكن لا يمكن أن يدخلوا في الحسبية فإن الحسبية بمعنى الكفاية والكفاية انما هي من الله وحده فقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ) لا يجوز ان يكون المؤمنون معطوفين على الله حسبك الله ومن اتبعك عطفا على اسم الجلالة لأن الحسبية انما هي لله تبارك وتعالى وحده.
هذا وقد خرجت على هذه القراءة الآية الكريمة وهي قوله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) فهذا مما يدل على جواز العطف على الضمير المتصل المجرور بدون إعادة الحرف الجار.
الشواهد العربية على جواز هذه القراءة:
أما الشواهد الشعرية فهي كثيرة جدا وقد نص سيبويه نفسه على بيتين من هذه الشواهد الشعرية وقال بجواز ذلك في الشعر لا في النثر وهو الذي عول عليه ابن جرير الطبري في تفسيره قال بان هذا سائغ في الشعر وليس سائغا في النثر.
ومن الشواهد قول الشاعر:
فاليوم قرّبت -(في رواية) وفي رواية- قد بتّ ** تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجبِ
فعطف الاسم الظاهر على الضمير المتصل المجرور وهو الكاف من بك كذلك قول الآخر وهذا ايضا من شواهد سيبويه (البيت الذي سبق والذي يأتي من شواهد سيبويه ذكر هذين الشاهدين بجواز ذلك في النظم) وهو قول الشاعر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا ** وما بينها والكعب غوط نفانف
وفي رواية (مهوى نفانف) وما بينها والكعب أي ما بينها وبين الكعب.
ومن الشواهد قول الآخر:
آبك أيه بي أو مصدّر ** من حمر الجلة جأب حشور
فقوله (بي) أو (مصدر) عطف مصدر على الضمير المتصل المجرور في (بي) وهو جاء من غير اعادة الحرف الجار.
كذلك من شواهد ذلك قول الشاعر الآخر:
اطوف على الكتيبة لست ادري ** احتفي كان فيها أو سواها
أي أحتفي كان فيها أو في سواها.
وقول الآخر:
فحسبك والضحّاك سيف مهند
(فحسبك وحسب الضحاك سيف مهند)

والشواهد الشعرية كثيرة في هذا مع وجود الشواهد النثرية المحكية عن العرب التي تدل على هذا، ما احتج به سيبويه وما احتج به المازني في ما رواه الزجاج عنه من ان سيبويه حجته ان الضمير المتصل مجرور بمثابة التنوين فكما لا يجوز العطف على التنوين لا يجوز العطف على الضمير المتصل المجرور والمازني الذي يقول باشتراط جواز تعاقب المتعاطفين.
وقد انقدح في ذهني قبل اكثر من ثلاثين عاما جواب يدفع هاتين الحجتين جميعا ثم رأيته الآن عند أبي حيان وهو ان الاجماع منعقد على جواز العطف على الضمير المتصل المنصوب من غير اعادة العامل الناصب، ولا فرق في الضمير المتصل بين حالتي نصبه وجره فلو كان بمثابة التنوين لما اختلف ذلك بين حالتي نصبه وجره ولو اشترط جواز التعاطف بأن يقدم المعطوف على المعطوف عليه لما كان هنالك فرق ايضا ما بين حالتي النصب والجر، وبالاجماع يجوز رأيتك وزيدا ولا يجوز رأيت زيدا وكأن، نحن نرى الشواهد في القرآن الكريم عشرات الشواهد التي تدل على هذا الجواز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) حيث عطف الاسم المنصوب وهو الذين على ضمير الخطاب في خلقكم.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) حيث عطف ذريتها على الضمير الذي هو هاء في أعيذها، وقوله (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) و (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) عشرات الشواهد في القرآن الكريم تدل على هذا، فلماذا يجوز العطف في حالة النصب ولا يجوز في حالة الجر؟ على ان الضمير المتصل المجرور لو كان بمثابة التنوين لما كان هنالك فارق في حكمه بين الاتيان به في النثر أو في النظم فلماذا يسوغ العطف في النظم من غير إعادة الحرف الجار كما نص سيبويه؟ مع ان التنوين لا يجوز العطف عليه حتى في النظم، ثم ان التنوين لا يدل على معنى وهذا يدل على معنى والتنوين لا محل له من الاعراب وهذا له محل من الاعراب والتنوين لا يبدل منه وهذا يبدل منه فإذاً في جميع الأحكام هو مباين للتنوين، فكيف يسوغ ان يلحق بالتنوين؟

واما القول بأن المتعاطفين يلزم ان يجوز تعاقبهما فهو ايضا مدفوع بشواهد كثيرة بجانب ما ذكرناه لأنه لا فرق بين حالتي نصبه وجره، من بين هذه الشواهد ان القائل يقول:

رب رجل وأخيه لقيتهما، ولا يجوز: رب أخيه ورجل لقيتهما ، لا يجوز ذلك لأمرين: أولهما ان الضمير لا يكون له معاد والثاني ان رب لا تدخل إلا على نكرة، وكذلك يقال: الجمل وصاحبه طريحان، ولا يقال: صاحبه والجمل طريحان، إذ لا يستقيم المعنى هكذا مع الأدلة الكثيرة التي تؤكد هذا المعنى.
اما ما قاله الزمخشري وغيره من ان هذا العطف انما هو بمثابة العطف على جزء من الكلمة غير سائغ، لا يسوّغ الاستدلال بذلك هذا مردود بأن الضمير المتصل مجرور (كما قلنا) له محل من الاعراب والجزء من الكلمة حرف من الكلمة ليس له محل من الإعراب والضمير المتصل المجرور يبدل منه وحرف من الكلمة لا يجوز ان يبدل منه، والضمير المتصل المجرور يستقل بالدلالة على معنى والحرف لا يستقل بالدلالة على معنى فمن جميع الوجوه نجد ان هذا القول انما هو خطأ وجرأة على رد القراءات الثابتة التي لا مجال في ثبوتها.


هذا، وقد ذكر ابن عطية ان هذه القراءة ايضا هي خطأ من وجهين، الوجه الأول ان قوله سبحانه وتعالى (الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ) لو كان يعني انهم يتساءلون بالله والرحم لما كان في تكرار الأمر بالتقوى أي فائدة ما عدا ذكر انهم يتساءلون بالرحم، وهذا العطف تكون فيه ركّة إذ لا يدل على فائدة جديدة.
والثاني ان في ذلك تقريرا لما كان يفعله اهل الجاهلية من قول (سألتك بالله والرحم) أو (سألتك بالرحم) مع ان الحديث الشريف نهى عن القسم بغير الله وشدد في ذلك (من كان حالفا فليحلف بالله أو فليصمت) ففي حمل الآية على ذلك تسويغ للحلف بغير الله تعالى والوجه الأول ذكره الزجاج ايضا، وردّ الألوسي على الوجهين جميعا، فرد على الأول بأن الفائدة ظاهرة هنا وهي ان الآية سيقت من اجل التوطئة لما في السورة الكريمة من الأمر بصلة الأرحام وعدم قطعها، فذكروا اولا بحق الأرحام من حيث انهم ذكروا بما يكون بينهم من سؤال بعضهم لبعض بالله تعالى وبالرحم، وأما عن الثاني فإن القسم بغير الله تعالى انما يمنع عندما يكون المقسم يعتقد للغير حرمة ويعتقد بذلك القسمة حرمة واما سيق هكذا في الكلام كما هو مألوف كما جاء في الحديث (افلح وابيه إن صدق) فلا يمنع.
وذكر العلامة صاحب المنار هذين الجوابين وذكر بأن الجواب على الاعتراض الثاني متبوع من حيث ان قول القائل (سألتك بالرحم) لم يعن به القسم وانما يعني به التذكير بحق الرحم فحسب وليس ذلك من القسم في شيء، ونقل كلاما طويلا لابن تيمية فيه التفرقة بين القسم وبين التذكير بالحق، وقال بأن سؤال انسان للغير بالقرابة التي بينه وبينه لا يعني ذلك انه اقسم عليه بتلك القرابة وانما كل ما يعنيه ذلك انه ذكره بحق تلك القرابة وهكذا كل ما كان خارجا مخرج هذا.


على ان من العلماء من قال في قول الله تبارك وتعالى (تساءلون به والأرحامَ) في قراءة النصب كما هي قراءة الجمهور من العلماء من قال بان ذلك انما يخرج مخرجا هذه القراءة نفسها ولكن النص لما ذكرناه هناك من العطف على محل الجار والمجرور معا فمعنى هذا انه لا اشكال لهذه القراءة.
ومن المفسرين من قال بأن قول الله تبارك وتعالى (والأرحام) انما يخرج مخرج نية اعادة الجار فكأنما قيل (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)، فقد وجد عند العرب حذف حرف الجر مع الاتيان بالاسم الذي بعده مجرورا كما يروى عن بعضهم انه عندما يقال: كيف اصبحت؟. يقول: اصبحت بخير.
وحملها بعضهم (هذه القراءة) على ان الواو في قوله (والأرحام) ليس واو عطف وانما هي واو القسم ولله تعالى ان يقسم بما يشاء من خلقه فكأنما قال تعالى (فاتقوا الله الذي تساءلون به بحق الأرحام) هكذا ذكر هذا ابو نصر القشيري وقال بأنه تكلّف، وتعقبه القرطبي بأنه ليس فيه تكلّف لأن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته كما اقسم بالليل والنهار والشمس والقمر والضحى وما اقسم به في آيات كتابه العزيز فلا يمنع ان يقسم بالأرحام تذكيرا لعباده، وذكر هذا المعنى ابن عطية ولكن خرّج ذلك على ان المقسم عليه انما هو ما بعد وهو قوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) واشار إلى ضعف هذا.
هذا، وقد قُرئ (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامُ) بالرفع وخُرّجت هذه القراءة على ان الواو للاستئناف وان المراد (وَالأَرْحَامُ) حقيقة بأن توصل أو اهل لأن توصل، وجوّز القرطبي ان يكون ذلك خارجا مخرج الاغراء بأن يراد الحض على الأرحام بناء على الرفع بالإغراء، كما جاء في قول احد الشعراء:
إذا قيل السلاحُ السلاحُ..
لم يقل: السلاحَ السلاحَ، هذا شاهد على جواز الربط في حالة الإغراء بالشيء..ولكن هذا شاذ لا ينبغي ان يخرج شيء من القرآن عليه.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز , لسماحة , التفسير , الخليلي , الشيخ , دروس


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الآن ...الموسوعة الإسلامية الإباضية الشاملة ..أكثر من 600 عنوان !! عابر الفيافي المكتبة الإسلامية الشاملة 11 03-19-2012 10:09 AM
كتاب : الفتاوى كتاب الصلاة ج1 لسماحة الشيخ أحمد الخليلي عابر الفيافي نور الفتاوى الإسلامية 8 10-26-2011 10:29 PM
السخاء عند الشيخ احمد بن حمد الخليلي عابر الفيافي علماء وأئمة الإباضية 2 02-02-2011 04:36 PM
الشيخ محمد بن شامس البطاشي (رحمه الله) جنون علماء وأئمة الإباضية 4 12-19-2010 07:42 AM
الشيخ أبو مسلم البهلاني في سطور ذهبية بلسم الحياة علماء وأئمة الإباضية 3 11-30-2010 07:30 PM


الساعة الآن 01:57 PM.