تفسير سورة البقرة...للشيخ العلامة محمد بن يوسف اطفيش - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات


العودة   منتديات نور الاستقامة > الــنـــور الإسلامي > المكتبة الإسلامية الشاملة > علوم القرآن الكريم

علوم القرآن الكريم [القرآن الكريم] [إعراب القرآن] [تفسير القرآن الكريم] [تفسير الجلالين] [التفسير الميسر]


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
افتراضي  تفسير سورة البقرة...للشيخ العلامة محمد بن يوسف اطفيش
كُتبَ بتاريخ: [ 02-24-2011 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية cdabra
 
cdabra غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 176
تاريخ التسجيل : Oct 2010
مكان الإقامة : ابراء
عدد المشاركات : 493
عدد النقاط : 20
قوة التقييم : cdabra على طريق التميز


سُورة البَقَرَة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الــــم (1)

الله هو العالم بمعناه ، وبمعنى ، المص ، و ، المر ، الر ، و ، كهيعص ، و ، طه ، و ، طسم ، و ، طس ، و ، يس ، و ، ص ، و ، حم عسق ، و ، ق ، و ، ن ، وأذكر ما قيل ، الهمزة الله ، واللام لطيف ، قال الخليل : نحو به ، وكه ، بالحركة وهاء السكت ، مسميات ، ونحو الباء والكاف اسم ، قلت ، فمسمى الهمزة ، أه بالحركة بعدها هاء السكت ، والاسم ءاء بهمزتين بينهما ألف ، ولم ينطق غيرى بهذا .

--------------------------------------------------------------------------------

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

{ ذَلِكَ الْكِتَبُ } القرآن ، الشبيه في علو شأنه بالعالى حسا كالعرش ، وأصل الإشارة أن تكون إلى محسوس ، فإذا أشير إلى غير محسوس لاستحملة إحساسه ، مثل ، ذلكم الله ربكم ، أو لعدم حضوره نحو ، تلك الجنة ، فلتحققه كالمشاهد ، وعبارة البد للتعظيم ، ولأن كل ما انقضى ، أو ليس في يدى فهو بعيد { لاَ رَيْبَ فِيهِ } ليس أهلا لأن يشك فيه عاقل ، لظهور براهينه . ومن شك فيه ، أو من الله ، فلقصور نظره ، أو عدم استعمال عقله . قيل ولا ريب فيه عند الله والمؤمنين والنبى ، ويضعف أن يكون المعنى ، لا تشكوا فيه ، لما علمت من ضعف مجىء الجملة الاسمية للإنشاء ، { هُدًى } من الشرك والمعاصى { لِلْمُتَّقِينَ } الذين قضى الله أن يرجعوا إلى التوحيد والعبادة ، وترك المعاصى ، والحذر منها ، ومن العقاب عليها ، أو ذلك ثابت لهم أو زيادة ، أو أراد للمتقين وغيرهم ، فحذف ، وهذا ضعيف ، أو خصهم ، لأنهم الفائزون ، كقوله تعالى : « إِنما أنت مُنذر مَن يَخْشَيهَا » وهذا على الحذف ، والتقوى تقوى الشرك ، وهى تقوى العوام ، ولا تنفع فى الآخرة بلا أداء فرض ، واجتناب فسق ، وتقوى الخواص ، وهى تقوى الشرك والمعاصى مع أداء الوجب والسنن المؤكدة ، وتقوى خواص الخواص ، وهى تقوى ما يشغل عن الله ، عز وجل ، ويسميه بعض العلماء ورع الصديقين ، وهدى خبرثان لذلك ، أو لا ريب محذوف الخبر ، وفيه خبر لهدى .

--------------------------------------------------------------------------------

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } في قلوبهم وألسنتهم لا فيها فقط { بِالْغَيْبِ } بذى الغيب أو الغائب ، وهو الله ، جل جلاله ، وما أخبر عنه مما سيكون في الدنيا أو الآخرة ، أو كان ولم يشاهدوه أو آمنوا بذلك ، وهم في غيب عنه { وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ } يأتون بها في وقتها المختار ، لا الضرورى إلا لعذر بطهارة ، وخشوع وإخلاص ، وترك ما يكره حتى كأنها كجسم مستقيم لا عوج فيه ، أو كسوق أقيمت ورغب فيها ، وذلك مستتبع لإقامة صلاة النفل إلا أنه لاعقاب عليها ، وقال الجمهور : المراد صلاة الفرض ، وعليه ابن عباس ، ومثل هذا اللفظ حقيقة شرعية عن معنى لغوى مجاز لغوى؛ كما هو المشهور ، وقال الباقلاني مجاز ، وقال المنزلة حقيقة شرعية مخترعة ، وليست منقولة عن معان لغوية { وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ } طعاما أو دارهم أو ثيابا ، أو دواب ، أو عقارا ، أو غير ذلك من الحلال ، إذ لا مدح بإنفاق الحرام ، لأن التصرف فيه وإمساكه كفر { يُنْفِقُونَ } في طاعة الله ، كإنفاق من تجب نفقته من أهل ورحم وتنجية مضطر ، وضيف وإنفاق الزكاة ، وكإنفاق تطوع ، وكإنفاق نفسه بنية أن يتقوى على العبادة وأن ينفر عن مال الناس ، قيل ، إن أريد بالتقوى في قوله ، المتقين ، اتقاء المشرك فالذين . . . الخ صفة مخصصة . أو ترك ما لا بأس به مخافة أن يقع في اليأس فمادحة ، كما فى حديث الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ما فيه بأس » .

--------------------------------------------------------------------------------

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

{ وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } القرآن وسائر الوحى { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } على الأنبياء ، من كتب وغيرها { وَبِالآخِرَةِ } البعث ، والموقف ، والجنة ، والنار ، قدم الاهتمام ، والفاصلة على قوله { هُمْ يُوقِنُونَ } وذكْر الذين يؤمنون بما أنزل إليك تخصيص بعد تعميم ، وهو شامل لمن لم يكفر من أهل الكتاب بسيدنا موسى ، أو سيدنا عيسى ، عليهما السلام ، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به ، ولكنه طلب الدليل ، فآمن به صلى الله عليه وسلم ، كعبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين ، وقيل : هم المراد ، وفي الآية ترغيب لأهل الكتاب بسيدنا موسى ، أو سيدنا عيسى ، عليهما السلام ، ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكفر به ، ولكنه طلب الدليل ، فآمن به صلى الله عليه وسلم ، كعبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين ، وقيل : هم المراد ، وفى الآية ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان ، وعطف الذين عطف صفة في وجه العموم ، وإن أريد مؤمنو أهل الكتاب فمجرد عطف أو مبتدأ خبره أولئك . . . إلخ .

--------------------------------------------------------------------------------

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

{ أُولَئِكَ } الموصوفون بتلك الصفات ، العالون شأنا ومرتبة ، وقس على ذلك سائر إشارات البعد فى سائر القرآن . وما كان في السوء فإشارة البعد فيه للبعد عن مقام الخير { عَلَى هُدًى } متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه ، القوى المطاوع الملجم بلجام فى يده المستولى { مِنْ رَّبِّهِمْ } آت من ربهم ، أو ثابت منه دلالة وتوفيقاً { وَأُولَئِكَ } كرر الإِشارة إذ لم يقل وهم المفلحون ، تنبيهاً على مزيد الاعتداء بشأنهم ، وعلى أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضى أن يحصل لهم الكون على الهدى من ربهم ، وكونهم مفلحين ، كما قال { هُمُ المُفْلِحُونَ } الفائزون بالحظ الأكمل ، النجاة من النار ودخول الجنة ، وهذا حصر ، فمن ترك الصلاة أو الزكاة فليس مفلحاً ، فهو فى النار مخلد ، لأن مقابل الإفلاح الخسار والهلاك .

--------------------------------------------------------------------------------

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } من سبقت لهم الشقاوة كأبى جهل وأبى لهب ، ممن نزل فيه الوحى ، أو لم ينزل { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ } أعلمتهم بما أنزل إليك مع تخويف فى وقت إمكان أن يتحرزوا بالإيمان عن الوعيد { أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } لسبق القضاء بأنهم لا يؤمنون ، أخبره الله بذلك ، لئلا يتأسف على من أعلمه الله بشقاوته ، وليقلّ أسفه على من أبى من الإيمان ، ولم يعلم ، أهو شقى ، إذ يقول ، لعله شقى ، فكيف أكثر التأسف عليه ، وعلى كل حال لا يترك الإنذار والتبليغ إليه .

--------------------------------------------------------------------------------

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

{ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } لم يوفقهم ، سمى القلب قلباً لتقلبه ، روى البيهقى عن أبى عبيدة بن الجراح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قلب ابن آدم مثل العصفور ، يتقلب فى اليوم سبع مرات ، وليس المعنى فى الآية الإجبار ، جل الله شبه الخذلان بالربط أو الإعلاق على شىء حتى لا يدخله غيره ، فقلوبهم من حيث عدم نفوذ الحق إليها واستقراره فيها كالخابية والخريطة المختوم عليهما ، وهذا تصوير للمعقول بصورة المحسوس للإيضاح ، وكذا الختم فى قوله { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } أي آلات سمعهم ، فلذلك لا ينتفعون بما سمعوا من الحق ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا أذنب العبد ضم من قلبه هكذا ، فضم خنصره ، وإذا أذنب ضم من قلبه هكذا ، وضم التى تليها ، وهكذا إلى الإبهام .

والمراد بالقلوب هنا الجسم اللطيف القائم بالقلب ، الكثيف الصنوبرى الشكل قيام العرض بالجسم ، وقيام الحرارة فى الوقود ، والبرودة بالماء ، وبهذا اللطيف يحصل الإدراك وترتسم المعرفة ، وكذا الأسماع يقوم بصماخها جسم لطيف يدرك الأصوات ، { وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَاوَةٌ } غطاء عظيم ، كأنه لا يرون بها ، فيستدلون بما يرون على قدرة الله ، لما لم ينتفعوا فى الدين بالنظر بها كانوا كمن جعل على بصره غشاوة ، وفى ختم استعارة تصريحية تبعية .

وفى غشاوة تصريحية أصلية ، أو الاستعارة تمثيلية ، شبه قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأحوالهم المانعة من الانتفاع بأشياء معدة للانتفاع ، منع مانع من الانتفاع بها { وَلَهُمْ } على كفرهم { عَذَابٌ عَظِيمٌ } عظم شدة وأنواع ودوام ، ولم يعطف إن الذين كفروا لأن المراد ، والله أعلم ، استئناف بيان أن عدم اهتداء الأشقياء لسبق شقوتهم وبيان مقابلتهم بإصرارهم لمن اتصف بالكمال ومضاتدتهم ، لا لقصور فى القرآن عن البيان ، فإنه غاية فى البيان ، وإنما ضلوا باختيارهم للسوء ، كما قال قائل :
وَالنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأَبْصَارُ رَؤْيَتَهُ ... وَالذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لاَ لِلنَّجْمِ فِي الصِّغَرِ

--------------------------------------------------------------------------------

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

{ وَمِنَ النَّاسِ } أصله النوس بفتح الواو ، وقلبت ألفا لتحركها بعد فتح ، من ناس ينوس ، بمعنى تحرّك ، ولا يخلو بنو آدم من تحرك ، ووجه التسميه لا يوجبها ، فلا يلزم أن يسمى ناسا كل ما يتحرك ، أو أصله أناس حذفت الهمزة ، وعوضت أل ، وهو من الأنس ضد الوحشية ، فالألف زائدة ، والناس يستأنس بهم ، قال بعض :

وَمَا سُمِّىَ الإِنْسَانُ إِلاَّ لأُنْسِهِ ... وَلاَ القَلْبُ إِلاَّ أَنَّهُ يَتقلَّبُ

والأصل نيس بكسر الياء ، قلبت ألفا لتحركها بعد فتح ، ووزنه على هذا فلع من النسيان ، إذ لا يخلو من نسيان ، قال الله تعالى فى آدم : { فنسى ولم نجد له عزما } ويطلق على الجن مجازا ، وقيل حقيقة : { مَن يَقُولُ ءَامَنَّا } فى قلوبنا وألسنتنا إيمانا مستمدا { باللَّهِ } وجودا وألوهة ، ومخالفة لصفات الخلق { وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ } الوقت الآخر ، وهو وقت البعث إلى مالا نهاية له ، والوقت الأول وقت الدنيا ، ولا يقال اليوم الآخر وقت دخول الجنة والنار ، وقبله وقت وهو البعث وما بعده إلى الدخول ، لأن الإيمان بالبعث والموقف والحساب أيضاً واجب { وَمَا هُمْ بِمُؤمِنِينَ } ذلك الإيمان الذى ادعوه ، بل الإيمان فى ألسنتهم والكفر فى قلوبهم ، والخروج عن مقتضاه فى جوارحهم .

--------------------------------------------------------------------------------

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

{ يُخَدِعُونَ } أي يخدعون ، بفتح الياء وإسكان الخاء ، فالمفاعلة ليست على بابها ، بمعنى الفعل ، وهو إظهار ما يوهم السلامة وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير ، أو التخلص منه ، أو هو أن توهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ، وتصيبه به ، ودخل فى المكروه جلب نفع منه لا يسمح به لك أو لغيرك { آللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا } يظهرون خلاف ما أبطنوا ، ويظنون أن الله لا يعلم ذلك منهم . فأخبرنا الله عز وجل ، أنهم عاملوا الله والمؤمنين بالمكر ، والله لا يخفى عليه شىء ، أو يخادعون الله مخادعة مجاز ، على أنهم معتقدون لكون الله عالماً بما فى قلوبهم ، وذلك أن تلفظهم بالإيمان ، وإظهار مقتضياته مع مخالفته فى الأعمال والقلوب شبيه بالخداع ، ويقدر محذوف ، أى ، ويخادعون المؤمنين خداعا حقيقيا ، إذ يدفعون بإظهار الإيمان وشأنه القتل والسبى وما يصنع بالمشركين ، ويجلبون الإكرام والمعاملة بمعاملة المؤمنين ، وإنما قدرت محذوفا لئلا يكون لفظ يخادع فى مجازه وحقيقته معا ، أو أراد يخادعون الذين آمنوا ، وذكر الله معهم إكراما وتعظيماً لهم ، بأنه من خانهم فقد خان الله ، أو يخادعون نبى الله ، قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ } .

والحاصل أن لفظ المفاعلة مبالغة ، ويجوز إبقاؤها على معناها مجازاً ، وذلك ، أنهم أظهروا الإيمان ، وهم كافرون ، والله عز وجل أجرى عليهم أحكام المؤمنين ، وهم عنده غير مؤمنين ، ولهم عنده الدرك الأسفل من النار ، وإجراء المؤمنين تلك الأحكام تشبه صورة المكر بهم ، إذ ليس لهم ما لمن تحقق إيمانه فى الآخرة ، وذلك استعارة تمثيلية فى الكلام ، أو مفردة تبعية فى يخادعون ، والله عز وجل لا يكون خادعاً إذ لا يخاف أحداً ، ولا ينقض فعله أحد إذا أجهره ، ولا مخدوعا ، لأنه لا يخفى عليه شىء ، ولا يناله مكروه ، ولاينتفع بشىء ، وإذا قدرنا يخادعون نبى الله الله تقدير معنى ففيه إيقاع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما ، وهى الخلافة ، فذلك مجاز عقلى فى النسبة الإيقاعية لا الوقوعية.

{ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ } ما يعاملون بمضرة الخداع إلا أنفسهم؛ وهى الافتضاح بإخبار الله ، سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما أحفوه ، والعقاب فى الآخرة { وَمَا يَشْعُرُونَ } لا يعلمون أن وبال العقاب راجع إليهم ، إنما فسرت يخادع بيخدع لأن الله والمؤمنين لا يخدعونهم .

--------------------------------------------------------------------------------

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضُ } كفر بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ، وعداوته وعداوة المؤمنين ، وسره الاعتقاد والجهل ، وذلك شبيه بمرض الجسم فى الإيصال إلى مطلق الضر ، فإن المضر موجع وقاتل ومانع من التصرف فى المصالح ، وما فى قلوبهم مؤد إلى النار مانع من التصرف بأعمال الإسلام ، أو يشبه تألم قلوبهم بقوة الإسلام وانتظام أمره بتألمهم بمرض البدن ، فسمى التألم مرضاً ، وحقيقة المرض حالة خارجة من الطبع ضارة بالفعل لا بالقوة خاصة ، والقرينة المشروطة فى المجاز تمنع الحقيقة ، ولا يلزم أن تمنع احتمال مجاز آخر . فلك حمل الآية علىهذا التألم ، وعلى ما ذكرت قبل { فَزَادَهُمُ } بسبب ذلك المرض { اللهُ مَرَضاً } بما أنزل من القرآن بعد ما كفروا بما أنزل منه قبل ، والله يجازى المذنب بالإيقاع فى ذنب آخر ، كما يجازى المطبع بالتوفيق إلى طاعة أخرى ، وكلما نزلت آية أو وحى كفروا به ، لأنه طبع على قلوبهم ، وذلك زيادة مرض .

{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } موجع بفتح الجيم والموجع بفتحها حقيقة هم لا العذاب ، لكن أكد شدة العذاب حتى كأنه معذب بفتح الذال ، وهذا بليغ ، ولا بلاغة فى قولك عذاب موجع ، بكسر الجيم ، فأليم فعميل بمعنى مفعل بضم الميم وفتح العين ، ولك إبقاؤه على ظاهره ، أى متوجع بكسر الجيم ، ففيه البلاغة { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } أى بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وما مصدرية ، وجرت عادتهم بالاكتفاء بالمصدر من خبر كان الذى بعدها ، والأصل أن يقال بكونهم يكذبون ، ولا حاجة إلى قولك بالتكذيب الذى كانوا يكذبونه النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يتكذيب يكذبونه صلى الله عليه وسلم على أن ما اسم موصول ، أو نكرة موصوفة ، والهاء مفعول مطلق .
--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } المعنى ، من الناس من يقول ، آمنا بالله وباليوم الآخر وهو كاذب ، ويقول ، إنما نحن مصلحون إذا قيل لهم لا تفسدوا ، ويقول ، أنؤمن كما آمن السفهاء إذا قيل لهم آمنوا ، ويقول للمؤمنين آمنا ، ويقول لأصحابه ، إنا كافرون { لاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ } بالكفر وأعماله وأعماله والمعاصى ، ويمنع الناس من التوحيد وأعماله ، فإن الإسلام صلاح الأرض ، والكفر فساد وليس من صفات الله ولا من أفعاله ، فإذا أزال الله الثمار أو نور البصر أو نحو ذلك ، فلا تقل أفسدها ، والأرض أرض المدينة ، أو جنس الأرض ، وليست للاستغراق .

{ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } للأرض من مكارم الأخلاق كالصدقة وقِرى الضيف ، وهذا جواب بالإعراض عما نهوا عنه من الكفر والمعاصى ، والأولى أن يكون الجواب له ، فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله ، والمنع الجواب له : فيكون المعنى مصلحون الأرض بما نفعل من الكفر وأعماله ، والمنع من التوحيد والإفساد هو ما عليه المؤمنون من التوحيد والدعاء إليه ، والعمل بمقتضاه ، وعطف الجملة على قلوبهم مرض ، أو على كانوا يكذبون فينسحب عليها معنى الباء ، والأصل فى التعليل أو السبية ، فى غير مقام مجرد الإخبار ، أن يكون بوصف معلوم عند المخاطب ولو بالالتزام ، وهذه الشرطية غير معلومة الانتساب لكن لا مانع من التعليل أو التسبب بما ليس عنده إخبار بالواقع ، وأنه أحق ، ولو لم يعرف ، وأنه كيف لا يعرف .
--------------------------------------------------------------------------------

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

{ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ } انتبهوا أيها الناس قد تأكد أن هؤلاء مفسدون دون المؤمنين ، فالحصر إضافى ، وإن فسرنا الفساد بالنفاق كان حقيقيا ، لأنه لا نفاق إلا فيهم بخلاف مطلق الفساد ، فى غيرهم من المشركين أيضا . والوجهان فى أنهم هم السفهاء . { وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ } بأنهم المفسدون ، أو بوبال كفرهم ، أو لا شعور لهم ألبتة ، هكذا ، ولو استعملوا عقولهم لشعروا . ذكر هنا الشعور لأن الفساد يعرف بلا تأمل . والسفة يعرف بالتأمل ، فذكر معه العلم كما قيل :

يُقْضَى عَلَى الْمَرْءِ فِى أَيْامِ مِحْنَتِهِ ... حَتَّى يَرَى حَسَناً مَا لَيْسَ بِالْحَسَنِ
وَلم يذكر لكن فى المخادعة لأنه لم يتقدم عليها ما يتوهم منه الشعور .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

{ وَإِذَا قِيلَ } أى قال النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بعض أصحابه { لَهُمْ آمِنُوا } بما يقول النبي صلى الله عليه وسلم { كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ } المعهودون الكاملون ، أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، ومن آمن به ، ولم يحضره بعد إيمانه ، وهو من التابعين لا من الصحابة ولو كان فى عصره { قَالُواْ } فيما بينهم ، أو بحضرة من أمرهم بالإيمان ، بحيث يجدون السبيل إلى إنكار القول ، أو عند المؤمنين بحيث لا يسمعون ، قيل ، أو عند من لم يفش سرهم من المؤمنين لقرابة أو مصلحة ، وهو قول ضعيف ، والأصل أن المؤمن لا يستر عليهم وعلى كل كشفهم الله عز وجل ، ولو جهروا مطلقا لم يسمعوا منافقين { أَنُؤمِنُ } توبيخ لمن أمرهم بالإِيمان ولو غاب ، أو إنكارا لأن يكون الإيمان حقا يؤمر به .

{ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ } الصحابة ، ومن آمن ولو لم يكن صحابيا ، نسبوا من آمن إلى السفه ، وهو الجهل ووضع الشىء فى غير وجهه ، ويطلق على نقصان العقل والرأى ، أو أرادوا من يحتقر من المسلمين لفقره ، أو ضعفه ، أو عبوديته كصهيب وبلال ، وأكثر المسلمين فقراء ، أو أرادوا بالسفه مطلق الخمسة بالجهل أو الفقر أو غيره ، والحاصل ، أنهم قالوا ، لا نفعل فعل السفهاء وهو الإيمان ، وذكر الله عز وجل نهى الناهى لهم عن الفساد ، ثم أمر الآمر لهم بالإيمان ، لأن التخلى قبل التحلى .

{ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ } الجهلاء المحتقرون لكفرهم ، رد عليهم بأن السفه بالكفر ومساوىء الأخلاق لا بالفقر ، فلا يلزم أن يكون هذا معينا للتفسير الأول فى السفهاء { وَلَكِنِ لاَّ يَعْلَمُونَ } من السفيه وما السفه ، ذكر هنا العلم ، وهنالك الشعور ، لأن الإفساد يدرك بأدنى تأمل بخلاف السفه والأمر بالإيمان ، وأيضا السفه خفة العقل والجهل بالأمور ، فناسب نفى العلم أتم مناسبة .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا } أى ذكروا ما يفيد أنهم آمنوا ، وسائر الأقوال والأفعال ، وذلك أن الإيمان قد علم منهم فى الظاهر قبل ذلك ، وذلك دفع للمؤمنين عن أنفسهم واستهزاء ، ولا يتكرر مع ما مر؛ لأنه إبداء لخبثهم وخوفهم ، وادعاء أنهم أخلصوا الإيمان ، ولأنه بيان لكونهم يقولون ذلك خداعا واستهزاء ، وأنهم يقولون ذلك عند الحاجة إليه فقط ، وذلك عند لقاء المؤمنين .

{ وَإِذَا خَلَوْاْ } عن المؤمنين راجعين { إِلَى شَيَطِينِهِمْ } أو خلوا مع شياطينهم ، يقال ، خلوت إليه ، أى معه ، وشياطينهم رؤساؤهم ، كعب بن الأشرف من اليهود فى المدينة ، وأبو بردة فى أسلم ، وعبد الدار فى جهينة ، وعوف بن عامر فى أسد ، وعبدالله بن الأسود فى الشام ، وغيرهم ممن يخافونه ، من كبار المشركين والمنافقين ، سماهم شياطين تشبيها لمزيد فسادهن وإغوائهم ، وذكر بعض أن هؤلاء المذكورين كهنة ، وقيل : الشيطان حقيقة فى كل متمرد من الجن أو من الإنس وليس المراد الكهنة خلافا للضحاك ، ولو كان مع كل كاهن شيطان ، لأنهم أهون من أن يتملقوا إليهم ، بقولهم ، إنا معكم ، كما قال الله عنهم { قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } فى الدين اليهودى ، إن أريد بشياطينهم اليهود ، وإن أريد به مشركو العرب فالمراد فى الإشراك { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } بالمؤمنين فى قولنا ، آمنا ، لا مؤمنون حقيقة ، بل قلنا ذلك لنكف عن أنفسنا القتل والشر والسبى وبحلب الخير ، كالأخذ من الصدقة والغنيمة ، مع الاحتقار والتهكم بهم ، ولا تظنوا أننا تبعناهم ، والاستهزاء بمعنى الهزء ، كاستعجاب بمعنى العجب ، وهو الاستخفاف والسخرية ، وأصله الخفة ، يقال هزأت به الناقة أسرعت به .

روى أن أُبىّ بن عبدالله وأصحابه جاءهم نفر من الصحابة لينصحوهم ، فقال لقومه ، انظروا ، كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فأخذ بيد أبى بكر الصديق ، فقال ، مرحبا بالصديق وشيخ الإسلام ، ثم أخذ بيد عمر ، وقال مرحبا بالفاروق القوى فى دينه ، ثم أخذ بيد علىّ ، وقال : مرحبا بابن عم رسول الله ، وسيد بنى هاشم ، فقال له : يا عبدالله ، اتق الله ولا تنافق ، فقال له : مهلا . يا أبا الحسن؛ إنى لا أقول هذا والله ، إلا أن إيماننا كإيمانكم ، ثم انترقوا ، وقال لأصحابه ، كيف رأيتمونى فعل فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت ، فأثنو عليه ، وقالوا : لا نزال بخير ما دمت فينا .

وأخبر المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت الآية ، وليس ذلك عين سبب النزول ، بل مناسبة؛ لأن أبيّا قال لأصحابه ، انظرواكيف أفعل ، والجملة مستأنفة فى كلامهم بلا تقدير سؤال هكذا ، ما لكم توافقون المؤمنين ، لقول عبدالقاهر موضوع إنما أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته ، إلا أنه قد يصور السؤال فى صورة لا تحتاج إليه فيجوز التقدير المذكور ، وقد لا نسلم قول عبدالقاهر إذا ادعى أنه ذلك أصل إنما ، وأن مدخلوها معلوم ، وحىء بها لإفادة الحصر ، وليس كذلك أيضاً ، فإنك تقول : إنما قام زيد لمن لا شعور له بقيامه وحده ، ولا مع غيره ، ولا بقيام غيره دونه .

--------------------------------------------------------------------------------

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

{ اللهُ يَسْتَهْزِىُ بِهِمْ } يجازيهم على استهزائهم مرة بعد أخرى ، فإن نكاية الله فيهم متعددة فى الدنيا ، ولا تنقطع فى الأخرة فذلك استعارة تبعية ، أو مجاز مرسل ، لأن بين الفعل وجزأيه مشابهة فى القدر ، ونوع تسبب مع وجود المشاكلة أو يراد إنزال الحقارة من إطلاق السبب على المسبب ، ومن الاستهزاء بهم فى الآخرة ، أنه يفتح باب إلى الجنة فيجىء فى قربه ، حتى إذا وصله أغلق ، أو يكرر ذلك حتى يفتح له ، ولا يجئه كما ورد فى الحديث ( وَيَمُدُّهُمْ ) بطيل أعمارهم ، أو يزيدهم طغيانا ( فِى طُغْيَنِهِمْ ) مجاوزتهم الحد بالكفر ( يَعْمَهُونَ ) يترددون ، هل يبقون عليه أو يتركونه ، أو هل يعكفون فيه ويلازمونه .

--------------------------------------------------------------------------------

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى } تركوا الهدى الذى فى وسعهم وطاقتهم ، جعل الهدى الذى لم يوجد لهم كالموجود لأنه فى طاقتهم ويولدون عليه ، ولظهور حججه حتى كأنهم قبلوه ، وجعل الإعراض عنه والتلبس بضده الذى لا يجتمع معه كالشراء ، فسماه شراء ، الإشارة إلى المنافقين المذكورين فى تلك الآيات بتلك الأوصاف ، لا إلى أهل الكتاب كما قيل ، ولا إلى الكفار مطلقاً كما قيل؛ لأن التنزيل فى غيرهم لا فيهم ولو وجد المعنى فيهم ، فضلاعن أن تفسر بهم { فَمَا رَبِحَتْ تِجَرَتُهُمْ } انتفى عنهم الريح فى تجارتهم المعهودة ، التى هى شراء الضلالة بالهدى ، بل خسروا أبدانهم وأوقاتهم وأموالهم ، إذ لم ينالوا بها الجنة ، وأضاعوا منازلهم وأزواجهم فى الجنة ، وصاروا للنار بتلك الضلالة ، والهدى هنا اسم مصدر بمعنى الاهتداء أو اسم للمعنى الحاصل من الهداية ، كأنه قيل ، اشتروا الضلالة بالاستقامة .

وإسناد الربح إلى التجارة إسناد إلى السبب؛ أو الملزوم ، أو المحل { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } إلى طريق التجر والربح ، إذ أضاعوا رأس المال والربح ، والآية كناية عن انتقاء مقصد المتجر وهو الربح مع حصول ضده ، وهو الخسارة ، وذلك شأن الدين ، إما لربح أو الخسارة ، بخلاف تجارة المال مقد لا تربح ولا تخسر ، أو كناية عن إضاعة رأس المال ، فإن من لم يهتد بطريق التجر تكثر الآفات على ماله ، أو المراد أنهم لم يتجروا فلا ربح ، كقوله : على لاحب لا يهتدى بمناره ، أى لا منار فيه .
--------------------------------------------------------------------------------

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

{ مَثَلُهُمْ } صفتهم الشبيهة فى القرابة عقلا وشرساً بما يضرب مثلا لغرابته { كَمَثَلِ } كصفة { الَّذِى } الرجل الذى ، لا بأس بتشبيه الجماعة بالمفرد ، والمواد الجنس ، فضمير المفرد بعده للفظه ، وضمير الجمع للجنس ، ويجوز أنه يقدر : الفريق لذى ، والكلام فى الضمائر كذلك { اسْتَوْقَدَ } ليلا { نَاراً } بالغ فى إيقادها وعالجه فى ظلمة وهذا لبقائه على الأصل أولى من تفسيرها بأوقد . ويجوز أن تكون تمثيلا بنار لا يرضى الله إبقاؤها { فَلَمَّا أَضَاءَتْ } أنارت إنارة عظيمة { مَا حَوْلَهُ } ما فى جهاته من الأرض ، وتمكن مما أوقدها لأجله ، من الإبصار والاستدفاء ، والأمن مما يخاف ، والطبخ للأكل ، أو نحو ذلك من المنافع { ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ } أذهب نورهم بإطفائه ، فلا نور فضلا عن لإضاءة والنور منشأ الضياء ، ووردا جميعاً فى شأن سيدنا محمد ، وسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم عليهما ، وقيل الضياء ما للشىء جميعاً فى شأن سيدنا محمد ، وسيدنا موسى صلى الله وسلم عليهما ، وقيل الضياء ما للشىء من ذاته ، والنور من غيره { وَتَرَيهُمْ } صيَّرهم { فِى ظُلُمَتٍ } ظلمة واحدة كأنها ظلمات ، لشدتها ، أو ظلمات متراكبة من الليل أو ظلمة الليل وظلمة العمام ، وظلمة انطفاء النار ، وذلك من حال المستوقدين يشبه من حال هؤلاء المنافقين مضرة الكفر ومضرة النفاق ، وظلمة يوم القيامة ، يَوْمَ تَرَى الْمُؤمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبأيمانهم ، ومضرة العقاب { لاَ يُبْصِرُونَ } ما حولهم من الطريق فضلا عن أن استدفئوا أو يطبخوا أو يحصل لهم الأمن من مضار الحقير والسبع والحية ونحو ذلك . وهذا منهم يشبه حال المنافقين ، إذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب بعد أمنهم فى الدنيا على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بكلمة الشهادة فى ألسنتهم.

--------------------------------------------------------------------------------

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

{ صُمٌّ } أى أولئك مشترو الضلالة صم أو هم صم { بُكْمٌ عُمىٌ } شبهوا فى عدم قبول الحق بمن لا يسمع ولا يتكلم ولا يبصر ، فهم لا يعرفون الحق ، كأنهم لم يسمعوه ولا يتكلمون به . ولا يبصرون طريق الهدى { فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } إلى الحق كما أن الأصم لا يسمع ، والأخرس لا يتكلم ، والأعمى لا يبصر ، كمثل الذى استوقد ناراً . . . الخ .

--------------------------------------------------------------------------------

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

{ أَوْ كَصَيِّبٍ } أو كمثل أهل صيب ، أو بل كمثل أهل صيب ، أو يتنوع من ينظر إليهم فى شأنهم بعقله إلى من يشبههم بالمستوقد المذكور ، وإلى من يشبههم بأهل الصيب ، أو يشك الناظر فى شأنهم أو هم كالمستوقد أو كالصيب أو يباح للعاقبل أن يشبههم بمن شاء منهما ، أو يخير أن يقصر التشبيه على أحدهما ، والصيب المطر المنحدر من السماء ، والصواب الانحدار ، والأصل صيوب على الخلاف فى باب سيد ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت فيها الياء ، وهو وزن فى معل العين . وشذ فى الصحيح كصيقل ، وقيل : هو بوزن طويل ، فقلب وشهر أن لفظ صيب اسم ، وقيل : وصف بمعنى نازل ، وزعم بعض أنه بمعنى منزل ، وبعض أنه اسم بمعنى السحاب { مِّنَ السَّمَاءِ } السحاب ، أو من جهة السماء وجهتها السحاب . وذكر ذلك مع أنه لا يكون الصيب إلا من السحاب وجهة السماء تلويحا إلى أنه من جميع آفاقها .

{ فِيهِ } فى الصيب كما يتبادر ، أو فى السماء أى السحاب . وهو أولى لأن الرعد ملكا كان أو صوته أو صوت ماء هو فى السحاب ، لا فى المطر؛ ولو كان البرق يصل الأرض لأنه أولا يجىء من السحاب { ظُلُمَتٌ } متراكمات ، ظلمة السحاب ، ففيه ظلمة ولو فى أجزائه ، وظلمة المطر وظلمة الليل المدلول عليه بقوله : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } ويجوز كون فيه نعتا لصيب أو حالاً ، وظلمات فاعلة { وَرَعْدٌ } الرعد ملك سمى صوته باسمه ، أو يقدر مضاف ، أى وصوت رعد ، أو اسم موضوع لصوت ملك السحاب . أو هو صوت تضارب الماء ، وذلك الصوت مطلقا صاعقة ، كما ذكر تقريباً ، والمراد أصوات . بدليل جمعد الصواعق { وَبَرْقٌ } ملك على هيئة النور ، أو نور صوته الذى يزجر به السحاب ، لا كما قيل إنه سوط من نار يزجر به السحاب ، وأفردا لأنهما مصدران الآن ، أو فى الأصل وزعم بعض أنهما أفردا لأن الرعد يسوق السحاب فلو كثر لتفرق السحاب ولم يكن مطبقاً ، فتزول شدة الظلمة ولو كثُر البقر ولم تطبق الظلمة ، وبعض أنه لم يجمع النور فى القرآن فلم يجمع البرق .

{ يَجْعَلُونَ } يحمل الناس الذين حضرهم الصيب ، دل عليهم أن المقام لذكر ظلمة الصيب ، والجمل لكونه أول على الإحاطة أبلغ من الإدخال { أَصَبِعَهُمْ } أطراف أصابعهم على المجاز بالحذف ، أو سماهم باسم الأصابع لأنها بعضها ، والمجاز لغوى ، ونكتته التهويل بصورة جعل الأصابع إلى أصولها ، أو لا مجاز ، لأن وضع طرف إصبعه على شىء بصدق جعل أنه وضع إصبعه عليه بلا قرينة ولا علاقة ، كما أن قولك سسته بيدى حقيقة ولو كان المس ببعضها ولما فى قوله { فِى ءَاذَنِهِمْ } فإنه حقيقة مع أن الجعل ليس فى كل الأذن ، وأطبق الأصابع مع أن المعبود السبابة لدهشتهم ، حتى إنهم يدخلون أى إصبع اتفقت ، ويجوز أن يكون المجاز عقليا بإسناد الجمع للأصابع مع أنه للأنامل { مِّنَ الصَّوَّعِقِ } المعهودة بالمعنى فى قوله ورعد ، لا باللفظ ، كقوله تعالى{ وليس الذكر كالأنثى } فإن قولها ، ما فى بطنى ، أرادت به الذكر ، والمراد بها شدة الصوت ، والأكثر فى الصاعقة صوت مع نار ، أو نار بلا صوت ، لا تمر على شىء إلا أحرقته ، وذلك من الجو ، وقد يكون معها حجر أو حديد ، ويجوز حمل الآية على الصوت مع النار ، على أنهم توهموا أن عدم سماع ذلك الصوت منج لهم من أن تصيبهم نار ، فيكون الكلام تمثيلا بقوم شأنهم التوهم ، فجعلوا أصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا . ولا يصح ما قيل ، إن المشهور أن الصاعقة لرعد الشديد معه قطعة نار ، بل هى قطعة النار سواء مع صوت أو دونه وهو فى الأصل صفة من الصعق ، بمعنى الصراخ وتاؤه للتأنيث صفة لمؤنث ، أو للمبالغة ، كراوية لكثير رواية الشعر ، وليس قولهم للنقل من الوصفية إلى الاسمية خارجا عن ذلك لأن حاصله أنه كان وصفاً مؤنثاً بالتاء ، ثم صار اسماً وقيل مصدر كالعافية والعاقبة.

{ حَذرَ الْمَوْتِ } لأجل حذر الموت بالسمع ، وهو تعليل للعلة الأولى التى هى قوله من الصواعق مع معلله ، وإنما الممنوع ترادف علل على معلول مجرد بلا تبعية ، أو يقدر حاذر بن الموت . أو ذى حذر الموت ، أو يجدونها حذر الموت وحاصل الشبه بالصيب المذكور أن القرآن شبيه بالمطر ، إذ هو سبب لحياة الدنيا ، والقرآن سبب لحياة القلوب ، وأن الكفر شبيه بالظلمات فى مطلق الإهلاك وعدم الاهتداء ، وفى مطلق الحيرة ، والوعيد عليه شبيه بالرعد فى الإرهاب ، والحجج شبيهة بالبرق فى الظهور والحسن . وسد آذانهم عن سماع القرآن شبيه بسدها عن الصواعق ، وترك دينهم شبيه بالموت عندهم ، وذلك تشبيه مفردات بمفردات ، وإن شئت فتشبيه مجموع بمجموع تمثيلى { وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ } بأجسامهم واعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم ، ولا يخفى عنه ما يعاقبهم عليه ، أو قل ، وعقاب الله محيط بالكافرين ، شبه قدرته بإحاطة المحيط بالشىء ، تشبيه الكامل بالناقص على الاستعارة الأصلية ، واشتق منه محيط على التبعية ، أو الاستعارة تمثيلية ، أو الإحاطة الإهلاك ون معناه ، أحاطت به خطيئته ، أو عالم علم مجازاة ، ومن معناه ، وأحاط بما لديهم .

--------------------------------------------------------------------------------

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

{ يَكَادُ الْبَرْقُ } المعهود فى الآية قبل { يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ } أبصار أهل الصيب ، يقرب أن يأخذها بسرعة ، وإسناد الخطف إلى البرق مجاز للسببية ونفى كاد نفى ، وإثباتها إثبات كسائر الأفعال ، وغير هذا تخليط ، وإذا قلت ، كاد يقوم فمعناه قرب ، وإذا قلت ، لم يكد يقوم فمعناه لم يقرب ، وإذا قيل ، لم يكد يقوم مع أنه قام فمعناه أنه لم يقرب للقيام ، ثم قرب وقام { كُلَّمَا أَضَاءَ } ظهر البرق أو أظهر البرق الطريق { لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } يمشون فى ضوئه كل إضاءة أى كل وقت إضاءة ، أو فى الطريق المدلول عليه بالشىء ، كما قدر بعض ، كلما أضاء لهم ممشى مشوا فيه ، وذلك أن المشى فى مطرح البرق لا فى البرق ، والهاء للبرق ، وكل ظرف لإضافته إلى المصدر المنسبك بما المصدرية المستعمل ظرفاً ، كجئت طلوع الشمس ، ويجوز أن يكون لازماً بمعنى وقع ، كما فسرته أولا ، كلما لمع مشوا فى مطرح ضوئه { وَإِذَا أَظْلَمَ } الطريق المسدود عليه ، أو أظلم البرق ، أى زال ، أو الجو { عَلَيهِمْ قَامُوا } أمسكوا عن الشىء .

{ وَلَوْ شَاءَ اللهُ } أى لو شاء إذهاب أسماعهم وأبصارهم { لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ } أى بسمع المنافقين ، الإضاءة للحقيقة أو الاستغراق ، وكأنه قيل ، بأسماعهم ، كما قال { وَأَبْصَرِهِمْ } عيون المنافقين الظاهرة كما ذهب ببصائر قلوبهم الباطنة فلا تقبل الحق ، ويجوز عود الهاءين لأصحاب الصيب ، لأن بصائرهم ولو كانت لا تعمى بالظلمات لكن المراد التنوية للصيب وشأنه المشبه بهما حال المنافقين ، فإن تقويتهما تقوية لحالهم فى الهول ، فيكون شبههم بالمستوقد ، ثم بالصيب الموصوف بما ذكر ، وبأنه لولا أن الله حفظ سمع أهله وأبصارهم لذهبت بالبرق والرعد ، ومشيهم فى البرق تشبيه لميلهم إلى بلاغة القرآن ، وصدقه ، ووعده بالخير ، وإمساكهم عن المشى عند ذهاب البرق ، وتشبيه لوقوفهم عما يكرهون من تسفيه دينهم ، ورفض آلهتهم ، والمشيئة والإرادة بمعنى ، ولا يصح ما قيل إن أصل لمشيئة لإيجاد واستعمل بمعنى الإرادة ، والباء للتعدية ، أى أذهب أسماعهم ، وقيل ، ذهبت بكذا ذهبت معه ، وإذا لم يذهب فللتعدية ، أو مجاز فى المعية .

{ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } أى على كل شىء ممكن وأما المستحيل فى حقه ، كاتخاذ الصاحبة والولد فلا تقل هو قادر عليه ، لأن الاتصاف بالقدرة عليه اتصاف بجوازه ، ولا غير قادر عليه ، لأن هذه صبغه عجز ، تعالى عنها ، ولأنها فرع عن تقرره هكذا فى الجملة ، وهو غير متقرر ، تعالى عنه ، أو المعنى على كل شىء شاءه هؤلاء لا يرده عما أراد وقوعه ، ومع ذلك هو قادر على إيقاع لم يسبق قضاؤه بوقوعه من الممكنات إجماعا ، وما لم يكن ولا يكون لا يسمى شيئاً ، ونسبه بعض أصحابنا ، وقيل شىء ، وهو الصحيح عندى ، وأما المستحيل فلا يسمى شيئاً ، والآية ونحوها من الآى والحديث تدل على جوازه فى كل معلوم ممكن ، ويطلق على المحال بمعنى ملاحظته ، ولا يقال قادر عليه ولا غير قادر ، ومعنى : وقد خلقك من قبل ولم تك شيئاً : لم تكن شيئاً موجوداً ، بل شيئاً معدوماً .
__________________
يقول الشيخ علي رحمه الله:
إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

{ يَأَيُّهَا النَّاسُ } لم يقع النداء فى القرآن بغير يا ، وهى الأصل ، فما حذف منه حرف النداء ، مثل : ربنا لا تؤاخذنا ، وآية المؤمنون قدر فيه ياء ، لذكرها فى غيره ولأصالتها ، ويأيها الناس مكىّ ، وقلَّ مدنيا ، كما فى هذه السورة والنساء والحجرات ، فإنهن مدنيات ، والنداء هنا ، وفى قوله : يأيها الإنسان ، ونحوهما للتنبيه على ما يصلح ، ويأتى للمدح ، نحو ، يأيها الرسول ، و ، يأيها النبى ، و ، يأيها الذين آمنوا ، وللذم نحو ، قل يأيها الكافرون ، وليس منه ، يأيها الذين هادوا ، لأن المعنى الذين ادعوا أنهم تابوا إلى الله . إلا أن يدعى خروجه عن معناه الأصلى إلى معنى الذين بقوا على اليهوديه مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويكون للعقاب ، كقوله تعالى : يأيها المدثر ، و : يأيها المزمّل ، أو الآيتان للإنشاط والإراحة من صبق المفاكه لغيره ، ويكون لغير ذلك ، والخطاب فى مثل الآية للموجودين المكلفين والآيتين بعد إلى قيام الساعة ، ولو مجانين أو صبيانا يقيد الإفاقة والبلوغ ، وذلك تغليب وقيل للمكلفين الموجودين فى مهبط الوحى ، وأما غيرهم فبالنص أو القياس أو لإجماع ، لا بصيغة الشراء ونحوها .

وعلى الأول خوطبوا إذا بلغوا أو أفاقوا من زمان الوحى ، قال بعضهم : الأصح أن نحو يأيها الناس يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم ولو قرن بقل ، أو اكتب إليهم ، أو بلغهم ، أو نحو ذلك ، وقيل : لا يشمله ، لأنه ورد على لسانه للتبليغ لغيره ، لأنه إن كان آمراً أو مبلغاً فلا يكون مأموراً أو مبلغاً إليه لأن الواحد بالخطاب الواحد لا يكون آمراً ومأموراً ، ومبلغاً ومبلغاً إليه للضرورة ولأن الآمر أو المبلغ طالب ، والمأمور أو المبلغ إليه مطلوب .

وإن قيل : قد يكون آمراً ومأموراً ، مبلغاً مبلغاً إليه من جهتين ، قلت : الآمر أعلى رتبة من المأمور ، ولا بد من المغايرة ، إلا أنه لا يشترط أن يكون المبلغ أعلى رتبة من المبلغ إليه ، لكن الخطاب يصل المبلغ قبل ، وقيل : إن قرن بنحو قل لم يشمله صلى الله عليه وسلم لظهوره فى التبليغ . وإلا شمله . والأصح أن نحو ، يأيها الناس يشمل العبد المكلف شرعاً كما يشمله لغة ، وعليه الأكثر ، وقيل : لا يشمله لصرف ما معه إلى سيده فى غير أوقات ضيق العبادات وشمل الكافر أيضاً ، لأنه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح ، وشمل الموجودين وقت النزول ، وقيل : يتناول من سيوجد أيضا ، وفيه أنه لا يظهر أن يقال للمعدوم يا فلان أو نحو ذلك .

{ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ } وحِّدُوه لا تجعلوه له شريكا ، أو اعملوا الصالحات واجتنبوا المحرمات له ، ومن ذلك ترك الأصنام والهوى { الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم } وتعليق الحكم بالمشتق أو بما معناه يؤذن بكونه علة ، أى اعبدوا الذى هو سيدكم ، أو مريبكم ، وخلقكم وخلق الذين من قبلكم ، أى اعبدوه لسيادته وملكه وخلقه لكم ، فما ليس سيداً لكم ولا مالكاً ولا خالقاً لا يستحق أن يعبد .

{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال سيبويه : عسى فى كلامه تعالى للتحقيق ، ولا يشكل عليه قوله تعالى « عسى ربه إن طلقكن » لأن تحقيق تبديل أزواج خير معلق بالتطليق ، والطليق غير واقع ، وأمل سئل عسى ، فمعنى الآية تحقق حصول الوقاية عن عقابه بالعبادة ، أو اعبدوه راجين حصول الوقاية ، فقد لا تكون العبادة وقاية لخلاها ، أو إبطالها برياء أو وردة أو نحوهما ، أو اعبدوه لتحصلوا الوقاية ، أو شبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابها ودواعيها بالترجى فى أن متعلق كل منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل ، مع رجحان ما بجانب الفعل ، فينتقل ذلك إلى كلمة لعل فتكون استعارة تبعية ، أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه ، وهو الرجاء ، فتكون الاستعارة بالكناية .

--------------------------------------------------------------------------------

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

{ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ } فى جملة من سواكم { الأَرْضَ فِرَشاً } بساطا خارجاً عن الماء مع ثقلها ، ينتفع به لا صلباً ضاراً ، ولا رخوا مفرقا ، وسماها بساطا ولو قيل : إنها كريّة الشكل؛ لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة سطحا ، وكانت قبل خلق السماء كرية ، وبعد خلق السماء دحيت ، أى بسطت { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } من فوقكم كالسقف ، كما جاء فى آية أخرى ، أنها كسقف للأرض أو كقبة مضروبة على الأرض ، لتقدم خلقها ، ولأنهم فيها ، ولأن انتفاعهم بها أكثر ، ولأنها ما يحتاج إليه بعد الوجود ، إذ لا بد من مكان يستقر فيه ، أو لأنها أفضل من السماء ، لأن الأنبياء منها وفيها ، وهذا قول { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ } أى من جهتها ، أو من السحاب سماه سماء { مَآءً } والله قادر أن ينزل من السماء إحدى السبع ماء فى سرعة.

{ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ } أخرج به { رِزْقاً } من الثمرات { لَّكُمْ } تأكلونه ، وتعلفون دوابكم وتلبسونه كالقطن والكتان ، وما لدواب الناس هو لهم ، من الثمرات حال من رزقا ، ومن للتبيعيض أو للبيان ، ورزقا مفعول به ، أو من اسم بمعنى بعض ، مفعول به ورزقا حال مِنَ مَن ، والثمرات جميع ما تخرج الأرض حتى الحشيش ، أو الثمار ، ونواها داخل فيها علف ، وذلك أسباب ألا تجعلوا له أنداداً ، كما قال { فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَاداً } شركاء فى العبادة ، مقاومين لله تعالى عن ذلك ، فإن كل ما سواه عاجز ذليل ، خلقه الله وملكه ، وذلك أن ما يصنعون بأصنامهم ، وما يعبدونه فى صورة المقاومة ، قالوا بها أو لم يقولوا ، والند المقاوم مثلا ، أو خلافا ، أو ضدا ، وهم لا يقولون بالمناداة ، أو الند الكف ، أو المثل ، وإذا جمع مع غير كالكف ، والضدو المثل والشبيه كان كل بمعناه على حدة ، الند مثل الشىء الذى يضاده ويخالفه فى أموره ، وينافره ، من ندّ البعير إذا نقر ، وقيل : الند المشارك فى الجوهرية ، والشِّكل المشارك فى القدر والمساحة والشبه المشارك فى الكيفية والمساوى فى الكمية ، والمثل عام .

وفى تسمية الأصنام أنداداً استعارة تهكمية . لأنهم علموا أنها عاجزة لا فعل لها ، ولا تشارك الله تعالى فى شىء ، كما يستعار أسد للجبان ، والتبشير للوعيد ، وحكمه ذلك الإشارة إلى أن عليهم ذنب من اعتقدها مشاركة له فى صفاته وأفعاله { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه ليس فى كتاب من كتب الله ثبوته الند له تعالى ، وتعلمون أنه الخالق ، وغيره ليس خالقا ، فكيف يصح لكم جعل من لا يخلق شيئا إلها مع ما تشاهدون من حديث غيره وعجز غيره ، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء ، أو تعلمون من أهل التوراة والإنجيل أنه ليس فيها جواز اتخاذ الأنداد ، بل النهى .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

{ وَإِنْ } جريان مع تحقق ارتيابهم إشارة إلى أنه بعيد جداً حتى إنه يشك فى وقوعه ، وذلك توبيخ ، أو لأن فيهم من لم يتحقق ارتيابه ، فغلب على غيره ممن تحقق ارتيابه ، ولما اختلفوا جعلوا كأنه لا قطع بارتيابهم { كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ } شك { مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ، أهو من الله ، أو من عنده ، أو غيره من الناس ، ومقتضى الظاهر الغيبة فى ، وإن كنتم فى ريب مما نزل على عبده ، ولكن عدله إلى التكلم تفخيماً للقرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قالوا ما يقول محمد لا يشبه الوحى ، وإنا لفى شك منه ، فنزلت الآية { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّنْ مِّثْلِهِ } أى سورة هى مثل ما أنزلنا فى البلاغة ، وحسن التأليف ، والإخبار بالغيب مع الصدق ، أو ، فأتوا بسورة صدرت ، أو كانت من مثل عبدنا من فصحاء العرب وبلغائها ، ولو كان يقرأ الكتب والأخبار ويسمعها ، وكيف تأتون بها من أمى مثله ، لا يقرأ ولا يكتب ، ولا يسمع الأخبار ، ويدل للأول قوله { وَادْعُوا } . . . إلخ ، وقوله تعالى فى سورة أخرى { بسورة مثله } وقوله تعالى { بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثلِه } فإنه لا يصح فيها عود الضمير إليه صلى الله عليه وسلم ، وأقل السور ما فيه ثلاث أيات كسورة الكوثر ، وسورة والعصر ، وسورة قريش ، إلا أن يعد { لإِيلافِ قُرَيْشٍ } أية ، وكسورة الفتح إن عد { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْح } أية وهو المكتوب ، والواضح أنها آيتان ، آخر الأولى أفواجا ، وآخر الثانية توابا ، فأقل السور آيتان ، إلا أن جاء حديث فى أن آخر الأولى والفتح.

{ وَادْعُوْا } نادراً واطلبوا { شُهَدَاءَكُمْ } جمع شهيد أو شاهد ، لتعينكم آلهتكم التى تشهد لكم على زعمكم ، أنكم عبدتموها وتقربكم إلى الله زلفى ، أو تنصركم ، أو تحضركم للنفع ، أو تكون إماماً لكم ، فإن الشهادة تكون من تلك المعانى { مِّن دُونِ اللهِ } غير الله ، أصل دون التفاوت والانحطاط فى الحس كقرب مكان ، وكقولك عمرو دون زيد فى للمقامة ، وتستعمل فى غير الحس ، نحو عمرو دون زيد شرفا ، ثم شاع استعماله فى كل تفاوت ، وكأنه أداة استثناء { إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ } فى أن القرآن من غير الله .

--------------------------------------------------------------------------------

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

{ فَإِنْ لَّمْ } مجزوم إن لم ومجزومها أو لم والجملة بعدها ، فهى من الجمل التى لها محل ، كما قيل بأن محل جملة الشرط إذا سبقت بمبتدأ رفع خبر له ، نحو ، من يعمل سوءاً وهو قول بعض { تَفْعَلُوا } إتيانا بالمثل لعجزكم { وَلَنْ تَفْعَلُواْ } إتيانا بالمثل لظهوره إعجازه ، وعجزكم ، أى ، والحال أنكم مقدرون ألا تفعلوا أبدا ، ولا يضر تصدير جملة الحال بأداة الاستقبال ، إذا كانت الحال مقدرة ، ولا يصح العطف لأن أداة الشرط لا تليها لن { فَاتَّقُواْ النَّارَ } بالإيمان بأن القرآن من الله عز وجل ، فإن إنكاره موجب لها ، أو ، فاتقوها مع بقائكم على الكفر إن وجدتم وقاية ولكن لا تجدونها ، وعرف بالنار عهدا من تنكيرها فى أية التحريم النازلة فى مكة وأول التحريم إليها مدنى.

{ الَّتِى وَقُودُهَا } أى الجسم الذى توقد به { النَّاسُ } الكفرة ، قدم الناس لأنهم المعذبون ، ولأن لحومهم وشحومهم أليق بالنار تزداد بها وقودا ، والمراد ما يشمل الجن أو لم يرادوا فى الآية . لأن السياق لكفار قريش ، وذكروا فى غير هذه الآية { وَالْحِجَارَةُ } المعبودة ، إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وما شاء الهل من الحجارة لتعذيب الكفرة مطلقاً ، ولمزيد التحسر إذا رأوا أنهم عذبوا بما عبدوا ، ولم يدفع عذابهم ، فضلا عن أن ينفعهم ، وهى نار تتقد بالحجارة لشدة حرارتها ، لا كنار الدنيا تتقد بالحيل أو بالحطب ، ويوقى عنها الناس ، وقيل حجارة الكبريت لشدة حرها ، وكثر الالتهاب ، وسرعة الإيقاد ، ومزيد الالتصاق بالأبدان ، ونتن الريح وكثرة الدخان ، وقيل الذهب والفضة لأنهما يسميان حجرا ، ولا يتبادر ، ولا مانع من أن يراد ذلك كله.

{ أُعِدَّتْ } هيأها الله وأوجدها ، ووكل عليها ملائكة قبل يوم القيامة ، ولا تفنى ، وإن فنيت أعادها ، وحكمة إيجادها قبله الإخبار بأحوالها الواقعة للزجر ، وهو أقوى من الإخبار أنها لم تكن ، وأنها ستكون بوصف كذا ، وإن لم تكن الآن فكأنها كانت لتحقق الوقوع ، فعبر بأعدت ، والمراد ستعدّ { لِلْكَفِرِينَ } يعذبونها بها ، أو الكافرون ، كفار قريش ونحوهم ، عدل عن الإضمار مع تقدم ذكرهم إلى ذكرهم باسم الكفر الموجب للنار المذكور ، أو جنس الكفار ، فيدخل هؤلاء أولا وبالذات .

--------------------------------------------------------------------------------

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا } بالله ، وبأن القرآن منه ، عز وجل ، أخبرهم إخبارا يظهر الفرح بها على أبشارهم ، أى جلودهم ، والتبشير أخص من الإخبار ، لأنه أولا بالخير ، والإخبار أولا وغير أول ، وبالخير وغيره { وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ } من الفرائض ولا بد ، أو مع النقل إن كان ، ومن العمل الصالح ترك المعاصى ، لأن تركها جبذ النفس عنها ، وهو عمل إن قارن جبذها عمل الجارحة ، وذلك الترك تقرى ، ومن التقوى أداء الفرض ، وأل فى الصالحات للجنس فتصدق بعملين ، وبعمل واحد فى شأن من لم يدرك من حين كلف إلا ذلك ، كمن بلغ ومات عن قريب ، أو أسلم كذلك ، أو مات قبل نزول سائر الفرائض ، ومن عمل قليلاً فجنّ ، ولا يخفى أنه من مات قبل أن يعمل شيئاً ما من الأعمال لسرعة موته أو نحوه يدخل الجنة .

{ أَنَّ لَهُمْ } أى بأن لهم ، أو ضمن بشر معنى الإِعلام { جَنَّتٍ } حدائق ، فيها كل صنف من الثمار حت ما لا يؤكل ، كالحنظل يحلوفيها ، وفيها مساكن وقصور { تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا } تحت أشجارها ومساكنها ، والجنة الأرض كما رأيت ، بتقدير مضاف ، وإن شئت فلا تقدر ، بل اردد الضمير إلى الأرض ، والمراد به الأشجار استخداما ، وإن أريد الأرض والشجر فالضمير عائد إليها باعتبار جزئها ، أو تحتها جانبها { الأَنْهَرُ } تنبع من تحتها ، ولم تجىء من محل آخر ، أو جاءت من بحر غائرة فى الأرض حتى إذا وصلت الجنات نبعث ظاهرة ، وجرت على وجه الأرض فى غير أخدود ، وحصباؤها درّ وياقوت ، أو بعض تجرى من بعيد تحتها ، وبعض تنبع تحتها ، والنهر والبحر أرض ، وذلك لأن الماء ينهره ، أى يوسعه ، والجرى للماء ، وأسند لمحله ، والنهر مجمع الماء الذى يجرى الماء منه إلى غيره ، وإن قلنا النهر الماء الجارى فى متسع فلا مجاز ، وأل للحقيقة ، أو للعهد فى قوله ، فيها أنهار ، أو نابت عن الضمير .

{ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا } من الجنات { مِنْ ثَمَرَةٍ } حال من قوله { رِّزْقاً } أى شيئاً مرزوقاً ، ورزقاً مفعول ثان ، ومن للبيان ، أى رزقا هو ثمرة لا بدل بعض ، لأدائه ، إلى حذف الرابط ولإفرادها ، ولا يرزف من الثمرة ، ولأدائه إلى استعمال النكرة فى الإثبات للعموم الشمولى مع وجود التخلص من ذلك ، ولا بدل اشتمال ، لأن الثمرة بعض الجنة ، لا شىء غيرها ملابس لها ، ولأدائه إلى استعمال النكرة فى الإثبات للشمول ، ولو قيل به فى علمت نفس ، والثمرة الإفراد أو الأنواع ، وما مصدرية ، وكل ظرف لإضافته للمصدر النائب عن الزمان ، أى كل رزق منها ، بفتح الراء على المعنى المصدرى ، متعلق بقوله { قَالُوا } أى يقولون كل وقت رزق منها { هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } فى الدنيا أوفى الآخرة ، ولا يزالون يقوولون هذا الذى ..إلخ ، أى مثل الذى رزقناه من قبله ، فى ظنهم بحسب اللون والصورة ، وإذا أكلوه وجدوا طعمه غير طعم الأول وأحلى ، وكل طعام أفضل مما قبله أبدا ، فإذا رزقوا الرزق الأول فى الجنة قالوا ، هذا الذى رزقنا به فى الدنيا ، وإذا رزقوا ثانيا قالوا ، هذا الذى رزقناه فى الجنة قبل ، وهكذا إلى ما لا نهاية له ، وقيل ، ذلك كله فى الآخرة لم يدخل فيه ما فى الدنيا ، ولا دليل على أن المراد بالذى رزقنا من قبل هو الأعمال الصالحة فى الدنيا ، تسمية للسبب باسم المسبب .

{ وَأُتُوْا بِهِ } أى أتاهم الملائكة به ، أو الولدان كقوله تعالى { يَطُوفُ عَلَيهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُون . . . } إلخ أو تارة الملائكة ، وتارة الولدان { مُتَشَبِهاً } يشبه بعضه بعضا لونا ، ويختلف طعما ، أخبرنا الله يتشابه اللون تلذيذا لنا بغرابة تشابه اللون واختلاف الطعم ، وذلك مدح للجنة ، أو متشابها لونا وطعما ، إلا أن الطعم متفاوت ، فضلا ، قال الحسن : إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ، هذا الذى رزقنا من قبل ، فتقول الملائكة ، اللون واحد والطعم مختلف ، وعنه صلى الله عليه وسلم ، « والذى نفس محمد بيده ، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمر ليأكلها ، فما هى واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها » ، فيجوز أن يحمل التشابه ، وهذا الذى رزقنا من قبل على هذا .

{ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ } حور عين وآدميات أفضل منهن ، وللجن جنيات وحور ، والجمع للقلة ، والمراد الكثرة ، وقيل لغة تميم ، وكثير من قيس ، قال الفرزدق :
وَإِنَّ الَّذِى يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِى ... كَسَاعٍ إِلَى أُسْدٍ الشَّرَى يَسْتَمِيلُهَا

{ مُّطَهَّرَةٌ } منزهلة عن أن يكون فيهن الحيض أو شعر الإبط ، أو شعر العانة أو نتن أو بلل مستقذر ، أو بول ، أو غائط ، أو سوء خلق ، كما هم طهروا كذلك والمطهر لهن الله تعالى ، وليس ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز ، إذ كان التطهير فى الآدميات والجنيات إذهاب نحو الحيض منهن بعد إذ كان ، أو تأهلهن له ولم يكن ، وفى الحور من أول الأمر ، لأن المراد تحصيلهن طواهر هكذا ، وليس فى ذكر الزوجات ما يدل على الولادة فى الجنة ، فقيل : لا ولادة فيها ، وهو المشهور ، وقيل بها.

{ وَهُمْ فيها خَلِدُونَ } لا يخرجون ولا يموتون ، ولا نزول بعض حواسهم وأجسادهم ، ولا بعض قواهم ، ولا تصيبهم آفة ، ولا تفنى الجنة والنار وأهلهما ، كما زعمت الجهمية ، قبحهم الله عز وجل ، لأنه ليس فى دوامهما اشتراك مع الله فيه ، لأن دوامه غير دوامهم ، فإنه بالذات ، ودوامهم بإدامته ، وأنفاس أهلهما مع دوامهما معلومة له ، بل قيل ، يقال ، إن معلوماته محصورة عنده مع أنها لا تنقضى ، وذلك من كمال قدرته ومخالفته للخلق ، فلا يلزم الجهل له تعالى بدوام أنفاس أهلها ، والنصوص دلت على ذلك ، ولو كان لأهل الجنة فناء لاغتمّوا ولم تتخلص لذاتهم ، ولفرح أهل النار ، وليس لهم فرح .

روى عن ابن عباس وابن مسعود ، أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، فأصابهما هذا المطر الذى ذكر الله فيه رعد وبرق وصواعق ، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق جعلا أصابعهما فى أذانهما من الفرَق أن تدخل الصواعق فى مسامعهما ، فتقتلهما ، وإذا لمع البرق مشيا إلى ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا ولزما مكانهما ، فجعلا يقولان ، ليتنا قد أصبحنا فنأتى محمداً فنضع أيدينا فى يده ، فأتياه مكانهما ، فجعلا يقولان ، ليتنا قد أصبحنا فنأتى محمداً فنضع أيدينا فى يده ، فأتياه فأسلما ، ووضعا أيديهما فى يده ، وحسن إسلامهما .

فضرب الله شأن الرجلين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة ، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبى صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم فى أذانهم فرَقا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم ، أن ينزل فيهم شىء ، أو يذكروا بشىء فيقتلوا ، كما يجعل الرجلان أيديهما فى أذانهما ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه ، إذا كثرت أموالهم ، وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه ، وقالوا ، إن دين محمد صدق ، واستقاموا ، كما يمشى الرجلان فى البرق ، وإذا أظلم عليهم قاموا ، إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء قالوا : هذا لدين محمد وكفروا ، كما يمسك الرجلان من المشى إذا زال البرق ، قيل : لما مثل الله حال المنافقين بالذى استوقد نارا ، وبالصيب من السماء المنافقون ، الله أجل وأعلى من أن يضر ههذ الأمثال ، فأ ، زل الله عز وجل :

{ إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً } ما نعت لمثلا ولو كان جامداً ، لأن معناه حقير أو كائن ما كان ، وهو مشهور ، بذلك مستعمل فيه كثيراً بخلاف بعوضة فلا يكون نعتاً لأنه جامد ، ولو قصد به الوصف ، لأنه لم يشهر ، أو لم يرد ، لا يقال ، جاء رجل بعوضة ، بل بعوضة مفعول أول ليضرب ، ومثلاً مفعول ثان له ، لأنه بمعنى صيّر ، وإن عدّى لواحد ، فمثلا مفعول وبعوضة بدل أو مفعول ، ومثلا حال { فَمَا فَوْقَهَا } إلى قوله هم الخاسرون للدنيا وأهلها ، فإن البعوضة تحيا ما جاعت ، وإذا امتلأت ماتت ، ومن امتلأ من الدنيا هلك أو لأعمال العباد يجازى على القليل منها .

والصحيح ما ذكر عن ابن عباس ، رضى الله عنهما ، أنه ذكر الله سبحانه أصنام المشركين ، فقال { وَإِن يَسلبهم الذباب شيئاً } وذكر كيدها ، وجعله كبيت العنكبوت ، فقالوا ، كيف ينزل الله ذكر الذباب والعنكبوت فنزلت الآية { إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِى } وعن الحسن ، لما نزلت { يَأَيها الناس ، ضرب مثل } قال المشركون : ما هذا من الأمثال ، فنزل ، إن الله لا يستحيى وفيه أن ذكر المشركون لا يلائم كون الآية مدنية ، ويجاب ، بأنهم منافقون فى المدينة ، يقولون ذلك فيما بينهم ، وهم مشركون فى قلوبهم ، وعن ابن عباس ، لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت قيل ، ومستوقد النار ، قال اليهود : ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة فنزل ، إن الله لا يستحيى . . إلخ ، أى لا يترك ، لقول اليهود والمشركين تصير البعوضة فما فوقها فى الصغر كجناحها مثلا ، أو فى الكبر كائناً من كان ، ويصير المثل شيئاً ما بعوضة فما فوقها ، وإذا ضرب ما زاد على البعوضة فى الصغر فأولى أن يضربه بما فوقها فى الكبر كالذباب والعنكبوت ، والحياء إنكسار وانقباض عن عيب ، والله منزه عن ذلك ، فيحمل فى حقه على لازم ذلك ، وهو الترك فالاستحياء من الله التركن تعبير باللازم ، لأن حقيقته ينزه الله عنها ، وهى انكسار يعترى لإنسان لخوفه من أن يعاب بما فعل ، أو أراد فعله ، وهو مشتق من معنى الحياة ، لأنه يؤثر فى القوة ، ولا يحسن أن يبقى على ظاهره ، ويوكل أمره إلى الله عز وجل ، وقد ألهمنا تأويلا صحيحاً بلا تكلف ، ولا أن يقال ، هو بظاهره بلا كيف ، لأنه كفر ، والخجل حيرة النفس لشدة الحياء وقيل قبل الفعل ، والخجل بعده .

{ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } أى المثل هذا أولى ، لأنه أقرب . أو الضرب لأنه مصدر لفعل مقرون بأن ، وليس من باب اعدلوا هو أقرب ، ويبعد عوده لترك الاستحياء ، وأبعد منه عوده للقرآن { الْحَقُّ } الثابت أو خلاف الباطل حال كونه { مِنْ رَّبِّهِمْ } أو الحق الصادر من ربهم .

{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } يهود وغيرهم { فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً } من حيث التمثيل إنكاراً أو تعجباً من صحته مثلاً وهذا برهان على أنهم لا يعلمون ، إذ لا يقوله من يعلم فهو أبلغ من قولك وأما الذين كفروا فلا يعلمونه حقّاً ، وأجابهم الله عز وجل ، ونصب مثلا على التمييز كما رأيت من اسم الإشارة ، لجواز تمييزه وتمييز الضمير إذا كانا مبهمين ، أو حال منه { يُضِلُّ بِهِ } بالمثل { كَثِيراً } من الناس ، يصيرهم ضالين لكفرهم به { وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً } لتصديقهم ، فإن التصديق هداية من الله عز وجل .

{ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَسِقِينَ } من سبق القضاء عليه بأنه يموت على فسقه ، الذى هو شرك ، ومن لم يؤمن به وسيؤمن فإن إنكاره فسق يتوب منه ، والسعيد فى حال فسقه فاسق عند الله عز وجل بما فعل لكنه فى ولاية الله عز وجل بما علم أنه يتوب ، فهو فاسق فى الحال يفعله ، ومسلم فى الأزل وما بعده لسعادته ، وليس المراد أنه مسلم كافر عند الله باعتبار واحد ، ولا أنه اجتمع فيه إيمان وكفر فى حال واحد ، ولا تقدر أن تقول هو فى حال فعله للكبيرة أن فعله هذا مباح ، ولا أنه طاعة ، ولا غير ذنب ولا غير فسق ، ولا غير كفر ، وكل خروج عن الشىء فهو فسق إلا أنه لا يطلق حيث يوهم ، والهداية والإضلال يتجددان ويزدادان ، فإن شئت فقل : يزيد به هدى وإضلالا ، وقدمه ، لأن الكلام فى الرد على الضالين ، وقولهم ، ماذا أراد الله ناشىء عن الضلال ، وما فى القرآن سبب له ، ولذلك أكده بقوله ، وما يضل به إلا الفاسقين ، فيكون بدأ به وختم به .

--------------------------------------------------------------------------------

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ } يبطلون إبطالا شبها بفك طاقات الحبل ، العهد الشبيه بالحبل فى التوصل به إلى المراد ، من نجاة من مكروه ، وفوز بما يحب ، وهو ما أنزل الله عز وجل فى كتبه ، القرآن وما قبله ، من الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك كالمعلوم ولو لم يعلم لقوة حججه كأنه معلوم ، ولو لمن لم يعلمه ، وزاد أهل الكتاب بما فى كبتهم من أخذ الميثاق عليهم وعلى أنبيائهم ، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الله العهد بالإيمان على بنى آدم يوم قال : ألست بربكم ، وأخذ الله العهد على الأنبياء ، أن يقيموا الدين ويؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذ العهد على أنفسهم ، أن يؤمنوا به ، وأخذا العهد على العلماء ، وعلى من علم أن يبينوا الحق ، والآية فى الكفار عموماً ، شبه العهد ، وهو ما عهد الله عز وجل إلى الخلق من الدين بالحبل بجامع التوصل إلى المقصود والارتباط ، ولم يذكره ، ودلّ له بذكر مناسبه ، وهو النقض ، فالحبل استعارة بالكناية ، وقرينتها تصريحية تبعية ، وهى ينقض ، فهنا استعارة مكية ، قرينتها استعارة تحقيقية لا تخييلية ، شبه إبطال العهد بقطع الحبل أو فك طاقاته ، فسمى الإبطال نقضا ، واشتق منه ينقض.

{ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ } تأكيد الله وإبرامه للعهد بالأدلة الفعلية والنقلية ، كالكتب من الله ، فالهاء للمضاف إليه ، وهو الله ، ولا إشكال فيه ، إذا كانت الإضافة لفظية ، كالإضافة إلى الفاعل كما رأيت ، أو المفعول كما ستراه ، إن شاء الله ، فإنها فى منزلة عدم الإضافة أو من بعد ميثاق العهد ، أى إبرامه كذلك أو تأكده وتقويه من الله ، أو منهم بالقبول والالتزام ، فالهاء للعهد ، والميثاق التوثق أو التوثيق ، أو آلة . أى ما وثق الله تعالى به عبده من الآيات .

{ وَيقطون مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } أى بأن يوصل ، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء ، وعدم التفرقة بين رسول الله وآخر ، وكتاب آخر ، والرحم ، والمؤمنين ، والجهاد وسائر الدين ، وما ذكر من العموم أولى فى تفسير ما أمر الله به ، بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإطلاق ما عليه ، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم ، ومن تفسيره بوصل القول بالعمل ، ومن تفسيره بالأنبياء وأن يوصل بدل اشتمال من الهاء كما رأيت ، والأمر طلب الفعل جزما ولو ندبا ، أو بشرط العلو ولو ادعاء ، أو بشرط تحقق العلو .

{ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ } بالمعاصى مطلقا ، أو بالمنع عن الإسلام ، وقطع الطريق عن من يهاجر ، وهو أولى { أُولَئِكَ } البعداء عن مقام الخير بصفاتهم الخبيثة { هُمُ الْخَسِرُونَ } المبطلون لمصالح أنفسهم ، إذا صاروا للنار ، إذ لم ينتفعوا للآخرة بعقولهم ، وأموالهم ، وأبدانهم ، وأولادهم ، وجاههم ، وأبطلوا نساءهم فى الجنة ومنازلهم فيها ، فلا رأس مال ولا ربح .

--------------------------------------------------------------------------------

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ } وبخهم الله على ما مضى من الكفر واستمراره ، أو أنكر علهيم لياقته بحال صحة ومرض ، وسير وعسر ، وعز وذل وغير ذلك من الأحوال ، أو ذلك تعجيب ، وذلك لقيام البرهان ، ولخطاب لأهل مكة ، ونزلت الآيتان فيها ، وجعلتا هنا على ترتيب اللوح ، أو حطاب لهم من المدينة بعد غيبرة ، وتأكيداً عليهم ، كما يغتاب ثم يخاطب مخافة ألا يصل الكلام ، حاشا لله عز وجل ، أو خطب لكل من كفر ، كيف يكفر كافر ، والحل أنه كان غير موجود ثم ، وجد ، كما قال { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً } المراد بالموت فى الحياة ، بقطع النظر عن أن تكون قد تقدمت ، لا نفيها بعد أن كانت ، لأن الإنسان لم يكن حيّاً ثم مات أو أراد أنهم كانوا نطفا ، والنطفة كانت حية فى الإنسان وماتت بالانفصال ، وحييت فى الرحم ، أو كنتم كأموات ، وعلى كل حال لا يشكل أنهم فى الجماد لا يوصفون بموت ولا حياة { فَأَحْيَاكُمْ } فى الأرحام { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } لآجالكم { ثُمَّ يُحْيِيْكُمْ } فى قبوركم ويخرجكم { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للجزاء .

--------------------------------------------------------------------------------

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

{ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ } أى أجلكم ، أو ملك لكم { مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً } حتى العقارب والحيات والسباع ، فإنكم تنتفعون بها اعتباراً ، أو انزجاراً عن عقاب الله ، كما تنتفعون بالثمار ، والمعادن ، والماء ، والحيوان ، وما فى السم نفع لقتل المؤذيات ولا ينتفع بسم الميتة ولا يباع ولا يشترى ، بل سم غيرها ، وسم المعدن ، أو أراد بالأرض ما في جهته السفل ، فيشمل الأرض نفعها ، وما فيها ، استدل المعتزلة والفخر بالآية على أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحل إن كانت نافعة ، وعليه كثير من الشافعية والحنفية ، ولا تحتمل الآية أن اللام للضرر ، مثل { وإن أسأتم فلها } ولا دليل على أن المراد بالآية الإباحة ، على شرط نزول الوحى بها ، وقيل ، إنها قبل الشرع على الحظر ، وقيل بالوقف ، والأول أولى .

{ ثُمَّ اسْتَوَى } بعض خلق الأرض ، المدلول عليه بخلق ما فى الأرض ، واستواؤه هنا توجه إرادته ، واختار الجهل عن العلم من وكل أمره إلى الله ، وقد وجد له تأويلا ، وهلك من قال ، إنه على ظاهره ، لكن بلا كيف ، ويتم هنا تفسير استوى بملك ، لقوله إلى وقوله ثم إلا بتكلف أن إلى بمعنى على ، وقد ملكها قبل ، ولا باستولى لتكلف توجيه الغلبة على الجماد ، وثم لتراخى الوقت ، وإن قلنا للرتبة فلا نقض بها ، والصحيح أن السماء أفضل من الأرض ، من حيث إنها محل الطاعة التى لا معصية معها ، والأرض أفضل من حيث إنها للأنبياء ، والرسل والمؤمن أفضل من الملائكة ، والأرض أسبق خلقا على الصحيح .

{ إلَى السَّمَاءِ } أى إلى إيجادها كما أوجد الأرض ، وخلق ما فى الأرض متأخر عن خلق السماء تشخيصاً ، لكنه متقدم ضمنا ، فخلق ما يخلق منه الحيوانات مثلا خلق لها ، فإن الله عز وجل خلق الأرض بلا بسط فى يومين ، وخلق السموات وبسطها فى يومين ، وبسط الأرض وخلق ما فيا فى يومين.

{ فَسَوَّاهُنَّ } أى صير السماء ، وأتى بضمير الجماعة لإرادة الجنس ، ولتعدد ما بعده فى قوله { سَبْعَ سَمَوَتٍ } كقوله تعالى { وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً } فمقتضى الظاهر ، وإن كانت ، أى الأولاد ، ولكن قال : كن ، لقوله : نساء ، وقدم هنا وفى السجدة ما أخر فى النازعات ، لأن المقام فيهما للامتنان على المخاطبين ، وفى النازعات للقدرة ، ومعنى تسويتهن سبعاً خلقهن من أول مستويات ، كقولك ، وسع الدار ، أى بانها واسعة ، وسبع بدل من الهاء ، عائدة إلى السماء ، أو إلى ، بهم مفسر به ، أو مفعول ثان يتضمن معنى صبر ، وهو ضعيف ، أو حال مقدرة.

{ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } إجمالاً وتفصيلا ، وذواتا وأحوالا ، فمن قدرته وعلمه ذلك كيف يجحد ، أو كيف ينسب إليه العجز عن إعادة الخلق ، مع أنه خلق السموات والأرض ، وخلق الدخان من الماء قبل الأرض ، ولما خلق الأرض استوى إلى السماء وهى دخان ، وسواها سبعاً ، ثم بسط الأرض وفتقها سبعا ، وكان بسطها وفتقها فى الأحد ولاثنتين ، وهن بعض فوق بعض كالسموات ، وقيل : بعض يجنب بعض ، يفصل بينهن البحار وتظل السماء عليهن .
__________________
الآيات ( 30 - 48 )

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

{ وَإِذْ قَالَ } واذكر إذ قال ، وقيل : ظرف لقالوا { رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ } كلهم ، وقيل لطائفة خزان الجنان ، يسمون الجان ، أرسلهم إلى الأرض ليطردوا الجن منها إلى البحار ، والجزائر ، والجبال ، ولا يصح هذا ، ولا يصح أن إبليس ملك منهم ، وأقرب من هذا أنه ولد من الجن قبله ، وليسوا ملائكة ، قاتلهم الملائكة وأسروه فتعبد مع الملائكة ، والمشهور أنه أول الجن ، وقيل ملائكة الأرض ، لأن الكلام فى خلافة الأرض ، والمجرد ملئك بهمزة مفتوحة بعد الللام ، وهو مقلوب مالك بهمزة ساكنة فهل اللام ، من الألوكة ، وهى الرسالة ، وهم رسل الله إلى الأنبياء ، وإلى ما شاء الله ، وأخطأ من قال ، إن ملائكة الأرض يعصون كبنى آدم ، والملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الظهور.

{ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً } ينفذ الأحكام عنى ، وهو آدم ، إذ لا يقدر أهل الأرض على تلقى الأحكام عن الله ولا عن الملائكة { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } بالذنوب الكبار والصغار والمكروهات كالعجب ، والكبر والبغى ، والحسد .

{ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءُ } يريقها ، كناية عن القتل ، ولو بلا إراقة دم ، علموا ذلك من فعل الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم ، فى القول به ، وقاسوا عليه آدم وأولاده ، أو علموا ذلك من اللوح ، أو بإخبار الله لهم ، كما روى ، أنهم قالوا يا ربنا ، ما تفعل ذرية هذا الخليفة ، فقال : يفسدون فيها ، ويسفكون الدماء أو بإلهام ، أو لفهمهم أن من خالف الخلقة الملكية لا يخلو عن ذلك ، وقولهم ذلك تعجب وطلب للعلم بمكة اقتضت جعل الخيلقة مع أنه يحصل الفساد والسفك ، ولعلهم بالغوا فى التعجب والطلب ، فعاقبهم بقطع الوحى عنهم ، إلى أن أوحى إليهم ، أنى أعلم ما لا تعلمون .

وقيل : استفهام حقيقى ، أى أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم من يصلح { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } نسبحك مصاحبين بحمدك ، تقول سبحان الله والحمد لله ، أو سبحان الله وبحمده ، أى وبحمده نسبح . سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الكلام أفضل؟ قال : « ما اصطفى الله تعالى لملائكته ، سبحان الله وبحمده » ، ويقال ، تسبيح الملائكة سبحان ذى الملك والملكوت ، سبحان ذى العظمة والجبروت ، سبحان الحى الذى لا يموت ، أو نسبحك مثنين عليك وشاكرين لك على توفيقك لنا للحمد ، أو كقولك ، كان كذا بحمد الله ، أى بفضله وإذنه .

{ وَنُقَدِّسُ لَكَ } نطهرك عن صفات النقص ، أى نعتقد خلوك عنها ، وجاز هذا لأن التسبيح المذكور مراد به لفظ سبحان ، وإذا كان ذلك حالنا فنحن أحق بالاستخلاف ، لأنا أحفظ لعهدك ، ولا ندرى ، ما الحكمة فى العدول عنا إلى من ذلك صفته ، وذلك عجيب عندنا ، متعجبون نحن منه ، فأخبرنا بها ، يقال قدس الله ، وقدس لله ، وشكر الله ، وشكر لله ، وسبح لله ، وسبح لله ، ونصح الله ، ونصح الله ، أو نذكر ألفاظ التقديس لأجلك ، أو التسبيح التنزيه عما لا يليق به ، فالتقديس تنزيه ذاته عما لا يراه لاثقابه ، أو نقدس لك نطهر أنفسنا عما لا يجوز من الأدناس والمعاصى ، فلا نماثلهم .

{ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا } تبدون وما تكتمون وأعلم ما { مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من غيوب السموات والأرض ، ومن إرادتى إظهار حكمى وقدرتى ، وأن المطيع الواحد منهم أفضل من الملائكة ، وأنهم أشد عبادة وأشق ، لأنى أخلق لهم موانع كالنفوس والهوى والشياطين منهم ومن الجن ، والشهوات ، ولهم جهاد وقراءة ليسألكم ، وصلاتهم تشمل عبادتكم ، وعبادات لهم ليست لكم كالصوم والصدقة ، وأظهر العدل فيهم ولا أبالى ، وأدخل العاص منهم النار عدلا ولا أبالى ، ويحيون من الدين ما لا تحيون بالتعلم والتعليم والأمر والنهى ، علم الله ذلك ولم يعلمه الملائكة ، وقالوا ، سرا فيما بينهم ، لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم ، لتقدمنا ورؤيتنا بعض ما فى اللوح ، وأن آدم يطيع ، وإبليس يعصى ، وأن منهم أنبياء ورسلا ، وأعلم مضارع لا اسم تفضيل ، لأنه لا يضاف للمفعول .

--------------------------------------------------------------------------------

وَعَلَّمَ آَدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

{ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ } ألقاها فى قلبه مرة ، لا بتعليم ملك كما قيل { كُلَّهَا } من جميع اللغات ، وهى الحروف ، والأفعال ، والأسماء ، وواضع اللغة الله؛ فالمراد بالأسماء الألفاظ الدوال ، على المعانى ، فشملت الحرف والفعل إقراءً وتركيباً ، حقيقة ومجازا ، ودخلت أسماء الله كلها ، بل قيل ، أراد أيضاً ما يدل بلا لفظ كالنصب ، والعقد ، والإشارة بالجارحة ، وحال الشىء ، والمراد الأنواع كالإنسان ، والفرس والجبل ، والنخلة ، لا الأفراد كزيد ، وشذقم ، وهيلة ، وكل أهل لغة من أولاده وأولاد أولاده حفظ لغة ، ونسى غيرها ، وكلها موجودة فى أهل سفينة نوح ، أو أوقد عليها فى ألواح ، ودفنت وأخرجت بعد الطوفان ، أو أوحتى ما اندرس منها إلى نوح أو هود ، وآدم بوزن أحمر من الأدمة ، بمعنى السمرة ، ولا بأس بها فى الجنة ، لأنه لم يدخلها جزاء ، أو سمر بعد الخروج ، وفسر بعضهم الأدمة بالبياض ، ومن الأدمة بفتح الهمزة والذال ، وهو الغدوة ، أو من أديم الأرض ، أى جلدها أى ظاهرها ، أو من الأدم ، أو الأدمة بمعنى الألفة ، وألفه عن همزة ، وقيل عجمى ، بوزن شالح وآزر ، فألفه أصل ، وذلك فى الجنة ، وخلق فى الدنيا ، ورفعته الملائكة إلى الجنة ، وعاش بعد خروجه منها ألف عام أو تسعمائة.

{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أى الأسماء بمعنى المسميات ، وذكر الأسماء مرادا بها الدوال ، ورد الضمير إليها مرادا به المدلول على الاستخدام ، وضمير الذكور العقلاء تغليب على الإناث وغير العقلاء { عَلَى الْمَلَئِكَةِ } القائلين أتجعل فيها { فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ } بألفاظ { هَؤُلاَءِ } الأنواع المعروضة ، أحضر كل نوع ، فقال ما اسم هذا ، جسما أو عرضا ، مثل أن يلهمهم فى قلوبهم الفرح ما اسمه ، والنفل ما اسمه ، كما يقول لهم ، ما اسم هذا مشيراً للحجر ، وقد عرفوا بعض الأسماء والأفعال والحروف بلغة من اللغات ، كما هو نص الآية ، وإنما خص آدم بجمعه ما لم يعلموا إلى ما علموا ، أو ذلك تعجيز لهم ، لاتكليف بما لا يطاق { إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ } فى دعوى أنكم أحق بالخلافة ، والاقتصار عليكم عما يفسد ويفسك ، وأنكم أعلم ، وقد قالوا لن يخلق الله تعالى خلقا أعلم منا ولا أكرم ، وكأنه قيل ، فما قالوا ، فقال :

{ قَالُوا سُبْحَنَكَ } عن أن نكون فى قولنا أتجعل الآية معترضين { لاَ عِلْمَ لَنَا } بتلك المسميات وغيرها { إِلاَّ مَا } أى إلا علم ما { عَلَّمْتَنَا } إياه ، أولا معلوم لنا إلا ما علمتناه ، هذا اعتراف بالعجز ، وشكر على إظهار الحكمة فى الخليفة لهم { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ } بكل شىء { الْحَكِيمُ } فى جميع ما فعل وما قال ، وما يقول ، وما يفعل ، لا يكون منه سفه ، أو لا يخرج الأمر عما أراد ، يقال أراد فلان إحكام شىء ، أى إتقانه فأتقنه ، أى لم يخرج عما أراد ، وقدم العلم على الحكمة لأن المقام له ولقوله وعلم ، وقوله لا علم ، ولأن الحكمة تنشأ عن علم وأثر له ، ولا حكمة بلا علم ، لأن العلم لا يكون إلا صفة ذات ، والحكمة تكون صفة ذات ، بمعنى أنه أهل لأن لا يكون منه إلا الصواب وإلا الإتقان ، وتكون فلا بمعنى إتقان الأمر والإتيان به صوابا .

--------------------------------------------------------------------------------

قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

{ قَالَ يَاآدَمُ } شرفه بالنداء ، كما قال يأيها الرسول ، يا موسى ، وبأنه حقيق أن يعلم غيره ، وبمنة التعليم والإفادة على الملائكة ، وفى دعائه نفى استيلاء الهيبة عليه { أَنْبِئْهُمْ } أى الملائكة .

{ بِأَسْمَائِهِمْ } بأسماء المسلمين ، وقد علمت أن المراد العقلاء وغيرهم ، وغلب العقلاء ، أى اذكر لهم الألفاظ الدالة عليهم ، وفى ضمن ذلك ذكر حكمة المسمى ، وللملائكة بعض لغة يفهمون بها ما يخاطبهم آدم به ، أو يفهمون بإشارته أو بإلهام الله سبحانه لهم إلى الفهم عند خطابه ، مثل أن يقول لعل للترجى ، والإنسان أنا وولدى والجبل لذلك الجسم الصلب والأرض لهذه السطحية والقصعة ودعا لوضع الطعام ، وقام بعنى تمدد جسده من هذه البسيطة ، وآدم اسم عجمى لا دلالة له على معنى سوى ذاته ، كما هو الأصح ، أو أصله من الأدمة ، وهو لون إلى سواد ، أى سيكون كذلك إذا خرج إلى الدنيا ، أو هو كذلك حتى إذا أدخلها جزاء كان أبيض ، أو أفعل من أديم الأرض ، وهو عربى على الوجهين ، ومن ذلك { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } العطف على محذوف ، أى فأنبأهم .

فلما أنبأهم { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنَّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } أى قولوا ، قد قلت لكم إننى أعلم ، لما عجزوا بادر لهم بالأمر بالإقرار بالعجز ، أو وبخهم على عجلتهم إل الاستفهام ، وكان الأولى لهم أن يترقبوا ظهور الحكمة بلا سؤال ، ولا سيما أن سؤالهم على صورة الاعتراض لفعل الله ، والقدح فى بنى آدم ، بل فى آدم أيضاً وذريته بصورة العموم ، ولو لم يقصدوا الاعتراض والقدم إجمالاً ، والآية موجبة لمجانية لفظ ما يوهم ما لايجوز ، ولم لم يقصد ما لا يجوز ، وغيب السموات والأرض ما غاب فيهما ، ولم يضمر للأسماء تعظيماً لها ، والأصل غيب السموات والأرض وشهادتهما ، لأنه يلزم من العلم بغيبهما العلم بشهادتهما ، وذلك على العموم ، وقيل المراد بغيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة ، وبغيب الأرض قتل قابيل وهابيل .

وقيل غيب السموات ما قضاه ، وغيب الأرض ما يفعلونه ، وقيل الأول أسرار الملكوت ، والثانى ما غابه عن أصفيائه ، وما تبدون ما تظهرون من قولكم ، أتجعل فيهما . . إلخ ، وما تكتمون من قولكم ، لن يخلق الله أكرم منا ولا أعلم ، والإبداء والكتم باعتبار ما بين الخلق ، ولا يخفى عن الله شىء ، وأدخل كان للإعلام ، بأنه عالم بما استمروا على كتمانه فى الماضى ، ولا تقل إنها زائدة ، ولا إنها للاستمرار لأن الأصل عدم الزيادة ولأن تكتمون أدل على الاستمرار وحده منها .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

{ وَإِذْ قُلْنَا } اذكر وقت قولنا ، لنفس القول لا لنفس الوقت ، وهكذا فى القرآن كله ، اللفظ ذكر الوقت ، والمراد ذكر ما فيه أو اذكر الحادث ، إذ قلنا كذا ، أو اذكر وقت قلنا ، أو أطاعوا إذ قلنا { لِلْمَلَئِكَةِ } كلهم ، كما قال فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، وتخصيص الآية بالمأمورين بالنزول إلى قتال الجن فى الأرض خروج عن الظاهر بلا دليل ، وكذا فى الأعراف ، والحجر ، والإسراء والكهف ، وطه ، وص ، وذلك سبع سور ذكر فيها ، وإذ قلنا للملائكة ، تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء عن إبذاء قومه له ، كما أن أولهم آدم فى محنة عظيمة للخلق ، أى لا نطمع يا محمد أن يتفق الناس على الإيمان بك ، إذ لم يتفق من آمن وعبدالله آلاف السنين ، وشاهد ما لم يشالهد الناس ، إذ خرج عنهم إبليس وكفر فكيف قومك وسائر الناس .

{ اسْجُدُوا } أى { لآِدَمَ } قبل رفعه من الأرض للسماء ، أى إلى جهة آدم ، إعظاماً له ، كالكعبة ، وسبباً لوجود السجود ، وذلك سجود على السماء والأرض ، وما شاء الله ، كسجود الصلاة ، وهو لله عز وجل ، أو المراد بالسجود مطلق الخضوع ، أو مع انحناء ، دون سجود الصلاة ، وهو لآدم ونسخ وإبليس يحسده على الانقياد له ، وعلى جعله قبلة ، وعلى كل خير حتى الجعل له سببا ، ونافق من جعل السجود كسجود الصلاة ، وأنه لآدم تحقيقاً ، ولو كان عبادة لله ، لأن السجود كذلك عبادة يختص به الله فى كل زمان ، وفى جعله قبلة تعظيم حق المعلم على من يتعلم.

{ فَسَجَدُوا } كلهم أجمعون ، أهل السماء وأهل الأرض منهم ، كل سجد حيث هو شرع فى السجود أولا جبريل ، فميكائيل ، فإسرافيل فعزرائيل ، فالملائكة المقربون ، وقيل أولهم إسرافيل ، وذلك يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر ، ويقال بقوا فى السجود مائة سنة ، ويقال خمسمائة ، وهذه الأقوال فى قول تفسير السجود كسجود الصلاة فى قول تفسيره بالانحناء .

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ } بمنع الصرف للعلمية والعجمة ، وعلى أنه عربى من معنى الإياس من الخير أو الإبعاد عنه ، فللعلمية ، وكونه لا نظير له فى الأسماء ، وبرده وجود وزن العلم واسم الجنس كاف فى انتقاء المنع لوزنه ، أبا الجن على الصحيح أو مولود منهم الاستثناء منقطع ، وفيه مناسبة للاتصال ، إذ عبد لله مع الملائكة ، وكان فيهم ، كواحد منهم ، حتى إنه قيل كان خازن الجنة أربعين ألف سنة ، بعبدالله ، ومع الملائكة ثمانين ألف سنة ، ووعظ الملائكة عشرين ألف سنة ، وساد الكروبيين ثلاثين ألف سنة ، والروحانيين ألف سنة وطاف حول العرش أربعة عشر ألف سنة ، وجاهد فى الأرض أربعين ألف سنة ، ولم يترك موضعاً فى الجنة إلا سجد فيه ، وأحبط الله عمله كله بترك السجود لآدم ، وكفره شرك ، لأنه أمر معينا فخالف مواجهة ، فلا يختص كفره بمذهب الخوارج ، وعصيانه دليل على أنه ليس ملكا ، وكذا كونه من نار ، وقوله كان من الجن ، ودعوى أن من الملائكة من ليس معصوماً تكلف لا دليل له ، وكون نوع من الملائكة غير معصوم لا يوجب أنه من ذلك الجن ، فلعله من جن الشياطين المشهورين بهذا ، وقد جعل الله كونه من الجن سببا لفسقه ، وكونه ملكا سلخ عن الملكية فعصى دعوى ، وهو مغمور فى الملائكة بإبهام أنه منهم لا بالاحتقار فلا ينافى رياسته.

{ أَبَى } امتنع من السجود { وَاسْتَكْبَرَ } الاستفعال هنا للمبالغة ، أى تقرر فيه كبر عظيم ، وهو أصل الإباء أو مع الأنفة إلا أنه قدم الإباء ، لأنه مما يظهر ، والاستكبار قلبى إنما يظهر بأثره ، وذكرا جميعا لبيان أن إباءه لا يزول ، لأنه لكبر راسخ فيه { وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ } فى علم الله تعالى وقضائه الأزلى ، أو من الكافرين الذين فى الأرض قبل خلق آدم من الجن ، وفى اللوح المحفوظ ، أو كان كافراً لترك السجود طبق شقوته الأزلية ، والآية دليل على أن الأمر للوجوب ، إذ قطع عذره بمخالفة قوله اسجدوا دون أن يقول أوجبت عليكم أو نحو ذلك ، وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر وقت قوله ، لآدم اسكن .. إلخ ، إذ قال :

{ وَقُلْنَا يَئَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } لم يقل اسكنا لأنه المقصود بالذات ، وهى تبع له فى جميع الأحكام ، والأمور والأمر لهما أمر وجوب كما هو الظاهر ، وكما هو الأصل ، لا أمر إباحة ، وهى جنة بين قارس وكرمان ، أو فى عدن ، أو فلسطين ، والصحيح أنها دار السعداء ، وقيل جنة فى السماء أن يذكرالله عز وجل الرفع إليها ، وأن ذكره أولى ، وأيضاً قال اهبطوا ، والأصل فى الهبوط النزول من عال . ولو يطلق على الخروج من موضع ودخوله ، حملته الملائكة من الدنيا ، أو من باب الجنة على القول بأنه خلق عند بابها من تراب من الأرض ، وأدخلوه الجنة ، وقال له الله جل وعلا ، اسكنها أنت وزوجك حواء ولا يمنع مانع من دخول إبليس مسارقة ، أو فى فم الحية ، كما كان يدخل السموات وليس تكليف آدم بالترك للمأكل من الشجرة ، ولغو إبليس وكذبهما عصيانا فيها كعصيانه أولا وكأكل آدم من الشجرة فلا ينافى ذلك قوله تعالى { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } وأيضاً هذه الآية لأهلها الداخلين فيها للجزاء الذى لا يشوبه شىء .

وقد قيل : وسوس إليهما من باب الجنة ، وبعد أن استقر فيها خلق الله زوجه حواء من ضلعه القصرى اليسرى ، وهو نائم ، ولم يحس ألما ، فيقال ، لو أحس الألم كان الرجل لا يعطف على المرأة ، وخلق الله فى موضع الضلع لحما ، وذلك النوم ألقاه الله عليه إذ لا تعب فيها ، أو من تعب فكر أو بدن فى أمر قضاه الله عز وجل لأنه دخلها غير جزاء له ، ومن دخلها غير جزاء له جاز له عليه فيها ما يجوز عليه فى غيرها ، مما شاء الله من نوم وتعب وحزن وخروج ، وإذا دخلها بعد ذلك جزاء لم يجز عليه ذلك ، وبسطت عدد الأضلاع واختلاف القول فيها فى وفاء الضمانة بأداء الأمانة ، ومنها ما قيل أضلاع اليسرى سبعة عشر واليمنى ثمانية عشر .

{ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً } أكل رغد أو أكلا رغَدا ، ونفس الرغد مبالغة وهو الوسع { حَيْثُ شِئْتُمَا } من حيث شئتما من أشجارها ، وفى موضع من مواضعها مع سعتها فلا داعى لكما إلى تناول شجرة واحدة غير متعددة أنها كم عنها { وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } الوحدة ، شجرة الحنطة ، أو العنب ، أو النخلة ، أو الحمص ، الأترجة ، أو التين ، أو الحنظل حلوة فيها ، أو الكافور ، وتطلق الشجرة ولو على ما ليس له ساق كقوله تعالى
{ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ } أو غير ذلك ، والأصل ولا تأكلا من هذه الشجرة ، إلا أنه نهى عن القرب مبالغة ، وأيضاً الأكل منها مسبب ، أو أراد حقيقة القرب لأن القرب إليهما يؤملهما فيها لاطلاعهما على شأنها مع وسوسة الشيطان.

{ فَتَكُونَا } يقول : لا تقربا فلا تكونا ، فهو مجزوم على العطف ، أو لا يكن منكما قرب هذه الشجرة ، فكونكما ، فهو منصوب فى جواب النفى { مِنَ الظَّلِمِينَ } المضرين لأنفسهم ، أو الواضعين الشىء فى غير موضعه ، أو الناقصين لحظهم وحظ الحق .

--------------------------------------------------------------------------------

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)

{ فَأَزَلَّهُمَا } أخرجهما إخراجا شبيها بالإزلال ، أى بالإزلاق ، فذلك استعارة أصلية اشتق منها تبعية فى أزل ، أو حملهما على الزلة وهى الذنب ، وهو راجع إلى ذلك لأنه شبه الذنب بالزلق { الشَّيْطَنُ } إبليس ، بقوله ، هل أدلك على شجرة الخلد . . إلخ وقوله { مَا نَهَاكُمُ رَبُّكم . . إلخ } ومقاسمته لهما بعد إخراجه من الجنة لإبائه وتكبره ، اتصلت إليهما وسوسته من حيث هو من الدنيا ، أو من سماء ، لخلق الله عز وجل له قوة ذلك ، أو ذهبا فى فى الجنة تمتعا حتى وصلا بابها ، فأسمعهما من خارج الباب ، أو دخل الجنة متصورا فى صورة دابة من دواب الجنة ولم تعرفه الملائكة أو دخل فى فم الحية فمنه سمها ، وكانت بقوائم على طولها من أحسن الدواب ، فعوقبت بسلب القوائم ، وقيل تسورت على الحائط ، وقيل وقف طاووس على الجدار . فذهب إليه آدم وحواء فوسوس منهما إليه ، وقد جاز إلى قرب الحائط ، وقيل وسوس إليهما من وراء الجدار .

{ عَنْهَا } أى عن الجنة ، أو أزلهما عن الجنة عنها ، أى بالشجرة ، إذ أمرهما بالأكل منها .

{ فَأَخْرَجَهُمَا } أى الشيطان بسبب الأكل الذى وسوس به ، أسند الإخراج إلى السبب { مِمَّا كَانَا فِيهِ } من النعم واللباس والجنة ، وهذا فى ضمن لإخراج المذكور بقوله أزلهما ، كرره تفصيلا وزيادة زجر لغيرهما ، وطاعة آدم وحواء نسيانا لنهى الله عز وجل ، أو توهما من أول الأمر ، أن النهى للتنزيه من أمر سهل ، يتحملانه من الأكل ولا يضرهما أو توهما التنزيه أو النسخ من قوله ما نهاكما وقوله ، هل أدلك ، ودعوه النصح مع القسم احتراماً لحق الله أن يكذب عنه ، ويخالف وعد ذلك دنيا فى حقهما لعلو مرتبتهما وعظم النعمة عليهما ، فلا يردد أن الأنبياء لا يعصون قبل النبوة ولو صغيرة ، ولا يستحضر فى قصة آدم ما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين ، إذ لم يفعل آدم شيئاً مما عوتب عليه يدعيه حسنة بل يستحضر أنه يعد فى حق على الرتبة ذنبا ما ليس ذنبا فى حق غيره .

{ وَقُلْنَا اهْبِطُوا } أنت وحواء ، عبر عنهما بصيغة الجمع ، كما قال اهبطوا منها جميعاً إلى الأرض ، أنتما ومن فيكما من الذرية ، وفيه خطاب المعدوم ، أو أنتما وإبليس والحية ، قيل والطاووس فنزل آدم بسر نديب من الهند على جبل يسمى نود ، أوحواء بجدة بضم الجيم فى مدة أربعين عاما فيما قيل ، والله قادر على أقل كما ينزل جبريل وغيره فى لحظة ، وإبليس بأصبهان ، والطاووس بالشام ، أنتما لأكلكما من الشجرة . وإبليس لإبائه ، والحية لحملها إبليس ، والطاووس لإبلاغ أمر إبليس إليهما ، وليس قولا بمرة ، بل أهبط إبليس ، ثم الحية ، فالطاووس ، ثم آدم وحواء ، وللحية والطاووس فى الجنة عقل ، فعوقبا بالإخراج أو ليس عقابا .

{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } يطلق على الواحد فصاعدا ، لأنه بوزن المصدر ، كالقبول كما أنه يطلق فعيل الوصف كذلك لشبهه بالمصدر كالدبيب ، والصرير ، وذلك مجموع لاجميع فإن العداوة بين آدم وحواء فريقا ، وبين إبليس والحية فريقا لا بين آدم وحواء ، ولا بين إبليس والحية ، ولا بينهم وبين الطاووس ، وقيل الخطاب للذرية فى ضمن أبويهما ، آدم وحواء ، وذلك ظلم بعض لبعض .

{ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ } متعلق بلكم لنيابته عن ثبت أو ثابت { مُّسْتَقَرٌّ } استقرار أو موضعه ، والأول أولى ، وليس المراد الموضع الذى نزلوا فيه { وَمَتَعٌ } تمتع أو ما يتمتع به { إِلَى حِينٍ } آخر أعماركم ، وقيل قيام الساعة ، لأن المراد هم وذرياتهم تنازعه مستقر ومتاع .

--------------------------------------------------------------------------------

( فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 37)

{ فَتَلَقَّى ءَادَمُ } وحواء لقوله تعالى : قالا ربنا . . . الخ { مِنْ رَّبِّهِ كَلِمَتٍ } دعوا بهن ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، على الأصح ، وقيل ، سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك ، وتعالى جدك ، لا إله إلا أنت ، ظلمت نفسى فاغفر لى ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وأخرج الحاكم فى المسند ، عنه صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس أنه قال ، يا رب ألم تخلقنى بيدك ، قال بلى ، قال : يا رب ألم تنفخ فىّ الروح من روحك ، قال : بل ، قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ، قال : بلى ، قال يا رب ألم تسكنى جنتك ، قال : بلى ، قال : يا رب إن تبت وأصلحت أراجعى أنت إلى الجنة ، قال : نعم ، وتلقى الكلمات : التوجه إليهن بقبولهن ، والدعاء بهن ، إذ ألهمهم الرحمن الرحيم إياهن .

وقيل : هن توسله بمحمد صلى الله عليه وسلم حين رأه مكتوباً على ساق العرش ، وقد علمه الله الكتابة { فَتَابَ عَلَيْهِ } رجع إليه بعد الإعراض عنه ، وولايته وعداوته لا تنقلبان لكنه شبه كراهته أكلهما بالإعراض ورضاه بندمهما بالرجوع ، والله ينزه عن الجهات والأمكنة التنقل ، أو قبل توبته أو وفقه للتوبة ، وهكذا تربة الله حيث ذكرت وبعد ما تاب الله عليه بقى ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل.

{ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } كثير الرجوع وعظيمه على عباده بالإنعام وقبول التوبة { الرَّحِيمُ } للمعاصى والمطيع ، إلا من أصر من العصاة فله فى الدنيا فقط ، ولا يقال الله تائب لعدم وروده فى القرآن ، والإجماع ، وأسماء الله توقيفية ، وقيل تقاس فيما ورد فيه لفظ الفعل أو غيره مسنداً ، فنقول الله تائب على عباده ، لورود تاب عليه وتاب عليهم ، وبانى السماء وداحى الأرض ، واعلم أن لفظ الشرك حرام باتفاق الأمة ولو لم ينو به الشرك إلا حكاية أو اضطرار لأنه موهم ، وذلك من الإلحاد فى أسمائه كما قال بعض العلماء : إن الله حكم بشرك من قال عزير بن الله ، أو قال المسيح بن الله ، ولو لم ينو حقيقة البنوة ، وذلك بناء منهم على أن لفظ الإشراك شرك . ولم لم ينو ، كما أن نيته شرك بلا لفظ أو مع لفظ ، حتى إن من العلماء من لا يجيز للمضطر أن يلفظ بشرك ولو اطمأن قلبه بالإيمان ، إلا بتأويل لفظه ، أو بمعرضه ، أو إسرار شىء يخالفه وينقضه ، أو عناية ما مما ينقض اللفظ زيادة على اطمئنان قلبه ، وإنما منعوا ما يوهم الشرك ولم لم يقصد ، حسما لمادة الشرك ، كما نص عليه بعض محشى البيضاوى .

وقد اختلفوا فى أسماء الله ، أتوقيفية أم قياسية فيما ورد فيه معنى المادة بشرط الإفاضة على الكيفية الواردة ، مثل أن يقال: فارش الأرض ، وداحى الأرض ، لقوله تعالى{ وَالأَرْضَ فَرَشْنَهَا ، والأرض بعد ذلك دَحَيهَا } ، واتفقوا أنه لا يجوز تسميته بما يوهم شركا أو نقصاً ولو مجازاً بقرينة واضحة وعلاقة ، مثل أن يقال : لله باب ، فإنه لا يجوز إجماعاً من الأمة مع أن قائله لم يقصد حقيقة النبوة .

وإنما اختلفوا ، هل يشرك من لم يقصد حقيقة النبوة والأبوة ، فقيل يشرك ، وقيل لا ، وأما أن يقول قائل بجواز أن يقال لله باب فلا ، بل اتفقوا أنه لا يجوز أن يقال ذلك ، ولو بلا قصد لحقيقة البنوة والأبوة ، واتفقوا أنه لا يجوز أن يترك إنسان بقوله وقد قال بعض فى برابرة المغرب :
إذا كنت فى الفِرْدَوْسِ جَار الْبَرْبَرِ ... فَيَلْزمُكَ الرَّحيل مِنهَا إِلَى سَقَرْ
يَقُولُونَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ بِجَهْلِهِمْ ... وَمَنْ قَالَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ فَقَدْ كَفَرْ

وقد أصاب فى قوله كفر إن أراد أنه تلفظ الشرك ، وإن أراد أنه أشرك ولو لم يقصد الشرك فهو قول للعلماء كما رأيت ، وهو ضعيف ، وأخطأ فى قوله إذا كنت فى الفردوس البيت .
وأجابه بعض المغاربة بقوله :
كَفَى بِكَ جَهْلا أَنْ نحن إِلَى سَقَرْ ... بَدِيلاً مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِى خَيْر مُسْتَقَرّ
فَإِنَّ أبَا ألإنسانِ يَدْعُونَ أنه .. كَفِيلٌ وَقِيمٌ رَحِيمٌ بِهِ وَبَرّ
وَمَنْ قَال للرَّحْمَنِ بَابٌ وقدْ عنى ... بِهِ ذَلِكَ المعْنَى مَجَازاً فما كَفَرْ

وهذا المجيب أصاب وجرى على الواضح ، إلا أنه إن أرد أنه يجوز إبقاء البربرى أو غيره على ذلك القول لعنايته الرحمة فقد أخطأ ، فينبغى أن يفصح بأنه لم يشرك ، وأنه لا يجوز له قول ذلك ، ولا يجوز إبقاؤه بلا نهى عن ذلك .
--------------------------------------------------------------------------------

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً } أى من الجنة ، وهذا يقوى ، رجوع الضمير فى منها إلى الجنة ، وكرر قول اهبطوا لأن الأول مذكور برسم العقاب بالهبوط وفوت نعيم الجنة التى لا أجل لها ، ومضار الهبوط من العداوة إلى دار مؤجلة ، وبرسم التوبة ، والثانى مذكور على رسم التكليف كما قال { فَإِمَّا } إلخ إن ماء ، وما تأكيد لعموم الإتيان وهذا يقوى أن الخطاب للذرية فى الأول أيضاً ، لأن الحية والطاووس لا تكليف عليهما ، وقد يقال الأول لهما ولآدم وحواء وإبليس ، والثانى للذرية ، أو ذكره أولا بليّة ، وثانيا نعمة ، إذا رتب عليه التكليف المؤدى إلى الرجوع إلى الجنة مع ما لا يحصى من ولده ، كما روى أنه رق قلب جبريل على آدم وحواء فأوحى الله إليه ، دعهما ، فإنهما سيعودان إليها مع ما لا يحصى من ذريتهما ، ويخلدون أبدا ، وقد يقال كلا الخطابين كل لا كلية، وقد يقال هبوطان ، الأول إلى السماء الدنيا مقدرين الاستقرار والتمتع فى الأرض ، والثانى إلى الأرض.

فإما { يَأْتِيَنَّكُمْ } فى الأرض { مِنيّ هُدًى } وحى أو رسول ، مقتضى الظاهر ، فإذا أتاكم منى هدى لتحقق الإتيان ، لكان لما كان بعث الأنبياء والوحى إليهم من الجائز لا الواجب ، ولا واجب على الله عز وجل ، ذكر بصيغة الشك المعتبرة المخاطبة ، لأن العقل لا يوجبه ، ولو كانت الحكمة أن لا يهمل العاقل ، وفى صفة الشك أيضاً تدريج ، وفيه تخفيف ، أو لتنزيل العالم منزلة الجاهل الشاك إذا لم يجز على مقتضى علمه.

{ فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ } مقتضى الظاهر ، فمن تبعه ، لكن أظهر وأضاف للياء تعظيما ، وقيل لأنه لعموم ما يعقل بالاستدلال ، واتباع الهدى والإيمان والعمل والتقوى ، ومن آمن ومات ، أو تاب ومات قبل وجوب الواجبات فهو من هذا القسم ، ومن أصر نفى النار ، ولم يذكر فى هذه الآية إلا بمفهوم الشرط إذ شرط باتباع الهدى .

{ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } والجملة جواب ، وقيل محذوف ، أى فاتبعوه فى آخر موتهم ، ولا فى القبر ولا عند البعث ، ويصيبهم الخوف فى الدنيا من مضارها ومن سوء الخاتمة ومن العقاب وفى بعض مواطن الموقف { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فى الآخرة من ترك الإيمان والتقوى ، إذ لم يتركوها فاستحقوا الجنة ، والخوف غم لتوقع مكروه ، والحزن غم لفوت مهم ، ويجب التحفظ عن المعاصى قال بعض :
يا ناظِراً يَرْنُو بِعَيْنِى رَاقِدٍ ... وَمُشَاهِدٍ للأَمْرِ غير مُشاهِدِ
مَنَّيتَ نفسكَ ضَلّةً وَأَبَحْتَها ... طُرْق الرجاءِ وَهُنَّ غيْرُ قواصد
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنوب وترتجى ... دَرَجَ الْجِنَانِ بها وفَوزَ الْعَابِدِ
ونَسيتَ أن اللهَ أخْرَجَ آدماً ... مِنْها إلى الدُّنْيا بذنْبٍ واحدٍ

--------------------------------------------------------------------------------

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا } فى قلوبهم أى بها بآياتنا { وَكَذَّبُوا بِآيَتِنَا } فى ألسنتهم ، وهى القرآن وسائر كتب الله العظيم ، وهى آيات أى علامات على وجود الله ، وكمال قدرته وصدق الأنبياء ، ويدخل فى الأول من أنكر الله ، أو سميت الآية لأنها علامة على معناها ، أو لأنها جماعة حروف وكلمات ، خرج القوم بآياتهم أى بجماعتهم ، أو لأنها علامة على الانقطاع عما قبلها وعما بعدها ، باعتبار والتمام لا باعتبار المعنى ، لأن المعنى كثيراً ما يتم بآيتين أو آيات ، أو لأنه يتعجب من إعجازها يقال فلان آية من الآيات { أُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ } ملابسوها { هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } لا تفنى ولا يفنون ، ولا يخرجون ، خاطب الله مشركى العرب ومنافقتهم ، وقد يكون الخطاب على عموم الناس ، ثم خاطب اليهود خصوصاً فقال :

{ يَبَنِى إِسْرَاءِيلَ } عبد الله يعقوب ، واللفظان عبريان ، أو أسر القوة أى قوة الله ، أو أسرى ليلا مهاجراً إلى الله ، أو أسر جنيّاً لوجه الله كان يطفىء سراج بيت المقدس ، وعلى الثلاثة إبل لفظ عبرى ، معناه الله ، وما قبله عربى كما قيل فى تلمسان تلم بمعنى تجمع ، عربى ، وسان اثنان بلغة البربر ، أى جمعت حسن البر والبحر أو اتفقت اللغتان العربية والعبرية ، وقيل إسر صفوة ، أو إنسان ، أو مهاجر والمراد بنو إسرائيل الموجودون حال نزول الآية .

{ اذْكُرُوا نِعْمَتِى } اذكروها فى قلوبكم لتشكروها بتعظيم القلب ومدح اللسان وعمل الجوارح ، ولا تكتفوا بمجرد حضورها فى القلب واللسان { الَّتِى أَنْعَمْتُ } أنعمتها . أى أنعمت بها ، أو ضمن معنى أثبت ، وقد أجيز حذف الرابط بلا شرط إذا علم ، وهى النتيجة من فرعون ، وفرق البحر والإحياء بعد موت ، وتظليل الغمام ، والمن والسلوى ، والعفو ، وغفران الخطايا ، والتوراة والماء من الحجر ، والصحف مجموعهن نعمة ، تتضمن نعماً ، أو الإضافة للحقيقة أو النعمة اسم مصدر أى اذكروا إنعامى بذلك ، وذلك لآبائهم ، وما كان فخراً لآبائهم فهو فخر لهم ، كما أنه نسب إليهم ما فعل آباؤهم من السوء لرضاهم عنهم مع السوء من قولهم سمعنا وعصينا ، وأرنا الله جهرة ، ولن نصبر على طعام واحد ، واتخاذ العجل وتبديل الذين ظلموا وتحريف الكلم ، والتولى بعد ذلك ، وقسوة القلب والكفر بالآيات ، وقتل الأنبياء .

{ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى } ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أخذه من موسى ، وأخذه موسى عليكم ، قال الله جل وعلا : ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرائيل ، إلخ . والعهد إنزال نبوءته ورسالته صلى الله عليه وسلم فى التوراة { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بما عهدته لكم من الجنة على الوفاء بعهدى.

{ وَإِيَّىَ } ارهبوا ، يقدر العامل هكذا ، مؤخرا للحصر ، أى خافونى وحدى على ترك الإيفاء بعهدى ، والشاغل الياء المحذوفة فى قوله { فَارْهَبُونِ } فى جميع أحوالكم ، وفى نقض العهد ، وفى أن تنزل نعمة عليكم كآبائكم ، وكأنها مذكورة ، إذ وجدت نون الوقاية المكسورة لها والفاء الفاصلة للتأكيد ، أو يقدر إياى ارهبوا ، تنبهوا فارهبون ، وعليه فحذف ارهبوا الله دلالة عليه لا على رسم الاشتغال ، والرهبة الخوف أو مع التحرز .

--------------------------------------------------------------------------------

وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

{ وَءَامِنُوا } يا بنى إسرائيل ، وقيل العلماء والرؤساء منهم ككعب بن الأشرف { بِمَا أَنْزَلْتُ } على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن وسائر الوحى { مُصَدِّقاً } أنا فهو حال من التاء ، والأولى أنه حال من الهاء المحذوفة؛ أى أنزلته أو من ما { لِّمَا مَعَكُمْ } من التوراة والإنجيل ، أى صدقته بما أنزلته أو مصدقا له ما أنزلت ، لأن القرآن جاء مطابقاً للتوراة والإنجيل فيما ذكر الله فيهما من نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ورسالته ، وسيرته ، ومن وصف القرآن ، والقصص ، والمواعظ ، والتوحيد والدعاء إليه ، والعبادة والنهى عن المنكر حتى إن اتباعهما موجب للإيمان به ، وبما جاء به .

{ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ } أى مثل أول { كَافِرٍ بِهِ } أول فريق كافر أو لا يكون واحد منكم أول إنسان كافر به من أهل الكتاب ، فيتبعكم من بعدكم ومن معكم ، فيكون عليكم إثم كفركم ومثل إثم من تبعكم ، وقد سبقكم فى الكفر قريش وسائر العرب ولا تكونوا مثلهم ، وإنكم أحق وأول من يؤمن لما تتلون فى التوراة والإنجيل من الإخبار به ، أو الهاء لما معكم ، فكفركم بالقرآن كفر بما معكم من التوراة والإنجيل ، والعرب لم تسبقكم بالكفر بهما ، بل بالكفر بالقرآن ، والواو الثانية من أول منقلبة عن همزة ، من وأل إذا لجأ ، وفيه معنى السبق والتبادر ، وقيل من آل بمعنى وجع ، وقيل أصل شاذ لا فعل له ، إذ لا توجد كلمة فاؤها وعينها واو ، وما قيل من أن فعله ول بيان لا سماع ، وقيل وزنه فوعل ، ويرده منع صرفه .

{ وَلاَ تَشْتَرُوا } ضد البيع ، استعارة عن تستبدلوا { بِئَايَتِى } الآيات التى فى التوراة والإنجيل الدالات على ما أنزلت على محمد؛ بأن تخفوها أو تمحوها أو تبدلوها أو تفسروها بغير تأويلها { ثَمَناً } مثمنا { قَلِيلاً } هو ما تعطيكم سفلتكم مبنيا على ذلك التغيير ، وعلى رياستكم به ، وفى الموسم وأزمان الثمار ، فترك الآيات بتلك الأوجه ثمن اشتروابه مثمناً ، هو ما يعطون ، أو ثمنا بمعنى عوضاً ، وكل من الثمن والمثمن ثمن ومثمن ، من حيث أن كلا عوض ، أو تشتروا تستبدلوا من حيث إن الاستبدال أعم من الشراء ، فذلك مجاز مرسل للإطلاق والتقييد ، وما يأخذونه كثير ، لكنه بالنسبة إلى ما تركوا من الدنيا قليل ، وبخ الله اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتم ، وبيع الدين ، والتحريف وقولهم هذا من عند الله ، ونحن أبناء الله ، ويد الله مغلولة ، وقتل أنفسهم ، وإخراج فريق من ديارهم ، والحرص على الحياة ، وعداوة جبريل واتباع السحر { وَإِيَّىَ فَاتَّقُونِ } مثل إياى فارهبون .

--------------------------------------------------------------------------------

وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

{ وَلاَ تُلْبِسُوا الْحَقَّ } لا تخلطوه وهو ما فى التوراة والإنجيل { بِالْبَطِلِ } هو خلاف الحق من أنفسهم خلطوه بالحق تفسيراً وكتابة فهو بعد كلام حق وقيل كلام آخر حق ، سواء زادوه بينهما فقط ، أو أسقطوا كلاما بينهما وجعلوا مكانه باطلاً { وَتَكْتُمُوا } أى ولا تكتموا ، أو مع أن تكتموا جزما بالعطف ، أو نصبا فى جواب النهى { الْحَقَّ } كصفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقتل المحصن ، إذا سئلوا أنكروا وجود ذلك فى التوراة ، وكرر الحق للتأكيد ، إذ لم يضمر له ، أو لأن المراد بالأول غير صفته صلى الله عليه وسلم ، ورجم المحصن .

{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق ، أو تعلمون أنه موجود فى التوراة ، أو البعث والجزاء ، أو أنكم لا بسون كاتمون ، وتقولون لا يوجد ، وذلك قبيح ولو لم تعلموا ، فكيف وقد علمتم ، أو وأنتم من ذوى العلم ، هكذا فلا يقدر له عمل فى محذوف .

--------------------------------------------------------------------------------

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ } المنزلتين فى القرآن ، لوجوب الإيمان به واتباعه عليكم { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } محمد وأصحابه ، جماعة أو الجنس فالكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما خوطبوا بالتوحيد ، وتأويل الآية ونحوها بآمنوا بوجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليكون من الأصول دعوى بلا دليل وتكلف ، والحق جواز الأمر بالشىء قبل بيانه ، لا ليفعلوه قبل بيانه ، فليس ذلك من تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما تقول لعبدك ، خِط هذا الثوب ، فيقول : لا أعرف ، فتقول سأعلمك ، وأنت حين مرته عارف بأنه لا يعرف ، وقدم الصلاة تدريجاً لأنها أسهل على النفس من المال ، ولأنها أفضل العبادات بعد التوحيد ، وقرنها بالزكاة لأنها تطهر النفس من البخل ، وتورثها فضيلة الكرم ، كما أنها تنمى المال وتطهره من البخل ، فإن الزكاة لغة النمو والطهارة ، وفيه تلويح بزجرهم عما هم عليه قبل ، من الصلاة فرادى بلا ركوع ، أو المراد بالركوع الانقياد لأمر الشرع وترك التكبير ، كانت اليهود تأمر سرّاً من أحبوه من قرباهم ومن حلفائهم من الأوس والخزرج ، وأصهارهم ، ومراضيعهم ، ومن سألهم من قريش وغيرهم من العرب باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، ويقولون لهم : إنه رسول الله ، وهم لا يؤمنون .

-------------------------------------------------------------------------------

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أنواع الخير والطاعات ، وترك المحرمات والمكاره ، والمراد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه جامع لذلك ، وللتوسع فى الخير مع الله والأقارب والأجانب كما هو ، أصل البرد المأخوذ من البر بالفتح للقضاء الواسع { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } تتركونها عمد من البر ، فلا تأمرونها به ، والاستفهام توبيخ لهم ، أو إنكار لأن يصح ذلك عقلا أو شرعا ومحطه قوله وتنسون أنفسكم ، { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبَ } التوراة وفيما النهى عن مخالفة القول العمل ، فإنها صورة الجاهل بالشرع والخالى عن العقل ، إذ كان يعظ ولا يتعظ ، وليس عدم العمل مسقطا لفرض الأمر والنهى ، فإن لم يعمل ولم يأمر ، ولم ينه فقد ترك فروضا ، وإن عمل وَلم يأمر ولم ينه أو أمر وَنهى وترك العمل فقد ترك بعضها ، والنسيان مشترك بين الزوال عن الحافظة والترك عمدا ، وقيل مجاز فى الترك ، لأنه لازم ومسبب عن الزوال عنها ، ونكتة التعبير به التلويح إلى أنه لا يليق أن يصدر ذلك إلا لزوّال عن الحافظة ، يطلع ناس من أهل الجنة على ناس فى النار فيقولون : كنتم تأمروننا بأعمال دخلنا بها الجنة ، فيقولون كنا نخالف إلى غيرها { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أى فألا تعقلون قبح ذلك ، قدمت الهمزة عن العاطف لتمام صدارتها ، أو دخلت على معطوف عليه محذوف ، وهكذا فى القرآن ، أى أتغفلون فلا تعقلون .
--------------------------------------------------------------------------------

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

{ وَاسْتَعِينُوا } خطاب للمؤمنين لا لليهود ، لأنه يليق بمن أذعن فيستكمل به لا للشارد ، ولا ينتفع الباقى على كفره بالصبر والصلاة إلا أنه لا مانع من الخطاب لهم مراعاة لقوله أوفوا وآمنوا واتقون ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، واركعوا ولا سميا أن ما قبل وما بعد فيهم ، والمراد ، اطلبوا المعونة على عبادتكم ومباحكم { بِالصَّبْرِ } حبس النفس على الاجتهاد فى العبادة وعما نشتهى من توسيع اللذات وعن المعاصى والمكاره ، وعلى المصيبة ، ويقال من صبر على الطاعة فله ثلثمائة درجة ، أو عن المعاصى فستمائة درجة ، أو على المصيبة فتسعمائة ، بين الدرجتين ما بين الأرض والسماء ، ويقال الصبر على الطاعة أعظم ثواباً من الصبر على المصيبة ، وعن المعصية أعظم منها ، ولفظ ابن أبى الدنيا وأبى الشيخ ، عن على ، الصبر ثلاثة : فصبر على المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبرة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرض العليا إلى منتهى الأرضين ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرضين إلى منتهى العرش مرتين .

{ وَالصَّلَوةِ } قدم الصبر عليها لأنها لا تكون إلا بالصبر عن الكسل والملاذ الصارفة عنها ، وعلى وظائفها من الطهارة من الأنجاس ، ورفع الأحداث ، والخشوع وإحضار القلب ، وسائر شروطها ، وشطورها ، وأفردها بالذكر لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، إذا أتى بها كما أمر به ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه أمر بادر إليها ، والآية أنسب باليهود ، فهم داخلون بالمعنى ، ولو عل القول بأن الخطاب لغيرهم ، لأنهم منعهم عن الإيمان حب الرياسة والشهوات ، فأمروا بالصبر ، ومنه الصوم ، أو المراد به الصوم ، وهو ضعيف ، وبالصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتورث الخشوع .

{ وَإِنَّهَا } أى الصلاة لأنها أقرب مذكور ، والاستعانة بالصبر والصلاة ، كقوله { اعدلوا هو أقرب للتقوى } وقوله تعالى { وإِن تشكروا يرضه لكم } أى يرضى الشكر ، أو أن الأمور من قوله اذكروا إلى قوله واستعينوا . والراجح الأول { لَكَبِيرَةٌ } شاقة ، كقوله تعالى : { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } أى شق عليهم { إِلاَّ عَلَى الْخَشِعِينَ } الساكنى الجوارح الحاضرى القلوب ، سبيلا إلى الطاعة ، فلا تثقل فيهم ، وإن ثقلت فأقل من ثقلها على غيرهم لا عتيادهم أمثال ذلك ، ورجائهم من الثواب ما يستحقر له مشاقهم حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال : « جعلت قرة عينى فى الصلاة ، ويقول : أرحنا يا بلال بالصلاة » ، وصح التفريغ لأن كبيرة بمعنى لا تسهل ، كما جاء بعد أبى لأنه بمعنى لم يرد ، أو هو منقطع ، أى لكن الخاشعون لاتكبر عليهم .

--------------------------------------------------------------------------------

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } يعلمون ، كما استعمل العلم بمعنى الظن فى قوله تعالى : « فإن علمتموهن مؤمنت » { أَنَّهُمْ مُلَقُوا رَبِّهِمْ } ملاقوا حسابه بعد البعث أو ثوابه ، وذلك حذف ، أو ملاقوه بالحساب أو الثواب ، فشبه المعاملة بالحساب أو الثواب بالحضور ، تعالى الله عن الحلول والجهات { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ } للجزاء ، أو هذا مطلق رجوع لمطلق الحساب ، وملاقاتهم هى على ثواب الصبر والصلاة فلا تكرير ، فالظن على ظاهره إذ لا يحزمون بالسعادة .

--------------------------------------------------------------------------------

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

{ يَبَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِى الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } كرره للتأكيد ، والإيذان بكمال غفلتهم ، وليتنى عليه قوله { وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ } أى نعمتى ، وتفضيلكم ، هذا عطف خاص على عام { عَلَى الْعَلَمِينَ } عالمى زمانكم من الناس ، إذ جعلت فيكم النبوة والرسالة ، والمعجزات ، والكرامات ، إذ جعل فكيم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين « كالمن والسلوى وفلق البرح ، أما غير الناس من الجمادات والحيوان فلا اعتداد به ، وأما الجن فتبع للناس أو يرادون فى العالمين ، وأما الملائكة فليسوا فى الآية . لأنها فيمن تمكن فيه النبوءة وما يتبعها ، ولو قلنا إن الإنسان المؤمن أفضل من الملائكة ، وخرج تعالى زمانهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، فإنهم أفضل الخلق على الإطلاق ، والدليل قوله تعالى { كنتم خير أمة } الآية . وحديث أنا سيد ولد آدم بل لا ينافى أنهم فضلوا علينا أى زادوا علينا بكثرة الأنبياء ، وما ذكر لأنا أفضل منهم فرداً فرداً بالذات ، من حيث إن ثوابنا أكبر من ثوابهم ، وسومح لنا ما لم يسمح لهم .

--------------------------------------------------------------------------------

وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

{ وَاتَّقُوا يَوْماً } يوم القيامة ، احذروا هوله وعذابه بالإيمان ، وأداء الفرائض ، واجتناب الحرام ، ويوما مفعول به كما رأيت على حذف مضاف ، ويجوز أنه ظرف مفعول محذوف أى العذاب فى يوم { لاّ تَجْزِى } فيه { نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً } لا نغنى عنها فى شىء إغناء ما ، أو لا تدفع عنها شيئاً بقوتها ، أو بأعوان لها لو كانوا { وَلاَ تُقْبَلُ } فيه { مِنْهَا شَفَعَةٌ } أى لا شفاعة للنفس الأولى فى الثانية ، فضلا عن أن تقبل منها ، والسالبة تصدق بنفى الموضوع ، قال جل وعلا { فَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ } { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا } من النفس الثانية { عَدْلٌ } نداء ، أو لا يقبل من الثانية شفاعة ولا يؤخذ منهم عدل ، ولا تشفع مؤمنة فى كافرة ولا يقبل منها عدل فيها ولا فى غيرها ، وكذا كافرة فى كافرة لقرابة أو محبة.

{ وَلاَ هُمْ } أى النفس لتنكيرها بعد السلب { يُنْصَرُونَ } يدفع عنهم العذاب بالمقاومة والغلبة ، والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر ، لأن الآية ولو كانت فى المشركين ، لكنها فى صفة يوم من شأنه أنه لا شفاعة فيه يدفع العذاب عن مستحقه ، ولا مقام أو زمان من مقامات الموقف وأزمنته نص فيهما على ثبوتها للفساق ولا الشخص مصر .
__________________

jtsdv s,vm hgfrvm>>>ggado hgughlm lpl] fk d,st h'tda hgfrvmggado hgughlm h'tda jtsdv fk d,st





توقيع :

رد مع اقتباس

كُتبَ بتاريخ : [ 02-24-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
رقم العضوية : 176
تاريخ التسجيل : Oct 2010
مكان الإقامة : ابراء
عدد المشاركات : 493
عدد النقاط : 20

cdabra غير متواجد حالياً



تابع

الآيات ( 49 - 74 )

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

{ وَإِذْ نَجَّيْنَكُمْ } واذكروا إذْ نجيناكم ، بإنجاء آبائكم ، واذكروا نعمتى وتفضيلى ووقت إنجاء آبائكم { مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ } أتباع فرعون فى دينه ، وهو الوليد بن مصعَب بن ريان عُمِّر أكثر من أربعمائة سنة ولقبه فرعون ، والفرعنة الدهاء والمكر ، كذا قيل ، ولعله تصرف بالعربية من لفظ عجمى لا عربى ، بدليل منعه من الصرف ، فإنه لا علة فيه مع العلمية سوى العجمة التى ندعيها ، وهو من ذرية عمليق بن لاود بن إرم بن سام بن نوح ، وألف آل عن هاء أهل ، والمعنى واحد فيصغر على أول ، ونقله الكسائى نصاً عن العرب وهن أبى عمر ، غلام ثعلب ، الأهل القرابة ، ولو بلا تابع والآل بتابع .

{ يَسُومُونَكُمْ } يولونكم على الاستمرار { سُوءَ الْعَذَابِ } ضرّ العذاب ومرارته ، والعذاب السوء الأشد ، صنف يقطع الحجارة من الجبل ، وهم أقواهم ، وصنف ينقلها ، والطين للبناء ، وصنف يضربون اللبن ، ويطبخ الآجر ، وصنف للنجارة بالنون ، وصنف للحدادة وصنف يضرب الجزية ، وهم الضعفاء ، كل يوم من غربت عليه الشمس ولم يؤدها غلت يده لعنقه شهراً ، وصنف لغزل الكتان ونسجه ، وهن النساء ، ومن سوء العذاب تذبيح الأبناء كما قال الله تعالى { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } وقد ذكر أنواع السوء إجمالاً مع الذبح فى قوله تعالى ويذبحون بالواو وأما هنا فالمراد ذلك ، أو المراد بسوء العذاب خصوص التذبيح ، ولا منافاة لأنه لم يحصره فى لاذبح ، بل ذكر فى موضع الامتنان ما هو أشد ، مع أنه لا مانع من إرادة العموم هنا أيضا بسوء العذاب ، إلا أنه ميز بعضا فقط ، كأنه قيل منه تذبيح الأبناء ، ذبح إثنى عشر ألف اين ، أو سبعين ألفاً ، غير ما تسبب لإسقاط أمه ، فإن أسقطت ذكراً ذبحه ، والتحقيق أن سوء العذاب أعم ، فذكر التذبيح تخصيص بعد تعميم ، أو المراد ما عدا التذبيح ، وجملة يذبحون حال ، وعلى أن المراد بسوء العذاب التذبيح تكون مفسرة .

{ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } يبقونهن حيات ، أو يعالجون حياتهن إذا أسقطهن ، أو النساء البنات الصغار ، يبقونهن بلا قتل ، وإن كان السقط بنتاً عالجوا حياتها ، أو المراد عموم ذلك كله .

{ وَفِى ذَلِكُمْ } المذكور من سوء العذاب إجمالاً والتذبيح خصوصاً { بَلآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } امتحان أو فى ذلكم الإنجاء إنعام ، أو فى ذلك الإنجاء ، وسوء العذاب والذبح ابتلاء ، أتصبرون وتشكرون ، أم تجزعون ، والله عالم ، قال الله تعالى { وَنَبْلُوَكُمْ بالشر والخير } { فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَيهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ، وَأَمَا إِذَا مَا ابْتَلَيهُ فَقَدرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } رأى فرعون فى النوم ناراً أقبلت من بيت المقدس ، وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطى بها ولم تتعرض لنبى إسرائيل ، فشق ذلك عليه ، وسأل الكهنة ، فقالوا له : يولد فى بنى إسرائيل من يكون سبباً فى ذهاب ملكك ، فأمر بقتل كل غلام فيهم ، وأسرع الموت فى شيوخهم ، فجاء رؤساء القبط وقالوا أنت تذبح صغارهم ، ويموت كبارهم ، ويوشك أن يقع العمل علينا ، فأمر بالذبح سنة والترك أخرى ، فولد هارون سنة ترك الذبح ، وموسى سنة الذبح .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ } لأجلكم يا بنى إسرائيل ، أو بسببكم ، أو شبه سلوكهن بالآلة فى كونه واسطة فى حصول الفرق ، فكانت الباء ، نفى ذلك استعارة تبعية ، والفرق مقدم على السلوك فيه ، لقوله تعالى { فَانْفَلَقَ فَكَانَ كل فرق كَالطّودِ العَظِيم } وما قيل من أنه فرق شيئاً نشيئاً بسلوكهم لا يصح { الْبَحْرَ } لتسلكوه وتنجوا من عدوكم ، بحر القلزم فرقاً مستديراً راجعاً إلى جهة المدخل ، وكان عرضه فى ذلك المحل أربعة فراسخ ، فيستبعد السلوك فيه على ذلك الطول بلا تقويس ، فيحتاجون إلى رجوع فى سفن مع كثرتهم ، وقيل النيل فرقا على سمت ، ويسهل رجوعهم فى سفن ، أو على استدارة وتقويس إلى جهة المدخل ، وهو أولى ويهلك عدوكم .

{ فَأَنْجَيكُمْ } من عدوكم ومن الغرق { وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ } المراد فرعون وآله ، أى هذا الجنس الشامل لفرعون وآله ، لقوله تعالى { ولَقَدْ كَرَّمْنَ بَنِى آدم } أى جنس البشر الشامل لآدم وذريته ، أو آل فرعون هو فرعون ، وأما قومه فأتباع له وذكر بالغرق فى آى أخر ، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم مزامير آل داودَ أى مزامير داود ، وكان الحسن البصرى يقول : اللهم صل على آل محمد بدل اللهم صلى على محمد ، وذلك أن ما للإنسان يكون لأهله ، تحقيقاً أو فخراً ، وأيضاً إذا أغرق أهله فهو أولى ، لأنه رأسهم ، وبه ضلوا ، وناسب نجاة موسى من الغرق ونجانه منه حين ألفى فيه طفلاً ، وللأمة نصيب مما لبنيها ، وفرعون غرق بالماء إذ فاخر به فى قوله { وهذه الأنهار تجرى من تحتى } ولقومه نصيب مما قاله ، وكما عجل الموت بأنهار الدم عجل موته بالغرق ، والموت به شديد . ولذلك كان الغريق شهيداً .

{ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } بعد خروج أولهم ، وبنو إسرائيل يومئذ ستمائة وعشرون ألفا ليس فيهم ابن عشرين لصغره ، ولا ابن ستين لكبره ، وأنهم بقوا فى مصر ، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام اثنين وسبعين إنساناً ، ما بين رجل وامرأة ، وبين يعقوب وموسى عليهما السلام ألف سنة ، وقيل أربعمائة ، بارك الله فى ذلك النس وهم عدا من مات ، ومن ذبح وآل فرعون أل ألف وسبعمائة ألف ، وفيهم من دهم الخيل سبعون ألفا ، وإسناد النظر إذا كان بمعنى بالعين إنما هو للمجموع ، لأنه إنما يرى الغرق ، أو أجبر بنى إسرائيل الذين يقربون من البحر ، وإن فسرناه بالعلم ، فهو لكل واحد ، وفى المشاهدة نعمة زائدة ، وإن فسرنا النظر ينظر بعض إلى بعض من أكلوا حين استوحشوا ، فأشار بالعصا فكانت أكلوا ، فالأمر ظاهر كلن على هذا تتعلق الجملة بأنجيناكم أو بفرقنا لا بأغرقنا .
--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)

{ وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى } المفاعلة للمبالغة لأن من شأن المتفاعلين جذب كل واحد ليغلب الآخر ، أو على بابها ، إذ وعده الله إنزال التوراة ووعد الله المجىء إلى الطور للعبادة ، أو يكفى فيها فعل من طرف ، وقبول من آخر ، كعالجت المريض أو الطلب طرف وامتناع القبول طرف { أَرْبِعِينَ لَيْلَةً } تمام أربعين يوماً بلياليها ذا القعدة وعشرة من ذى الحجة ، أو ذا الحجة وعشرة من المحرم ، يصوم الأيام فى الطور بوصال ، ويقوم الليالى . ويتعبد ، جعلت له ذلك لأنزل عليه التوراة بعد تمامها ، فتعملوا بها ، وأخبره الله بذلك ، وعبر بالليالى لأنها أول اليوم ، والشهور والأعوام ، فإنها بالهلال والهلال بالليل ولأن الظلمة أقدم من الضوء ، وآية لهم الليل نسلخ منه النهار . استخلف هارون على بنى إسرائيل ، فذهب إلى الطور ، فتعبد أربعين ، وأنزل عليه بعد تمامها ، أو فى العشرة الأخيرة أو فى الأربعين كلها أو فى أولها ، أقوال التوراة سبعين سفرا ، وقلما توجد كلها عند إنسان واحد على عهد موسى أو ما يليه وذلك بعد ما ذهب منها بإلقائه الألواح الزبرجدية المكتوبة هى فيها ، فيحتاج إنسان إلى مسألة ، فيقال هى فى سفر كذا وكذا ، عند فلان فى موضع كذا؛ فتلاشت ولم يبق منها إلى القليل ، ثم وقع التحريف أيضا ، ومواعدة الأربعين إخبار بما فى نفس الأمر عند الله ، إذ كان فى الغيب عند الله أن يتعبد ثلاثين ، أمره بها ثم زاد عشرة ، والنصب على المفعولية أى واعدنا موسى إعطاء أربعين يتعبد فيها ، أو على الظرفية ، أى أمراً واقعاً فيها أو بعدها ، أو مفعول مطلق ، أى مواعدة أربعين .

{ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ } اتخذ آباؤكم الباقون فى مصر ومن معهم ، إلا اثنى عشر ألف رجل مع هارون ، وقيل اتخذه ثمانية آلاف { الْعِجْلَ } الذى صاغه موسى السامرى المنافق إلها يعبدونه ، فالمفعول الثانى إلها ، أو لا ثانى له ، كقوله اتخذت سيفا صنعته { مِنْ بَعْدِهِ } بعد ذهاب موسى عليه السلام إلى ميقات الأربعين { وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ } باتخاذه لأنفسكم ولدين الله ، ولم يقتدى بكم وزمانكم ومكانكم ، وكل من عصى الله فقد ظلم وقته ومكانه ، والظلم الضر ، ونقص حق الشىء ، ووضع الشىء فى غير موضعه فاحفظ ذلك لغير هذا الموضوع ، واعتبره ، وقد وضعوا العبادة واسم الألوهية فى غير موضعهما ، وذلك العجل لحم ودم بإذن الله على الصحيح ، وقيل صورة ، فنسبة الخوار إليه على التجوز ، ونسب للجمهور .

--------------------------------------------------------------------------------

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ } الاتخاذ قبلنا توبة عبدة العجل بعد ما قتلوا منهم سبعين ألفا ، ورفع الله عنهم السيف ، وصح إطلاق العفو مع عقابهم بالقتل لأنه عفو عن مزيد العقاب بخلاف الغفران فلا يكون مع العقاب كذا قيل ، والصحيح أنه يستعمل كالعفو بلا عقاب ومع عقاب { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تستعملون قلوبكم ، وألسنتكم ، وجوارحكم فى العبادة لمقابلة نعمة العفو إذ عاملناكم معاملة من يرجو الشكر على ما أنعم به أو لتشكروا ، والشكر استشعار العجز عن الوفاء بحق النعم ، عند الجنيد ، والنواضع عند حضور النعمة القلب عند الشبلى ، والطاعة لمن فوقك لنعمه ولنظيرى بالمكافأة ولمن دون ذلك بالإحسان .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

{ وَإِذْ ءَاتَيْنَا } هى إذ الساكنة ، فتحت بالنقل ، ومدت بألف آتينا بعد حذف همزه ، { مُوسَى } منع الصرف للعملية والعجمة ، مركب من ماء وشجر ، فمو ماء ، وسى شجر أبدلت الشين سينا ، وزاد الألف لأنه وجد بين ماء وشجر فى بركة فرعون من النيل ، وقيل عربى مفعل ، وقيل فعلى ، من ماس يميس ، أبدلت الياء واو كطوبى من طاب يطيب ، والألف للتأنيث ، وهو ضعيف ، لأن زيادة الميم أولا أولى من زيادة الألف { الْكِتَبَ } الصحف { وَالْفُرْقَانَ } التوراة الفارقة بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، أو الكتاب التوراة ، والفرقان المعجزات ، كالعصا واليد أو كلاهما التوراة وعطف تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تعاير الذات آى آتينا موسى كلاما جامعاً بين كونه مكتوباً من الله فى الألواح ، وفى اللوح المحفوظ ، وكونه مفرقا بين ذلك ، والفرقان أيضا مكتوب فى اللوح المحفوظ ، وفى صحف الملائكة ، والفرقان النصر الفارق بين العدو والولى ، كما قيل سمى يوم بدر يوم الفرقان لذلك وذلك كما تقول جاء زيد العالم الشجاع والكريم ، تريد جاء زيد المتصف بالعلم والشجاعة والكرم ، ويدل لذلك قوله تعالى : الفرقان وضياء وذكراً.

{ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } من الضلال بهما أو به ، إذ قلنا هما واحد ، أى لتهتدوا ، أو عاملناكم معاملة الراجى ، أو أرجو الاهتداء ، وكذا حيث تكون لعل من الله ولو لم أذكر ذلك .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } من عبد العجل من الرجال والنساء ، فإن لفظ قوم يستعمل عامّاً للنساء مع الرجال ، تبعاً على المشهور ، ولو كان لا يستعمل فيهن وحدهن لأنهم القائمون بهن ، الرجال قوامون على النساء ، وقيل يجوز إطلاق القوم عليهن حقيقة أو مع الرجال كذلك { يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } إلَهاً .

{ فَتُوبُوا } من عبادة العجل ، وتسميته إلَها ، والدعاء إليه ، والرضى بتصويره ، مع أنه لا يقدر على فعل شىء ، فضلا عن أن يكون خالقاً { إِلَى بَارِئِكُمْ } خالقكم برءاء من التفاوت ، كيد فى عياة القصر والرقة ، وأخرى طويلة غليظة أو يد سوداء ، ووجه أبيض ، وهو أخص من الخلق ومخرجكم من العدم والخلق النقل من حال الأحرى والتقدير { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ليس هذا من التوبة ، تفسير إلها بل هى فى قوله توبوا ، وهذا عقاب تصح به توبتهم ، وتقبل كمن فعل ذنباً مما بينه وبين الله فاستقبحه ، وندم ، وعزم على عدم العود ، وأمر بكفارة ، فالتحقيق أن الكفارة ليست من حد التوبة ولو كانت قد تؤخذ فى تعريفها بخلاف رد المظلمة فمن حدها . ومعنى اقتلوا أنفسكم ، ليقتل بعضكم بعضاً أنفسكم ، أو نزلهم منزلة شىء واحد ، وذلك أنهم لم يؤمر كل واحد أن يقتل نفسه بل أمر من لم يعبد العجل ، وهم اثنا عشر ألفا أن يقتل من عبده ، والقاتل والمقتول كنفس واحدة ، نسبا وديناً ، والخطاب لمن يعبده فى اقتلوا ، أو اقتلوا يا عابدى العجل ، بعضكم بعضاً ، أو أسلموا أنفسكم للقتل ، فالخطاب للعابدين ، قالوا : نصبر للقتل طاعة الله ليقبل تربتنا ، وعلى أن القاتلين من لم يعبد العجل ، فالعابدون جلسوا محبتين ، وقال هلم موسى من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله ، أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود التوبة ، فأخرجت الخناجر والسيوف ، وأقبلوا عليهم للقتل فكان الرجل يرى أباه وابنه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله ، فقالوا يا موسى : كيف نفعل ، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء تغشى الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول ، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشى ، حتى قتلوا سبعين ألفا ، واشتد الكرب ، فبكى موسى وهارون تضرعاً إلى الله ، فانكشفت السحابة وسقطت الشفار من أيديهم ، ونزلت التوبة ، فأوحى الله إلى موسى ، أما يرضيكم أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، فكان من قتل منهم شهيداً ، ومن بقى منهم مغفوراً له خطيئته من غير قتل ، وذلك حكمة من الله عز وجل ، وله أن يفعل ما يشاء ، أبدلهم عن الحياة الدنيا حياة سرمدية بهيجة ، وقيل التقل إذلال النفوس بالطاعة وترك المعصية .

{ ذَلِكُمْ } أى القتل { خَيْرٌ } منفعة أو اسم تفضيل خارج عنه ، وإن لم يخرج فباعتبار لذة المعصية فى النفوس ، أو من باب العسل أحلى من الخل { لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } الخطاب للذين لم يعبدوا العجل ، والذين عبدوه ، أذعن العابدون للقتل ، وامتثل غير العابدين قتل العابدين ، مع أنهم من نسبهم وقرابتهم وأصدقائهم وأصهارهم ، وجيرانهم ، وكرر لفظ بارىء ولم يقل خير لكم عنده ليشعر بأن من هو بارىء حقيق بأن يمتثل له أمره ونهيه .

{ فَتَابَ } الله ، ومقتضى الظاهر ، فتبت { عَلَيْكُمْ } قبل توبتكم ، من قتل ، ومن لم يقتل لإذعانه للقتل { إِنَّهُ هُوَ } مقتضى الظاهر إننى أنا { التَّوَّابُ } على كل من تاب من خلقه { الرَّحِيمُ } المنعم على من تاب أو أنه هو الذى عهدتم يا بنى إسرائيل قبل ذلك توبته عليكم ورحمته لكم .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

{ وَإِذْ قُلْتُمْ } نسب القول إليهم ، لأنه لآبائهم ، وذلك القول ارتداد منهم ، وقيل المراد لن يكمل إيماننا بك حتى نرى الله عز وجل ، كقوله صلى الله عليه وسلم : لن يؤمن أحدكم حتى يحب لنفسه ، أى لن يكمل إيمانه { يَمُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ } بنبوءتك مطلقا ، أو لن نذعن لك ، أو لن نؤمن لأجل قولك أو بك ، فيما تقول من أن التوراة من الله أو من أن الله ألزمنا قتل عابدى العجل كفارة لهم ، أو من أن هذا الذى سمعنا كلام الله ، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه الذين لم يعبدوا العجل لميقات وقت لهم من خيارهم أمره الله أن يأتى بهم إلى طور سيناء ليعتذروا ويطلبوا العفو عن عبّاد العجل ، فأتى بهم ، وأمرهم أن يتطهروا ، ويطهروا ثيابهم ، ويصوموا ، وقالوا له ، ادع الله أن يسمعنا كلامه ، فأسمعهم ، أننى أنا الله لا إله إلا أنا ، أخرجتكم من أرض مصر تيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى . سمعوا كلام الله بأن خلق صوتاً فى أبدانهم ، أو فى الهواء ، أو حيث شاء وفى أبدانهم وأسماعهم ، وقيل القائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى لميقات التوراة ، قالوا بعد الرجوع وقتله عبدة العجل وتحريقه ، وقيل عشرة آلاف من قومه ، وعلى كل حال لم يقنعوا بذلك ، وسألوا الرؤية جهاراً كما قال { حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } عياناً ، أى رؤية جهرة بحاسة العين لا مناماً وقلبا أو ذوى جهرة أو مجاهرين ، أو مبالغة أو قولاً ذا جهرة أو قول جهرة ، أو قولاً جاهراً أو مبالغة .

{ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ } النار مع صوت شديد من المساء لطلبكم مالا يجوز للزوم التشبيه ، ولوقفكم عن الإيمان حتى شرطتم له { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يرى بعضكم بعضاً كيف يموت ، أو ترون أثر الموت فى أنفسكم ، إذ يحيى كل واحد منكم عضواً عضواً ، أو يرى بعضكم بحيا من موت ، وقيل الموت عنا غشيان كما قال الله عز وجل ، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ، كذا قيل ، ولعله تمثيلى ، وإلا فغشيان أهل النار إراحة لهم لو كان لكن لا يكون .

--------------------------------------------------------------------------------

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

{ ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } بيومين من حين موتكم ، يرى بعضكم بعضاً كيف يحيا لدعاء موسى عليه السلام ، وتضرعه إلى ربه أن يحييهم ، ويقول يا رب ، خرجوا معى أحياء ، ويقول قومهم ، قتلتهم ، أنا لو شئت أهلتكتهم من قبل وإياى { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة الإحياء بعد الموت ، ولله أن يميت الإنسان مرتين وما شاء ، والآية دليل على كفر مجيز الرؤية دنيا أو أخرى وذلك لأن إجازتها ولو فى القلب إجازة لتكييفه ، وتكييفه ممتنع ، لأن فيه تشبيهاً ، وإدراكه بالقلب تكييف لا يتصور بدونه ، فلا يصح قولهم بلا كيف ، وتكييفه فى القلب بلا تقدير أن يكيفه لغيره ، هو من نفس المحذور ، فبطل قول طرائف من المبتدعة أن الصاعقة ليست لمجرد الطلب بل لعنادهم واشتراطهم ، وإذا كان المنع للتشبيه لم يضرنا أنها نزلت لطالبها فى الدنيا .

--------------------------------------------------------------------------------

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } أى جعلناه ظلة عليكم من حر الشمس ، وهو السحاب الرقيق ، يسير بسيرهم فى التيه ، أمرهم الله بقتال الجبارين ، فقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا ، فحبسهم الله فى التيه ، وكانوا يسيرون ليلا ونهاراً ، وينزل عليهم عمود من نور يَسيرون فى ضوئه ، وثيابهم لا تنسخ ولا تبلى ، وذلك من الله ، لا كما قيل لا تبلى لعدم الحرارة ، ولا تنسخ لعدم الدخان ، والتيه واد بين الشام ومصر ، فيه طرق لا رمل فيها ، بين جبال من رمل يمشى فيها الركب المصرى والمغربى والشامى ، عرضه تسعة فراسخ فى ثلاثين فرسخا ، وقيل ستة فراسخ فى اثنى عشر فرسخا ، وقيل خرجوا من التيه فوقعوا فى صحراء ، واشتكوا الحر فظللهم الله عز وجل بالغمام ، وقيل من عبدالله منهم ثلاثين سنة ولم يعص فيها أظله الغمام ، فكان ذلك لجماعة منهم .

{ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ } فى التيه [ الْمَنَّ ] الرنجين بالمثناة الفوقية والراء المهملة والجيم الموحدة والمثناة التحتية النون ، لفظ يونانى تستعمله الأطباء ، ويقال معرب ترتكين ، وهو شىء يشبه الصمغ ، حلو مع بعض حموضة ، وينزل على الأشجار قليلا إلى الآن فى بوادى تركستان ، وهو مشهور فى بلدة آمد وحواليها ، شهر فيهم بحلوة القدرة ، وقد أمروا فى التيه أن لا يأخذوا أكثر من صاع كل يوم ولا يدخروا الزيادة إلا يوم الجمعة ، فيأخذون فيه صاعين ليدخروا ليوم السبت ، فإنه لا ينزل يوم السبت .

[ وَالسَّلْوَى ] طائرٌ يشبه السمان أو هما السمان ، وألفه ليست للتأنيث لورود سلواة ، قلبت هذه التاء للوحدة لا للتأنيث ، وقيل هو واحد والجمع سلاوة ، وقيل هو للواحد فصاعدا ، تبعثه عليهم ريح الجنوب ، فيذبح الرجل ما يكفيه على حد ما مر فى المن ، ويطير الباقى وذلك بكرة وعشية ، أو متى شاءوا وادخروا من المن والسلوى فأصاب النتن ما ادخروا وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ، « لولا بنو إسرائيل لم يَخْنزِ اللحم » . الحديث .

ويروى أن السلوى تجيئهم مطبوخة أو مشوية ، قيل ويناسبه الحديث المذكور ، لأن التغيير أنسب بالمطبوخ ، وهو أعظم معجزة قلت كما يخنز المطبوخ يخنز غير المطبوخ ولا تثبت المعجزة بلا دليل قوى ، وقدم المن مع أنه حلوى على السلوى مع أنها غذاء ، لأن نزوله من السماء خارق للعادة بخلاف الطير قائلين لكم { كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ } المن والسلوى طيبان ، طيب لذة وطيب حلال وطيب مجىء بلا كسب ، فكفروا النعمة وادخروا فقطا عن حالهما فصارا يدوران ويختزان ، ولو بلا ادخار ، وعاشوا بهما كذلك ، وإذا وضع الطعام بين يديك فقيل لا تأكل حتى يقول حامله إليك كل لمناسبة الآية ، وقيل لك الأكل بلا انتظار لقوله : كل وهو أولى ، إن اطمأنت النفس ، لذلك ظلموا أنفسهم بذلك .

{ وَمَا ظَلَمُونَا } أشار به إلى أنهم ظلموا أنفسهم بالكفر والمختلفة ، وصرح به فى قوله { وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تكرر الظلم منهم واعتادوه ، وكانوا ستمائة ألف فى التيه ، وفيه مات هارون وموسى ، وماتوا كلهم فيه إلا من لم يبلغ العشرين ، ذهب موسى وهارون إلى غار ، فمات هارون ، فدفنه موسى ، فقالوا : قتلته لحبنا إياه ، فتضرع إلى الله ، فأوحى إليه أن سر بهم إليه ، فناداه ، يا هارون ، فخرج ينفض رأسه ، فقال : أنا قتلتك؟ قال : لا ، ولكن مت ، قال : فعد كما كنت فى قبرك ، وعاش موسى سنة ، ومر فى حاجة له بملائكة يحفرون قبراً لم ير أحسن منه بهجة وخضرة ونضرة ، فقال : يا ملائكة الله ، لمن تحفرون هذا هذا القبر؟ فقالوا : لعبد كريم على ربه ، فقال : إن هذا العبد من الله بمنزلة ، فقالوا : يا صفّى الله ، أتحب أن يكون لك؟ قال : نعم ، قالوا : فأنزل فاضطجع فيه ، وتوجه إلى ربك ، ففعل وتنفس أسهل تنفس ، ومات ، وسووا عليه التراب ، وقيل : أتاه ملك بتفاحة من الجنة فشمها فمات ، وليس كما قيل ، إنه مات فى جبل أحد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لو أنى عنده لأربتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ، لعدم صحة هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

{ وَإِذْ قُلْنَا } لمن بقى من أهل التيه حيا بعد خروجهم { ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ } أريحا ، بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان المثناة التحتية بعدها حاء مهملة قرية فى الغور قريبة من بيت المقدس ، وهى قرية الجبارين ، فيها قوم من بقية عاد ، يقال لهم العمالقة ، ولم تصح قصص عود ، ولا أنه رأس هؤلاء الجبارين ، والقائل بإِذن الله هو يوشع بن نون ، نبأه فى أخر عمر موسى ، وربما قال له موسى : بم أوحى الله إليك ، فيقول : لم أكن أسألك عن ذلك .

ويروى أنه لما احتضر فى التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبى ، وأن الله عز وجل أمر يوشع بقتل الجبارين فقاتلهم ، وفتح أريحا ، وقيل : يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلطمه موسى ، وفقأ عينه ، فقال : يا رب أرسلتنى إلى عبد كره الموت ، ففقأ عينى فرد الله عليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدى ، وقال له : إن شئت أحياك الله عدد ما تقع عليه يدك من شعر متن الثور سنين ، فقال له موسى : ثم ماذا؟ قال : تم تموت ، قال : الآن من قريب ، ب أدننى من الأرض المقدسة رمية حجر ، وقبره فى التيه بجانب الطريق عند جبل من رمل ، ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم ، أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت ولا ضربه ، لأنه ظلم لملك الموت وسخط لقضاء الله ، ورد له ، اللهم إلا إن جاء فى صورة لص أو قاطع ، ولم يعلمه ملك الموت ، وعينه جسم نورانى ، وقيل : القرية بيت المقدس على يد يوشع ، وقيل على يد موسى ، وأنه خرج من التيه بعد أربعين سنة مع قومه ، وعلى مقدمته يوشع وفتحها وأقام ما شاء الله ثم مات ، وسميت القرية قرية من قرى بالألف بمعنى جمع ، وهى جامعة للعامر .

{ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا رَغَداً } لا منع عليكم منى ، ولا من أحد ، ولا من قلة أو جدب ، فهذا مستثنى من كون الأمم السابقة لا يأكلون الغنيمة فإن لداحلى القرية المذكورة أكل ما فيها من مال العمالقة وأخذه وقله إلى حيث شاءوا { وَادْخُلُوا الْبَابَ } باب أريحا ، أراد الحقيقة ، فإن لها سبعة أبواب أو ثمانية ، يدخلون من أيها شاءوا.

{ سُجَّداً } منحنين ، تواضعاً لا على الأرض ، وقيل : القرية قرية بيت المقدس ، والباب بابها المقول له باب حطة ، والقائل ادخلوا موسى عليه السلام ، قال لهم فى التيه : إذا مضت أربعون سنة وخرجتم من التيه ، فادخلوا بيت المقدس ، وقيل : خرج موسى من التيه حيا بعد الأربعين بمن بقى منهم ، ففتح أريحا ، ومات { وَقُولُوا حِطَّةٌ } سألتنا حطة ، أو شأنك حطة ، أى أن تحط عنا ذنوبنا ، وقيل لفظ تعبد عبرانى ، لا يدرى ما هو ، وقيل تواضع لله ، أى أمرنا تواضع لله .

{ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ } ذنوبكم ، والأصل خطابتى بياء بعد الألف زائدة ، هى ياء خطيئة ، أبدلت همزة فاجتمعت همزتان ، قلبت الثانية ، وهى لام الكلمة ، ياء ، ثم قلبت الياء ألفاً ، فكانت الهمزة بين الألفين فقلبت ياء ، وإنما أبدلوا الياء ألفاً لفتح الهمزة قبلها مع تحركها فى النصب لفظا ، وفى الجر والرفع حكما ، وقال الخليل : الهمزة على الياء التى بعد الألف ، وفعل ما ذكر { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } ثواباً لإحسانهم بالطاعة ، عطفت الجملة على قولوا .

--------------------------------------------------------------------------------

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } بالقول الذى قيل لهم منهم { قَوْلاَ غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ } أى جعلوا قولا مكانه ، كقولك بدل بخوفه أمنا ، أو صبروا القول الذى أمروا به قولا آخر ، وبدلوا فعلا إذ لم يدخلوا سجداً ، بل يزحفون على أستارهم ، وقالوا حبة فى شعرة ، أو فى شعيرة ، أو حنطة فى شعيرة ، أو حطا سمقاتا أى حنطة حمراء ، ولعمل بعضاً قال كذا ، وبعضاً قال كذا ، وذلك استهزاء { فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } بتبديل القول والفعل لسبب التبديل ، ومقتضى الظاهر فبدلوا قولا ، فأنزلنا علهيم ، الكن أعاد ذكر ظلمهم للمبالغة فى تقبيح شأنهم وللتصريح بموجب العذاب { رِجْزاً } طاعوناً أو صاعقة أو ظلمة أو ثلجا ، أول الطاعون فى بنى إسرائيل { مِّنَ السَّمَاءِ } ولو كان الطاعون من الجن لأن قضاءه من الله ، وبأسباب سماوية ، فقال لذلك من السماء ، مع أنه أرضى { بِمَا كَانُوا } بكونهم { يَفْسُقَونَ } يظلمون الظلم المذكور ، وهو خروج عن السجود ، وقول حطة ، وسماه فى الأعراف ظلماً ، أو أراد بالفسق مطلق معصيتهم ، ومات بهذا الرجز فى هذه القرية التى أمروا بدخولها فى ساعة سبعون ألفاً أو أربعة وعشرون ألفاً .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

{ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ } طلب لهم موسى من الله السقيا حين عطشوا فى التيه ، طلبوا الطعام فأعطوا المن والسلوى ، والماء فاستسقى لهم موسى ، فأعطوه ، واشتكوا الحر فأظلهم الله بالغمام ، ذكر الله عز وجل كل واحد على حدة فى معرض أمر مستقل موجب للتذكر ، استأنف لذلك ذكر أبعد فضل عن قصة التيه مبالغة في بيان أن السقى نعمة عظيمة ، ولو ذكر عقب قصة التيه ، ولو مع إذ هذه لكان ربما يتوهم أن الكل نعمة واحدة ، وقال أبو مسلم : ليس هذا فى التيه .

{ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ } الذى فر بثوبك لتتبعه من مغسلك عاريا ليرى بنو إسرائيل أنه ما بك أدرة ، كانوا يغتسلون عراة ، وموسى فى خلوة ، فاتهموه بانتفاخ بيضته ، وهو ذراع فى ذراع ، له أربعة أوجه ، وقيل كرأس الرجل من رخام ، وقيل خفيف ، ومن قال سدس اعتبر ما يلى الأرض وما يلى السماء ، لأنه لا انفجار منهما أوحى الله إليه مع جبريل أن يجعله إذ احتاجوا ماء ضربه ، فسال ، وإذا اكتفوا ضربه فأمسك وهذا معجزة أخرى إذ كان فعل واحد ، وهو الضرب ، سبباً للماء وكفه ، وكلما ضرب خلق الله الماء وكل ما ضرب آل أو جمع الله المياه الكثيرة فى الحجر الصغير وخلق فيها خفة .

{ فَانْفَجَرَتْ } فضربه بعصاه فانفجرت ، وقال وهب ما هو حَجر بل يَضرب بها أى حجر أراد فيسيل ماء ، فيضرب أقرب حجر إليه ولو صغيراً ، وقيل حجر كان عند وصل مع العصا إلى شعيب ، فأعطاهما موسى ، وقيل حجر خفيف من قعر البحر يشبه رأسى الآدمى يجعله فى مخلابه ، ويقال حجر مربع يخرج من كل وجه ثلاثة أعين ، لكل سبط عين ، وكان من رأس الجنة ، طولها عشرة أذرع على طول موسى لها شعبتان تتقدان فى الظلمة نوراً حيثما كان ، وأمامهم فى التيه فلهم عمود من نور ليلا ، حملها معه آدم من الجنة وتوارثها الأنبياء إلى شعيب ، فأعطاها موسى ، والانفجار السيلان بوسع بعد انشقاق ، وهو الانبجاس فى السورة الأخرى أو هو الرشخ بقليل ، والانفجار بعده بوسع .

{ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً } ، وقيل خرج آدم بها ، وبالحجر من الجنة فتوراثهما الأنبياء كذلك إلى موسى ، لكل سبط عين ، وهم اثنا عشر سِبطا ، وكان ليعقوب اثنا عشر ولداً لكل ولد ذرية هى سبط { قَدْ عَلِمَ } عرف { كُلُّ أُنَاسِ } أى قوم هم سبط { مَّشْرَبَهُمْ } موضع شربهم من الاثنتى عشرة ، لا يشاركون غيرهم ، ولا يشاركهم غيرهم من كل وجه من وجوه الحجر الأربعة ، ثلاثة أعين كل واحدة تسيل فى جدول ، وسعتهم اثنا عشر فرسخا أو ميلا ، وهو أولى ، وعددهم كما مر ستمائة ألف ، والجملة نعت اثنتا عشرة والرابط محذوف أى مشربهم منها ، أو مستأنفة ، أو حال بتقدير الرابط العائد إلى صاحب الحال ، أى منها ، كما فى النعت والمسوغ لمجىء الحال من النكرة تخصيصها بالتمييز قلنا لهم { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللهِ } المن والسلوى ، وماء العيون أضيف لله لأنه بلا عمل منهم ، وقدم الأكل لأنه العمدة ، وبه قوام الجسد ، والاحتياج إلى الماء حاصل عنه ، ولأنه مركب للطعام ، والرزق بمعنى المرزوق ، وهو الطعام يحمله الماء إلى العروق ، ولا دليل للمعتزلة فى الآية على أن الحرام غير رزق ، فإنه يؤاخذ عليه متعمده ، وكذا جاهله إذا كان مما يدرك بالعلم ، وليس فى الآية سوى أنه أمرهم بالأكل والشرب من ذلك ، واتفق أنه حلال والله عالم بأنه حلال ، وإن أريد بالرزق العموم فالحلال قيد من خارج ، لا من لفظ الرزق .

{ وَلاَ تَعْثَوْا } تفسدوا { فِى الأَرْضِ } أرض التيه وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليه ، وما يخرجون إليه إذا أخرجهم الله منه { مُفْسِدِينَ } تأكيد فى المعنى لتعثوا ، باعتبار النهى أى نهيتهم نهياً شديداً عن الإفساد ، وإن جعلنا للعثى بمعنى الاعتداء المطلق أو بالشرك والإفساد بالمعاصى فلا تأكيد .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

{ وَإِذْ قُلْتُمْ } فى التيه { يَمُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } المن والسلوى ، سماها واحداً باعتبار أنهما طعام لكل يوم لا ينقص أحدهما ولا يزاد عليهما ، ولا يبدلان هما أو أحدهما ، أو باعتبار أنهما جمعهما الاستلذاذ الشديد { فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ } ما نأكله فإنا سئمنا المن والسلوى ، أى بعض ما تنبته الأرض ، وبينه بقوله { مِنْ بَقْلِهَا } إلخ إلى هو بقلها أو بعض بقلها ، وهو ما تنبته الأرض ولا ساق له ، والمراد ما يؤكل منه ، يكون حارّاً وبارداً ، أو رطباً ويابساً { وَقِثَّائِهَا } ما يكون بطيخاً إذا أينع ، والخيار كلاهما بارد رطب { وَفُومِهَا } برها بل كان ما يخبر قوم ، أو ثومها ، وهو حار يابس ، وعليه فهو لغة ، أو أبدلت التاء المثلثة فاء كحذف فى جدث ، وفم فى ثم وهو مسموع لا مقيس { وَعَدَسِهَا } بارد يابس { وَبَصَلِهَا } وهو حار رطب ، وإن طبخ كان بارداً رطباً .

{ قَالَ } موسى ، أو الله { أَتَسْتَبْدِلُونَ } إنكار لأن يليق ذلك شرعاً أو عقلا ، وتوبيخ { الَّذِى هُوَ أَدْنَى } أقرب وحسوداً وتحصيلا لقلة قيمته أو أدنأ بالهمرة كما قرىء بها فليت ألفا من الدناءة وهو الخمسة ، أو أدون ، أى دون كذا فى الرتبة ، أخرت الواو ، وقلبت ألفا ، والأدنى على الأوجه البقل ، والقثاء ، والفوم ، والعدس والبصل ، وأفردهم بالذكر باعتبار أنهن كواحد إذ هو نوع خالف المن والسلوى ، وبدل منهما { بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ } أفضل ، وهو المن والسلوى ، أفردهما لما مرّ والذى يظهر لى أنه تعالى ، ما عاب عليهم هذا الاستبدال إلا أنه خلق فيهم عدم سآمتهم للمن والسلوى ، وإلا عقد خلق الله فى الطباع سآمة الإنسان ما دام عليه من طعام مثلا ، ولا سيما أنه لا يخلط به غيره ، ولا سيما مع طول المدة ، فما ذكر عنهم من السآمة غير ثابت عنهم ، أو ادعوها مع عدمها ، واستمروا على طلب البدل ، فقال الله جل جلاله على لسان موسى عليه السلام بعد دعائه لله فسألوا.

{ اهْبِطُوا مِصْراً } إن قدرتم على الخروج من التيه ، وليسوا بقادرين ، فالأمر لتعجز ، كقوله تعالى : { كونوا حجارة } أو للإطلاق بعد الحصر ، على أن يكون ذلك عند قرب مرت موسى عليه السلام ، وقرب الخروج من التيه ، أو على أن موسى لم يمت فيه ، بل خرج معهم ، وببعد أن يكون قائل « أتستبدلون » الله على لسان يوشع ، حين نبىء فى التيه عند حضور الخروج .

والمراد مصراً من الأمصار ، أو القاهرة أو اعمالها ، وعلى الأخيرين نوّن مع أنه علم القاهرة أو أعمالها ، لأنه ثلاثى ساكن الوسط كهند ، أو بتأويل البلد ، أو المحل ، ويدل لهما قراءة عدم التنوين ، ومعنى هبوط مصر نزوله ، أو الهبوط دناءة الرتبة ، فإن طعام التيه أفضل من طعام مصر ، أو حسّى بأن تكون أرض المصر الذى يخرجون إليها أسفل من أرض التيه .

{ فَإِنَّ لَكُمْ } فى المصر { مَّا سَأَلْتُمْ } من البقل وما بعده إلا أنه إذا فسرنا القوم بالثوم كان الكل بقلا ، وجنسه ، وكلامهم إنما على الطعام ، فالمناسب أنه البر ، وما يخبر طعاما ، لكن أفضله البر ، وذكر أولا ما يؤكل بلا علاج نار ، وذكر بعدها ما يعالج بها مع تقديم الأشرف فالأشرف .

{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ } جعلت على فروعهم لفعلهم مثل أفعال آبائهم ، ورضاهم عنهم ، ولا سيما بعد ذهابهم إلى قتل عيسى عليه السلام ، جملاً تشبيهاً بنقش الدراهم فى لزوم الأثر واستمراره ، نفى ضرب استعارة تحقيقية تبعية { المدِّلّة } ضعف القلب والخوف مما يخاف منه ، أو هى الجزية أخبر الله جل جلاله ، أنها ستكون عليهما إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذه معجزة وإن لم يقل هذا ، مما لم يوح به قب القرآن ، مواضع أيضاً أنى قضيت عليهم أنها ستكون .

{ وَالْمَسْكَنَةُ } أثر الفقر الظاهر على البدن ولو كانوا أغنياء ، ولا يوجد يهودى غنى النفس { وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ } رجعوا أو احتملوا ، أو استحقوا أم أقروا أو لازموا حال كونهم ملابسين لغضب الله ، وهو قضاؤه الأزلى عليهم بالشقوة وتوابعها ، أو هو ذمة إياهم فى الدنيا وعقابه فى الآخرة { ذَلِكَ } المذكور من الغضب ، وضرب الذلة والمسكنة ، وصيغة البعد لبعد ما قبل البوء بغضب ، أو لبعد ذلك عن منصب من أكرمه الله بنعم الدين والدينا : وأنزل عليه كتاباً لفظاعتها ، أو لبعدهم عنها { بِأَنَّهُمْ } أى سبب ذلك أنهم { كَانُوا يَكْفُرُونَ } يؤوَّل المصدر من كان أى بكونهم يكفرون ، وكثير يأتون به من خبرها ، مثل أن يقال هنا بكفرهم ، وكأنهم يقولون ، لا تدل على الحدث ، والتحقيق أنها تدل عليه { بِأَيَتِ اللهِ } التى أنزلت فى التوراة مما يكرهونه ، والتى فى الإنجيل مطلقا ، لكفرهم بعيسى عليه السلام ، أو بما خالف منه التوراة ، وبما أنزل من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه ، وذلك قبل أهل عصره صلى الله عليه وسلم كراهة لأن تخرج النبوءة من ولد هارون عليه السلام ، وقد أنكروا الرجم أيضاً قبله صلى الله عليه وسلم .

{ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ } مجموع ذلك لمن بعد موسى ، وأما فى زمانه فلا إلا الذلة ، روى أنهم قتلوا بعده سبعين نبيّاً أول النهار ، ولم يشغلهم ذلك حتى إنه قام سوق البقل آخر النهار ، وقتلوا زكريا وشعياء ، وعملوا فى قتل عيسى ، وأما قوله تعالى :{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } فإنما هو بالحجة وبأخذ الثأر بعد ، فذلك لا يختلف ، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ، أن الله عز وجل قادر أن يقتل بكل نبى سبعين ألفاً كما كان بعد قتل يحيى ، وبكل خليفة خمسة وثلاثين ألفا ، والمراد بالنبيين ما شمل الرسل ، لقوله تعالى :{ أفكلما جاءكم رسول . . . } الآية .

{ بِغَيْرِ الْحَقِّ } عندهم ، فإنهم يقتلونهم تشبيهاً وحبّاً للدنيا ، ولا يعتقدون أن قتلهم حق ، فليس المراد أنه قد يكون قتل الأنبياء حقا ، إذ لا يفعلون موجب قتل ، ولا يبيح الله دمهم بلا موجب ، ووجه آخر ، أن المراد بيان الواقع ، كالصفة الكاشفة تأكيداً لذمهم وفضيحة ، أو يعتبر أنه لو شاء الله لأباحه كما أباح لملك الموت ، وكما أمر إبراهيم بذبح إسماعيل ، وقيل : قتلوا فى بيت المقدس فى يوم واحدة ثلاثمائة نبى { ذَلِكَ } المذكور البعيد من الغضب وضرب الذلة والمسكنة ، كرر للتأكيد ، أو ذلك المذكرو من الكفر وقتل الأنبياء { بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا } بعصيانهم وكونهم { يَعْتَدُونَ } ينهمكون فى المعاصى ، ولا تنس أن المعصية توجب العقاب بالإيقاع فى مصعية أعظم منها ، وذلك بعصيان منهم فى قتلهم لا باعتقاد حل .

--------------------------------------------------------------------------------

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

{ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من لدن آدم أو بعدها بالأنبياء الوحى والكتب ، كتبّع ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، وورقة بن نوفل ، وقيل : المنافقون بإضمار الشرك ، وقيل : مؤمنو هذه الأمة ، فمنعنى من آمن على هذا القول ، والأول من آمن من اليهود والنصارى والصابئين ، وأما على غيرهما فالمعنى من تاب من نفاقه ويهوديته ونصرانيته وصابئيته ، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.

{ وَالَّذِينَ هَادُوا } دخلوا فى اليهودية ، من هاد بمعنى تاب من عباد العجل ، أو سكن ، ومنعه الهوادة ، أومعرب يهوذا ، بذال معجمة بعدها ألف ، عرب إهمال الذال وإسقاط الألف ، سمو باسم ولد يعقوب يهوذا ، وهو أكبر ولده . ولا يلزم أن يكون هذا الاسم قبل موسى ، مع أنهم فى زمانه وما بعده فقط ، ولا أن يكونوا كلهم عبدوا العجل ، لأن التسمية تحدث ولو بعد زمان من سموا به ، ولأن وجه التسمية فى بعض لأفراد كيف .

{ وَالنَّصَرَى } جمع نصران ، كالندامى ، واليا فى نصرانى لمبالغة ، كقوله : والدهر بالإنسان دوَّارىّ ، أى دوار ورجل أحمرى ، أى أحمر ، وقيل للوحدة ، كزنجى من زنج ، ورمى مر روم ، وقيل جمع نصرى كمهرى ومهارى . حذفت إحدى ياءيه ، وفتحت الراء ، وقلبت للياء الباقية ألفا ، سموا لأنهم نصروا المسيح ، أو لأنهم كانوا معه فى قرية يقال لها نصران عند الجوهرى ، أو نصرانية ، أو نصرانيا ، أو نصرى ، أو ناصرة ، كان عيسى ينزلها ، سموا باسمها ، أو باسم من أسسها ، كما سميت قسنطينة المغرب والعظمى ، باسم من بناها .

{ وَالصَّبِئِينَ } طائفة من اليهود ، أو من النصارى عبدوا الملائكة والكواكب ، أو بين اليهود والمجوس ، أو تعبد الكواكب فى الباطن وتنتسب إلى النصارى فى الظاهر . أو لفقوا دينا من التوراة والإنجيل ، ولما جاء القرآن أخذوا منه بعضا . كالصلاة إلى الكعبة والوضوء . أقوال . ويدعون أنهم على دين صابىء ابن شيث بن آدم ، وقيل : منهم من يعبدون الكواكب الثوابت : وهم صابئة صفد ، ومنهم من يعبدون السيارة ، وهم صابئة الروم ، ومنهم من يفزع إلى الجمادات ، ومنهم من يصلى إلى الجنوب ، ومنهم من يعبد الملائكة ، من صبا يصبو بلا همز ، أو صبأ يصبأ بالهمزة ، قلبت ياء ، وحذفت كما حذفت فى الأول الياء التى هى عن واد .

{ مَنْ آمَنَ } من اليهود والنصارى والصابئين وترك الإشراك بالله { بِاللهِ } ورسله وأنبيائه وكتبه ولم ينكر نبيا أو كتابا { وَالْيَوْمِ الآخِرِ } يوم البعث والجزاء . ولم يذكر المجوس لأنه ليس منهم من لو تبع كتابه لنجا ، إذ كتابهم أضاعوه سرعة { وَعَمِلَ صَلِحاً } ولم يفرق بين أحد من رسله قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعدها ، فآمن به واتبع القرآن ، ومن لم يؤمن به ، وبالقرآن لم ينتفع بعمله فهو مشرك فى النار ، وهو غير متبع للتوراة والإنجيل ، بل كافر بهما أيضاً ، لأن فيهما الأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم ، وكذا من كفر من اليهود والنصارى قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يدخلون فى الآية ، كمن قال : عيسى إله ، ومريم إله ، أو عيسى ابن الله .

{ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } أجرة علمهم للطاعات ، وتركهم للمعاصى والمكروهات { عِنْدَ رَبِّهِمْ } حفظه الله لهم لا يضيع ، كما يحفظ الشىء ، بحضرة الملك فى خزانته { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من العقاب لانتفاعه { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على تضييع العمر ، وفوت الأجر ، والفضل لعدم تضييعهم ، وعدم الفوت ، والمراد الخوف والحزن الدائمان؛ فإنه الشقى فى الآخرة لا يزول خوفه وحزنه حتى يدخل النار بل يخاف فيها أيضاً ، لأنه يخاف فى كل عقاب عقاباً بعده ، ويحزن لذلك ، ودخل فى الآية أهل الفترة الذين آمنوا وأدركوا البعثة كأبى ذر ، وسلمان رضى الله عنهما ، أو لم يدركها كقيس بن ساعدة ، قيل : وورقة ابن نوفل ، وبحيرا الراهب .
روى أن سلمان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقول فى أهل دين كنت معهم ، وذكر صلاتهم وعبادتهم؟ فقال : هم فى النار ، فأظلمت علىّ الأرض ، فنزلت : { إنَّ الذِينَ آمنوا . . . } الآية ، فكأنما كشف عنى جبل .
--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ } وثوقكم ، كالميعاد بمعنى الوعد ، وأفرد الميثاق لأن ما أخذ على كل واحد أخذ على غيره ، فكان ميثاقاً واحدا ، والمراد عهدهم الإيمان ، بالتوراة كلها . والعمل بما فيها ، أعطيتم الميثاق على ذلك ، ثم أبيتم ، وقيل ، أخذ الميثاق قبل نزولها على أن يعملوا بما ينزل عليهم فى الكتاب ، ولما نزلت التوراة نفضوا لما فيها من الميثاق { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ } حين نقضتم أو سريانى معرب ، وقيل المراد جبل المناداة ، حمل إليهم ، اقتلعه جبريل من أصله وحمله فى الهواء بينهم وبينه قدر قامة أحدهم ، وهو فرسخ فى فرسخ على قدر عسكرهم ، قيل ، والنار قدامهم ، والبحر المالح خلفهم ، فقيل لهم ، إن لم تقبلوا رضختكم به . فسجدوا للقبول على أنصاف وجوههم ، ناظرين بالعين اليمنى إليه خوفاً ، فكان أفضل سجود اليهود بعد ذلك ما كان على الشق الأيسر والنظر باليمنى إلى جهة المساء ، قائلين { خُذُوا } اقبلوا { مَآءَاتَيْنَكُمْ } وهو التوراة { بِقُوَّةٍ } باجتهاد ، وقيل ، لا يقدر القول هنا ، لأن الميثاق قول ، ولا دليل فى الآية لمن قال ، الاستطاعة قبل الفعل ، إذ لا يقال ، خذ هذا بقوة إلا والقوة فيه ، لأن بهذا المعنى لاننكر صحة تقدمها على الفعل .

{ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } تعاهدوه بالمطالعة والدرس والتفهم لمعانيه والعمل به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } عقاب الله ، أو المعاصى ، وتقدمت أوجه لعل فى كلام الله ، وقس عليها فى جميع القرآن ، وليس رفع الجبل فوقهم إجباراً على الدين ، فلا يقال ، كيف تقبل الطاعة ، لأن الإحبار ما فيه سلب الاختيار ، بل الآية كمحاربة العدو ، إن أسلم رفع عنه السيف ، وإن أخذوا زال الجبل ، وأما الإكراه فى الدين ففى مخلوق لآخر أن يحبسه حى يؤمن ، أو يمنع عنه الطعام حتى يؤمن أو نحو ذلك لا يجوز ، ولو فسر لا إكراه فى الدين بالنهى عن القتال حتى يؤمر به ، وأما الله فله فعل ما شاء ، قيل : ولا يقال : الإيمان بالإجبار يجزى فى الأمم السابقة أو بعضها فتكون منه هذه القصة ، لأن هذا مما لا تختلف الشرائع فيه ، وقد قال الله تعالى { فلولا كانت قرية آمنت } الآية . { فلم يك ينفعهم إيمانهم . . . } الآية قلت : الآيتان غير ما فى هذه الآية ، لأن هذه الآية جاءت فى القهر على الفعل ، والآيتان فيمن أغلق عنه الله باب الفعل بتوجيه الموت إليه ، ووجه آخر لا يقبل ما عن إجبار إذا استمرت الكراهة ، أما إذا كان بعده الفعل بالاختيار فيقبل كل ما باختيار ، فأخذوه بقوة ثم تركوه ، كما قال :

{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم بعدم القبول ، وأصله الإعراض بالجسد { مِّن بَعْدِ ذَلِكَ } العهد الذى أعطيتم وعملتم به مدة ، أو من بعد ذلك العمل المعلوم من المقام ، أو من بعد الأخذ بقوة ، إذ لم يمتثلوا ، بل استمروا على العصيان ، لم يقل ثم توليتم ، وقيل ، بعد رفع الطور فوقكم ، وإيتاء التوراة ، فطوى عن ذكر امتثالهم { فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ } بتوفيقكم للتوبة { عَلَيْكُمْ } الخطاب باعتبار الآباء { وَرَحْمَتُهُ } لكم بالتوبة أو بقبولها قيل ، أو الخطاب للأبناء فالفضل والرحمة بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم ، لو لنفى تاليها ، وإذا زيدت لا العافية ثبت ما نفى ، هذا قول الكوفيين بتركيب لو من لولا والبصريون على أنها بسيطة { لَكُنْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ } كمن ذهب رأس ماله أو بعضه ، هذا عندى يعين الخطاب للآباء ، لأن يهود عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاسرون إلا ما شذ بخلاف من تقدم ، ففيهم الخاسر والرابح .

--------------------------------------------------------------------------------

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } عرفتم ، والمعرفة إدراك نفس الشىء ، جسما كان أو عرضا ، والعلم إدراكه على صفة كذا ، ولا يقل الله عارف أو عرف ، أو يعرف بالبناء للفاعل ، فقيل ، لأن المعرفة تقتضى تقدم الجهل ، وقيل لعدم التوفيق ، وقد يستعمل ، قيل بالجواز ، ولم يتقدم جهل تعالى الله { الَّذِينَ اعْتَدَوْا } جاوزوا الحد ، وقدر بعضهم مضافا ، أى : ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا { مِنْكُمْ } بصيد السمك { فِى السَّبْتِ } وقد بعضهم مضافا ، أى فى حكم السبت وهو يوم ، أو مصدر أو الخطاب فى منكم وعلمتم لمن فى زمانه صلى الله عليه وسلم من بنى إسرائيل ، وهم عارفون بقوم مسخوا فى زمان داود ، ولا يشترط العلم بالكنه فى لفظ المعرفة ، وقوم داود هم سبعون ألفا ، فى أرض أيلة ، بفتح الهمزة وإسكان الياء ، قرية على الساحل بين المدينة والطور ، صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف اصطاد ، وهم اثنا عشر ألفا ، شرعوا حياضاً ينزل الحوت فيها ، ولا يقدر ، على الخروج . ويصطادون ما فيها يوم الأحد ، فعلوا ذلك زماناً ، فقالوا ، قد أحل السبت ، فكانوا يصطادون فيه جهراً ، ويبيعون فى الأسواق ، وقد نهى الله عن الاصطياد فى اليوم الذى بعد يوم الجمعة ، أمروا بالتجرد للعبادة فى يوم ، فاختار موسى الجمعة ، وقيل ، أمروا بذلك ، وخالفوه للسبت ، لأنه يوم تم فيه الخلق ، فألزمهم الله إياه ، والسبت فى الأصل السبوت ، وهو الراحة ، أو من السبت وهو القطع ، قطع الله فيه الخلق وتم ، وأيضاً أمر الله اليهود بقطع الأشغال فيه ، والتفرغ للعبادة ، ولا يبعد تسميته بالسبت فى زمان موسى عليه السلام لذلك ، ولو كان تبديل أسماء الأسبوع بما هى عليه الآن واقعاً من العرب بعد عيسى عليه السلام .

{ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةٍ خَسِئِينَ } أذلاء خاضعين ، ونجا الناهون ، والساكتون على الأصح ، لأن الساكتين أنكروا بقلوبهم فقط ، لوجود من أدى فرض النهى ، وأما الممسوخون خنازير فأصحاب المائدة ، وقيل ، مسخت شبانهم قردة ، وشيوخهم خنازير ، إلا أنه لم يذكر هنا الخنازير ، فهو يتعاوون كالقردة بأذناب كأذنابها ، ويعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، عاشوا ثلاثة أيام ، وقيل سبعة ، وقيل ثمانية وماتوا ولم يأكلوا ولم يشربوا فى الأيام الثلاثة ، وقد كان قبلهم القردة والخنازير ، والممسوخ لانسل له ، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم ، ولأمر للتسخير ، إذ لا طاقة لهم أن يتحولوا قردة ، ولا يؤمر بما لا يطاق ، ولكنه مجاز عن تكوينهم قردة أو تمثيل بأمر من يطاع فوراً ، فهو أمر إيجاد لا أمر إيجاب ، كقوله تعالى { كن فيكون } وجمع السلامة لكونهم عقلاء قبل المسخ ، بل وبعده ، فإنهم يعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، فيقولون لهم : ألم ننهكم فيجيبون برءوسهم ، بلى ، وتدمع عيونهم بكاء ، وإنما بدلت الصورة لا العقل إلى ما قيل ، الجمع بذلك تشبيه بالعقلاء ، وهم بعد المسخ مكلفون عند مجاهد ، وقيل لا .

{ فَجَعَلْنَهَا } أى المسخة المعلومة ، أو للعقوبة أو اللقربة ، أو كينونتهم قردة { نَكَلاً } ردعا ومنعاً عن أن يصطاد مثلهم يوم السبت الحوت ، وعن أن يخالف أمر الله مطلقاً ولو بغير الصيد ، أو نكالاً اسم للجام الحديد أو للقيد شبه العقوبة به فى المنع { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } فى زمانها من الناس ، وذكرهم بما إشارة للأنواع من الناس ، أو ما عبارة عن القرى الحاضرة لها ، والمراد أهلها ، وكذا فى قوله { وَمَا خَلْفَهَا } من الناس إلى يوم القيامة ، والآية مقوية لتفسير خلفهم فى الآيات غير هذه بما بعد ، لأن هذه لا يصلح فيها من مضى ، إذ لا تكون المسخة نكالا لمن مات قبلها .

{ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } منهم أو من غيرهم ، وقيل : من هذه الأمة عن أن يقصروا ولغيرهم ، وخصهم لأنهم المنتفعون ، أو لأن المراد بالموعظة حصول أثرها ، كقوله تعالى { إنما تنذر من اتبع الذكر } أى يحصل أثر إنذارك ، قلت ، قوله : فجعلناها نكالا . . . إلخ رد لقول مجاهد ، أنهم لم يمسخوا صورة ولكن قلوباً ، ومثلوا بقردة إذ تحويل قلوبهم لا يظهر لكل أحد حتى يكون رادعاً وموعظة ، ولو ظهر لم يتبين فبحه لجمهور الناس ، بخلاف مسخ صورهم فإنه يظهر قبحها للموحد والمشرك والمطيع والعاصى .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله ، اسمه عاميل ، وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم ، والقتيل ذو مال ، قتله بنو عمه ، وقيل ابنا عمه اثنان ، وقيل ، أخوه ، وقيل ، ابن أخيه ، وهم فقراء ليرثوه ، وحملوه إلى باب قرية ، وألقوه فيه ، فطلبوا آثاره ، وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى عليه السلام ، وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه ، وقيل ، ليتزوج بنته ، وقد أبى ، ذكر الله تعالى قصتهم ، ذما لهم بالتعاصى ، أو برفع التشاجر بينهم ، وبيانا لمعجزة من معجزات موسى عليه ا لسلام { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } أول القصة هو قوله تعالى { وَإِذْ قَتلتم نفساً } ولكن أخره ليتصل توبيخهم على عيوبهم بالعيوب المتقدمة . إذ وبخهم على قولهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم : { أتتخذنا هزواً } وليس من شأنه أن يعبث معهم بذبح البقرة ، وينسب الأمر لله يذبحها مع أنه لم يأمرهم ، وما قال عن الله إلا الحق ، ووبخهم على تعنتهم فى البقرة ما هى ، ما لونها ، وما هى بعد لونها مع أنهم لو ذبحوا بقرة ما لكفى إذ لم يؤمروا بمعينة ، ولو كان الأمر الغائب المفضى عند الله يؤول إلى معينة لا محيد عنها ، وكذا لو عمدوا إلى بقرة عوان ما بعد سؤالهم الثانى لكفى ذبحها ، ولو عمدوا إلى عوان صفراء لاشية فيها بعد سؤالهم الثالث لكفى.

{ فَقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أتتخذ أمرنا هزؤاً ، أو أتتخذنا ذوى هزء ، أو موضع هزء ، أو مهزوءاً بنا أو نفس الهزء مبالغة لبعد ما بين ذبح البقرة وأمر القتيل ، ولو عقلوا لامتثلوا فتظهر لهم الحكمة ، أن يضرب ببعضها فيحيا مع أنهم لم يجربوا منه العبث قط ، ونسبتهم الهزء إليه شرك ، لأنهم لم ينسبوه إليه على وجه مزاح جائز ، بل على وجه الكذب عن الله ، لأنه نسب الأمر بالذبح إلى الله ، وإن جعلوا محط الاستهزاء ، أن الله لا يقدر على إحياء الميت فأشد كفراً ، ويحتمل أن ذلك من غلظ الطبع والجفا لا إشراك ، أو الاستفهام استرشاد لا إنكار .

{ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ } من أن أكون { مِنَ الْجَاهِلِينَ } أى فى سلك من اتصفوا بالجهل ، لبرهان على جهلهم ، فذلك أبلغ من أن يقول ، أن أكون جاهلاً ، واختار الأبلغ ، لأنه أليق بما وصفوه به ، فإنه من يكذب على الله ، ويقول ، أمر بكذا ولم يأمر به من أهل الجهل البين ، كظلمة الليل ، والجهل عدم العلم ، أو اعتقاد الشىء على خلاف ما هو به ، أو فعل الشىء بخلاف ما حقه أن يفعل ، وهذا الأخير هو المراد هنا ، ولما علموا أن ذلك أمر من الله عز وجل لقوله{ أعوذ بالله } إلخ قالوا ما ذكر الله عنهم بقوله :

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا } اللام للنفع أو للتعديل { رَبَّكَ يُبَيِّنُ لَّنَا مَا هِىَ } أى ما وصفها معها ، فإن ما سؤال عن الوصف هنا ، فكأنه قيل ، ما سنها ، فأجيب عليه ، وعن الجنس أو الحقيقة ، وليس مراداً هنا ، إذ لا يسألون عن جنس البقرة أو حقيقتها لعلمهم بها ، ومن السؤال عن الوصف نحو ما عمرو؛ تريد ، أخياط أم حداد ، أو ، أمسنّ أم شاب ، وما زيد ، أفاضل أم كريم ، والكثير فى ما الجنس أو الحقيقة نحو ما العنقاء ، وما الحركة .

{ قَالَ } أى موسى { إِنَّهُ } أى الله { يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ } هى { فَارِضٌ وَلاَ } هى { بِكْرٌ } أو لا صلة بين النعت والمنعوت ، أو منزلة مع ما بعدها منزلة اسم ، فظهر الإعراب فيما بعد ، كقوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أى غير فارض وغير بكر ، وغير الله ، ولم يقرنها بالتاء ، لأنهما لا يطلقان على المذكر ، فهما كحائض ، لا يطلق إلا على المؤنث ، ويقال فى غير البقرة جمل أو غيره بكر ، والمؤنث بكرة بالتاء ، والغرض القطع أى لم تقطع أسنانها لكبرها بالانكسار ، أو باستفراغ سنيها المعتبرة فى الإنسان كالثنى والجذع ، والرباع ، أو انقطاع ولادتها ، والبكر الشابة الصغيرة بحيث لا تلد ، وقيل : التى ولدت ولداً واحداً { عَوَانٌ } نصَف { بَيْنَ ذَلِكَ } بين ما ذكر من الفارض والبكر ، وقيل : ولدت مرة أو مرتين { فَافْعَلُوا مَا تُؤمَرُونَ } به من ذبحها علَى هذا الوصف بلا توقف ، وطلب استفسار ، فتكلفوا سؤالا هم فى غنى عنه ، وهذا من كلام الله ، أو من كلام موسى عليه السلام .
--------------------------------------------------------------------------------

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

{ قَالُوا ادْعُ لَنَّا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَّنَا مَا لَوْنُهَا } كأنهم استعظموا ذبح بقرة فى ميت ، لا يعرف قاتله ، فهول الأمر عليهم ، ولم تكتف قلوبهم ببقرة ما ، فأكثروا السؤال { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا } أى البقرى العوان { بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } أى لونها خالص الصفرة ، كما يقال أبيض يقق ، وأبيض ناصع ، وأسود حالك ، وأحمر قان ، أى شديد اللون ، ولا يخفى أن الأصل فى الصفرة بقاؤها على ظاهرها ، من لون بين بياض وحمرة ، ولا حاجة إلى تفسيرها بالسواد ، ولو ورد مثله لعدم القرينة هنا فلا مجاز ، ولو كان مشتركا لحملت على الأظهر ، وناقلو اللغة من العرب مشافهة كالجوهرى ، وأبى عبيدة والأصمعى لم يثبتوا الفقوع إلا فى الصفرة ، لا يقال أسود فاقع ، ولو أثبته فى القاموس ، وهو مقبول ، إلا أن الجمهور على خلافه { تَسُرُّ النَّظِرِينَ } تلذ قلوب الناظرين إليها بحسنها ، ومادة السرور لذلك ، فمنه السرير ، لا ولىّ النعمة ، وسرير الملك تفاؤلا ، وعن على من هذه الآية ، كل أصفر يسر كالنعل الأصفر ، وأن الأسود ، يحزن ، فهو مفسر للصفرة بظاهرها .

--------------------------------------------------------------------------------

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ } أى ما الوصف الآخر المبين لهذه البقرة العوان ، الصفراء الفاقع ، أو أرادوا مطلق البقرة التى أمروا بذبحها ، إلغاء للبيان المتقدم ، وإعراضاً عنه لسوء أدبهم ، وعلى كل حال أجابهم عن الله مع إثبات الأوصاف السابقة ، بأنها غير مذللكة بالعمل ، وأنها كلها على لون واحد { إِنَّ الْبَقَرَ } الموصوف بتلك الصفات { تَشَبَهَ عَلَيْنَا } لكثرته { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ } إليها بوصف تصفها به بعد ، قال صلى الله عليه وسلم ، لو لم يستثنوا ، أى لم يقولوا إن شاء الله لما بينت لهم آخر الآية ، وليس قولهم ما هى تكريراً للأول لأنهم قالوا أولا ، ما هى ، فبينها لهم بأنها عوان ، وزادوا سؤالا ، ما هى بعد ما وصفتها لنا بأنها صفراء عوان ، وهذا يكفى ، وهو الأصل ، ولا يحتاج إلى ما قيل ، إن المراد آخرا بقولهم ، ما هى ، أسائمة أم عاملة ، إذ لا دليل عليه إلا قوله ، لا ذلول ولا تسقى ، فيسقى على هذا مسلمة لاشية فيها ، فالأولى تفويضهم له فى ازدياد بيان ، فأجابهم بما أقنعهم .
--------------------------------------------------------------------------------

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ } هى { ذَلَولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ } وهذه الإثارة سبب الذل { وَلاَ } هى { تَسْقِى الْحَرْثَ } أو لاصلة بين النعت والمنعوت أو منزلة مع مدخولها منزلة اسم ، كما مر ، والذلول التى ذلت ، وإثارة الأرض قلبها وشقها للزرع ، والحرث الأرض المشقوقة للزراعة ، أو ما وضع فيها من البذر والمراد أنه ليس يحرث بها فتذل ، كما أنها ليست تسقى الحرث فتذل ، فتثير فى حيز النفى ، وقيل ، هى تثير الأرض بأظلافها لقوتها ، وبطرها ومرحها ، فالإثارة صفة أخرى لها فى الإثبات ، وقيل ، هى وحشية إذا كانت لا تثير ولا تسقى ، وقيل : هى من السماء ، والقولان ضعيفان { مُسَلَّمَةٌ } من العيوب ، كالعور والعرج وانكسار القرون ومن كل عيب كهزال ، لكثرة الحمل عليها { لاَشِيَةَ فِيهَا } لا شىء من اللون فيها يحالف لونها ، حتى قيل ظلفها وقرنها وأهداب عينيها صفر ، تشديد على أنفسهم أورثهم تشديداً فى ثمنها عليهم .

قال صلى الله عليه وسلم : « لو ذبحوا أى بقرة كانت لأجزأتهم ، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم » ، والصحيح أن هذا موقوف على ابن عباس ، لا مرفوع .

ومرادهم طلب البيان لاستبعادهم إحياء ميت ببقرة ميتة ، ظنوا أنها ليست من سائر البقر ، وهى منها فى قدرة الله ، وتعينت هذه فى قضائه تعالى ، وتأخير البيان ممنوع عن وقت التكليف ، لا عن وقت الخطاب . { قَالُوا الْئَنَ } لا قبل { جِئْتَ بِالْحَقّ } البين التام ، وهو الوصف الأخير ، إذ قال ، لا ذلول . . . الخ ، ومن قبل جئت بحق لم نفهمه باتضاح ، وعرفوا أنه الحق البيت التام ، لأنه ما وجد على هذا الوصف إلا واحدة ، فزال بها تشابه البقر عليهم ، وجدوها عند فتى بارّ بأمه ، وقال له ملَك : اذهب إلى أمك ، وقل لها : امسكى هذه البقرة ، فإن موسى بن عمران يشتريها منك بملء مسكها ذهباً . ويروى أن ملكا قال : شاور أمك ، ولا تبعها إلا بمشورتى ، فلم يشر بالبيع حتى سيمت بملئه ذهباً .

وكانت البقرة فى ذلك بثلاثة دنانير ، وهى من بقر الأرض ، لا كما قيل ، نزلت من السماء لأنه لا دليل له ، قيل : ولأن قولهم ، الآن جئت بالحق يناسب أنهم يبحثون عنها فى بقر الأرض ، وإلا قالوا : لا نقدر عليها : قالت ، لا يلزم هذا ، وفرقوا ثمنها على بنى إسرائيل فأصاب كل فريق ديناران { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } ذبحها ، أى ذبحوها بعد ما اتصفوا بالبعد عنه ، تباعدوا عن ذبحها جدّاً ولم يقربوا منه ، ومع ذلك اتصلوا بها بعد ذلك ، وملكوها وذبحوها ، ونفى كاد نفى ، وإثباتها إثبات كسائر الأمثال ، وأخطأ من قال غير ذلك ، وذلك أنه طال الوقت لكثرة مراجعتهم لموسى فى بيانها وطول زمان التفتيش عنها ، وتوقف أم الفتى فى بيعها ، ولأجل الزيادة الخارجة عن العادة فى ثمنها ، ولخوف فضيحة القاتل ، وغلا ثمنها ، ويبعد ما قيل : إنهم طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة ، ومن خطأ المحدثين أنهم لا يكادون ينطفون بخبر كاد غير مقرون بأن مع أن قرنه قليل ، وأنهم دائماً يقولون مثنى مثنى ، ولا يقتصرون على مرة ، حاشاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

--------------------------------------------------------------------------------

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً } هذا القتل أول الأمر وآخره ليبين لهم شأنه وقت الإحياء ، ونسب القتل إليهم لأن القاتل من جملتهم ، أو قتله جماعة منهم ، ولأن الحرص على المال فاش فيهم كلهم ، والقاتل حريص ، وكذا الحرص على ما يحبون كجمال المرأة { فَادَّرَءْتُمْ فِيهَا } تدافعتم فى قتلها ، كل ينفيه عن نفسه ويحيله على خصمه ، والأصل تدارأتم أبدلت التاء دالاً وأدغمت ، فكانت همزة الوصل لسكون الأول ، وحذفت الهمزة بعد الراءِ فى المصحف { وَاللهُ مُخْرِجٌ } مظهر { مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } كان فيهم من يجب ألا يظهر القاتل كالقاتلين ومن يليهم ممن عرفهم ، وغير ذلك ممن لم يناسبه الظهور .

--------------------------------------------------------------------------------

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

{ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ } أى القتيل فى بدنه قبل أن يدفن ، وقيل على قبره { بِبَعْضِهَا } أىّ بعض كان ، فاتفق أنهم ضربوه بلسانها أو بذنَبها ، أو بقابها ، أو بفخذها اليمنى ، أو بالأذن ، أو بعجب الذنَب ، أو ببضعة بين الكتفين ، أو بعظم ، أو بالغضروف فحيى ولو ضربوه بغير ذلك منها لحيى كذلك ، ولما حيى وأوداجه تشخب دما قال : قتلنى فلان وفلان ، لابن عمه ، أو ابن أخيه ، أو فلان ابن أخى ، ومات ، وحرما الميراث ، وقتلا . قال صلى الله عليه وسلم : « ما ورث قتيل قتيله من عهد أصحاب البقرة » ، وخص البقرة لأنهم كانوا يعبدونها ، فيذبحون ما حبب إليهم ، فيذبحون النفوس الأمارة بالسوء ، ولأنهم عبدوا العجل ، وأشربوا فى قلوبهم العجل ، وخص الضرب بالبيت لئلا يتوهم أن الحياة انتقلت إليه من الحى.

{ كَذَلِكَ } كما أحيا الله هذا القتيل { يُحْيِى اللهُ الْمَوْتَى } كلهم يوم القيامة بلا ضرب ، وبنو إسرائيل لا ينكرون البعث ولكن وعظهم بالبعث ليستعدوا ويذكر منكرو البعث من العرب ، والكف لمن يصلح للخطاب ، فيدخلون بالأولى أو لكل واحد فوافق قوله { وَيُرِيكُمْ } عطف على يحيى { ءَايَتِهِ } دلائل قدرته ، أو ما اشتمل عليه هذا الإحياء ، من الآيات ، أو كلام الميت ، أو كل ما مر من المسخ ، ورفع الجبل ، وانبجاس الماء ، والإحياء ، والخطاب لبنى إسرائيل مع غيرهم كالعرب ، أو لهم فقط ، وكذا فى قوله { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تستعملون فكركم فتدركون أن الله قادر على إحياء غيره كما قدر على إحيائه ، وكما أنشأهم . ويجوز أن يكون الخطاب فى كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون للعرب المنكرين للبعث ، اعترض به فى قصة بنى إسرائيل ، ويختص ببنى إسرائيل الخطاب فى قوله :

{ ثُمَّ قَسَتْ } انتفت عن الاتعاظ بالمعجزات واللين لها ، وأشبهت فى ذلك الجسم الصلب الذى لا يتأثر بالانغماز ، ففيه استعارة تبعية ، أو فى الكلام استعارة تمثيلية { قُلُوبُكُمْ } فى الحال وما قبلها قسوة بعيدة عن شأن من شاهد من المعجزات ما شاهدتم بعدا شبيها فى الامتداد بتراخى الزمان ، أو بعد مرة من الزمان زادت قسوة ، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ، وقد زادوا سوءاً بعد نزول الآيات ، وأكد البعد بقوله { مِنْ بَعْدش ذَلِكَ } بعد ما ذكر من الآيات كإحياء القتيل { فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ } فى عدم الانفعال ، كما لا يطاوعك الانغماز والتثنى . لا تتأثر قلوبهم فى الوعظ بما شاهدوا من الآيات { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } من الحجارة ، أى بل أشد قسوة ، كقوله { إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا } أو يشك الناظر . أهى كالحجارة أم أشد ، أو يخير بين أن تشبه بها وأن يقال أشد على جواز التخيير بأَر فى غير الأمر والنهى ، أو نوَّعهم إلى قلوب كالحجارة ، وقلوب أشد ، والحديد ، ولو كان أقوى من الحجر ، لكن قد يلين بالنار ، وقد قوع لينه لداود عليه السلام خارجا بلا نار ، وأيضا الحديد لا يخرج منه الماء فلا يناسب ذكر خروج الماء من الحجر وهبوطه من الخشية بعد ، ولا سيما أن الحديد إنما يلين بانضمام النار ، لا بمجرده ولينه لداود ومعجزة لامساس لها هنا ، ولم يقل ، أو أقسى لأنه يدل على حصول الشدة لا على زيادتها وأشد قسوة يدل على زيادتها ، فهو أبلغ.

{ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ } ينبع نبعاً واسعاً { مِنْهُ الأَنْهَرُ } المياه ، سماها أنهاراً تسمية للحال باسم المحل ، والكلام تعليل جملى الأشد قسوة ، وزعم بعض وتبعهم الشيخ عمرو التلاتى ، أن الواو تكون للتعليل ، ولا يصح ، ولو صح لحملنا عليه الآية ، أى لأن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ، وهو مطلق الحجارة ، وزعم بعض أنه أراد حجر موسى الذى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، والأول أصح للإطلاق ، ولأن حجر موسى خارق للعادة معجزة.

{ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّققُ } بعد أن كان منشقّاً ، أصله يتشقق ، أبدلت التاء شينا وأدغمت { فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ } قليلاً دون الانفجار { وَإِنَّ مِنْهَا لَما يَهْبِطُ } يسقط من الجبل على الاستقلال { مِنْ خَشْيَةِ اللهِ } لا بحيوان أو مطر أو صاعقة أو رعد أو نحو ذلك ، خلق الله فيه التمييز والعقل ، فيخشع فيسقط .

ومن خلق العقل فى الحجر قوله صلى الله عليه وسلم ، « إنى لا أعرف حجرا كان يسلم علىَّ قبل أن أبعث » ، وأنه صلى الله عليه وسلم بعد بعثه ما مر بحجر أو مدر إلا سلم عليه ، وأن الحصى سبح فى كفه ، وكف بعض الصحابة ، وأن الحجر الأسود يشهد لمن استلمه .

وليس المراد هنا الانقياد لما يريد الله ، فإن الخلق كله كذلك ، حتى قلوب الكفرة فإنها منقادة لما يريد الله من هزال وسمن وصحة ومرض ، وزوال وبقاء ، وفرح وحزن وغير ذلك { وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } فهو عالم بما تعملون ، فيعاقبكم على مساوئكم المحبطة لمحاسنكم فى الآخرة .

توقيع :

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-24-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
رقم العضوية : 176
تاريخ التسجيل : Oct 2010
مكان الإقامة : ابراء
عدد المشاركات : 493
عدد النقاط : 20

cdabra غير متواجد حالياً



الآيات ( 75 - 91 )

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
{ أَفَتَطْمَعُونَ } إنكار للياقة الطمع ، العطف على قست ، والهمزة من جملة المعطوف ، أو على مقدر بعد الهمزة ، والخطاب للمؤمنين ، قيل ، والنبى أيضاً ، أى تحسبون أن قلوبهم صالحة للإيمان فتطمعون ، وقيل للأنصار ، وفى ذلك تشديد العقاب ، ويقال ، الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، لأنهم يطمعون فلا حاجة ولا دليل على أن الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع تعظيماً ، كما هو قول ابن عباس .

{ أَنْ يُؤمِنُوا } أى فى أن يؤمن اليهود ، أى ينقادون { لَكُمْ } ، أو يؤمنوا لأجلكم ، والواو لليهود فى المدينة وما قرب منها ، كيف تطمعون فى إيمانهم مع ما فيهم من موانع الإيمان ، تحريف الحق مع العلم به فى طائفة من الأحبار ، ونفاقهم إليكم بظاهر الإيمان وإخلاص الكفر ، إذا خلا بعض ببعض فى طائفة ، وتحذير بعض بعضا عن التحدث برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة فى التوراة فى طائفة واعتقاد الباطل توراة فى طائفة ، وكتابة كلام يقولون إنه من التوراة ، وليس منها ، فى طائفة .

وأشار إلى ذلك كله بقوله { وَقَدْ كَانَ } إلى قوله إلا يظنون ، أى طمعكم فى إيمانهم وبعيد ، والحال أنه قد كان { فَرِيقٌ } طائفة ، أحبار تفرقوا طوائف { مِّنْهُمْ } ممن حضروا وأسلافهم { يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللهِ } فى التوراة ممن قرأ من كتاب الله ، أو رأه بعينه ، وفهمه ، والمراد القرآن { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } يردونه فى ظرف غير ما هو فيه بمحوه أو إسقاط بعضه أو زيادة ما يفسد به ، أو تفسيره بخلاف ما هو عليه { مِنْ بَعْدش مَا عَقَلُوهُ } فهموه حقّا وأنه من الله .

{ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنه حق ، وأنهم مبطلون ، وأنه من الله ، وأنهم كاذبون فى التحريف ومبطلون فيه ، فقد يحرف المرء شيئاً ولا يعلم أنه مبطل فى تحريفه ، وما مجملة ولا حاجة إلى جعلها تأكيداً فى المعنى لقوله عقلوه ، ومن ذلك تبديل ما فى التوراة من الرحم بالتسخيم وتسويد الوجه وما فيها من أنه صلى الله عليه وسلم أبيض ربعة بأنه أسمر طويل ، وأنهم طلبوا أن يسمعوا كلام الله تعالى كموسى ، فأمرهم أن يتطهروا ويلبسوا ثياباً نظيفة فأسمعهم فزادوا ، أنه قال لهم ، إن شئتم فلا تفعلوا ، وهم السبعون الذين اختارهم .
--------------------------------------------------
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
{ وَإِذَا لَقُوا } أى اليهود ، إذ القائل منهم ، لا كل فرد ، أو إذا لقى منافقوهم ، والمراد أشرار علمائهم ، ومن معهم من العرب كعبد الله بن أبى { الَّذِينَ آمَنُوا قَالُواْ ءَامَنَّا } بمحمد رسولا مبشراً به فى التوراة ، وأنكم على الحق فى اتباعه ، وهذا إلى قوله ، أفلا تعقلون داخل فى توبيخ المؤمنين على الطمع فى إيمانهم ، أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا . . . إلخ ، وإما وبخهم على ذلك الطمع ، لأن الطمع تعلق النفس بإدراك المطلوب تعلقا قويا ، وهو أشد من الرجاء ، فشدد عليهم فيه ، لأنه ربما يؤدى إلى ملاينة لا تجوز.

{ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا } أى رؤساؤهم الذين يصرحون بالكفر ولم ينافقوا ، أى قالوا لمن نافق منهم . قام النبى صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال ، يا إخوان القردة ، يا إخوان الخنازير وعبدة الطاغوت ، فقالوا : ما أخبر بهذا محمداً إلا أحد منكم أتحدثونهم . . . إلخ ، كما قال { أَتُحَدِّثُونَهُمْ } أتحدثون المؤمنين ، وهذا توبيخ على ماض مستمر ، فهو موجود فى الحال إذ اعتقدوا أن منافقيهم لم يقطعوا نياتهم عن التحديث والتوبيخ ، رفع على ماض وحاضر ، أو صورا حالهم الماضية من التحديث بصورة الحاضر .

{ بِمَا فَتَحَ } به { اللهُ عَلَيْكُمْ } أنعم به عليكم من العلم برسالة محمد فى التوراة وصفاته ، والإيجاب على الأنبياء أن يؤمنوا به ، أو قضى عليكم به ، أو أنزله عليكم بوساطة موسى ، أو بينه لكم كما يقال : فتح على الإمام ، إذا ذكر ما توقف عنه ، وذلك الأمر قبل بيانه كالشىء المغلق عليه ، وبعد بيانه كالشىء المفتوح عليه ، فذلك إقرار منهم بأن الله قضى عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليهم رسالته ، وتفسيره بالإنزال معنوى.

{ لِيُحَاجُّوكُم } ليحاجوكم حجّاً عظيما ، والمفاعلة مبالغة ، لا على بابها { بِهِ } بما فتح الله عليكم فيغلبوكم ، والللام لام العاقبة مجاز على التعليل ، أى فيكون المآل أن يخاصموكم به { عِنْدَ رَبِّكُمْ } فى الآخرة ، بأن يشهدوا عليكم بإقراركم بأن الله حكم علينا ، أى قضى بأن نؤمن بمحمد وكتابه فستقام عليكم الحجة بترك اتباعه مع إقراركم بصدقه ، وهو متعلق ليحاجوا.

{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } عطف على أتحدثونهم ، أو يقدر ، ألا تتأملون فلا تعقلون أنهم يحاجونكم يوم القيامة بأن محمداً رسول الله فى التوراة ، وذلك من جهلهم ، فإنهم يوم القيامة محجوبون بما فى التوراة ، حدثوا المؤمنين به أم لم يحدثوا ، وإن رجعنا هاء به للتحديث ، أى ليحاجوكم بتحدثكم بأن يقول المؤمنون ، ألم تقولوا لنا إن محمداً رسول الله فى التوراة كان المعنى أنه اشتد عليهم أن يحاجوهم بالتحديث ، ولو كانوا لا ينجون مع من قطع العذر ، ولو لم يحدثوهم إلا أنه يضعف رد الهاء للتحديث بقوله :

{ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ } عطف على ما قبل ، أو يقدر ، أيلومونهم ولا يعلمون { أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } مطلقا ، ومنه إسرارهم الكفر ، وصافت الله ، وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَمَا يُعْلِنُونَ } مطلقا ، ومنه إظهارهم الإيمان فإنه أنسب بردها إلى ما فتح الله ، وأيضاً قد يمكنهم إنكار التحديث ، لا ما فتح عليهم والمشركون قد يحققون ما علموا أن الله عالم به لفرط دهشتهم ، وذلك فى الآخرة ، كقوله تعالى { والله ربنا ما كنا مشركين } وقوله « أخرجنا منها » وقد علموا فهم لا يخرجون ، فينكرون التحديث ، ولو علموا أن الله عالم به ، ويجوز أن يكون ، أفلا تعقلون كلام الله للمؤمنين ، لا من كلام اليهود ، كما أن ، أولا يعلمون . الآية من كلام الله ، أى أفلا تعقلون أنه لا مطمع فى إيمانهم .
-------------------------------------------------
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)
{ وَمِنْهُمْ } من اليهود { أُمِّيُّونَ } لا يكتبون ولا يقرأون الكتابة ، كأنهم فى جهنم ولدتهم أمهاتهم ، أو أنهم باقون على أصل خلقهم ، أو من العرب الذين لا يكتبون ولا يقرأون المكتوب ، أو من أم القرى مكة وأهلها ، لا يقرأون الكتابة ولا يكتبون { لاَ يَعْلَمُونَ } لا يعرفون { الْكِتَبَ } التوراة أو الكتابة فهم عوام ، رسخ التقليد فى قلوبهم فكيف تطمعون أن يؤمنوا { إِلاَّ أَمَانِىَّ } أى لكن يعتقدون أمانى ، أى أكاذيب ، فالاستثناء منقطع ، أو لا يعلمون المكتوب إلا مكتوبا مكذوبا فيه ، أو إلا كتابا يقرأونه بلا معرفة معنى ، لأن الأمانى بالشد والتخفيف بمعنى ما يقدر فى النفس ولو كذبا ، وبمعنى ما يتمنى ، وبمعنى ما يقرأ ، فالاستثناء متصل ، وذلك أنهم تلقوا من رؤسائهم المحرفين أكاذيب ، أو كتبا كتبوها لهم مكذوبا بها ، مثل ، أن النبى صلى الله عليه وسلم الموعود به أسود أحول ، قطط الشعر ، قصير أو طويل بدل ربعة ، وغير ذلك مما هو ضد صفته صلى الله عليه وسلم ، وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً ، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة ، ونحن أبناء الله ، وأحباؤه.

{ وَإِنْ هُمْ } ما هم { إِلاَّ يَظُنُّونَ } فى جحود محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ، والمراد بالظن خلاف العلم ، فتناول لاعتقاد الجازم غير المطابق ، لا الظن المشهور الذى هو الاعتقاد الراجح مع تجويزظ المقيض ، طابق الواقع أو لم يطابق ، لأن بعضهم جازمون بالاعتقاد الفاسد ، وجاهلون جهلا مركبا وبعضهم جاهل أمى ، مقلد للجاهل جهلا مركبا ، فالضمير لليهود مطلقا ، والقسم الثالث العارف بالحق داخل فى ذلك ، لأن لفظ الجازم بالإنكار ، وهو ظان ، أى غير قابل بالعلم ، ويجوز عوده للأميين .
---------------------------------------------------
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
{ فَوَيْلٌ } هلاك ، أو واد فى جهنم ، لو وقع فيه جبل لذاب وسال ، أو واد فى جهنم يهودى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره ، كما ذكرته فى وفاء الضمانة { لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ } ذكر الأيدى مع أن الكتابة لا تقع إلا باليد تأكيدا لقبح فعلهم ، كما أكد فى قوله تعالى { يطير بجناحيه } { يقولون بأفهواههم } وأيضاً قد يقال ، كتب فلان وهو لم يكتب بيده ، بل كتب له غيره ، ووجه آخر معناه ، نفى أن يكتبه كاتب قبلهم ، فهو مختلف من عند أنفسهم.

{ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا } أى هذا الكتاب { مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ } يستبدلوا { ثَمَناً } ما به الشراء ، أو الشراء على ظاهره ، والثمن المثمن ، أى مثمناً { قَلِيلاً } بالنسبة إلى ما باعوا من دينهم ومن الجنة ، خاف رؤساء اليهود على ز وال ملكهم حين قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ، فبدلوا صفة النبى صلى الله عليه وسلم بضدها إثباتا لرياستهم ، ولما يعطيهم سفلتهم وعامتهم { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ } أى كسبته { أَيْدِيهِمْ } أو من كتابة أيديهم { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } من سائر شركهم وبدعهم وكبائرهم وصغائرهم ، ومن كبائرهم أخذ الرشا ، وهم أربع فرق : محرفون : ومنافقون ، ومانعون من إظهار الحق ، وجاهلون مقلدون .
--------------------------------------------------
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)
{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ } كناية عن دخولها { إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } أى قليله ، وكان الحساب فى العرب عزيزاً ، فصاروا يعبرون عن القليل بالعدد ، لا يألفهون عد الكثير وقوانين الحساب ، والقائلون لن تسمنا النار إلا أياماً معدودة يهود المدينة ، وهم نشأوا على العربية ، وكلامهم فيها حجة ، فقالوا معدودة مكان قليلة ، وهى مقدار عبادة أبائهم العجل أربعين ، زعموا أن الأربعين مدة جعلها الله عذاباً لآبائهم ولهم ، وقال من قال : نعذبه سبعة أيام عدد الأسبوع ، وأنه سبعة آلاف سنة ، رجع إلى سبعة أيام ، يوم مكان ألف سنة.

{ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ } بهمزة مفتوحة ثابتة وصلا ، حتى إنه نقل فتحها اللام فيه ووقفا للاستفهام الإنكارى أو التقريرى على معنى التخطئة ، فهو فى معنى التوبيخ ، أو نزلة منزلة الاستفهام الحقيقى { عِنْدَ اللهِ عَهْداً } علماً يوثق به أنكم تعذبون أياماً معدودة { فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ } عطف على مدخول الهمزة ، كقوله تعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } وقوله تعالى : { أفمن وعدناه وعداً حسناً ، فهو لاقيه } وذلك بمرتبة المضارع المنصوب فى جواب الاستفهام ، إلا أن النصب هنا بلن ، كأنه قيل ، اتخذتم عند الله عهداً فيوفى لكم به ، وينصب يوفى ، ولا حاجة إلى تقدير الشرط هكذا : إن اتخذتم عند الله فلن يخلف الله عهده ، بمعنى أىّ هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم على الله ما لا تعلمون ، خرج ذلك مخرج للتردد فى تعيينه على سبيل التقرير .

والنبى صلى الله عليه وسلم عالم بوقوع أحدهما ، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين { أَمْ } متصلة عطفت جملة ، لأنه تعطف المفرد والجملة ، أو حرف ابتداء منقطعة بمعنى بل ، وهمزرة الإنكار . وهكذا ما أشبهه ، والمنقطعة حرف ابتداء وإضراب ، وتقدر ببل والهمزة ، أو بل أو بالهمزة ، وإذا كان الاستفهام بعدها فبمعنى بل فقط ، وإذا لم تصلح بل وحدها حمل الكلام على آلهتكم إن قدرت ، كقوله تعالى { أم كنتم شهداء } أى بلى كنتم شهداء ، فإنهم لم يكونوا شهداء ، أو يقدر ، بل تقولون عل مقتضى دعواكم ، أنكم كنتم شهداء . { تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بل أنتم فيه جاهلون من دعوى الخروج من النار ، وتقليل المدة .
---------------------------------------------------
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)
{ بَلَى } تمسكم النار مع الخلود فيها ، واحتج عليهم بما قضى فى الأزل وكتب فى اللوح المحفوظ من قوله { مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } ذنباً كبيراً أو صغيراً أصر عليه ، فالسيئة تشمل الشرك وما دونه ، ولا دليل على تخصيص الشرك ، ويدل على ما قلت قوله فى أهل الجنة ، وعملوا الصالحات ، وقومنا مجتمعون معنا على أن الإصر محبط للأعمال الصالحات ، ودعوى أنه يحبط ثواب الأعمال ويبقى ثواب التوحيد ، أو دخول الجنة لا دليل عليها ، والله يقول { وعملوا الصالحات } ومن أين لهم أن يقولوا بلا عمل للصالحات ، وحديث دخول الجنة بمجرد التوحيد محمول على ما قبل أن تفرض الفرائض ، وقد قال بهذا بعض سلفهم كما بينته فى وفاء الضمانة بأَداء الأمانة ، ومن شأن السيئة غير المتوب منها أن تجر سيئات ، وهو قوله { وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } سيئاته ، أو أشار إلى أنه لما لم يتب عن السيئة لم تغفر له صغائره لإصراره أحدقت به من كل جانب إذا لم يتب منها كلها ، ولو تاب من بعضها ، وقيل : لا يعاقب على ما تاب منه ، وهو قول لا بأس به ، فيحيط به ما لم يتب منه ولو واحدة .

{ فَأُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } لا يخرجون منها ، المشركون والفاسقون ، والأصل فى الخلود الدوام ، وحمله على المكث الطويل إنما يصح لدليل ، ولا خلاف فى دوام المشرك فىلنار ، ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذ لم يتخلص منها بالتوبة ، وليس المراد أنها به معنى أنها فى قلبه وجوارحه ، فلا دليل فى الآية على أن الخلود إنما هو لمن عمت قلبه بالشرك لأنا إذا صرنا إلى معنى تعميم البدن بالمعصية ورد علينا أن من جسد الكافر ما لم تصدر منه معصية ، مثل عنقه وأ'لى صدره إذا لم تصدر منهما .
--------------------------------------------------
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ } شامل للتقوى ، إذ ترك المعاصى من الأعمال الصالحات ، وهكذا حيث لم يذكر التقوى مع العمل الصالح وذلك أولى من حمل المطلق على المقيد بالتقوى فى الآى الآخر ، أو يقدر ، وعملوا الصالحات واتقوا ، وكذا فى سائر القرآن ، فلا دليل فى الآية على أن العمل الصالح قد ينجو صاحبه مع عدم التوبة من الذنوب { أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } دائمون ، وخلود أهل النار فيها ، وأهل الجنة فيها دوام .
---------------------------------------------------
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ لاَ تَعْبُدُون إِلاَّ اللهَ } إما مفعول لأخذنا لتضمنه معنى قلنا ، واللفظ نفى ، والمعنى نهى ، وحكمته الحث على المسارعة للامتثال ، حكى أنه قد امتثل فأخبر عنه ، وصونا للكلام عن الكذب إن كان بصيغة الإخبار فلم يمتثل فلا حاجة إلى تقدير قلنا ، ووجه ذلك ، أن أمر الله عز وجل بشىء أو نهيه عنه أخذ للميثاق ، ولو لم يقل المأمور والمنهى نعم ، وإما جواب للقسم الذى هو الميثاق ، ومقتضى الظاهر على هذا لا يعبدون بالتحتية ، وإما تفسير لأخذ الميثاق ، وهكذا فيما يأتى من القرآن تتصور فيه هذه الأوجه.

{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَناً } أى أحسنوا ، أو تحسنون بالوالدين إحساناً أى أحسنوا ، أو استواصوا بالوالدين ، أى بالوالد والوالدة ، فغلب المذكر ، ويبعد تفسير الميثاق هنا بميثاق ألست بربكم ، والآية مفصحة بعظم الإحسان إلى الوالدين ، إذ قرن بطاعة الله تعالى.

{ وَذِى الْقُرْبَى } القرابة كالرجعى بمعنى الرجوع { وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ } أحسنوا إلا هؤلاء بالمال والخدمة والنفع بالجاه والبدن والرفق وتعليم العلم ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وهم على ذلك الترتيب ، فالله أحق ، لأنه الخالق المنعم ، وحقه أعظم من كل حق ، ثم الوالدان لأنهما سبب وجود الولد ، ومتلقيان المشاق فى الولد ، ثم ذو القربى ، لأنه بواسطتهما ، والرضاع لُحمه كالحمة النسب ، ثم اليتيم لأنه أصعف لصغره من المسكين ، مأخوذ من اليتيم بمعنى الانفراد ، كدرة يتيمة ، وهو من بنى آدم من مات أبوه قبل بلوغه ، ولا يتم بعد بلوغ ، ومن الدواب من ماتت أمه ، وفى الطير من ماتا عنه ، وقد يطلق على من ماتت أمه من الآدميين ، وأفرد الغريب لأن القربى مصدر يصلح للأكثر ، فتبعه المضاف ، وهو ذى ، والإشارة إلى أنهم كواحد ولو كثروا فلا تقصروا فى حقهم .

{ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } بضم فإسكان ، أى حسنا بفتحهما ، أو ذا حسن ، وهو الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، والصدق فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، والدعاء إلى التوحيد ، والرفق بهم بما يحبونه مما لا معصية فيه ليذعنوا ، وليس مما ينسخ.

{ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ } المفروضة عليكم فى التوراة { وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ } على ما فرض عليكم فيها ، وهو ربع المال ، تنزل النار فتحرقه ، أو تأخذه ، أو شىء كالنار ، وذلك علامة قبوله ، ولا تحرق الحيوان ، وهذا خطاب لأوائلهم المأخوذ عليهم الميثاق ومن بعدهم ، والكلام فى ذلك لا فى المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن معاصريه تجب عليهم الصلاة والزكاة على ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم ، أمرناكم بما ذكر من إفراد الله بالعبادة ، وما بعده إلى إيتاء الزكاة ، وقبلتم { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } عن الوفاء.

{ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ } وهو من اتبع التوراة والإنجيل قبل البعثة كعبد الله بن سلام { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } عن الوفاء . والآية كقوله { ولى مدبراً } وقيل ، التولى الانصراف لحاجة مع ثبوت العقد ، والإعراض الانصراف بالقلب ، وقيل التولى الرجوع إلى ما كان أولا ، والإعراض أخذ طريق آخر .

والخطاب لمن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجيز أن يكون الخطاب بقوله « وأنتم معرضون » لمعاصريه ، أو المعنى معرضون عن الفكر فلا تأكيد ، أى وأنتم معرضون عن الوفاء بعهد التوراة ، والإنجيل قبل البعثة وقد وجب عليكم اتباعهما ، وعن الوفاء بالقرآن بعد البعثة ، وقد وجب عليكم اتباعه بعدها ويضعف أن يقال ، معرضون عن الغضب على المتولين ، أو عن القليل الذين لم يتولوا ، بأن لم توالوهم وتحبوهم ، والأولى أن الخطاب للآباء ، لأن ما قبله وما بعده لهم ، باعتبار آبائهم ، وهو قوله :

{ وَإِذْْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ } أى اذكروا وقت أخذ العهد على آبائكم { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } أى لا يقتل بعضكم بعضاً ، أو لا تقتلوا أمثالكم . وجاءت العبارة بذلك ، لأنهم كنفس واحدة ، نسبا ودينا ، فمن قتل غيره كأنه قتل نفسه ، وأيضاً هو كمثل قتل نفسه بالقصاص لأنه تعرض لأن يقتص منه ، وكذا فيما أشبه هذا { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } لا يخرج بعضكم أنفس بعض ، أو من أخرج أخاه كمن أخرج نفسه ، لأنهم إخوة دينا ونسبا ، أو لا تفعلون ما يوجب سفك دمائكم ، وإخوانكم من دياركم ، أو لا تهلكون أنفسكم بالمعاصى ، كمن قتل نفسه ، بحيث لا يلتذ ، كميت ، إذ كان لا ينال لذات الجنة ، ولا تصرفونها عن دياركم فى الجنة .

{ ثُمَّ أََقْرَرْتُمْ } اعتزمتم بأن ذلك الميثاق حق ، فقبلتموه ، ومن لازم ما يقربه أنه حق أن يقبل ، وثم لترتيب الأخبار باتصال ، أو فى الرتبة بالتراخى لأن رتبة الإقرار أقوى { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } على أنفسكم ، تأكيد لأقررتم فى المعنى ، أو أقررتم قبلتم وأنتم تشهدون على القبول ، أو أنتم معشر المعاصرين له صلى الله عليه وسمل تشهدون على إقرار أسلافكم لتوسط الأنبياء والرواة إليكم بينكم وبينهم ، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد الإجلاء والقتل منهم مع أن أخذ العهد والميثاق كان من أسلافهم .
--------------------------------------------------
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)
{ ثُمًَّ أَنْتُمْ } يا معاصرى محمد صلى الله عليه وسلم { لَهَؤُلاَءِ } أخص هؤلاء ، أو يا هؤلاء ، أو أنتم المشار إليهم المعهودون ، كأنه قيل بماذا فأجيب ، بما بعد ، وأجاز الكوفيون ، أن هؤلاء بمعنى الذين ، فتكون صلته هى قوله { تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فََرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَرِهِمْ } وذلك الإخراج بالاستعانة عليهم ، كما قال { تَظَهَرُونَ } تتعاونون { عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ } فعل ما يستحق به الذم ، أو نفس هذا الذى يستحق به الندم ، أو ما ينفر عنه { وَالْعُدْوَانِ } الظلم الشديد.

{ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ } ذلك الفريق الذين تخرجونهم من ديارهم وقت الحرب { أُسَرَى تُفَدُوهُمْ } بالمال أو بغيره ، كالرجال العرب فى المدينة وأعمالها : الأوس والخزرج واليهود قريظة والنضير ، وبنو قينقاع ، وكان بين الأوس والخزرج حروب ، فكانت اقريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج ، ولم يكن بين اليهود محالفة ولا قتال ، وإنما يقاتلون لحفائهم ، فإذا أسرت الأوس والخزرج يهوديا فداه النضير وقريظة جميعا .

وفى الحرب يقتل القريظى النضيرى والنضيرى القريظى ، ويخرب بعضهم دار بعض ، ويخرجه منها معاونه لحفائهم ، يقال لهم ، ما هذا؟ فيقولون ، القتل والإخراج لأجل حلفائنا ، لانستذلهم ، وهو مخالف لما عهد فى التوراة ، ولذلك نفاديهم ، لأنا أمرنا بالفداء ، فأحلوا بعضا وحرموا بعضا ، فكأنهم حرموا جميعا ، وأما بنو قينقاع فلم يقتلوا ولم يخرجوا أحداً من داره ، ولم يظاهروا ، وضرب الجزية عليهم لأنهم لم يؤمنوا وبقوا فى ديارهم.

{ وَهُوَ } أى الشأن { مُحَرَّمٌ } خير مقدم { عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } مبتدأ ، أى الشأن أن إخراجهم من ديارهم محرم عليكم ، كما عاتبهم بقوله ، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، حرم الله عليهم إخراج إخوانهم وقتلهم فى التوراة ، وفيها بعد ذلك ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بنى إسرائيل فاشتروه بكل ما وجدتم واعتقوه .

{ أَفَتُؤمِنُونَ } أتتعدون الحدود فتؤمنون { بِبَعْضِ الْكِتَبِ } التوراة ، وبعضها هو نداء من وجدوه منهم أسيراً عند الأوس والخزرج { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ببعض الكتاب ، وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة ، وهم لم يتركوا القتل ، إذ يقتلون بعضهم بعضاً فى الحرب ، معاونة لحفائهم ، ولم يتركوا الإخراج ولا المظاهرة ، وفى الآية تنزيل ترك العمل بالكتابة منزلة الكفر ، أى الشرك فإنهم آمنوا بالتوراة كلها ، لكن نافقوا ، ومن لازِم لإيمان بالشىء العمل بمقتضاه بذلك ويحتمل أن ذلك فى دينهم شرك ، وفيه أن الشرك لا تختلف الشرائع فيه ، قيل : أو سمى ذلك شركا مبالغة ، أو المراد بالكفر كفر الجارحة وهى الفسق ، وقيل عن ابن عباس رضى الله عنهما ، عادة قريظة القتل ، وعادة النضير الإخراج ، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير وقتل قريظة ، وأسر نساءهم وأطفالهم ، جازى كلا بما كان يفعل.

{ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ } ذل { فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا } بقتل سبعمائة من قريظة فى السنة الثالثة عقب الأحزاب ، وأسر نسائهم وأطفالهم وضرب الجزية على باقيهم ، وضرب الجزية على بنى النضير ، ثم إجلائهم إلى الشام ، ولا جزية عليهم بعد الإجلاء ، لأن الشام فتح بعده صلى الله عليه وسلم ، ولو كان قد تصرف فى بعضه بالتمليك.

{ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } هو أشد مما لقوا فى الدنيا ، وفى القبر ، فلا يرد أن المنكر لله ، وعبدة الأصنام أشد منهم عذاباً ، إلا من كان منافقاً ، بإضمار نوع من الشرك أو بإسرار إلى بعض ، فإن عذابه فى الدرك الأسفل .

والمراد التصيير إلى عذاب أشد ، لا إلى عذاب كانوا فيه ، ولا شك أن عذاب النار أشد من عذاب القبر وعذاب الدنيا ، وزاد أيضاً بالدوام ولا يتصور أن عذاب النار لله دون عذاب اليهود والنصارى والفاسق ، بل أعظم { وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } فهو لعلمه بما عملوا يجازيهم على كل صغيرة وكبيرة ، وصغائر المشرك كلها كبائر .
---------------------------------------------------
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الحَيَوةَ الدُّنْيَا } لذتها ومتاعها { بِالآخِرَةِ } فباعوا ما لهم فيها من الخير بالدنيا ، بأن ضيعوا دينهم لأجل تحصيل الدنيا { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } فى الآخرة أو فيها وفى الدنيا { وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } يمنعون منه ألبنة ، أو لا ينصرون بترك الجزية .
---------------------------------------------------
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتابَ } المعهود التوراة ، أو الجنس ، فيشمل الصحف المنزلة عليها قبلها { وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ } التشديد للمبالغة ، والباء للتعدية ، والمفعول محذوف ، أى فقرناه ، بتخفيف الفاء ، بالرسل ، أى تبعناه بالرسل أى اتبعناه الرسل ، وهذا أولى من جعل التشديد للتعدية إلى آخر ، والباء صلة ، أى قفيناه الرسل ، لأن كثرة مجيئه فى القرآن تبعد هذا ، والرسل يوشع وشمويل وشمعون ، وداود وسليمان ، وشعيا ، وأرميا ، وعزير ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، يرنس وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم ، ويقال : عدد الأنبياء بين موسى وعيسى عليهم السلام سبعون ألفا ، وقيل أربعة آلاف ، وكلهم على شريعة موسى عليه السلام ، وبينهما ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة ، ولا حجة لهذه الأعداد ، والعلم عند الله ، ومعنى اتباع الرسل من بعده الإتيان بعده برسول وبآخر بعده ، وباثنين فى زمان وبثلاثة فى آخر ، وما أشبه ذلك من انفراد رسول بزمان ، ومن تعدده فى زمان ، كما مر أنهم قتلوا سبعين نبيّاً فى يوم واحد ، وروى أنه لم يطق موسى أن يحمل التوراة فأعانه الله على حملها بملائكة عدد حروفها ، فلم يقدروا ، فخففها الله بالنقص فحملها ، ويبعد ما قيل : إن المراد بإيتاء التواره إفهامه معانيها له.

{ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ } لفظ عيسى سريانى أو عبرانى ، قولان ، كما هو مراد القاموس بأو على عادته ، وليس ترديداً ، أو هو معرب من إيسوع بهمزة بين بين ، أو مكسورة ، ومعناه ، المبارك أو السيد ، وقيل أليشون بالشين المعجمة ، أبدلت سينا ، ومريم بالسريانة الخادم ، سميت لأنها أريد بجنين هوهى أن يكون خادماً لبيت المقدس لو كان ذكراً ، أو معنى مريم العابدة ، والعبادة خدمة لله عز وجل ، وفى لغة العرب : مريم المرأة تحب التكلم مع الرجال وخالطتهم ، وعليه فمعنى مريم المرأة أو عليه فمعنى مريم المرأة التى تحب ذلك ، كقولهم للأسود : كافوراً ، وقيل تتحدث معهم ولا تفجر ، وقيل : من شأن من تخدمها الرجال والنساء أن تتحدث معهم ، فسميت بذلك.

{ الْبَيِّنَتِ } المعجزات ، كإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالغيوب ، وليس المراد الإنجيل كما قيل ، لأن اليهود كفروا به ، قائما يقمعون بتلك المعجزات ، والآية فى قمعهم وذكر عيوبهم ، إذ لم يستقيموا مع المعجزات ، لا بالإنجيل لأنه ليس معجزا ، وخص عيسى مع أنه من الرسل بعد موسى لأنه جاء بالإنجيل ناسخاً لبعض التوراة ، فلم يكن كن قبله من أتباع موسى.

{ وَأَيَّدْنَهُ } قويناه { بِرُوحِ الْقُدُسِ } جبريل ، يسير معه حيث سار ، مقارنا له من حين ولد إلى أن رفعه الله إلى السماء ، ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وسمى جبريل روحا تشبيها بروح الإنسان مثلا فى أن كلا جسم لطيف نورانى ، وأن كلا مادة للحياة ، فما يجيء به جبريل من الوحى لحياة القلوب ، كالروح لحياة الأبدان ، وأضيف للطهر لطهارة عن مخالفة الله عز وجل ، قيل خص ، أى عيسى ، بذلك اللفظ لأنه من ولادته كحاله بعد الرسالة وقيل من بطن أمه ، ولا تقل ، ذلك من إضافة المنعوت إلى النعت ، وأن الأصل الروح المقدسة ، أو ذات القدس ، من إضافة الشىء إلى حال من أحواله ليخص به ، أو ليعرف ، أو يمدح ، أو لنحو ذلك ، أو روح القدس روح من ملك الله ، أو روح عيسى أضيفت للقدس لعظم شأنه ، أو لأنه منزه عن مس الشيطان ، فتنزيهه لروحه ، أو أضيفت إليه لكرامته على الله ، أو لأنه لم يكن فى رحم حيض ، وقيل حاضت حيضتين ، وحملته ذات عشر سنين ، أو ثلاثة عشرة أو روح القدس الإنجيل ، كما قال الله فى شأن القرآن « أوحينا إليك روحا من أمرنا » أو اسم الله الأعظم ، كما أن القدوس اسمه ، وقيل : القدس اسمه والاسم الأعظم غيره ، وقيل : إنه اسمه الأعظم الذى كان يحيى به الموتى ، وقيل لأنه قصده سبعون ألف يهودى لقتله ، فطيره الله عنهم.

{ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ } أفعلتم ما فعلتم ، أو أكفرتم ، فكلما جاءكم رسول { بِمَا لاَ تَهُوَى } تحب { أَنْفُسُكُمْ } من الحق { اسْتَكْبَرْتُمْ } أى تكبرتم كل وقت مجىء رسول بما لا يوافق هواكم عن اتباعه { فَفَرِيقاً } منهم { كَذَّبْتُمْ } كعيسى ، وقدم التكذيب لأنه عام منهم لمن لم يقتلوه ولمن قتلوه ، ولأنه سبب للقتل { وَفَرِيقاً } منهم { تَقْتُلُونَ } تحقيقاً كيحيى وزكريا ، وفى قتل زكريا خلاف ، أو حكما كما قصدوا قتل عيسى فخابوا ، والمراد قتلتم ، ولكن المضارع تنزيل لما مضى من القتل منزلة الحاضر المشاهد ، أو الموجودين الآن منزلة من مضى وحضر ، لأن مشاهدة الشىء أقوى ، وخوطبوا بالقتل والتكذيب لرضاهم عن آبائهم الفاعلين لذلك ، ولأنهم يحاولون قتل النبى صلى الله عليه وسلم بإلقاء الصخرة ، وبسمّ الشاة ، قال صلى الله عليه وسلم : « ما زالت أكلة خيبر تعادينى أو تعاودنى ، فالآن قطعت أبهرى » ، فمات بقتلهم ، والجملتان عطفتا على استكبرتم لا على أيدنا كما أجازه بعض ، وقدم فريقا فى الموضعين على طريق الاهتمام ، والتشويق إلى ما بعد ، وكذا تقو . بالتشويق فى سائر القرآن ، إذا صح المقام له ، وقلت على طريق ، لأن الله عز وجل منزه عن الاهتمام ، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه ، ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول .
---------------------------------------------------
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
{ وَقَالُوا } للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به صلى الله عليه وسلم { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف ، كحمر جمع أحمر ، طبعت على أن لا يصل إليها ما يذكر لها من الوعظ والأمر والنهى ، كشىء متعظ أغلف بغطاء حسى ، فالآية تشبيه أو استعارة ، كما فى زيد أسد ، ولا يوجد فى اللغة الغلفة بمعنى الرين حقيقة ، بل مجاز ، كما أريد فى الآية ، والرين وقع فى قلوبهم تحقيقا ، وكذبوا فى قولهم خلقت لا يصل إليها ذلك ، لأنهم متمكنون من الفهم ، وأعرضوا كل مولود يولد على الفطرة ، فذلك الإعراض كان به الرين ، وبعضهم فهم الحق وجحد ، وذلك الجحود ، وذلك الفعل رين مانع عن النظر والقبول ، وترك الجحود ، أو جمع غلاف . فأصله ضم اللام سكن تحقيقا ككتاب وكتب ، أى أوعية للعلم ، فلو كان قولك حقا لوعته ، أو استغنينا بما فيها من العلم بالتوراة ، أو بسلامة الفطرة عن غيره ، كما يمنع الغلاف الزيادة { بَلْ } أى ليس كما قالوا من الخلقة على عدم الفهم ، أو امتلائها علما ، ومن عدم حقية ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم .

{ لَّعَنَهُمُ اللهُ } أبعدهم بالخدلالن عن القبول { بِكُفْرِهِمْ } أى بكفرهم السابق الذى جر إليهم قولهم ، قلوبنا غلف ، ولم تأبه قلوبهم لعدم كونه حقا ، فإنه حق ، ولكن خذلهم الله عز وجل ، أو أبعدهم عن رحمته بكفرهم هذا الذى هو قولهم قلوبنا غلف { فَقَلِيلاً مَّا } صلة لتأكيد القلة { يُؤمِنُونَ } أى يؤمنون إيماناً قليلا جدا ، لقلة ما آمنوا به ، أو لقلة من آمن ، أو زمانا قليلا ، فإن قله ما آمنوا به قلة لزمان يوقع فيه الإيمان ، ولو كثر ما أومن به لكثر زمان الإيمان ، إذ تنزل الآية فيؤمنون بها ، وتنزل الأخرى فى زمان فيؤمنون ، وهكذا ، وقلة من أمن من قلة الزمان إيقاع الإيمان ، إذ لو كثر من آمن لوقع إيمان هذا فى زمان ، وهذا فى زمان آخر ، وهكذا ، فتكثر أزمنة إيقاع لإيمان ، وأما قولهم آمنوا بالذى أنزل على الدين آمنوا وجه النهار . . . أو أراد بالذلة النفى ، كما جاء أنه صلى الله عليه وسلم يقل اللغو ، ولا مانع من ذلك ، وقيل : المراد إيمانهم حال الاحتصار تخقيقاً ، لكن لا يقبل .
---------------------------------------------------
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)
{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ } أى اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم { كِتَبٌ } هو القرآن { مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } هو التوراة وغيرها من كتب الله ، والأخبار المكتوبة ، ومعنى تصديقه إياها أنه نزل بحسب ما نعت فيها هو ، أعنى القرآن ، وما نعت فيها النبى صلى الله عليه وسلم ، وما يختص ببعثته صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لم ينسخه القرآن وليس المراد أنه موافق للكل ، والقرآن لإعجازه لا يحتاج إلى ما يصدقه.

{ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ } قبل بعثته صلى الله عليه وسلم { يَسْتَفْتِحُونَ } الله آى يستنصرونه { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } مشركى العرب من الأوس والخزرج المجاورين لهم إذا نالوا منهم سوءا وغضبوا لدينهم قالوا ، اللهم انصرنا عليهم بالنبى المبعوث آخر الزمان ، الذى نجد صفته فى التوراة ، ويضعون أيديهم على اسمه فينصرون ، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقال لهم معاذ وبشر بن البراء ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، فقال سلام بن مشكم ، ما جاء بشىء نعرفه ، وما هو بالذى نذكره . فنزلت الآية ، أو يستفتحون يملون ويخبرون العرب أن نبيا يبعث الآن ، نقاتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما يقال : فتح المأموم على الإمام إذا أخبره بما توقف فيه ، وكانوا يقاتلون عطفان فتغلبهم غطفان فى كل وقعة ، فكانوا يقولون ، اللهم إنا نسألك بالنبى الأمى صلى الله عليه وسلم الذى وعدتنا أن تبعثه آخر الزمان ، انصرنا عليهم فينصرون . فلما بُعث كفروا به ، فنزلت ، وكانوا من قبل يستفتحون ، الآية ، أو يستخبرون ، هل ولد.

{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ } فى التوراة وغيرها عن النبى صلى الله عليه وسلم وصفاته وعلاماته وكتابه { كَفَرُوا بِهِ } حسدا وخوفاً على زوال رياستهم وما يُعْطون ، وجواب لما الأولى يقدر كجواب الثانية تأكيداً ، أى كفروا به ، أو تأسيساً مدلولا عليه بجواب الثانية ، أى استهانوا ، أو ردوه ، أو امتنعوا ، أو نحو ذلك ، أو جوابها كفروا ، فتكون الثانية أعيدت لبعض الأولى ، كقوله « أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنك مخرجون » فأعاد أنكم ، وعلى هذا الوجه أقحمت ألفا للإشعار بأن ذلك عقب استفتاحهم قبل ، أو لما وما بعدها جواب للأولى ، كقوله تعالى { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى . . . } إلخ ، ويرده ، أن جواب لما لا يقرن بالفاء إلا نادرا جدا ، ولا سيما أنه فعل ماض مجرد ، لأن ما ظرف للكفر ، وكفروا ومتعلقه جواب للأولى ، وكذا لا يقبل قول بعض ، أن الجواب هو قوله { فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَفِرِينَ } إذ قرن بالفاء ، وإذ هو جملة اسميه ، الذين سبقت لهم الشقاوة أن يموتوا كافرين ، وهكذا لا يدخل فى لعن الكافرين فى القرآن إلا من قضى الله أن يموت كافرا ، والمراد فى الآية الجنس أو الاستغراق ، فتدخل اليهود ببرهان أن الكافر ملعون ، وأولا وبالذات بمعنى أن الكلام سبق لهم ، وكذا كلما قلت أولا وبالذات ، أو المراد اليهود ، وعليه فذكر باسم الكفر لا بالضمير ، ذما وتصريحا بموجب اللعن .
-------------------------------------------------
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)
{ بِئْسَمَا اشْتَرَواْ } استبدلوا { بِهِ أَنْفُسَهُمْ } أو باعوها باختيار الكفر ، أو اشتروا أنفسهم فى زعمهم من العذاب بتصلبهم فى دينهم ، جازمين ، ولو عرفوا ما جاء صلى الله عليه وسلم به ، كما قال الله عز وجل « فلما جاءهم ما عرفوا » { أَنْ يَكْفُرُواْ } مخصوص بالذم ، أى كفرهم { بِمَا أَنْزَلَ اللهُ } من القرآن ، والكفر ماض غير مستقبل لكن قال ، أن يكفروا لاستحضار الأمر الماضى بمنزلة المستقبل المترقب ليشاهد ويعاين ، وإنا قلت ذلك ، لأن المضارع المنصوب للاستقبال ، وهذا أولى من أن يقال المضارع هنا للحال ، ليكون الأمر كالمشاهد وأنه لم تخلصه أن للاستقبال.

{ بَغْياً } طلباً لما ليس لهم ، أى حسداً أو ظلماً ، تعليل ليكفروا ، أى أيكفروا لأجل البغى ، أو تعليل لاشتروا ، ولو فصل ، لقلة الفاصل ، أو ذوى بغى ، أو باغين ، ووجه تعليقه باشتروا أن المعنى على ذم الكفر الذى أوثر على الإيمان بغياً ، لا على ذم الكفر المعلل بالبغى ، وأيضاً إبدال أنفسهم بالكفر هو لمجرد العناد الذى هو نتيجة البغى والحسد ، كأنه قيل ، بئس استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد { أَن يُنَزِّلَ اللهُ } على أن ينزل الله الوحى أو لأن ينزل على أنه تعليل لبغيا { مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } حسدوا محمداً على رسالته صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من العرب ، ومن ولد إسماعيل ، ولا منهم ، ولا من ولد يعقوب أو نبى من أنبيائهم .

{ فَبَاءُو بِغَضَبٍ } هو هذا الكفر { عَلَىغَضَبٍ } استلحقوه من قبل ، لتضييع التوراة ، والكفر بعيسى والإنجيل ، وقولهم عزير بن الله ، ويد الله مغلوله ، ونحو ذلك ، والكفر بالإنجيل أو بعيسى ، والثانى الكفر بالقرآن ، أو به صلى الله عليه وسلم { وَلِلْكَفِرِينَ } مثل الكافرين فى الآية قبل { عَذَابٌ مُّهِينٌ } بذل ، جوزا بما حاولوا من أن يذلوا المسلمين ، بدعوى فضلهم عليهم ، والمُذِلّ الله ، وأسند لإدلال إلى المسبب .
--------------------------------------------------
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ } القرآن ، أو القرآن والتوراة وغيرهما من كتب الله ووحيه ، وهذا إشارة إلى أنهم كفروا بكتب الله ووحيه كلها ، إذ كفروا ببعض التوراة ، فإنه من كفر بكتاب أو ببعضه أو بنبى فقد كفر بجيمع الكتب والأنبياء { قَالُوا نُؤْمِنُ } نستمر على الإيمان { بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا } أى كلفنا به فى كتبنا ، مع أنهم لم يؤمنوا بها ، إذ كفروا ببعضها.

{ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أى سوى ما أنزل إلينا ، وهو التوراة ، كقوله ، ليس وراء الله منتهى ، أو بمعنى بعده ، والمراد على الوجهين القرآن لقوله تعالى { وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ } فإن هذا فى القرآن مستعمل للقرآن ، ولا مانع من أن يراد بما وراءه كتب الله ، فإنها كلها حق مصدق للتوراة ، لأنها كلها أمر بالتوحيد وطاعة الله ، واتباع كتبه ورسله ، أو يقال : ما وراءه هو القرآن والإنجيل ، كما أن التوراة مصدقة أيضاً لغيرها من كتب الله ، ثم إنه إما أن يخصص ما أنزل الله بالتوراة والقرآن أو يعمم وهو الحق لجميع ما سوى التوراة ، وعلى كل حال تناقض كلامهم ، لأن كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به ، وجه الحص التقييد بالحال . وهو مصدقاً ، فإن غير القرآن والإنجيل ولو صدق ما عندهم ، لكن لم يذكر فيه تصديق ما عنده باسمه ، ولكن فيه ، أن التصديق بالموافقة يكفى ، لعل الحصر هنا غير مراد ، أو يراد حصر غير ما شهر ، وهى معنى هو الحق لا غير الحق .

{ قُلْ } لهم يا محمد ، أو من يصلح للمناظرة { فَلِمَ تَقْتُلُونَ } يقتل آباؤكم ، ورضيتم بقتلهم وصوبتم ، تتعاطون مثل فعلهم لو وجدتم { أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بالتوراة ، ولقد نهيم فيما عن قتل الأنبياء ، غيرهم ، وعن سائر الظلم ، أو أن نافية ، أى ما كنتم مؤمنين بها ، إذ خالفتموهما ، ويجوز أن يكون قولهم « نؤمن بما أنزل علينا » بمعنى نؤمن به نحن وأسلافنا ، أى نؤمن به كما آمن أسلافنا ، فلما ادعوا إيمانهم وإيمان أسلافهم توجه لاعتراض عليهم بأنكم وآباءكم إن آمنتم بالتوراة فلم قتلوا الأنبياء ، فيكون فلت تقتلون تغليبا .

الآيات ( 92 - 105 )

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّنَتِ } كفلق البحر ، والمن والسلوى ، وتظليل الغمام ، وإحياء القتيل ، ورفع الطور فوقهم ، وانفجار الماء من الحجر ، والآيات التسع ، وهذا أولى من تفسير بعض العلماء البينات بدلائل التوحيد ، والعموم أولى وليس هذا وما بعده تكريراً لما تقدم ، لأنه أمر أن يقوله لهم ، فهو من جملة المحكى بقل فى قوله ، قل ، فلم تقتلون ، مشيرا إلى أن طريقتهم مع محمد طريقتهم مع موسى عليهما السلام ، وأيضا سبقت لإبطال دعواهم فى الإيمان بالتوراة ، وللتلويح بأن كفرهم بمحمد ليس بأعجب من كفرهم بموسى.

{ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } عجل السامرى إلها تعبدونه ، أو اتخذتم العجل بمعنى صورتموه ، ونص التوراة لا تعملوا صورا ، فتصوير الرأس أو مع الجسد محرما ولو لم يعبد ، والتوراة نزلت بعد اتخاذه بمدة قريبة ، وثم للاستبعاد ، أو لأنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر فى الآيات ، وذلك فعل آبائهم ، خوطبوا به ، فجرى الخطاب على مقتضى أنهم فعلوه وبهذا الاعتبار يصح أن يراد بالبينات التوراة ، فلا يعترض بأن اتخاذ العجل قبل التوراة { مِنْ بَعْدِهِ } بعد ذهابه إلى الميقات ، أو بعد مجيئه بالبينات ، كما قال ، ولقد جاءكم موسى بالبينات ، وقيل الاتخاذ بعد رجوعه من الميقات ، وهو ضعيف { وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ } أنفسكم باتخاذ العجل ، وظالمون لمن يقتدى بكم ، ولدين الله ، والزمان والمكان ، ولنعم الله ، إذ وضعتموها فى غير محلها . وهكذا تستحضر بعد ، أو أنتم عادتكم الظلم قبل الاتخاذ فينتج منه الاتخذ وغيره .
---------------------------------------------------
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ } على التوراة درسا وتفهما وعملا ، والحال أنا رفعنا الطور كما قال { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } يسقط عليكم إن امتنعتم من قبولها ، مقولا لكم ، أو قائلا لكم { خُذُوا مَآءَاتَيْنَكُمْ } جعلنا آتيا إياكم { بِقُوَّةٍ } باجتهاد ، وترك الكسل ، والفتور ، كما هو عادة المنافقين { وَاسْمَعُواْ } سماع إجابة { قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك بآذاننا { وَعَصَيْنَا } بقولنا وجوارحنا ، لا نعتقد أمرك ، ولا تعمل به جوارحنا ، كل ذلك باللسان ، أو سمعنا بلسان النزل ، وعصينا بلسان الحال ، أو سمعنا قبل أحكاما ، وعصينا { وَأُشْربُواْ } كل ذلك باللسان ، أو سمعنا بلسان المقال ، وعصينا الحال ، أو سمعنا قبل أحكاما ، وعصينا.

{ وَأُشْرِبُواْ } أشربهم الشيطان بالوسوسة ، أو أشربهم الله بالخذلان ، أو موسى ، إذ برد بالمبرد العجل وسقاهم برادته ، كما يأتى إن شاء الله ، جعل مخالطا كما يخالط الشراب أعماق البدن ، أو كما يدخل الصبغ الثوب ، وهذا على أنه من الإشراب بمعنى دخول لون على لون.

{ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } حب العجل ، ورسخ كمارسخ الماء فى محله من العطشان ، أو الصبغ فى الثوب ، قيل : ولك أن تقدر حب بأن رسخت صورته وشغفوا بها ، وفيه بعد ، إذ لا بد من حكم يعرض على ذات ، فيقدر شغف أو حب ، ووجهه المبالغة ، بأنه كأنه نفسه مشروب ، وبأنه مثل قولك ، فلان يأكل فى جيمع بطنه إذا بالغ فى الأكل ، وذكر القلوب مع أن الحب لا يكون إلا فيها ليجمع بين مزيد التقدير والتأكيد ، وبيان أن المشرب الحب ، إذ لم يذكر ، ولفائدة البيان بعد الإجمال أو بعد الإبهام ، فإن محل الشرب فى المعتاد البطن ، واختار الإشراب لأن الماء أبلغ مساغا فى البدن ، ومطية الأغذية والأدوية .

وقيل : برده موسى بالمبرد ، وألقاه فى الماء ، وأمرهم بشربه . فمن أحبه خرجت برادته إلى شفتيه ، وهو قول بارد ، وبرده ذكر القلوب أو يضعفه ، وقيل : ربط إلى قلوبهم كما يشرب البعير بمعنى شد فى عنقه حبل يمسك به { بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم السابق على اتخاذ العجل كفر شرك ، وهم مجسمة ، يجيزون ألوهية الأجسام ، أو حلولية ، يجيزون حلول الله ، والألوهية منه فى الأجسام زادهم الله عذابا فى الدنيا والآخرة.

{ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَنُكُمْ } بالتوراة . والمخصوص بالذم عبادة العجل ، تهكم عليهم بأن إيمانهم بالتوراة أمرهم بعبادة العجل ، فذاك نفى للإيمان بها ، لأن الإيمان يورث العلم والحكمة والفهم ، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لا عبادة غير الله ، ولا سيما أبلد الحيوان ، وهو البقر ، ولا سيما صغيره ، أو المخصوص قتل الأنبياء ونحوه ، أو قولكم عصينا ، أو كل ذلك ، وما ذكرته أولا أولى { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بها ، متصل بما قبله ، أو إلا كنتم مؤمنين بها فاعملوا بما فيها ، أو فلا تقتلوا الأنبياء ، ولا تكذبوا الرسل ، ولا تكتموا لحق ، أو ما كنت مؤمنين إذ خالفتموهم إنكاراً أو فسقا ، وإن نافية .
---------------------------------------------------
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)
{ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّراُ الآخِرَةُ } الجنة نفسها ونعيمها ، وليست الدار الآخرة انقضاء الدنيا ، بل انقضاؤها اليوم الآخر ، والنار أيضا دار آخرة ، والعهد والسياق ينفيان إرادتها { عِنْدَ اللهِ } فى حكمه أو عندية شرف { خَالِصَةً } لم يشبها النقض بثبوت بعضا لغيركم ، بمعنى صافية حقيقة ، أو خاصة بكم مجازاً { مِّنْ دُونَ النَّاسِ } كما قلتم ، لن يدخل الجن إلا من كان هوداً ، أو نحن أبناء الله ، ولن تمسنا النار . . . إلخ ، ولم يخلق الله الجنة إلا لإسرائيل وبنيه ، ثم إما أن يريدوا بالناس سائرهم بعد الخاصة ، فيستثنون إبراهيم وإسحق ويعقوب ونحوهم . ومن دعواهم الباطلة أن هؤلاء يهوديون ، ويستثون أيضا آدم ونوحاص ونحوهما ومن مات قبل اليهودية ، وإما أن يعموا ولا يستثنوا هؤلاء ولا غيرهم ، لأن من شأنهم إنكار ما عرفوا من الحق واعتقدوه ، كما أنكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعيسى والقرآن والإنجيل؛ وكثيرا من التوراة مع معرفتهم بهم ، وكما قالوا « ما أنزل الله على بشر من شىء » ولما أن يريدوا النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين من أمته .

{ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ } فى دعوى اختصاص الجنة بكم؛ فإن لم أيقن بذلك يحب الإفضاء إليها من دار البؤس والأكدار ، والمسلمون ولو لم يتمنوا الموت لكنهم لا يخصصون أنفسهم بها ، بل يقولون ، هى لكل مؤمن من الأمم ، والأمر بالتمنى سبب من دعواهم ، وذلك نقيض التالى ، هكذا لو اختصصم بها لتمنيتم الموت لكنكم لا تمنونه ، فليست مختصة بكم ، وتمنى ما يختص بك أعظم من تمنى ما شوركت فيه ، وقد تمناه من صدق فى دعواه ، كقول عمار : غداً نلقى الاحبة محمداً وأصحابه ، وحذيفة إذ قال ، مرحباً يجيب جاء على فاقة ، وقوله صلى الله عليه وسلم فى قتلى بئر معونة : يا ليتنى غودرت معهم فى لحف الجبل ، وعبدالله بن رواحة ، يا حبذا الجنة ، واقترابها طيبة ، وبارد شرابها ، والروم روم قد دنا عذابها .
-----------------------------------------------
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)
{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من تحريف التوراة وسائر معاصيهم ، والكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن لعلمهم أنه على الحق ، فتخونوا من عقاب الآخرة على إنكاره ، ومن لم يعتقد منهم نبوءته فما قدمت يده عنده هو غير إنكاره صلى الله عليه وسلم { وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ } الجاحدين ، والآية إخبار بالغيب إذ لم يقدروا أن يتمنوا ، ودلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يوقنوا لتمنوا ، ولا سيما إذ قلنا التمنى هنا التلفظ ، فلم يقدروا أن يتلفظوا بالتمنى ، ولو مع خلو قلوبهم منه ، ولو قوع لنقل ، ولو تمنوا لماتوا فى موضعهم بالريق ، كما روى عن ابن عباس موقوفا ، وروى عنه مرفوعا ، وفى رواية عنه مرفوعا « لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا » وعنه موقوفا ما بقى على وجه ا لأرض يهودى إلا مات .
--------------------------------------------------
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)
{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لمن يصلح ، وكذا فى جميع القرآن بحسب الإمكان ، والأول أولى ، والهاء لليهود المخاطبين ، ويلتحق بهم اليهود الباقون وقيل للجنس { أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ } نوع من الحياة ، وهو المتطاولة لقوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } والآية تدل أن لغيرهم أيضاً حرصاً على الحياة الطويلة إلا أنهم أحرص ، لأن أحرص اسم تفضيل ، فإن الحرص على الحياة فى طباع المؤمن وغيره ، وفى الحديث القدسى : « إن المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » وأيضاً ، قد يحرص المؤمن على الحياة ليكثر العبادة ، إلا أنه ليس ذلك منه مذموما ، وقد يحمل الحديث عليه.

{ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } المجوس وعبدة الأصنام من العرب وكانت المجوس يقولون للعاطس ، أحرص الناس من الناس ، أى من سائرهم ، أو يقدر أحرص من الذين اشركوا ، أو يقدر ، ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم ، وعلى الوجهين الأولين يكون يود . . . إلخ مستأنفا ، أو حالا من الذين ، أو واو أشركوا ، أو من الهاء ، وذكرهم مع دخولهم فى الناس زيادة فى التوبيخ لهم ، بأنهم مع إقرارهم بالبعث والحساب أشد حرصاً ممن يعبد الصنم وينكر البعث ، وبين حرص اليهود بقوله { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } أى أحد اليهود ، ليس واحدا خاصا ، ولكن تمثيل بالواحد ، كأنه معين مخصوص مشاهد.

{ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } أى يود تعميره ألف سنة ، والنصب على الظرفية ، أو لو حرف تمنّ ، محكياً مع ما بعده بيود ، لتضمين معنى القول ، أو لو شرطية ، جوابها لسرَّه ذلك ، والألف هى تمثيل للكثرة ، لا خصوص هذا العدد ، أو بيّن حرصهم بقوله : « ومن الذين أشركوا » إلخ ، على أن يراد بالذين أشركوا اليهود تصريحاً بشركهم ، وجاء الظاره فى موضع الضمير لذلك على معنى ، ومن المشركين ناس يود . . إلخ ، فيود . . . إلخ نعت لمبتدأ محذوف على هذا { وَمَا هُوَ } أى أحدهم { بِمُزَحْزِحِهِ } مبعده ، خبر ما والياء صلة أصله زحح ، أبدلت الحاء المدغم فيها من جنس الفاء بوزن فعل بشد العين ، وقيل : كررت الفاء ، فوزنه فعقل { مِنَ } أى من { الْعَذَابِ } بالنار وغيرها من حين يموت إلى ما ينتهى { أَنْ يُعَمَّرَ } تعميره ألف سنة ، فاعل مزحزح ، كقولك ما زيد قائماً أبوه { وَاللهُ بَصِيرٌ } عليم { بِمَا يَعْمَلُونَ } كله ، يعذبهم على كل صغير وكبير .

قال عبدالله بن صوريا ، حبر من اليهود ، للنبى صلى الله عليه وسلم : أىّ ملك يأتيك من السماء؟ قال : جبريل ، قال : هو عدونا ، ينزل بالعذاب ، والشدة والخسف ، عادانا مراراً ، لو كان ميكائيل لآمنا بك .
وقيل : سأل عبدالله بن صوريا عمر : من يأتى محمداً من السماء؟ فقال : جبريل ، فقال : هو عدونا . . . إلخ ، وقيل : كان لعمر أرض بأَعلى المدينة ، ويمر على اليهود فى مدارسهم ، ويجلس إليهم ويسأَلهم ويسمع كلامهم ، فقالوا : ما فى أصحاب محمد أحب إلينا منك ، وإنا نطمع فيك ، فقال : والله ما آتيكم لحبى لكم ، ولا لأنى شاك فى دينى ، بل لأزداد بصيرة فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأرى أثره فى كتابكم ، فقالوا : من يأتيه من السماء؟ قال : جبريل ، قالوا : هو عدونا ، يطلع محمداً على سرنا ، وهو صاحب عذاب وخسف وشدة ، وأن ميكائيل يأتى بالخصب والسلامة ، ولو كان يأتيه هو لآمنا ، وأن محمداً رسول الله ، وأن بين جبريل وميكائيل عداوة .

وقال عمر : أشهد أنهم سلم ، ومع الله سلم ، ومن عادى جبريل فهو حرب لله ولميكائيل ، ولأنتم أكفر من الحمير ، أى أجهل .

وقيل : سأَلهم عمر عن جبريل ، فقالوا : يأتى بالشر ، ولو كان يأتى محمداً ميكائيل لآمنا به ، وعن عبدالله بن صوريا عادانا مراراً ، أشدها أن نبينا بعث من يقتل بخثت نصر ، وهو طفل ، لأنه يخرب من بيت المقدس ، فرده ، فقال : إن قضى الله خرابه لم تقتلوه ، وإلا فلم تقتلونه ، فرجع ، فكبر بخت نصر ، فخربه وعلى كل حال نزل فى ذلك قوله تعالى :

{ قُلْ } لهم { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ } الخ ، وجبريل علم عجمى ، وزعم بعضهم أنه علم عربى مركب من جبروت الله ، وفيه : أنه لو كان كذلك لورد فيه وجهان آخران : البناء وإضافة الجزء الأول للثانى ، كنظائره ، قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه ، وقد سبقه الوحى : لقد وافقتك ربك يا عمر ، قال عمر : لقد كنت بعد ذلك أصلب من الحديد ، والمعنى : مَن كان عدوّاً لجبريل لمجيئه بالعذاب والقرآن الفاضح لهم فهو عدو لله ، لأنه هو الذى أرسله ، أو فليمت غيظاً ، أو فلا وجه لعداوته وجه ، أنه نزله على قلبك ، كقولك : إن عاداك فقد آذيته أمس ، وناب عن الجواب علته ، وهو قوله { فَإِنَّهُ } أى ، لأن جبريل أو الشأن أو الله ، لأنه { نَزَّلَهُ } أى القرآن المستتر فى نزل لجبريل ، أو الله عز وجل { عَلَى قَلْبِكَ } مقتضى الظاهر على قلبى ، لقوله قل ، لكن قال : على قلبك ، لأن المعنى قل ذلك ، لأنه نزل على قلبك ، وقيل : التقدير ، قال الله : من كان . . . إلخ ، ولم يقل علىَّ أو عليك ، تصريحاً بالقلب الذى هو محل النزول ، وبيت لوحى الله ، والفهم والحفظ ، ولا يجوز أن يكون فإنه . . . إلخ تعليل لما قبله ، ويقدر الجوبا ، فليمت غيظاً ، أو فالله عدوه ، لأن فاء التعليل عاطفة على جملة ، ولا يصح العطف على كان عدوّاً لجبريل ، ولو صح معنى قولك لأنه نزله . . . إلخ.

{ بِإِذْنِ اللهِ } بأمره ، فى صورة القول وتيسيره فى صورة الفعل ، وأصل الإذن الإباحة والعلاقة اللزوم { مُصَدِّقاً } حال من هاء نزله العائدة إلى جبريل أو إلى القرآن ، أو من ضمير نزل { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من كتب الله ، والتوراة وغيرها ، والموجود هو ما بين اليدين ، وأما ما سيوجد فهو مفقود ، لا يصح أنه موجود بين اليدين ، ويصح بمعنى أنه مستقبل { وَهُدًى } من الوقوف لعدم العلم ، ومن العمل بغير علم ، وكذا فى غير هذا المحل { وَبُشْرَى } بالجنة ، ذا هدى وتبشير ، أو هادياً ومبشراً ، أو مبالغة { لِلْمُؤمِنِينَ } .
---------------------------------------------------
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)
{ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ } بأن قال إنى عدو له أو بمخالفته { وَمَلَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ } خصهما بالذكر ، لأن الكلام فى عدواتهم جبريل ، ومصادقتهم لميكائيل ، فصرح لهم بأن ميكائيل قد عادوه أيضاً لمخالفتهم جبريل وما نزل به من الوحى ، ولأن جبريل يجىء بالوحى الذى هو حياة القلوب ، وميكائيل يجىء بالأرزاق التى هى حياة الأبدان ، ولأنهم قالوا بين جبريل وميكائيل عداوة ، ورواية أن عمر رضى الله عنه نطق بهذه الآية قبل نزولها ضعيفة ، وجبريل أفضل الملائكة ، لأنه رسول الله إلى الأنبياء بالكتب والدين ، ولأنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، ويحبهم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : جبريل أفضل الملائكة.

{ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ } أى لليهود لكفرهم ، ولهذا لم يقل عدو لهم ، وهكذا أمثاله فى سائر القرآن ، ولو لم أنبه عليه ، من وضع الظاهر موضع المضمر ، لأن تعليق الحكم الشتق يؤذن بكونه علة للحكم .

والآية دلت أن من عادى ملكا كجبريل فقد عادى الآخرين أيضاً ، كميكائيل ، وقد جمع الملائكة جميعاً والرسل ليفيد أن من عادى واحداً من جميع الملائكة فقد عادى الآخر ، ومن عادى واحداً من الأنبياء كمحمد صلى الله عليه وسلم فقد عادى الأنبياء كلهم عليهم السلام . وأما ما روى ، أن عبدالله بن سلام قال : أسألك عن ثلاثة لا يعلمن إلا نبى : أول أشراط الساعة ، وأول طعام يأكله أهل الجنة ، وما ينزع الولد لأبيه أو أمه؟ فقال : أتانى بهن جبريل آنفا ، فقال : هو عدو اليهود ، فقد نزلت قبله ولكن قرأها عليه .
--------------------------------------------------
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)
{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ } يا محمد القرآن المعجز ، والمعجزات الآخرى ، وذلك رد على قول ابن صوريا ، ما جئتنا بشىء يصدقك فى دعوى النبوة فإن معنى بينات واضحات المعنى والدلالة على نبوته التى يدعيها { وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الْفَسِقُونَ } إلا اليهود لفسقهم ، أو جنس الفاسقين ، فدخلت اليهود ببرهان الفسق . وقال مالك بن الصيفى ، والله ما عهد إلينا فى محمد عهد فى التوراة ، فنزل :

{ أَوَ كُلَّمَا } أكفروا وكلما { عَهَدُواْ } لله { عَهْداً } على أن يؤمنوا بالنبى صلى الله عليه وسلم إن بعث ، أو عاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم ألا يعينوا عليه المشركين .

وقد قيل : نزلت فى قوله لليهود : لئن خرج لنؤمنن به ولنقاتلن معه العرب المشركين ، ولما بعث كفروا به ، وقيل فى قريظة والنضير نقضوا عهدا له { نَّبَذَهُ } طرحه { فَرِيقٌ مِّنْهُمْ } بنقضه ، وهذا الفريق هو الأكثر والفريق الآخر لم ينقضوا ، ولكن لم يؤمنوا { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } أى لكهم لا يؤمنون ، من نقض ومن لم ينقض ، فاستعمل الأكثر بمعنى الكل ، لقلة من آمن ، كاستعمال القلة بمعنى النفى ، أو أراد بالأكثر ظاهره ، وأن الفريق الآخر قليل لم ينقضوا ، وهو آمنوا ، وهم عند الله بن سلام وأهله ، والذى قال ، ما ننتظر ، والله لقد علتم أن محمدا ، هو رسول الله فأعينوه ، فقال ، لا تنقض السبت ، فخرج وقال : لا سبت لكم ، فقال يوم السبت ، أو أراد أن الأكثر نقضوا جهرا والأقل خفاء .
---------------------------------------------------
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ } عيسى عليه السلام { مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من التوراة والإنجيل { نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ } التوراة { كِتَبَ اللهِ } الإنجيل ، وهذا لأسلافهم ، عوتبوا به لأنهم على ملتهم ، إذ جاءهم محمد بالقرآن مصدقا للتوراة فنبذه فريق منهم ، وهم الأكثر ، أو الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكتاب الله القرآن ، أو كتاب الله الذى نبذوه هو التوراة نبذوها بإنكار القرآن أو الإنجيل ، نبذهما الذين على عهده صلى الله عليه وسلم ، وليس المراد الذين على عهد سليمان ، كما قال بعض محتجا بقوله تعالى بعد ذلك ، واتبعوا ما تتلوا . . . غلخ لأن النبذ عند مجىء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتصور منهم .

وقال السدى : لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة . فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها ، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى : ولما جاءهم رسول . إلخ { وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } لم يعتنوا به ، إذ لم يعملوا بما فيه من الفرائض والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينتهوا عما نهوا فيه ، كالشىء الحقير الملفى وراء الظهر ، بجامع عدم المبالاة فلم ينفعهم ، أن أدرجوه فى الحرير ، وحلوه بالفضة والذهب الإبريز ، وقد سماه الله كتاب الله تعظيما له ، وتهويلا لما اجترأوا عليه من نبذه وراء الظهر.

{ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن التوراة كتاب الله ، وأن فيها نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم خمس فرق ، فرقة آمنوا بها وقاموا بحقها ، وعملوا بما لم ينسخه الإنجيل منها ، كعبدالله بن سلام ، وهم الأقلون المفهمون مفهوم مخالفة من قوله أكثرهم ، كأنه صرح بهم ، إذ فهموا بالقيد ، وفرقة نبذوها جهرا ، وهم المذكورون بقوله نبذه فريق وهم عالمون بأنها حق ، وفرقة نبذوها فى خفاء جهلا بأنها حق ، وهم الأكثرون فى قوله تعالى : { بل أكثرهم لا يؤمنون } وفرقة علموا أنها حق وتمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية ، عنادا أو تجاهلا ، وهم فى قوله ، كأنهم لا يعلمون ، وفرقة علموا أنها حق ولا يتمسكون بها ظاهرا ، وهذه قسمة متعينة ، صحت بالعناية المقصودة فى التقسيم ، فلا يضرنا جواز دخول الخامسة فيما قبلها ، والعدد من حكم المجموع المتوزع فى الآيات مع أن الضمائر فيها لليهود مطلقا .
---------------------------------------------------
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)
{ واتَّبَعُواْ } معطوف على قوله ولما جاهم . . . إلخ ، عطف قصة على أخرى [ مَا ] أى السحر ، ما تأخذ الكهنة من الشياطين ، وما تضم إليه من الأكاذيب { تَتْلُواْ الشَّيَطِينُ } تتبع ، أو تقرأ على الناس ، أى ، ما تلت ، ولكن نزل الحال الماضية منزلة الحاضرة ، كأنهم تشاهد ، فليس مما يترتب على نبذ الذى هو جواب لما إلا على ما مر من أن القرآن وافق التوراة فنبذوها ، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى « ولما جاءهم رسول من عند الله . . . » الآية.

{ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ } فى عهد ملكه ، أى زمانه ، أو على بظاهرها ، فيضمن معنى تتلو معنى تتقول ، أى تكذب ، قالت اليهود ، انظروا إلى محمد ، يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان فى الأنبياء ، إنما كان ساحرا ، يركب الريح ، وكانوا لا يسألونه عن شىء إلا أنزل عليه ، فقالوا ، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا ، فسألوه عن السحر فنزل ، واتبعوا ما تتلوا الآية ، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا ، فسألوه عن السحر فنزل ، واتبعوا ما تتلو الآية ، وقيل ملك سليمان كرسية.

{ وَمَا كَفَرَ } أشرك { سُلَيْمَنُ } فإن السحر الذى تتلوه الشياطين تضمن إشراكا ، كدعوى ، أن الساحر خلق كذا ، أو حول الشيخ شابا ، أو الإنسان حمارا أو الطبيعة علة تغنى عن الله ، وكدعوى أن السحر حلال وما لم يكن فيه شرك ففسق ، فلا ما نع من أن الكفر شامل لذلك كله ، وهذا كما عنده هذه الأمة ، ويحتمل أنه عند من قبلنا شرك مطلقا ، وما فعل سليمان ذلك وما علمه.

{ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ } إذ فعلوه وعلموه الناس ، كما فسر الكفر بقوله { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } والمراد بالشياطين فى الموضعين متمردو الجن ، والمعنى الموجود فى الحقيقة ، وهى هنا متمردو الجن ، وفى المجاز وهو هنا متمرد الإنس ، وذلك المعنى هو مطلق التمرد ، وذلك عموم معنى الجميع بين الحقيقة والمجاز ، وهو الصحيح ، وقيل : شياطين الإنس ، وتعلم السحر للعمل به أو لتعليمه ، أو للرثاء به حرام ، وللحذر منه ، أو لتعليمه من لا يعصى به فمباح ، أو لغيره فمكروه أو مباح أو حرام ، أقوال .

وعن أحمد ، أن السحر شكر ولو لم يعتقد حله ، ولا تضمن خصلة شرك ، دفن سليمان عليه السلام كتب السحر ، وما يلقيه مسترقو السمع من الملائكة إلى الكهنة من صدق وكذب فى صندوق تحت كرسيه ، وقد شاع فى الناس أن الشياطين تعلم الغيب ، وقال : من قال ذلك قتلته ، ولما مات قال شيطان فى صورة إنسان لنفر من بنى إسرائيل : احفروا تحت الكرسى تستخرجوا منه لا يفنى ، وأراهم المكان ، فقالوا : دن ، فقال : من هنا ، وإن لم تجدوا فاقتلونى ، وكان لا يدنو منه شيطان إلا احترق ، فأخرجوها ، وقال لهم ، إن سليمان ضبط الثقلين والطير بها ، وفشا فى الناس أنه ساحر ، ورفضوا كتب الله إلا العلماء والصالحين ، فعلموا أن ذلك ليس من علمه ، بل نبى يعمل بتأييد الله ، وما زال قول السوء عليه حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه براءته من السحر ، وقيل : دفنها صخر تحت الكرسى حين قبض الخاتم من زوجه الأمينة ، وكان يضعه عندها بجنابته أو حاجة الإنسان ، وقال : أعطنى الخاتم ، فأعطته ، ظنته سليما ، فلبسه ، وقعد على الكرسى ، وأذعن له الخلق ، وجاء سليمان يطلب منها ، فقالت : ما أنت هو ، قد أخذ سليمان وطر بعد أربعين يوماً ، وألقاه فى البحر على طريقه ، فبلعته سمكة فوقعت فى يد سليما ، فأخذه منها ، ولما مات ستخرجوها من تحت الكرسى على ما مر ، ولا مانع من ذلك .

وأما ما يقال إنه كان صخر يدخل على زوج سليمان فيطؤها فمنكر لا يصح ، لأن أزواج الأنبياء محفوظة من ذلك ، ولو كن مشركات ، وأمر الجن فأحضروه فحبسه فى صخرة ، فسد عليه بالرصاص والحديد فى قعر البحر.

{ وَمَآ أُنْزِلَ } عطف على ما تتلوا أو على السحر ، كأنه قيل ، ويعلمونهم ما أنزل { عَلَى الْمَلَكَيْنِ } من ملائكة الله ، أو رجلين كالملكين فى الصلاح ، والإنزال على ظاهره ، أو بمعنى الإلهام ، وما أنزل عليهما نوع من السحر قوى ، بل نوع غير السحر . كما يدل له العطف ، وعلى أنه من السحر فالعطف لتنزيله بالقوة منزلة تغاير الذات.

{ بِبَابِلَ } فى بابل ، بلد فى سواد الكوفة ، وعن ابن مسعود ، هو أرض الكوفة ، قيل من نصيبين إلى رأس العين ، سميت لتبلبل ألسنة الناس عند وقوع صرح نمروذا ، ولأن الله حشر الناس بالريح لهذه الأرض ، فلم يدر أحد ما يقول الآخرة ، ثم فرقتهم الريح فى البلاد ، كل بلغته ، فالبلبلة تفرقهم عن بابل ، أو تغاير الألسنة فيها ، والتغاير تفرق ، ونزل نوح بلدة بثمانين إنسانا ، سميت بهم فأصبحوا يوما وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة ، وقيل سميت بهذه الثمانين لغة .

{ هَرُوتَ وَمَرُوتَ } لفظان عجميان ، وقيل عربيان من الهربت والمرت بمعنى الكسر ، ويرى منع الصرف ، وسامها غرا وغرايا ، فلما أذنبا سميا باسم الكسر ، أباح الله لهما ملكين ، أو بشرين تعليم السرح ابتلاء من الله عز وجل للناس ، هل يتعلمونه ، وهل يعلمون به ، كما أن الله خلق المعصية ، ونهى عنها ، وخلق المحرمات كالخنزير ، ونهى عن تناولها ، وكما ابتلى قوم طالوت بالشرب من النهر ، أو ليتميز السحر من المعجزة ، إذ كثر فى ذلك الزمان مع ادعاء النبوة به .

وأما ما روى أنهما ملكان من أعيد الملائكة تعجبت الملائكة من كثرة ذنوب الناس وعظمها ، فقال الله : لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم من الشهاوى لعصيتم مثلهم ، فقالوا : سبحانك ما كان ينبغى لنا ذلك ، فقال : اختاروا من هو أعبدكم ، فاختاروهما ، فركبها فيهما ، وأمرهما بالقضاء بين الناس ، ويصعدان مساء ، فاختصمت إليهما امرأة من لخم ، أو فارسية ملكة مع زوجهان فراوداها فشرطت أن يقضيا لها عليه ، فقضيا لها ، ثم أن يقتلاه فقتلاه ، وأن يشربا خمرا ، ويسجدا للصنم ففعلا ، وأن تعلمانى الاسم الذى تصعدان به فعلماها ، فصعدت ، فمسخت زهرة ، فلم يقدروا على الطلوع فالتجآ إلى إدريس فى عصرها ، فشفع لهما أن يختارا عذاب الدنيا أو الآخرة ، فاختارا الأولى ، لأنه ينقطع ، وعلقا بشعورهما ، أو منكوسين يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة فبعيد .

وهو ممكن ، ولا يحكم بالكفر على قائله ، لأنه لم يثبت لها تلك المعاصى مطلقا ، بل قال ، ركب لله فيهما ما ركب فى البشر من الشهوة ، وذلك من حين أنزلا ، وليس متأخرا إلى وقت القضاء بين المرأة وزوجها ، فلا يعارض بعصمة الملائكة ، لأن الله أخرجها من شأنهما إلى شأن البشر .

وقول الملائكة ، سبحانك ما ينبغى لنا تعظيم لله . لا رد لقوله لو ركبت فيكم الشهوة لعصيتم ، وهما ملكان ، ولو ركب فيهما ذلك فلا ينافى تسميتها ملكين فى الآية ، وإن سلم ذلك فهما ملكان قيل : فهو مجاز بلا ضعف ، والشاهد الأحاديث ، والكلام فى العصمة مع البقاء على شأنها بلا إخراج ، وأما مع الإخراج عن شأنها لله أن يخرج من يشاء من أهلها إلى غيره ، فلا يكون معصوما . وأما الزهرة فالظاهر أنها قل ذلك لكم بلا نص على قبيلتها ، فجاءت هذه الرواية بحدوثها ، بنسخ المرة إليها .

وقد روى أن امرأة دخلت على عائشة رضى الله عنها تطلب التوبة من تعلم السحر منهما ، وأن رجلا من هذه الأمة أتاها ليتعلم ، فوجدهما معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، بين ألسنتهما وبين الماء أربع أصابع ، يعذبان بالعطش .

وقد أثبت قصتهما الشيخ يوسف بن إبراهيم ، ورواها مرفوعة أحمد وابن حبان والبيهقى ، وموقوفة عن على وابن مسعود وابن عباس ، وصحح السيوطى الرواية .

{ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ } له مرة ، وهو الثابت ، وقيل ثلاثا ، وقيل سبعا ، وقيل تسعا { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } ابتلاء من الله للناس ، فمن تعلمه كفر ، أو من تعلمه وعمل به كفر ، وكذا من اعتقد أنه حق جائز ، من لم يتعلمه ، أو تعلمه ليتقى ضره ، أو يدفع به دعوة النبوة عن من ادعاها به ، وكان مؤمنا ، فهو باق على إيمانه { فَلاَ تَكْفُرْ } بتعلمه أو بالعمل به أو دعوى النبوة به ، فإن لم يرتدع بهذه النصيحة علماه { فَيَتَعَلَّمُونَ } أى الناس المعبر عنهم بأحد فى سياق السلب ، عطف على ما يعلمان ، كأنه قيل ، يعلمان الناس بعد قولهما ، إنما نحن . . . إلخ فيعلمون أو على يعلمون { مِنْهُمَا } من الملكين أنفسهما ، وقيل ، بتوسط شياطين ، يأخذان عنهما مرة فى السنة ويعلمان الناس ، أو من السحر وما أنزل على الملكين ، أو من الفتنة والكفر ، أى يتعلمون بعضا من كل منهما ، وعلى الثانى العطف على اتبعوه ، أو الوجه الأول أحق .

{ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ } الإنسان { وَزَوْجِهِ } أى قرينه ، حليلته وحليلها ، أو صاحبا وصاحبة مطلقا ، بأن ببغض كلا إلى الآخرة ، ولا مؤثر إلا الله ، والله يؤثر السحر ويطبع الطبائع ويؤثر أثرها ومن قال باستقلال شىء أشرك { وَمَا هُمْ } أى السحرة ، وهذا أولى من رد الضمير إلى اليهود أو الشياطين { بِضَارِّينَ بِهِ } أى بالسحر ، أو ما يفرقون به { مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ } متعلق بضارين ، أى إلا بتقديره ، ومن قال بتخليته بينه وبين المسحور لم يرد أن السحر مستغن عن الله ومستقل ، فإنه لا تأثير لشىء إلا بالله ، وكل شىء مستأنف من الله.

{ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } فى الآخرة ، أو مع الدنيا ، وهو السحر { وَلاَ يَنْفَعُهُمْ } زاده لأنه قد يضر الشىء ، ومعه نفع فالسحر ضر محض ، وأما تعلمه لدفع الشبهة عن دعوى النبوة وليتقيه فنفى تعلمه خير على ما مر ، والذى عندى ، أنه لا يجوز تعلمه إلا لمن استوثق من نفسه أنه لا يستعمله ولا يعلمه لمن يعلم أنه يستعمله ، أولا يعلم حاله ، لأن للعلم بالشىء قوة داعية للعمل به ولا سيما مثل هذا ، والنفس داعية.

{ وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أى اليهود المذكورون بالسوء فى عهده صلى الله عليه وسلم ، أو عهد سليمان ، والشياطين ، والكلام متعلق بقوله ، ولما جاءهم فصل بقصة السحر { لَمَنِ اشْتَرَيهُ } استبدله ، أو اشتراه بدينه ، اللام للابتداء ، والجملة جواب القسم ، { مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ } نصيب فى الجنة لبيعه بالسحر أو تعلمه.

{ وَلَبِئْسَ } اللام لام جواب القسم ، والجملة معطوفة على الجواب السابق وهو ، لقد علموا { مَا شَرَوْا } باعوا { بِهِ أَنْفُسَهُمْ } وهو الكفر مطلقا ، أو السحر أو تعلمه ، أو نبذوا كتاب الله المنجى من الهلاك إلى ذلك الهلاك { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب للكفر أو السحر ، أو تعلمه ما فعلوه ، وإلا فقد أثبت لهم العلم فى قوله ، ولقد علموا ، فالعلم المثبت الظن أو هو العلم بأن اشتروا النفس بالسحر مثلا مذموم بدون علم أن منه ما يفعلونه ، فإن حب الشىء يعمى ويصم ، والعلم المنفى بلو العلم بحقيقة ما يصيرون إليه . وملزم له فى الجنة ، ويجوز كون لو للتمنى فلا جواب لها .
---------------------------------------------------
وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ } بالنبى صلى الله عليه وسلم والقرآن ، أو أراد اليهود مطلقا ، لو آمنوا بالكتب والأنبياء مطلقا { وَاتَّقُواْ } عقاب الله على الكفر والسحر والمعاصى لأثيبوا من عند الله ، دل عليه ذكر المثوبة ، أو للتمنى فلا يقدر لها جواب والتمنى فى الموضعين مصروف للناس ، والمصدر من خبر أن بعد لو الشرطية ، أو التمنية ، فاعل بمحذوف ، أى لو ثبت إيمانهم واتقاؤهم ، أو مبتدأ خبره محذوف وجوبا ، ونسب لسيبويه ، أو مبتدأ لا خبر له ، ووجهه اشتمال الكلام على المسند والمسند إليه لفظا قبل التأويل ، وهو وجه سيبويه ، إذ قدر المبتدأ مع اختصاص لو بالفعل ، حيث استغنى بوجوده قبل التأويل ، والصحيح الأول ، وهكذا فى القرآن ، ولا أعيده.

{ لَمَثُوبَةٌ } مستأنفة ، وليس من جواب لو ، لأن جوابها لا يكون جلمة اسمية ، واللام للابتداء ، والمعنى ثواب ، نقلت صمة الواو إلى الثاء الساكنة كمعونة ، أو وصف بمعنى المصدر كمقول ومصون ، والأصل مثووبة ، نقلت ضمة الواو للثاء فحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين كمفتون ومعقول ، وصفين فى الأصل ، وكانا بمعنى الفتنة والعقل ، وهو وجه فى قوله تعالى « بأيكم المفتون » أو اسم مصدر أى إثابة.

{ مِّن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ } من كل شىء ، أو مما استبدلوا به دينهم ، وهذا مراعاة لما فى استبدالهم مع نفع ادعوه ، ولا يلزم التنقيص الذى فى قولك ، هذا السيف خير من العصا ، أو ، السلطان خير من الحجام ، لأن الكلام باعتبار القصد ، والقصد فى المثالين النقص ، وفى الآية ذمّهم ، بأنهم مع جهلهم تظهر لهم الخيرية ، وأيضا ما استبدلوا به الدين فى اعتقادهم عظيم ، أو أنه فاق فى الخير أكثر مما فاق استبدالهم فى شره ، كقولك ، الخل أحمض من العمل ، أى زاد فى حموضته على زيادة العسل فى حلاوته ، ولكان قول خير خارج عن التفضيل ، أو هو بمعنى المنفعة قائل به أن ما استبدلوا به غير حسن ، أو أنه مضرة { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } أنها خير لم يستبدلوا الحق بالباطل . أو لو للتمنى مصروف للناس ، وقس على هذا فى مثله ، إلا أن الأصل الشروط لتبادره وأكثريته .
---------------------------------------------------
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ } للنبى صلى الله عليه وسلم { رَاعِنَا } اعتبرنا وانظر أحوالنا ، وتدبرها ، وتدارك مصالحنا ، وتأنّ بنا حتى نفهم ما تقول ، هذا مرادهم ، رحمهم الله ، ومن ذلك رعى الغنم ونحوها ، والمفاعلة للمبالغة هنا ، وهى بلغة اليهود سب ، لما سمعوا المؤمنين يقولونها قالوها له صلى الله عليه وسلم سبّاً فى لغتهم ، عبرية أو سريانية ، يتسابون بها بينهم ، فكانوا يسبون بها النبى صلى الله عليه وسلم ، وليست من الرعونة بمعنى الحمق ، وإن كانت منها فمما توافق فيه لغة العرب والعجم ، وقد يكون بين لفظ العرب ولفظهم مغايرة فيزيلونها ليوافقوا كلام العرب خداعاً للسب .

وقد قيل ، معناها ، اسمع لا سمعت ، وقالوا ، كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن ، فيقولون ، يا محمد راعنا ، ويضحكون فيما بينهم ، ويقال ، كان مالك بن صيف ، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبى صلى الله عليه وسلم قالا وهما يكلمانه ، راعنا سمعك ، واسمع غير مسمع ، فظن المسلمون ، أن هذا شىء يعظمون به الأنبياء فنزلت الآية .
ويقال ، كان ذلك لغة للأنصار فى الجاهلية ، وكان سعد بن معاذ ، أو سعد ابن عبادة يعرف لغتهم ، فسمعهم يقولونها للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، والذى نفسى بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه ، قالوا ، أو لستم تقولونها؟ فنزلت الآية قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس ، ويحتمل أن يريد أنت راعن ، أو يا راعن ، أى أحمق ، فزادوا الألف وفتحوا ، أو أنت راعينا لا نبى ، فحذفوا الياء أو اختلسوها.

{ وَقُولُوا انْظُرْنَا } اعتبرنا حتى نفهم ، أو أمهلنا ، فإنه يقال ، نظره بمعنى أمهله فلا حادة إلى تقدير انظر إلينا { وَاسْمَعُواْ } من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول وعمل وانتهاء بجد ، بحيث لا تحتاجون إلى الإعادة وطلب المراعاة ، لا كقول اليهود سمعنا وعصينا ، السابين براعينا ، ولا تكونوا أيها المسلمون مثلهم فى طلبكم الإعادة { وَلِلْكَافِرِينَ } اليهود السابين براعنا . أو جعله للكافرين . فدخل اليهود ، وذلك السب كفر { عَذَابٌ أَلِيمٌ } زعم طائفة من اليهود أنها يودون الخير للمؤمنين فكذبهم الله عز وجل بقوله :

{ مَّا يَوَدُّ } يحب ، أو يتمنى حسداً { الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ } أى ، وهم أهل الكتاب ، وكلهم كفرة ، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا من آمن ، كعبدالله بن سلامن وإن جعلناها للتبعيض فالمراد البعض الأكثر ، وهو خلاف الظاهر { وَلاَ الْمُشْرِكِينَ } من العرب ، والكلام جاء فيهم عطف على أهل الكتب ، وذكرهم اتباعا لليهود ، وهم لم يدعوا ود الخير للمؤمنين ، ولذلك أخرهم { أَنْ يُنَزَّلَ } أى أن ينزل الله { عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ } نائب فاعل ينزل ، فمن صلة للتأكيد والاستغراق ، وصح ذلك مع أن قوله ينزل مثبت لانسحاب نفى الود إليه ، والمراد بالخير الوحى والعلم والنصر ، وغير ذلك من أنواع الخير ، وكراهتهم تعم كل خير .

روى أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود : آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : وددنا لو كان خيراً مما نحن فيه فنتبعه ، فنزلت الآية تكذيباً لهم ، ومعنى تكذيبهم ، أنه صلى الله عليه وسلم على خير مما هم فيه ، ولم يؤمنوا ، وقيل : نزلت تكذيباً لجماعة من اليهود ، يظهرون أنهم يحبون المؤمنين ، وإنما قال عليكم مع أن الوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنا متعبدون بما أنزل إليه ، فهو خطاب متوجه إلينا ، وواقع علينا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبلغ من تقدير مضاف ، أى ينزل على نبيكم ، ولا تنزيل إلا من الله ، ومع ذلك قال { مِّن رَّبِّكُمْ } إغاظة للكفار ، وتحبيباً لنفسه إلينا ، وتذكيراً لنعمة التربية منه ، والعبودية منا له.

{ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أى السعادة والجنة ، أو النبوة ، أو هى الخير المذكور ، ذكره بالاسم الظاهر تصريحاً بأنه رحمة من الله ، وفضل لا واجب عليه ، ولا يوجبه عمل عامل ، أو أراد بالرحمة مطلقها فى الأمة وسائر الأمم { مَنْ يَشَآء } هو النبى صلى الله عليه وسلم وأمته دون اليهود والمشركين والمنافقين ، وهو العموم { وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } كل خير دينى أو دنيوى أو أخروى منة من الله عز وجل .

لآيات ( 106 - 113 )
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)

ولما قال اليهود والمشركون من العرب : محمد يقول من عنده لا من الله ، لأنه يأمر بأمر ثم ينهى عنه نزل :
{ مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ } نرفع حكمها ولفظها ، أو نرفع حكمها ، ونبقى لفظها ، أو نرفع لفظها ونبقى حكمها { أَوْنُنْسِهَا } نرفعها من قلبك ، ونمحها منه ومن قلوب أصحابك فلا يدركون لفظها ولا معناها ، ولا العمل بها ، وهذا قسم آخر ، لأنه قد يكون فى الأخبار ، وقد يكون فى غيرها ، فإما أن يكون معناها فى آية أخرى ، أولا ، فيكون قد رفع التكليف بها ، وهو شامل النبى صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } وأما الامتناع فى قوله تعالى { ولو شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إلينا } فباعتبار مالا يجوظ نسخه ، أو باعتبار الكل ، وبين النسخ والإنساء عموم وخصوص يجتمعان فى الرفع عن القلوب ، ويختص النسخ بمنسوخ الحكم مع بقاء التلاوة ، وبالعكس ، ويختص الإناء بالأخباء التى أذهبت عن القلوب { فَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ } ثواباً أو سهولة فى الامتثال { أَوْ مِثْلِهَآ } فى ذلك ، كما قال : « وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ، قالوا : إنما أنت مفترٍ » .

روى أن جماعة من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة ، فلم يبق لهم منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فأخبروه صلى الله عليه وسلم غدوة الليلة ، فقال : رفعت تلاوتها وحكمها ، ومما نسخ لفظه وحكمه : عشر رضعات معلومات يحرمن ، وكثير من سورة الأحزاب ، وكانت كالبقرة ، إلا أنه يحتمل بقاء بعض حكمها فى سورة أخرى .

قال بعض الصحابة : كنا نقرأ سورة تشبهها فى الطول والشدة ببراءة ، فأنسبتها ، غير أنى حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا تراب ، وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنى حفظت منها { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } فتكتب شهادتها فى أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة .
ومما نسخ لفظه فقط آية الرجم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما . . . الآية ، قال عمر : قرأناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ، إذا كانت البينة أو الحمل أو الاعتراف ، وكانت فى سورة الأحزاب ، وقيل فى النور ، وقوله تعالى : خروجكم عن آبائكم كفر ، يعنى انتسابكم إلى غيرهم .

ومما نسخ حكمه فقط آية عدة الوفاء بالسنة ، نسخت بآية العدة بأربعة أشهر وعشر ، وآية وجوب ثبوت واحدة لعشرة بآية ثبوت واحد لاثنين .

ويكون النسخ بالإبدال إلى أخف كالأربعة الأشهر ، والمصابرة لأقل من ثلاثة ، وإلى أثقل كوجوب الصوم بعد التخيير بينه وبين الإطعام ، وكترك القتال حتما إلى وجوبه فيما قيل ، ونسخ الإباحة إلى التحريم ، كتحريم الخمر بعد إباحتها ، وإلى مساو كنسخ الصلاة إلى القدس بالصلاة إلى الكعبة ، وبلا إبدال ، وحمل عليه قوله عز وعلا : « أو ننسها » فالمعنى نأت بغيرها فى غير شأنها ، وأما نسخ وجوب صوم عاشوراء إلى الندب بصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، أو برمضان أو صوم الثلاثة برمضان فموجود ، إلا أنه لا يوجد المنسوخ فى القرآن صراحا ، بل بتأويل .

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } زيادة تثبيت للنبى صلى الله عليه وسلم ، وأمته تبع له ، أو الخطاب لكل من يصلح له ، يعلمون أن الله لا يعجزه شىء ، فقد نسخهم قردة وخنازير بعد أن كانوا فى صورة البشر ، وليس ذلك بداوة ، بل قضى الله الأزل ، أن بقاءهم فى صورة البشر إلى وقت مخصوص ، فكذلك قضى الله فيه ، أن الآية تبقى إلى كذا ، ثم إنه إن كان النسخ إلى أخف فالخيرية فى النفع ، أو إلى أثقل فالخيرية فى الثواب ، هذا فى الحكم ، وإن كان النسخ فى اللفظ إلى أخصر فالخيرية فى النفع ، أو إلى أطول نفى الثواب ، وإن كان فى اللفظ والحكم إلى أخف حكما وأخصر لفظاً فالخيرية فى النفع ، أو إلى أثقل حكما وأطول لفظا فالخيرية فى الثواب ، أو إلى أخف حكما وأطول لفظا فالخيرية فى النفع والثواب ، أو إلى أثقل حكما وأخصر لفظا فالخيرية فى الثواب بالنسبة للحكم ، وفى النفع بالنسبة إلى اللفظ ، منه بعضهم النسخ إلى أثقل .

والنسخ دليل على أن القرآن حادث مخلوق ، ولا نثبت الكلام النفسى ، فضلا عن أن يقال : التعبير من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسى ، وهى الأفعال ، فى الأمر والنهى ، والنسب الخبرية فى الخبر ، وفى إثبات الكلام النفسى إثبات كون الله ظرفا ومتحيزا ، وإن رجع ذلك إلى العلم لزم أن كل ما علمه قديم ، والقرآن هو هذه الألفاظ ، لا غيرها .
-----------------------------------------------------

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالاَرْضِ } له التصرف فيهما بالزيد والنقص والتغيير ، ومن له ذلك فكيف وله أضعافها : العرش والكرسى وغيرهما ، فله التصرف بالنسخ ، وكل ذلك على ما سبق به قضاؤه الأزلى ، ولم تعطف هذه الجملة لأنه إيضاح لما قبلها ، وتأكيد فى المعنى ، وللإشعار بأنها مستقلة فى الاحتجاج.

{ وَمَا لَكُمْ } الخطاب لكفار العرب وغيرهم { مِّن دُونِ اللهِ مِنْ وَلِىٍّ } يحفظكم عن توجه العذاب إليكم { وَلاَ نَصِيرٍ } يدفعه عنكم إذا أتاكم ، وقد يضعف الولى عن النصرة ، وقد يكون النصير أجنبياً ، فبينهما عموم وخصوص من وجه ، فعموم الولى فى النصر وعدمه ، وخصوصه فى القرابة ، وعموم النصر فى القرابة ، وعدمها ، وخصوصه فى إيقاع النصر جزءاً ، ومن وليه الله لا يجد إلا خيراً فى أمر السنخ وغيره ، ولا يرتب ، والمراد بالولى الولى من حيث الدفع ، وإلا فلكل أحد ولىّ ، وما حجازية لم تعمل لتقدم الخير ، ويجوز أن يكون اسمها اسم فاعل ، تاب عنه لكم ، وولى فاعل له ، أغنى عن خبرها ، أى ما ثابت لكم ولى ولا نصير ، كما تقول ، ما قائم الزيدان .
--------------------------------------------------

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
{ أمْ } بل أتريدون ، وهو إضراب انتقال عن قصة ، لا إبطال { تُرِيدُونَ } يا معشر العرب ، وغيرهم كاليهود { تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ } أعلمهم أنه رسول للعرب واليهود وغيرهم ، أما العرب فسألوه ، أن يوسع أرض مكة بإذهاب الجبال عنها للحرث والنزهة ، وأن يجعل الصفا ذهباً ، ويبعث قُصَيّاً يخبرهم أنه نبى ، قال السدى : وأن يروا الله جهرة ، قال : نعم ، على أنه لكم كالمائدة لبنى إسرائيل فقال ابن أبى العالية ، أن تكون كفارانا ككفارات بنى إسرائيل ، فقال : كفاراتكم خير ، الاستغفار ، والصلوات ، والجمعة ، وكفاراتهم خزى ، فإن لم يكفروها نفى الآخرة ، ومن ذلك قول رافع بن خزيمة ، إن كنت رسولا فليكلمنا الله لنسمع كلامه ، وقال عبدالله بن أمية المخزومى فى رهط من قريش : ما أومن بك حتى تفجر : إلى قوله : نقرؤه ، وقال بقية الرهط ، فائتنا بكتاب جملة مكتوب كالتوراة ، وأما اليهود فسألوه ، أن يأتى بالكتاب جملة كالتوراة ، وأن يأتى بالله والملائكة قبيلا ، ونحو ذلك.

{ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } سأله اليهود أن يريهم الله جهرة ، وأن يجعل لهم إلهاً كما جعل قوم لأنفسهم آلهة ، ونحو ذلك { وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ } يأخذ الشرك والكبائر بدل التوحيد ، والإيمان بترك التفكر فيما أنزل الله ، وطلب آيات أخر تعنتاً { فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءً } أى عن سواء ، أو أخطأ سواء { السَّبِيل } أى السبيل السواء ، أى المعتدل ، وهو الحق ، قيل قوله « ومن يتبدل الكفر الإيمان » . إلخ يدل على أن الخطاب فى قوله تعالى : ألم تعلم ، وما لكم ، وأم تريدون للمؤمنين ، لأن هذا لا يصح إلا فى المؤمنين ، لأنهم آمنوا ، فنهوا أن يبدلوه بالكفر ، قلت : لا يتعين هذا ، لجواز أن يكون معنى التبدل إعراض الكفرة عن التوحيد والإيمان ، واستدل على أن الخطاب فى ذلك كله للمؤمنين ، بأن قوله « أم تريدون » عطف على { لا تقولوا راعنا } .

قلت : لا يتعين لجواز أن تكون أم حرف ابتداء للإضراب كما مر ، ولا داعى إلى تقدير ، أتفعلون ما أمرتم من السمع ، وقول ، انظرنا ، أم تريدون ، واستدل على أن الخطاب للمؤمنين بأنهم كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عما لا خير فيه ، كما سأل اليهود موسى عليه السلام ، كما روى أنهم قالوا ، اجعل لنا ذات أنواط ، كما أن للمشركين ذات أنواط ، شجرة يعبدونها ، ويعلقون عليها سلاحهم ومأكولهم ومشروبهم ، إلا أنهم لم يريدوا أن يعبدوها ، فقال : الله أكبر ، هذا كما قال لأخى موسى قومه اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، والذى نفسى بيده لتركبن سَنن من قبلكم ، حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكن فيكم ، أفلا أدرى أتعبدون العجل أم لا . واختار بعض أن الخطاب لليهود ، لأن الكلام فيهم من قوله يا بنى إسرائيل ، اذكروا .
-------------------------------------------------

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)
{ وَدَّ كَثِيرٌ } منهم ، حيى بن أخطب ، وأبو ياسر ، وكانا أشد الناس حسدا للعرب على الإسلام وكون النبى منهم { مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ } أحب وتمنى كثير من اليهود ردكم ، أى تصيركم { مِّن بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّاراً } مشكرين وقوله { حَسَداً } تعليل لود ، لا ليرد ، لأن المعنى عليه ود ، وأن يكون الرد للحسد ، وليس مراداً ، ووصف الحسد بقوله { مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } لخبثها الشديد فلا موجب لذلك الرد من التدين ، بل تشهيا ، أو من عند ذواتهم ، كأنهم جبلوا عليه ، فيصعب زواله { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } فى التوراة ، بموافقة تعوته فيها وبالمعجزات { الْحَقُّ } أى بعد تبين الحق لهم ، أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن .

قال نفر من أحبار اليهود كفنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس لحذيفة وعمار بعد أحد ، لو كنتم على الحق لما غلبتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : أمر شديد ، فقال : عاهدت الله تعالى ، ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت ، فقالت اليهود ، أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخوانا ، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أفلحتما ، فنزل : " ود كثير ".

{ فَاعْفُواْ } عن اليهود والعرب ، كما لم يذكر لفظ عنهمن والفاء تدل على اليهود أولا وبالذات ، ودخلت العرب ثانيا وبالتبع لا تعاقبوهم ، { وَاصْفَحُواْ } عنهم ، لا تعاتبوهم العتاب الشديد ، وضعف ما قيل ، لا تخالطوهم ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وأصل العفو محو الجريمة ، من عفا إذا اندرس ، وترك العقوبة لازمة ، وبينهما عموم وخصوص ، من وجه ، يجتمعان إذا لم يعاقب ولم يعاتب { حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ } واحد الأمور . وهى القيامة ، والجزاء فيها ، وقوة الرسالة وكثرة الأمة ، أو ضد النهى ، بأن يأذن فى قتالهم لوقته ، فجاء الإذن فى قتال العرب قبل بدر ، إذ قال { أذن للذين يقاتلون } الآية ، وجاء الإذن فى أخذ الجزية من أهل الكتاب ، وبقتل قريظة وإجلاء النضير بعد أحد ، بل بعد الأحزاب ، وهى بعد أحد { إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه الانتقام منهم .

--------------------------------------------------
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)
{ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ } بطهارة وخشوع وإخلاص مع تأديتها بأجزائها ، وهكذا فى سائر القرآن { وَءَاتُوا الزَّكَوةَ } صيروها آتية أهلها ، بأن توصلوها إلى مستحقيها ، وعلى أصحاب الزكاة مؤونة حملها والمجىء بها حتى تصل العامل الذى جاء إليها ، أو للفقير إذ لم يكن الإمام ، أو أمرهم بتفريقها ، وذلك هو الأصل . وإن جاءها الفقير أو وكيله وقبضها أجزت ، والمراد بالزكاة الجزء المعلوم من المال ، ويجوز أن يراد جعلوا التزكية آتية منكم إلى أهلها ، وكذلك فى سائر القرآن ، وذلك أمر بالعبادة البدنية والمالية ، لأنها تدفع المكروه ، وزعم الطبرى أنها كفارة ، لميلهم إلى قول اليهود ، راعنا ، وهو مردود.

{ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ } طاعة ، كأمر ونهى ، وتعليم وصلة رحم ، وأداء فرض أو سنة أو نفل { تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ } تعلمون أن الله عالم به ، وأولى من هذا ، تجدونه بوجود ثوابه ، سمى الثواب باسم سببه وملزومه ، أو يقدر ، تجدون ثوابه اللقمة والتمرة كأحد ، أو تجدونه نفسه مجسما ، وأنا أقول ، لا بأس بتجسيم الأعراض ، لأن الله قادر على إنشاء كل شىء من أول ، فهو قادر على تصيير العرض جسما ، كما جاءت الأحاديث والآثار ، بأنه تجيئه صلاته بصورة رجل حسن ، وتجيئه صدقته ظلا ، وهكذا فى الشر ، إلا أنى لا أقول بوزن ما تجسم من الأعراض { إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عنه شىء ، فهو يجازى على مثاقيل الذر من خير وشر .
---------------------------------------------------

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)
{ وَقَالُواْ } متعلق بقوله رد كثير ، والواو لأهل الكتاب ، لا لكثير فى قوله : ود كثير من أهل الكتاب ، أو لليهود والنصارى ، ولو لم يتقدم ذكر النصارى ، لدلالة ما بعده عليهم ، أو على الاستخدام ، لأن الكثير المذكور أريد به أحبار اليهود خاصة ، إلا أنه لا مانع من أنه يراد به النصارى { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَرَى } أى قالت اليهود ، لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، والنصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، وروعى فى هوداً ونصارى معنى من ، إذ هما جمع هائد ، أى تائب من عبادة العجل ، أو منتسب لليهود ، وقد قيل ، هوداً مخفف من يهود ، بحذف الياء ، ونصرانى أو نصران أو نصرى .

وقدم نصارى نجران إليه صلى الله عليه وسلم ، وناظرهم أحبار اليهود ، وارتفعت أصواتهم ، قالت اليهود للنصارى : ما أنتم على شىء ، وكفروا بعيسى والإنجيل ، والجنة لنا دونكم ، وقالت النصارى لليهود ، ما أنتم على شىء وكفروا بموسى والتوراة ، والجنة لنا دونكم ، فنزلت الآية ، جمعهم بالواو فى قالوا ، لأن السامع يميز ما قال كل ما بعده ، لأن اليهود لا تقول ، لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، والنصارى لا تقول ، لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، ولا تقول اليهود والنصارى ، لن يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى ، لأنه بنافيه سبب النزول ، وقوله : { وقالت اليهود ليست النصارى } الآية ، وأو بمعنى الواو ، أو للتفصيل ، كما قال : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى.

{ تِلْكَ } القولة ، التى هى قولتهم لن يدخل الجنة . . . الآية { أَمَانِيُّهُمْ } شهواتهم الباطلة التى يتمنونها ، أى يقدرونها ، ويقطعون بها ، جمع أمنية ، وأصل هذا المفرد أمنوية ، بوزن أضحوكة قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ، وقلبت ضمة النون كسرة ، وهذا الوزن للمبالغة ، وهو بمعنى الأكاذيب حقيقة ، وبمعنى ما يتمنى مجاز .

{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ } حجتكم عليها ، والأصل هاتيوا ، ثقلت الضمة على الياء فنقلت للتاء ، وحذفت الياء للساكن ، والماضى هاتى ، والمضارع يهاتى ، لكن لا يتصرف ، ولكن الأصل بذلك ، وقيل يتصرف ، وقيل ، الهاء عن الهمزة ، وقيل للتنبيه ، والهمزة حذفت ، أو اسم فعل ، وزعم بعض أنه اسم صوت ، ويرده اتصال الضمير به ، والبرهان من البره ، وهو القطع ، والحجة تقطع الخصم ، والنون زائدة ، أو من البرهنة بمعنى البيان ، فالنون أصل كذا قيل ، ويحتاج إلى ثباته فى كلام العرب ، وإلا فلعل لفظ البرهنة تصرف من غير العرب.

{ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ } فيها ، وإنما قال : أمانيهم بالجمع مع أن القولة أُمنية واحدة ، لأنها قالته اليهود ، وقالتها النصارى ، فاستعملوا الجمع فى اثنتين ، أو لأنها تعدد قولها فى اليهود ، وغالبهم بقولها وأيضا يرددها فى نفسه ، وتعدد قولها فى النصارى ، وغالبهم يقولها ، وأيضا يرددها فى نفسه ، ولأن لليهود أمنية أن يدخلوها ، وأمنية ألا يدخلها غيرهم ، وللنصارى أمنية أن يدخلوها ، وأمنية ألا يدخلها غيرهم ، فهؤلاء أربع أمانى ، أوعد الأمنية الواحدة أمانى لشدتها ، أو الإشارة إلى تلك القولة ، وإلى تمنيهم ألا ينزل على المؤمنين خير ، وتمنيهم أن يردوهم كفاراً ، أو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياماً . }
----------------------------------------------------

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
{ بَلَى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ، ولو كانوا أيضاً لا يدخلونها ، فالمعنى ، لا يدخلونها ، وغيرهم يدخلها ، وقد تقع فى غير النفى والاستفهام { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } أخضعه { لِلهِ } وخص الوجه لأنه أعظم ، إذ فيه أكثر الحواس بل كأنها ، وشاركه غيره فى الحس ، ولأنه موضع السجود الذى العبد فيه أقرب ما يكون من ربه ، فغيره أولى بأن يكون قد أسلم لله ، أو الوجه بمعنى الذات كلها إذ هو جزؤها الأعظم ، أو بمعنى قصده { وَهُوَ مُحْسِنٌ } موحد عامل متق ، ولو لم يبلغ إلى قوله صلى الله عليه وسلم ، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه { فَلَهُ أَجْرُهُ } ثوابه على عمله وتقواه ، وتوحيده ، وهو الجنة { عِنْدَ رَبِّهِ } عندية علم وعهد وتشريف { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فى الآخرة إلا خوفا يحدث لعظم الهول ، ويزول ويعقبه الأمن الدائم { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فيها على فوت التوحيد ، والعمل والتقوى ، لأن ذلك لم يفتهم ، وإنما يحزن من فاته أو بعضه ، وأما فى الدنيا فالمؤمن من أشد حزنا فى أمر دينه ، وفصل قوله : وقالوا لن يدخل الجنة . . . إلخ بقوله : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ } أحبارهم فى المدينة ، أو نافع بن حرملة ، ونسب للجميع لأنه منهم ، وراضون بقوله ، أو مطلقا ، ذكر الله اعتقاد من اعتقد ذلك ، ولفظ من لفظ ، وهم القليل { لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ } . معتد به من الدين ، كفروا بالإنجيل وعيسى وأثبتوا الحق لأنفسهم .

{ وَقَالَتِ النَّصَرَى } كلهم إلا قليلا منهم أو واحد منهم كما مر ، أو من وفد من نصارى نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر الله اعتقاد من اعتقد ، ولفظ من لفظ ، وهو القليل { لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىءٍ } معتد به من الدين ، كفروا بموسى والتوراة ، وأثبتوا الحق لأنفسهم ، ونفى الشىء فى الموضعين كناية عن عدم الاعتناء ، وهى أبلغ من التصريح { وَهُمْ } أى الفريقان { يَتْلُون الْكِتَبَ } جنس الكتاب ، تتلو اليهود التوراة ، وتجد فيها تصديق عيسى والإنجيل ، وتتلو النصارى الإنجيل وتجد فيه تصديق موسى والتوراة ، أو تتلو اليهود التوراة والإنجيل ويجدون فيهما تصديق الكل ، وكذا النصارى ، وقيل المراد التوراة.

{ كَذَلِكَ } كقول اليهود للنصارى ، والنصارى لليهود ، { قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } وهم مشركو العرب وغيرهم ، كأمم قبل اليهود والنصارى { مِثْلَ قَوْلِهِمْ } قالوا لكل ذى دين ، ليسوا على شىء يعتد به ، وفى ذلك تشبيهان ، تشبيه المقول بالمقول فى المؤدى ، وتشبيه القول بالقول فى الصدور عن مجرد الهوى ، ولو زاد اليهود بالتعصب فليس فى الآية تكرير ، بل فيها مزيد التوبيخ ، بل شبه جمع في نفى الحق من فى يده علم التوراة والإنجيل بمن لا علم له من عبدة الأصنام كقريش ، ومن ينكر الله ، والمراد بالتشبيه التنظير ، أو هو من التشبيه المقلوب ، إذ شبهوا بالجاهلين ، وكذلك مفعول لقال ، أى مثل قول اليهود والنصارى ، قال الذين لا يعلمون ، ومثل مفعول به ليعلمون ، بمعنى يعتقدون ، أو مفعول به لقال ، أو مفعول مطلق له ، وكذلك مفعول به له ، أو مثل توكيد لكذلك لا بدل ، لا تحاد مفهومهما ، بخلاف ، جاء زيد أخوك ، فإن الأخوة ليست مفهومة لزيد.

{ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بين الفريقين ، وبينهما وبين الذين لا يعلمون ، والمراد الفريقان بالذات؛ لأن الكلام فيهما ، والذى لا يعلمون بالتبع { يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين ، فيدخل الجنة من عمل بالناسخ وترك ما نسخ . وذلك إشراك ، ومن أشرك بعبادة الصنم ، أو بإنكار الله ، وأيضاً المشركون أسف الناس ، واليهود فى لظى ، والنصارى فى الحطمة ، وذلك من الحكم المذكور ، فالحكم بينهم أن يقسم لكل فريق يوماً يليق به من العذاب .

الآيات ( 114 - 123 )

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَجِدَ اللهِ } أى مسجد كانت من مساجد الإسلام { أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } بتلاوة كتب الله ، والصلاة ، وسائر الأذكار ، والاستفهام للنفى ، أى لا أحد أظلم ، وقد ثبت الظلم لغير مانع المساجد ، ولكن مانعها أعظم ظلماً من المعصية ، بمنع غيرها ، أو بغير منع لشىء ، لكن جاء أيضاً « ومن أظلم ممن كذب على الله » ونحو هذا ، فنقول : ذلك كله أمر واحد ، مفضل على غيره ، كأنه قيل : المفترى على الله ، ومانع المساجد ونحوهما أظلم من غيرهم ، والتفضيل بينهم يوكل إلى الفهم ، مثل أن تقول ، من قال ، اتخذ الله ولداً أظلم من المفترى عليه؛ والمفترى عليه أظلم ممن منع مساجد الله ، والممنوع الناس ، لا المساجد ، ولكن أوقع على المساجد لأنها محل إيقاعهم العبادة ، وللإشارة إلى أنها مظلومة ، كما ظلم الناس ، ولأنه يوقع لها تمييز لمن يتعبد فيها ، فظلمت بمنع من تحبه عنها ، ومنعهم كإغلاقها ، وبعد ذلك ، قال : الممنوع ذكر الله ، أو المراد ، لأجل ذكره ، أو من أن يذكر ، والمراد بالمساجد كل مسجد خرب ، أو سيخرب ، ومنع أو سيمنع كما منعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين قبل الهجرة ، وفى عام الحديبية ، أن يدخلوا المسجد الحرام للعمرة.

{ وَسَعَى } اجتهد { فِى خَرَابِهَا } فى تحصيل خرابها ، أو اسم مصدر ، أى فى تخريبها ، بالتعطيل أو الهدم كما هدم بخت نصر بيت المقدس ، وألفى فيه الجيف ، وذبح فيه الخنزير ، وأحرق التوراة ، وقتل بنى إسرائيل وسبى الذرارى ، وكما فعل ططيوس الرومى وقومه من روم ونصارى ذلك بعد أن بنى على عهد عزير ، وبقى خراباً إلى أن عمره المسلمون على عهد عمر رضى الله عنه ، ويجوز أن يراد بالمساجد المسجد الحرام ، وتخريبه تعطيل قريش للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنه ، جمع تعظيماً ، ولأن مساجد الإسلام كلها تنبنى عليه وتبنى إليه ، ولأن معطل مسجد حق كمانع المساجد كلها ، كما أن مكذب نبى أو كتاب كمكذب الأنبياء وأعظم الكتب.

{ أُولَئِكَ } المانعون الساعون فى خرابها { مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وقد تحقق ذلك وقوعاً فى مدة عظيمة ، لا يدخل مشرك ، نصرانى ولا رومى ولا غيره ، مسجداً من مساجد المسلمين إلا خائفاً ، وهذا إلى الآن إلا مساجد بلاد أخذوها ، ولا يدخل مشرك المسجد الحرام إلا الآن إلا خائفاً متنكراً ، ومضى زمان مديد من عهد عمر وما بعده ، لا يدخل بيت المقدس مشرك ، ولا يوجد فيه إلا أُوجع ضربا ، وليس فى الآية أنه لا يدخلها أبداً ، بل فيها ، أنه يتحقق هذا المقدار من عدم الدخول إلا مع خوف ، فلا يرد ما ذكرت من دخولهم مساجد بلاد أخذوها ، ودخولهم المسجد الحرام ، وأخذهم الحجر الأسود ، ثم إنه رد ، وكون المقدس فى يد الإفرنج أكثر من مائة سنة بحيث لا يدخله مسلم إلا خائفا ، حتى نزعه منهم الناصر صلا الدين يوسف ، وذلك إما على أن معنى الآية أن الله قضى ألا يدخلوها إلا خائفين وعدا بالنصر للمؤمنين ، وإما على معنى أنه لا يجوز لكم أن تتركوهم ودخلوها ، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين أن تبطشوا بهم ، فضلا عن أن يجترثوا على تخريبها ، أو يمنعوا المؤمنين عنها ، ولا يجوز عندنا أن يترك مشرك أن يدخل مسجداً إلا إن لم تقدر ، وذلك قول مالك ، لقوله تعالى { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام }.

والمساجد كلها مثله فى التطهير عن الأنجاس ، فهى مثله أيضاً فى الحرمة ، وأجازه الشافعى فى غير المسجد الحرام بشرط الحاجة فيه ، وأذن مسلم له ، لذكره فى الآية ، وإدخال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف وغيرهم المسجد منسوخ بهذه الآية { إنما المشركون نجس . . . } إلخ . لاستلحاقه سائر المساجد مع علة النجس والحرمة ، ولقوله { ما كان لهم } إلخ ، سواء فسرناه بالأمر بإبعاد المشركين عنها ، أو بقضاء الله ، لأنه أمر يرغب فيه ، فلا إشكال ، وأجازه أبو حنيفة مطلقا { لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ } بالقتل والسبى فى بعض ، والجزية فى البعض الآخر ، وأصل الخزى ذل يستحيا منه ، ولذلك يستعمل فى كل منها ، والقتل والسبى ذل عظيم يستحى منه فى السبى دون القتل ، إلا إنه يقال ، يستحى منه المفتول قبل أن يقتل ، وأصحابه وقرابته ، قبلت النضير الجزية ، وقتل بعض قريظة وسبى بعض.

{ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فى النار ، لمنعهم مساجد الله وسعيهم فى خرابها ، وكان صلى الله عليه وسلم يصلى النافلة على الدابة ، أينما توجهت من مكة إلى المدينة ، وفى غير ذلك حتى الوتر قبل أن يفرض عليه وحولت القبلة إلى الكعبة ، وطعنت اليهود فى ذلك كله ، وقالوا : لا قبلة لهم معلومة ، وصلى على اجتهاده إلى جهة ليلا فى غزوة ومعهم النبى صلى الله عليه وسلم ، وقيل ، لم يكن معهم لظلمة ، فلما أصبحوا تبين أن بعضا صلى إلى الشمال ، وبعضا إلى الجنوب ، فنزل قوله تعالى :

{ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } استلحقا جوانبهما ، فذلك الأرض كلها { فَأَيْنَمَا } هو المكان الذى أتم فيه ، أو الذى استقبلتم إليه { تُوَلُّواْ } وجوهكم فى الصلاة ، بأمره لكم بالتولية { فَثَمَّ وَجْهُ } ذات { اللهِ } أو فثم الله بالعلم والحفظ وسعة الرحمة وغير ذلك ، أو فثم جهة الله ، أى الجهة التى أمركم بها ، وليس توليكم باختياركم حتى يصيبوكم بصلاة بعض الجنوب وبعض إلى الشمال فى السفر ، للجهل بالجهة فى غزوة ، وقد قيل ، نزلت الآية فيهم ، وقيل فى الصلاة على الراحلة للضرورة وصلاة النفل عليها مطلقا ، وفى ذلك اختصاص لنا بأن نصلى حيث أدركتنا الصلاة لا كمن قبلنا لا يصلون إلا فى كنائسهم ، وكان عيسى عليه السلام يصلى حيث أدركته الصلاة فصلوا إلى الكعبة ، وقوله فصلوا إلى الكعبة متعلق بقوله ، وليس توليكم باختياركم ، وما بينهما اعتراض ، والنفل على الراحلة ، وصلوا فى الأرض كلها ، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً ولا يضركم أن منعوكم عن المسجد الحرام أو الأقصى ، وقبل فتح المقدس منع المسلمون من الصلاة فيه ، وقيل منعهم الإفرنج حين استولوا عليه حتى رده صلاح الدين ، وعليه فالآية إخبار بالغيب.

{ إِنَّ اللهَ وَسِعٌ عَلِيمٌ } يسمع فضله وعلمه كل شىء ومن سعة فضله أن جعل لكم الأرض مسجداً ، فقيل ، ولو سبخة حال الاختيار ، ولا بد من الطهارة ، ون قبلنا لا يصلون ، إلا فى مساجدهم ، فإذا غابوا عنها تركوها وقضوها .
----------------------------------------------------

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)
{ وَقَالُوا } عطف على منع ، أى ومن أظلم ممن منع وسعى ، وقالوا ، أى وممن قالوا { اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً } قالت العرب وبعض النصارى ، الملائكة والجن بنات الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ، وقالت اليهود عزير ابن الله . ومن قال بالأبوة والنبوة بمعنى الرحمة لم يجز له ذلك ، لأن لفظ الكفر كفر ، ولم لم يعتقد ظاهره ، وإن صح أن عيسى قال بذلك على معنى الرحمن فقد قيل به على ظاهره بعده ، فيكون لفظ الشرك بحكم الشرع قطعاً لمادة الشرك ، وقد كان بعض بربر الغرب يقولون للرحمن باب ، فقال بعض علماء المغرب :

يَقُولُونَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ بِجَهْلِهِمْ ... وَمَنْ قَالَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ فقَدْ كَفَرْ
وأجاب بعض بأنه لا كفر ، إذ لم يقصدوا الإشراك ، ومن قاله ولم يرد الإشراك فليس شركا لكن ينهى عن قوله { سُبْحَنَهُ } نزهوه أيها المؤمنون عن الولد تنزيها ، لأن الوالد له جهات وحدوث وفناء فيخلفه ولده ، والله بخلاف ذلك.

{ بَلْ لَّهُ مَا فِى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ } من غير العقلاء ، ولفظ ما هنا للأنواع ، والأنواع غير عاقلة ، وإنما العاقل بعض الأفراد ، والمملوك والمخلوق لا يكونان ولدا ومخلوقا للخالق والمالك { كُلٌّ } مما فى السموات والأرض ، عليهما وما فيهما من أجزاء { لَّهُ قَنِتُونَ } عابدون عبادة يعلمها الله ، أو منقادون لما أراد الله ، ومن زعموه ولدا فقد أذعن للعبودية لله ، وهم ممن فى السموات والأرض فليسوا بأولاد ، الآية تناسب حديث : من ملك ذا رحم ، أى وكان محرما ، عتق عليه ، وجمع السلامة للمذكر تغليل ، وتلويح بأن الجمادات وغيرها كالعقلاء فى الانقياد ، أو لأن الله خلق تمييزاً للجمادات يتعبدون به ، أو جمع سلامة للمذكر تغليب للعقلاء الذكور .
---------------------------------------------------

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
{ بَديعُ } هو بديع { السَّمَواتِ والأَرْضِ } أى غريب شكلهما ، إذ أوجدهما بلا مثال سابق ، وفائقهما فيما تشاهد ، والعرش ولو كان أعظم منها لا نشاهده ، صفة مشبه أضيفت لفاعلها ، لأن يدع لازم لا مفعول له ، كقولك زيد كثير المال ، وقد يقال بمعنى مبدع ، أضيف لمفعوله { وَإِذَا قَضَى أَمْراً } أراد إيجاده { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } أى احصل { فَيَكُونُ } فهو يكون ، أى يحصل بلا توقف ، وليس هناك قول ، بل تمثيل لوجود ما يريد وجوده بسرعة .
----------------------------------------------------

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)
{ وَقَالَ } إلخ ، عطف على قالوا ، اتخذ الله ، أو على ما عطف عليه ، وذلك قدح فى التوحيد ، وهذا قدح فى النبوة { الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } مشركو العرب من مكة وغيرها ، أو مع اليهود والنصارى وغيرهم ، وقيل المراد اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما روى ابن عباس رضى الله عنهما ، أن رافع بن خزيمة اليهودى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت رسول الله تعالى فقل له يكلمنا حتى نسمع كلامه فنزلت هذه الآية ، وقوله تعالى : يسألك أهل الكتب . . . إلخ ، وقيل النصارى ، وأنهم المرادون فى قوله تعالى ، وقالوا اتخذ الله ولدا ، المذكورون فى الآية ، وهو ضعيف .

{ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ } جهرة ، أو بإنزال الوحى إلينا { أَوْ تَأْتِينَا ءَايَةٌ } على صدقك ، كتصيير الصفا ذهبا ، وإفساح الجبال عن مكة ، وبعث قصىّ ، وأن يأتى بالله والملائكة قبيلا ، أو نحو ذلك مما مر ، لولا أنزل علينا الملائكة ، أو ترى ربنا { كذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم الماضية لأنبيائهم { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } كما قالوا ، أرنا الله جهرة ، هل يستطيع ربك . . . الخ ، وليس من طلب الآيات ، لن نصبر على طعام واحد . . . الخ ، اجعل لنا إلها ، بل مجرد عناد وفساد { تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } قلوب هؤلاء وأولئك فى الكفر والعناد فلا يشتد حزنك يا محمد ، إذ قيل لك ما قيل لمن قبلك { قَدْ بَيَّنَّا الآيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } بأنها آيات توجب الإيمان ، أى نزلناها بينة من أول الأمر لا غير ، مبينة ، ثم بيناها ، وهذا كقولك ، وسع فم البئر ، وأدر جيب القميص ، وسبحان من صغر البعوض .
---------------------------------------------------

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
{ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ } يا محمد { بَالْحَقِّ } مع الحق ، أو مؤيدا به ، وهو دين الإسلام ، أو لأجل إقامته { بَشِيراً } لمن اتبعه بالجنة { وَنَذِيراً } لمن خالفه بالنار ، ولم نرسلك لتجبر عليه ، إن أنت إلا بشير ونذير ، لست عليهم بمسيرط { وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ } النار الملتهبة وأصحابها اليهود والنصارى ، ومشركو العرب وسائر المشركين ، لا تسأل عنهم ، فإن عقابهم لا يسعه إخبارك به ، ولا يحتمله فهمك ، فلا فائدة فى السؤال عنه ، والله قادر على الإخبار به ولكن لا يمكنك الاطلاع عليه فى الدنيا فتسلَّ بشناعته عن ضرهم لك ، أو لا نسأل عنهم سؤال تحسر ، لِمَ لم يؤمنوا مع وضوح الدلائل .

وعن ابن عباس ، أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله عن أبويه ، فنزلت نهيا عن السؤال عن الكفرة عموما ، وإنما سأل عن خفة عذابهما وشدته ، أو عن حال أهل الفترة ، فأخبره بأنهم غير معذورين ، وذلك قبل أن يحييهما الله ويؤمنا به ، على ما روى ضعيفا .

وروى أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما ، فذهب إليهما ، فدعا لهما ، وتمنى أن يعرف حالهما ، وقال : ليت شعرى ، ما حالهما فى الآخرة ، فنزلت الآية .
والصحيح أن الآية فى أهل الكتبا ، أو فيهم ، وفى سائر المشركين ، لا فيهما ، ولا بأس على من وقف فيها لشبهة ما ذكروا من الأحاديث فى إيمانهما ، إذ كانت ضعيفة ، لا للحمية ، والضعف فى الولاية والبراءة .
----------------------------------------------------

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
{ لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتِّبِعَ مِلَّتَهُمْ } أفرد الملة مع تعددها ، لأن مللهم كلها كفر ، والكفر ملة ، وسميت ملة ، لأن الشيطان أملها عليهم ، أو أهواؤهم وأنفسهم ، كما أن دين الله عز وجل أمله جبريل للنبى صلى الله عليه وسلم ، قالوا له صلى الله عليه وسلم ، لن نرضى عنك حتى تتبع ديننا وملتنا ، فإنه الهدى ، فأنزل الله عليه ، وهو فى اللوح المحفوظ سابق ، وأعلمه أن الأمر كما قالوا لا يرضون عنك إقناطا له عنهم ، إذ اتباعه ملتهم فى غاية البعد التى لا غاية بعدها ، كان يلاطفهم طمعا فى إيمانهم حتى نزلت ، وعلمه أن يرد عليهم فى قوله { قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ } وهو دين الإسلام { هُوَ الْهُدَى } تحقيقا إلى الحق ، لا ملتكم ولا غيرها ، من كل ما خالفه ، فأيسوا بعد ما كانوا يرجونه .

{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ } والله لئن اتبعت { أَهْوَاءَهُمْ } أى ملتهم التى ادعوها دينا ، ومقتضى الظاهر ، ولئن اتبعتها أى الملة ، وعبّر عنها بالأهواء ليصرح بأنها مجرد اتباع للنفس { بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } هو العلم والمراد الحقيقة ، أو بعض العلم { مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِىٍّ } بلى أمرك ، يحفظك من العذاب من أول { وَلاَ نَصِيرَ } يدفعه عنك إن جاءك ، لا ولى ولا ناصر إلا الله ، فإذا لم يجئك ولى من عنده ولا نصير هلكت ، أو مالك ولى ولا نصير من عذاب الله .
-----------------------------------------------------

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
{ الَّذِينَ } خبره أولئك يؤمنون به { ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ } الإنجيل والتوراة ، وقيل المراد ، المؤمنون والقرآن { يَتْلُونَهُ } أى القرآن ، والجملة حال ، أى مقدرا بفتح الدال ، لهم أن يتلوه { حَقَّ تِلاَوَتِهِ } لا يغيرون لفظه ولا معناه ، ولا يزيدون ولا ينقصون ، ويعملون به ، ويتفكرون فى معانيه ، ويكلون متشابهه إلى الله ، وذلك هو قراءته حق قراءته ، وأما قراءته بإخلال ذلك أو بعضه فكلا قراءة ، أو يتلونه يلونه بتلك الحقوق ، وهم عبدالله بن سلام ونحوه من أهل المدينة وغيرها من علماء أهل الكتبا العاملين به ، واثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية رهابين من أهل الشام ، منهم بحيرا الراهب ، ودخلوا الحبشة ورجعوا مع الاثنين والثلاثين منها مع جعفر رضى الله عنه وأصحابه فى سفينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما جعلت يتلونه حالا مقدرة لأنهم حال إيتاء الكتاب ليسوا يتلون القرآن حق تلاوته ، بل بعد.

{ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالكتاب ، أو بالله ، لا إله إلا الله ، أو الذين الأنبياء ، والكتاب الجنس ، وإنما قلت ، والتوراة ، لأن من آمن بالإنجيل تحقيقاً حتى آمن بالقرآن لا يكفر بها ، ولا يجوز أن يراد علماء أهل الكتاب مطلقاً كقوله { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } . . الآية ، لأنه ليس كل من عرفه يتلوه حق تلاوته { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ } بالكتاب ، التوراة والإنجيل ، بأن يحرفه بزيادة أو نقص ، أو كتم ، أو تفسير بما ليس حقّاً ، وقيل القرآن كما هو { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ } إذ بدلوا الضلال بالهدى ، والنار بالجنة . وهذا لعمومه أولى من التفسير بأخذ الرشا على الدين .
---------------------------------------------------

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)
{ يَبَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } على زمانكم ومن قبلكم ومن بعدكم ، إلا هذه الأمة ، فإنها أفضل الأمم على الإطلال ، لقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ولا تكون خير أمة إلا لمن خير الرسل ، صدر قصتهم بهذا ، وختمها به تأكيداً لتذكر النعم ، أو للتحذير من إضاعتها .
-----------------------------------------------

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)
{ وَاتَّقُوا يَوْماً } عقاب يوم { لاَّ نَجْزِى } فيه { نَفْسٌ } مؤمنة أو مطلقا { عَنْ نَّفْسٍ } كافرة ، أو مطلقا { شَيْئاً } أى جزاء ، أو لا تدفع شيئاً { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ } فداء ، لأنه يعادل المفدى { وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَعَةٌ } أى لا شفاعة لهم ، فضلا عن أن تقبل ، أو هو على ظاهره ، إلا لمن أذن له ، فقد روى أنه صلى الله عليه وسلم يقول : أصيحابى ، فيقال : لا تدرى ما أحدث هذا بعدك { وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } يدفع العذاب عنهم .

الآيات ( 124 - 134 )
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

{ وَإِذِ ابْتَلَى } اذكروا يا بنى إسرائيل ، أو اذكر يا محمد إذ ابتلى ، أو متعلق يقال بعد ، إو بكان كذا وكذا ، فحذف أى ، كلف حقيقة ، أو اختبر مجازا لعلاقة اللزوم ، فإن التكليف وهو الأمر والنهى ، أو إلزام ما فيه المشقة يستلزم الاختبار بالنسبة لمن يجهل العواقب ، تعالى الله . ومعنى تكليفه أنه قدر له ذلكن وقضى أ ، يجرى له ، فلا يشكل بما كان من الكلمات قبل بلوغه { إِبْرَاهِمَ } إب راهيم ، أى رحيم وذلك ، لغتهم السريانية ، تشبه العربية ، قال السهيلى : كثيراً ما يقع الاتفاق أو التقارب بين السريانى والعربى ، ألا يرى أن إبراهيم تفسيره أب ريحم لرحمة بالأطفال ، ولذلك جعل هو وزوجه كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة ، إبراهيم بن تارخ بن آزر ، أو إبراهيم بن آزر ، وهو الصحيح ، بل تارخ هو آزر بن ناخور بن شارخ بن أرغو بن قالغ بن عابر ابن شالح بن قينان بن أرفجشد بن سام بن نوح ، ويقال : قينان ساحر ، فأسقطوه.

{ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ } أى معان ، تسمية للمدلول باسم الدال ، المضمضة والاستنشاق والسواك ، وقص الشارب ، وفرق شعر الرأس إلى الجانبين ، إذا طال أربعة أصابع عرضا ، وقلم الأظفار ، ونتف الإبطين ، وحلق العانة ، والختان ، قيل : ختن نفسه وهو ابن مائة وعشرين سنة ، والاستنجاء بالماء ، وأما بالحجارة قبله فلهذه الأمة خاصة والتوبة والعبادة والحمد والسياحة ، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحفظ حدود الله ، والصلاة والخشوع وترك اللغو والزكاة وحفظ الفروج ، وحفظ الأمانة ، وحفظ العهد والمحافظة على الصلاة والإيمان والقنوت والصدقة . والصوم ، وكثرة ذكر الله ، ومداومة الصلاة وإعطاء السائل والمحروم والتصديق بيوم الدين ، والاشفاق من العذاب ، والقيام بالشهادة وقربان الأزواج وقربان المملوكات ، وإعفاء اللحية ، والإحرام والوقوف بعرفة ، والمبيت بالمزدلفة والرمى ، والذبح ، والحلق ، والطواف ، والسعى ، والنظر فى الكواكب والقمر والشمس فيحصل الحجة ، وذبح الولد ، والتسليم للوقع فى نار نمروذ ، وسائر الأوامر والنواهى ، والهجرة بدينه من العراق للكفر فيه إلى حران ، ثم إلى الشام ليجد الوصول إلى دينه ، صبر على ذلك كله ، كما قال الله جل وعلا { فَأَتَمَّهُنَّ } أتى بهن تامات ، كما قال : " وإبراهيم الذى وفى ".

{ قَالَ إِنَّى جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاماً } قدورة فى الدين إلى يوم القيامة ، ولا نبى بعده إلا من ذريته ، مأموراً باتباعه فى الجملة ، وهو إمام لكل نبى بعده ، وكل نبى إمام لمن بعده من العامة والأنبياء ، وذلك فى الأصول ومكارم الأخرق ، وهو محبوب فى جميع الملل . وعن مجاهد ، الكلمات هى ، إنى جاعلك . . . إلى آخر القصة ، والإمام كل ما يؤثم به ، كما قيل لخيط البناء إمام ، لأنه يقتدى به فى البناء { وَمِن ذُرِّيَّتَى } أى واجعل أئمة أنبياء ، وقيل ، أو غير أنبياء ، من ذريتى ، أو أئمة من ذريتى عطفا على محل النصب للكاف ، وكأنه قيل ، وجاعل من ذريتى أئمة ، وللكاف محل جر بالإضافة ، ومحل نصب على المفعولية ، لأن جاعل اسم فاعل للاستقبال ، وهو من زيادة السامع إلى كلام المخاطب ، كقول الصحابة والمقصرين بعد قوله صلى الله عليه وسلم « اللهم ارحم المحلقين » ، ويقول القائل ، جاء زيد ، فتقول ، راكباً وكما قال العباس ، إلا الإذخر ، بعد تحريم النبى صلى الله عليه وسلم شجر مكة وكلأها ، والذرية تشمل الأنثى ، كما أن عيسى هو ابن مريم ، ومريمن من ذريته ، والياء مشددة زائدة فوزته فُعْلية ، بضم فإسكان ، وباؤه فى الأصل للنسب ، والأصح فتح أوله وضمه ، كما قيل ، دهرى بضم الدال فى النسب إلى دهر بفتحها ، أو الياء الثانية عن راء ، قلبت ياء ، لئلا تجتمع ثلاث راءات ، وأدغمت فيها الياء ، والأصل ذريرة ، بضم الذال وشد الراء الأولى مكسورة ، أو ذرُّورة بالواو ، وكل ذلك من الذر بمعنى الخلق فالرء الثانية زائدة ، والأصل ذريته ، أو ذروية ، قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء فى الياء الأولى . وقلبت الواو ياء فى الثانى ، وأدغمت الياء فى الياء.

{ قَالَ لاَ يَنَالُ } لا يصيب { عَهْدِى } معهودى إليك وأمانتى ، وهو الإمامة ، تسمى الأمانة عهداً ، لأنها تعاهد بالحفظ { الظَّلِمِينَ } من ذريتك ، وهذا إجابة إدعائه ، أن يجعل من ذريته أئمة ، ولكنه استثنى الظالمين بفسق أو بشرك ، فأيما فاسق أو مشرك تصدر فليس بإمام أو خليفة أو حاكم ، بل غاصب ، ولا يصلح للإمامة ، وهى أمانة الله ، من يخون ، ولا ينفذ حكم الفاسق ، وناصبه ظالم ، من استرعى الذئب الغنم ظلم ، وعن الحسن ، أن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً ، فلا يوفى له بشأن إمامته إذا أحدث ظلماً ، فالعدل كما شرط فى البدء شرط فى البقاء ، وإن نصب بعد توبته جاز ، كما كان أبو بكر وعمر خليفتين بعد إسلامهما من شرك .
--------------------------------------------------

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ } الكعبة { مَثَابَةً لَّلنَّاسِ } مرجعاً يثوب إليه من كان عنده أو يجيئه من لم يكن عنده ، أو يلتجىء إليه الخائف ، وإطلاق الرجوع لمن لم يكن مجاز ، فذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، وقد أجيزا ، وهو من عموم المجاز ، ويناسب الإطلاق أن الآتى والراجع كواحد ، لاتفاق الدين ، أو مثابة بمعنى موضع ذهاب إليه ، أو مزار ، استعمال للمقيد فى معنى المطلق ، أو هو موضع ثواب ، فلا مجاز ، وتاؤه لتأنيث البقعة ، وقيل : هى للمبالغة كما فى الوصف ، كعّلامة ، لكنه لا يؤنث ، وهو اسم مكان ميمى ، أو مصدر ميمى ، أى ذا ثواب ، والأول أولى ، والأصل مثوبة بإسكان الثاء ، فتحت بفتحة الواو نقلا ، فقلبت ألفا.

{ وَأَمْناً } موضع أمن ، أى ذا أمن ، وقد يناسب هذا أن تجعل مثابة مصدراً ، أى ذا مثابة وأمن للناس فى حرمه ، أو أمن لحرمه ، لا يقع فيه ما يقع فى غيره من الظلم والقارة ، يلقى فيه للرجل قاتل أبيه فلا يخيفه ولا يهيجه ، ويتبع الكلب الصيد فيدخل الحرم فلا يتبعه بعد لحرمة الحرم ، وقد قال الله : { حرماً آمناً } فقد تقول ، آمناً بمعنى آمن إلا أن فيه مجاز التعلق والاشتقاق ، وإذ جعلنا المصدر بعنى اسم فاعل ومجاز الإسناد ، لأن الذى يأمن هو الناس لا الحرم ، وما تقدم فيه مجاز واحد كلا مجاز ، إذ هو مجاز حذف ، ومن جنى فى الحرم حد فيه ، أو خارجا فالتجأ إليه أخرج ، أو ضيق عليه حتى يخرج فيحد ، وذلك من جملة الأمن فيه ، وذكر بعض أنه آمن للحاج من النار وكفارة لذنوبه التى بينه وبين الله يوم القيامة ، ولا يدرى فى الدنيا أقبل منه أم رد.

{ وَاتَّخّذُوا } أى الناس { مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } بفتح الخاء إخبار بمعنى الأمر ، كأنهم امتثلوا الاتخاذ ، فهو يخبر بوقوعه ، والعطف عطف قصة على أخرى ، أى ، وإذ اتخذوا ، أو على جعلنا ، لأن الغرض بيان أحوال البيت ، ومنها الجعل والاتخاذ ، أو يقدر ، فثابوا واتخذوا ، ولا بأس به ، ولو كان الأصل عدم الحذف ، لاتحاد المنسدين فى المسند إليه ، ومن بمعنى إلى ، لأن المصلى يتوجه إلى الحجر الذى هو المقام ، وينوى القبلة الكعبة ، أو للابتداء ، كقولك : رايته من ذلك المكان ، أى انتهى شأنه منه إليك ، أو من للتبعيض ، أو للظرفية ، على أن المقام الحرم ، أو ما دار بالمطاف ، لا الحجر خصوصاً ، والمراد على كل وجه بالمصلى هو الموضع المختار لركعتى الطواف ، ويستحب النفل والفرض فيه ، إذا لم يعطل ركعتى الطواف ، وذلك أنه اتخذ للصلاة مطلقا ، وهو أربعون ذراعاُ شمالا ويمينا وخلفاً ، والمقام موضع القيام ، وهو ذلك الحجر ، قام عليه عند بناء الكعبة يدور به إلى جهاتها ، ويعلو به ، وعند ندائه ، أيها الناس ، حجوا بيت ربكم تطاول حتى ساوى أبا قبيس ، وعند غسل زوج إسماعيل رأسه ، أعنى رأس إبراهيم ، إذ زاره ولم يجده ، أو زار الكعبة ، والمحول له إلى موضعه اليوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مروى بسند ولو كان فهي ضعف ، لا عمر ، كما روى بسند ولو كان قويا ، ولو احتمل أنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مطلقا بالبيت ، فعلم عمر أن المراد جعله بين المصلى والكعبة أينما هو ، فأخره إلى حيث هو اليوم .

وروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر ، فقال له : هذا الحجر مقام إبراهيم ، فقال عمر : أفلا تتخذه مصلى ، فقال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية .

ويقال : كان داخل الكعبة ثم أخرج ، وقيل : موضعه اليوم هو بيت إبراهيم يحوله إليه من البناء كل يوم ، وقيل المقام الحرم ، وقيل مواضع الحج والصلاة والدعاء عرفة والمزدلفة ومنى ، ومواضع الرمى والصلاة فى ذلك دعاء ، وقيل : الكعبة ، أى موضع صلاة إليه ، إذ يصلى إليها ، ولا مقام إلا مقام إبراهيم عليه السلام ، وهو مقام للمؤمنين كلهم على حد سواء ، ولا وجه لنسبته للشافعى ، ولا وجه للبناء فيه لأنه نقص منه ومن المسجد ، ولا وجه لجعل مقام آخر لمالك ، وآخر لأبى حنيفة ، وآخر لأحمد ، فإن ذلك زيادات فى الدين وتشرع فيه وبدعة ، ونفص من الحرم المقام بالبناء ، ومناقضة لمقام إبراهيم حتى إنه استوت الثلاثة عند العامة بمقام إبراهيم ، ويفضلها عامة أهليها على مقام إبراهيم ، وقد قال أمير مكة للسلطان حمود ، وهو سلطان زنجبار ، أعوام إقامته بمكة : أبني مقاماً لك وللإباضية أهل مذهبك؟ فقال : لا تفعل ، لأنه خلاف الشريعة ، ولأنهم لا يقبلون ذلك عنى ولا عنك ، ولا يقف فيه أحد منهم ، فلذلك ونحوه قلت فيه :

حَمُّودُنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ وَشِيعَتُهُ ... ظَلُّ الْبَرِيَّةِ وَالْحَقُّ شَرِيعَتُهُ
القصيدة....

{ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ } أصله إسمع إيل ، أى بالله ، ولقد علمت أن العبرية قريبة من العربية ، والمعنى ، أن إبراهيم قال ، اسمع يا ألله دعائى بأن ترزقنى ولدا ، فرزقه ، فسماه إسماعيل ، وهو قوى ، ولو ضعفه بعض ، واختار ا ، ه مطيع الله ، والعهد إلى إبراهيم بالذات ، وإلى إسماعيل بالواسطة ، أمرناهما ، وأمرهما علم عهد إليها ، وفسر العهد إذ فيه معنى القول بقوله { أَنْ طَهِّرَا } أو يقد بأن طهرا { بَيْتِىَ } من الأوثان والأنجاس وما لايليق والحائض والنفساء ، وأهل الشرك ، أى ابنياه على رسم ألا يكون فيه ذلك ، كقولك ، أدر جيب القميص ، وأطل القلم ، أى جىء بهذه الصفة من أول ، أو أخلصاه .

{ لِلطَّائِفِينَ } حوله ، لا يعطلون عن الطواف ، ولا يكون عنده من ليس أهلا للطواف ، كالمشرك ، وذلك على عمومه ، وقال ابن جبير ، الغرباء الوافدون حجاجا وزوارا { وَالْعَكِفِينَ } المقيمين عنده بالتوحيد والطاعة ، وقال عطاء : الجالسون عنده بلا طواف ، وقيل ، المجاورون له من الغرباء ، وقيل ، المعتكفون فيه { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } جمع ساجد ، والمراد بالركع السجود المصلون ، وذكر الركوع والسجود لأنهما أقرب أحوال المصلى إلى الله تعالى . وقد أتم الله تطهيره من الأوثان ، وكل ما لا يليق بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وأتم به عمارته بالطوف والعبادات ، والصلاة المشتملة على الركوع مقدما ، والسجود بعده على ترتيب لفظ الآية ، لا كصلاة اليهود بلا ركوع ، ولا كصلاة لا سجود فيها ، ولا كصلاة يتقدم سجودها على ركوعها ، كما قيل عن اليهود أيضا ، ولا كصلاة مشركى العرب ، يقولون ، السجود مسبَّة ، فيركعون ولا يسجدون .
---------------------------------------------------

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا } أى هذا البلد ، دعاء بعد أن كان عمارة ، أو هذا المكان ، وهو أرض مكة قبل أن يكون فيها ماء وعمارة ، وهذا الدعاء قبل ذلك « بَلَداً ءَامِناً » ذا أمن كلا بن ، بمعنى ذى لبن ، أو مجاز عقلى من الإسناد إلى المكان ، إذ الأمن من فيه ، أو آمنا أهله ، طلب فى المرة الأولى ، كون الوادى بلداً آمنا ، أى معموراً آمنا ، فاستجيب له فى كونه بلدا معمورا ، وتأخرت الاستجابة فى الأمن ، ثم كرر الطلب للأمن فاستجيب له ، إذ قال : رب اجعل هذا البلد آمنا ، فجعله الله بلداً آمنا ، لا ينفر صيده ، ولا يسفك فيه دم ، ولو قصاصا أو حدا ، إلا إن جنى فيه .
وعن الشافعى يقتص منه ويحد فيه ولو جنى خارجه إذا دخله ، ولا يختلى خلاه ، وتضاعف فيه السيئات ، الواحدة بمائة ، كالحسنات ، الواحدة بألف وبمائة ألف ، ولا يظلم فيه ، ولا يخسف ، ولا يمسخ فيه إلا ما قيل ، إنه مسخ رجل وامرأة زنيا فى الكعبة ، ولا يقحط ولا يخاف من عدو ، وليس طلب الأمن تكريرا لقوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ، لأن ذلك إخبار من الله ، وما هنا طلب من إبراهيم ، أخبرنا الله بما استجاب له فيه قبل ، فلا حاجة إلى أن يقال ، أراد هنا الأمن من القحط كما قال : « وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ » أى من أنواعها ، وقد استجيب له حتى إنه يجتمع فيها فى اليوم الواحد ثمرات الفصول من الطائف .

قال ابن عباس ، نقل الله بقعة من فلسطين بالشام ، وقيل من الأردن ، وجعلها فى الطائف ، وسميت بالطائف ، لأن جبريل طاف بها سبعا ، ووصفها فى ذلك الموضع ، توسعة لرزق الحرم ، إجابة لدعائه عليه السلام : « مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ » لا جيمع أهله ولو كفارا ، متابعة لقوله تعالى { لا ينال عهدى الظالمين } فأخبره الله أن الرزق يعم الظالم ، لا كالإمامة بقوله « قَالَ » قال الله عز وجل { ومن كفر } عطف من الله على قول إبراهيم ، من من ، كما فى قوله { ومن ذريتى } وكما يقول الرجل ، أكرم زيدا ، فتقول ، وابنه ، أو يقدر ، والرزق من كفر ، بفتح الهمزة وضم القاف ، وعطف على هذا المنذر بقوله { فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً } أو قل ، يا إبراهيم ، ومن كفر ، أو ارزق من آمن ومن كفر بالفتح والضم ، أو من كفر فأنا أمتعه ، أو فقد أمتعه ، فحذف أنا ، أو قد ، وإن جعلنا من موصولة مبتدأ فالفاء صلة فى خبرها بلا تقدير ، والمراد تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا ، أو كلما كثر أو طال من الدنيا فقليل قاصر « ثُمَّ أَضْطَرُّهُ » ألجئه بعد موته « إلَى عَذَابِ النَّارِ » لكفره ، فلا يجد امتناعا عنها ، وذلك بلا تحرك منه ، كقوله تعالى : يوم يدعُّونَ إِلَى نَارِ جَهنم دعا ، وقوله : يسحبون ، وقوله { يؤخذ بالنواصى والأقدام } ويتحرك كقوله عز وجل { وسيق الذين كفروا } « وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » النار أو عذابها ، أو الصيرورة ، فإنه يصار إلى المعانى كما يصار إلى الأجسام ، والمتسبب عن الفكر شيئان ، الأول تقليل التمتيع ، إذ قصر عن التمتيع الدنيوى ، ولم يوصل بالأخروى ، والثانى اضطراره إلى عذاب النار .
--------------------------------------------------

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
{ وَإِذْ يَرْفَعُ } المضارع لحكاية الحال الماضية كأن المخاطب حضر حين رفع { إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ } الأساس ، أى ينشئها ، أو الجدر؛ لأن كل جزء فيها قاعدة لما فوقه ، أو رفعها تعظيمها بالحد إليها من القعود ، وهو الثبوت { مِنَ الْبَيْتِ } وليس المراد أنها كانت قصيرة وأطالها ، أوقع الإطالة على القاعدة للجوار أو الحلول ، لأن الجدار المجاور لها ، أو الحال فيها غير مرفوع أيضا ، بل يحدث سافة ثم سافة ، ولا مانع من أن يراد برفع الن جعل آخرها عاليا بإكثار السافات.

{ وَإِسْمَعِيلُ } أخره ، لأنه غلام تابع له ، معين له بمناولة الحجر والطين ، ومع ذلك سماه رافعا ، لأن الرفع بواسطة المناولة ، وذلك من عموم المجاز ، وهو هنا مطلق ما به حصول الرفع ، أو جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو يقدر ، وإسماعيل يناوله كقوله : وزججن الحواجب والعيونا ، ويضعف أن يقال ، تارة بيتى إبراهيم ، وتارة إسماعيل ، أو بينى أحدهما موضعاً منه ، والآخر موضعاً ، ولو فى وقت واحد ، قائلين { رَبَّنَا تَقَبَّلْ } التفعل للمبالغة بمعنى أقبل قبولا عظيما ، بأن يزيد له ثوابا على القبول { مِنَّا } بناءنا وسعينا فيه { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ } لدعائنا ، أى العليم به ، واختار لفظ السمع ، لأنه فى الجملة للأصوات { الْعَلِيمُ } بنياتنا .
--------------------------------------------------

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
{ رَبَّنَا } تأكيد للأول ، أو استجب دعاءنا يا ربنا { وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ } منقادين إليك أو مخلصين لك أعمالنا { وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً } واجعل من ذريتنا أمة { مُّسْلِمَةً لَّكَ } طلب البعضَ لعلمه من قوله { وَلاَ ينالُ عهدى الظالمين } أى من ذريته من لا يكون مسلما لله ، واختار الذرية لأنها أحق بالشفقة ، وأنذر عشيرتك الأقربين ، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً . ولم يلغ غيرهم ، لأن صلاح بعض الذرية صلاح لغيرهم من الأتباع ، وقد أوقع الله ذلك ، فأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال ، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ، ومن ذلك البعض أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم المجيبة المخلصة العربية التى من نسل إبراهيم ، وأما غيرهم فتبع لهم .

{ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } علمناها ، وهى شرائع ديننا ، أو مناسك الحج ومنها الذبح ، أو بصِّنا مواضعها ، ومنها مواضع الذبح ، وأصل النسك العبادة الشاقة ، ثم خص بالحج لمشقته ، وربما خص بعده بالذبح ، وموضع الكعبة قبل الأرض بألفى عام ، زبدة بيضاء ، وبسطت الأرض من تحتها ، واستوحش آدم ، وشكا إلى الله عز وجل فأنزل عليه البيت المعمور ، ياقوتة من الجنة ، لها بابان من زمرد أخضر ، باب غربى ، وباب شرقى فى موضع الكعبة ، وقال : طف وصل عنده كعرشى ، وأنزل عليه الحجر الأسود . فحج آدم من الهند ماشيا ، معه ملك يدله ، واستقبلته الملائكة أربعين فرسخاً ، وقال له الملائكة بر حجك يا آدم ، وقالوا ، حقا لما قد تستعظم النفس من عبادتها ، لقد حججناه قبلك بألفى عامن وزاد بعد ذلك تسعا وثلاثين حجة من الهند ماشياً ، ورفع فى عهد آدم إلى السماء الرابعة ، وبنى الكعبة فى موضعه ، وقيل ، رفع فى الطوفان ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ولا يعودون إليه ، وأمر الله عز وجل جبريل عليه السلام أن يخبىء الحجر فى أبى قبيس صيانة من الغرق ، وبقى البيت خرابا إلى أن أمر الله إبراهيم ببنائه ، وبناه ورد إليه الحجر ، وقد أمره الله جل جلاله الملائكة أن يتوافى كل سماء وأرض بيتاً على مست الكعبة .

روى أن الأرض انشقت إلى منتهاها ، وقذفت الملائكة حجارة كالإبل ، أو كأسنتها ، خضراء ، وبنوا البيت عليها ، ثم بناه آدم لطول عهده من حين بنوه ، فتلك التى بنى عليه إبراهيم أظهره الله ، فذلك بناءان ، ثم شيث ، ثم إبراهيم ، ثم العمالقة ، ثم الحارث بن مضاض الجرهمى ، ثم قصىّ جد النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قريش ، لضعفه بالسيل ، وحضره صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين ، ثم عبدالله ابن الزبير ليدخل فيه الحطيم على أصله مع ضعفه بحجارة المنجنيق ، إذ حاصره الحجاج ، حفر إلى حجارة الملائكة وبنى منها ، وإذا ضرب المعول فيها تحركت كلها وسائر الأرض القريبة ، وجعل لها بابا تحت الموجود الآن ، وبابا مقابلا له من جهلة الركن اليمنى ، ملتصقين بالأرض ابتداء فى جمادى الأخيرة ، وختم فى رجب سنة خمس وستين ، وذبح مائة بدنة للفقراء ، وكساهم ، وهدمه الحجاج كله وبناه ، وأخرج الحطيم ، وقيل ، هدم الحجر القرامطة ، وأخذوا الحجر ، وقتلوا من وجدوا من المسلمين ، ثم رد بعد مدة طويلة ، وبنى ما هدموا ، وبنى فيه بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين ، وهو من حجارة خمسة أجبل ، طور سيناء ، وطور زيتاء ، ولبنان بالشام ، والجودى بالجزيرة ، وقواعده من حراء بمكة.

{ وَتُبْ عَلَيْنَا } فيما فرط منا من ترك ما هو أفضل إلى ما دونه ، وذلك ما ليس بمعصية فى حق غير الأنبياء ، كنوم أكثر الليل ، وكما يكون من طبع البشر ، كعجب ضرورى بنفيانه ، وكالانتقام الجائر ، ونحو ذلك مما ليس ذنبا فى حق الناس ، وفعلاه عمداً أو سهواً أو نسياناً أو ذلك هضم ، أو تعليم للتوبة ، أو استتابة لذنوب ذريتهما ، وأضافا لأنفسهما مبالغة ، أو يقدر ، وتب على ذريتنا ، أو إجراء للولد مجرى النفس لعلاقة البعضية ليكون أقرب للإجابة والمعنى ، أقبل توبتنا ، وتوبة العامة الندم عن المعصية وإصلاح ما فسد ، أو العزم على إصلاحه إن لم يمكن فى الحال ، وتوبة الخواص الندم عن المكروه والتقصير والكسل فى العبادة ، وتوبة خواص الخواص الترقى فى الدرجات ، وهما عليهما السلام من الثالث ، أو يخافان أن يكونا من الثانى ، ويجوز أن يقدر ، وتب على عصاتنا أو أراد المجموع ، فيرجع الكلام إلى العصاة { إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ } لمن تاب { الرَّحِيمُ } به ، كالحجة ، لقولهما ، تب علينا ، وقد مر أن توبة الله التوفيق إلى التوبة ، أو قبوله التوبة .
---------------------------------------------------

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
{ رَبَّنَا } استجب دعاءنا ، أو كرره تأكيدا وتلذذا ، وهكذا يقدر محذوف ، أو يجعل تأكيداً إذا كرر النداء { وَابْعَثْ فِيهِمْ } فى الأمة المسلمة لك من ذريتى أو فى ذريتى { رَسُولاً } عظيما ترسله بشرع جديد ، وكتاب مجيد { مِّنْهُمْ } من أنفسهم ، وقد استجاب الله دعاءهما بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنهما لم يجتمعا إلا فيه ، فإن أكثر الأنبياء من ذرية نبى الله يعقوب ، ولد نبى الله إسحق ولد إبراهيم نبى الله ، وقليلق من ولد روم بن إبراهيم وهو أيوب وذو القرنين فى قول ، قال صلى الله عليه وسلم : أنا دعوة أبى إبراهيم ، يعنى هذه الآية ، وهو أيضا دعوة إسماعيل ولم يذكره اجتزاء بالأب الأكبر ، ولتقدمه ، وبشرى عيسى بعنى قوله « ومبشراً برسول » . . . الخ ، ورؤيا أمى التى رأت حين وضعتنى أنه أضاءت بى قصور الشام ، وهو صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إسماعيل أيضا لهذه الآية ، ولم يذكره النبى صلى الله عليه وسلم لأنه تبع لأبيه إبراهيم ، ولأن أباه إبراهيم هو الأصل فى هذا الدعاء الذى فى الآية { يَتْلُواْ } يقرأ { عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ } أى القرآن ، والمراد معانية ، لكن بألفاظه ، وهو دلائل النبوة والتوحيد والشرع.

{ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ } القرآن أيضاً ، والمراد لفظه ، أو الآيات ألفاظه ، والكتاب معانيه عكس ذلك ، أى ويعلمهم معانيه { وَالْحِكْمَةَ } ما فيه من الأحكام بينهما لهم أو الحكمة العمل به ، أو وضع الأشياء فى مواضعها ، أو ما يزيل حب الدنيا ، أو الآداب أو السنة { وَيُزَكِّيهِمْ } من الشرك والمعاصى ، ومعلوم أن التخلية قبل التحلية ، ولكن أحرها هنا لشرف التحلية هذه ، ولتقدم التخلية هذه فى الذهن والقصد ، فجىء بترتيب الذهن ، ولو تقدمت التخلية فى الخارج ، ولأن المقصود التحلية والخلية وسيلة { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } الغالب لمن أراد مخالفته فالغلبة فعل أو المنتفى عنه الذل فهى صفة { الْحَكِيمُ } فى صنعه ، لا يقول عبثا ، ولا يفعله ، ولا سفها ، ولا يضع الشىء إلا فى موضعه .
----------------------------------------------------

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)
{ وَمَن يَرْغَبُ } توبيخ ونفى لأن يصح عقلا أو شرعاً ، تصويب أن يرغب راغب { عَنْ مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } وبتركها { إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } حملها على الخسة والحقارة وهو متعد ، لقوله صلى الله عليه وسلم ، الكبر أن تسقه الحق . . . إلخ بفتح الفاء ، فى رواية التخفيف ، واللازم سفه بضمها ، أو تعدى فى الآية ، لتضمن معنى جهل ، أو أهلكها ، أو أذلها بالإعراض عن النظر ، وأن أصله اللزوم ، أى جهلها لخفة عقله ، أو جهل أنها مخلوقة لله ، أو يقدر سفه فى نفسه { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُُ } اخترناه للرسالة والخلة والإمامة والحكمة { فِى الدُّنْيَا } وشهر بذلك فى الأزمنة بعده عند مسلميها وكافريها { وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ } حال من اسم إن على قول سيبويه ، بجواز الحال من المبتدأ ، أو متعلق بنسبة الكلام ، أى وأنه محكوم عليه فى الآخرة بأنه من الصالحين ، وإن علقناه بقوله { لَمِنَ الصَّلِحِينَ } أو بمتعلقه المحذوف ، أى لمعدود أو ثابت من الصالحين فى الآخرة ، ففيه خروج الللام فى إن عن المصدر ، كما هو ظاهر ، وأنه على ذلك لشهيد ، وإنه لحب الخير الشديد ، ولا يتعلق بصالحين لأنه ليس المراد ، أنه يصلح فى الآخرة ، بل المراد أن يتبين فى الآخرة ، ويشاهد أنه من جملة الصالحين والذين لهم الدرجات العلا .
-------------------------------------------------------

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)
{ وَإِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } اذكر إذ قال ، أو متعلق باصطفيناه ، والتعليل مستفاد من المقام ، فإنه إذا قيل اصطفيناه وقت قال له . . . الخ علم أن الإصطفاء لقوهل ، أسلمت . . . الخ بعد قوله الله جل وعلا أسلم ، أو حرف تعليل ، كما تكون على وعن حرفا واسما ، بل كما قال سيبويه فى إذ ما أن إذ حرف ، وفى غير الشرط اسم ، أى نال الاصطفاء بالمبادرة إلى الإذعان والإخلاص ، ومعنى أسلم أذعن وأخلص وجهك ، وجاء على المعنيين ، { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ } أو أسلم ، لفظه أمر ، ومعناه إخطار دلائل التوحيد بباله ، كالقمر والشمس والنجم ، فيكون قوله ، أسلمت مجازاً عن النظر والمعرفة على حد ، كن فيكون ، والمراد بالآية على كل حال ما بعد النبوة أو قبلها حين كبر ، فالمراد ازدياد ذلك ، أو ما فى حال الصغر ، إذ كان فى الغار ، فيكون المراد إنشاء ذلك « ولقد آتينا إبراهيم رشده من قل » وتقدم على هذا أيضاً أن كل مولود يولد على الفطرة ، قال ابن عيينة ، دعا عبدالله بن سلام ابنى أخيه سلمة ، ومهاجر إلى الإسلام ، وقال ، قد علمتهما ، أن الله قال فى التوراة ، إنى باعث من ولد إسماعيل نبيّاً اسمه أحمد ، من آمن به فقد هدى ورشد ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون ، فنزل ، ومن يرغب ، الآية . قال السيوطى : لم نجذ هذا فى شىء من كتب الحديث .
---------------------------------------------------

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)
{ وَوَصَّى بِهَآ } بالملة ، أى باتباعها لصراحة ذكرها ، وأصل الإيصاء التقدم إلى أحد بخير ، والوصل ، يقال وصاه إذا وصله ، وقصاه إذا قطعه وإظهار إبراهيم ، مع أن عطف أوصى على ما قال له ربه يقتضى الضمير ، أو بكلمة ، أسلمت لرب العالمين ، لقوله ، وجعلها كلمة باقية ، فإنه أنسب ، ولا سيما إن رجعنا الضمير إلى قوله إنا برءاء منكم ، بتأويل الكلمة ، ولقربه ، ولو كان فيه تأويل ، وفيه ، أنه لو رجع الضمير لكلمة أسلمت لقال أسلمت لرب العالمين ، وأوصى بها بنيه ويعقوب { إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ } ثمانية أو أربعة عشر ، إسماعيل ، وهو أولهم ، وأمه هاجر ، بفتح الجيم القبطية ، وإسحق ، وأمه سارة ، وأم الباقين قنطوراء بنت يقطن الكنعانية ، تزوجها بعد وفاة سارة : مدين ومدائن ، وزمران ، ولنشان ، ولبشق ، وشوخ ، زاد بعض روم .

{ وَيَعْقُوبُ } بنيه ، كما أوصيا غير بينهما ، أو خصهم للشفقة ، ولأن صلاحهم صلاح لغيرهم ، قال كل منهما لبنيه { يَبَنِىَّ } الخ ، أو قال إبراهيم ، لأنه أشد عمدة ، ولذكر بنيه ، أو يحكى بأوصى ، لأنه بمعنى قال ، أو المقدر ، ويعقوب ، قال : يا بنىَّ { إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَّكُمُ الدِّينَ } الكامل المعهود ، دين الإسلام الذى جاء به إبراهيم.

{ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } راسخون فيه ، أى دوموا عليه حتى إذا جاءكم الموت وافاكم عليه متصفين به ، وأما الموت نفسه فليس بأيديهم ، وأولاد يعقوب : روبين ، بضم الراء وكسر الباء الموحدة ، بعدها مثناة فنون ، ويروى باللام بدل النون . وشمعون بكسر الشين . وبشوخور ، ولاوى ، ويروى ليوى . ويهوذا ، وزبولون بفتح الزاى . وزوانى بفتح الزاى والنون ، ويروى تقتالى بفتح التاء واللام ، ويروى فتتلى بفتح النون والتاء وكسر الللام ، ويروى بتيون بدله . وإساخر بكسر الهمزة وشد السين وفتح الخاء ، ويروى بالياء المثناة بدل الهمزة بذلك الضبط ، وكاد ، ويروى كوذى ، ويروى بإهمال الدال . وأشر كناصر ، ويروى أوشير . وبنيامين بكسر الباء ، ويوسف ، وأكبرهم سنا وربين ، وأصغرهم سنّاً يوسف ، وأكبرهم رأياً شمعون . وقيل يهوذا ، أو النبوة فى أولاد لاوى ، والملك فى أولاد يهوذا .
----------------------------------------------
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)
{ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ } جمع شاهد كعالم وعلماء ، أو شهيد ككريم وكرماء { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } قالت اليهود ، لعنهم الله ، للنبى صلى الله عليه وسلم : ألم تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ، وما مات نبى إلا عليها ، فنزل « أم كنتم شهداء » وعنوا باليهودية ملة موسى ، وعنوا ألا تخالف فيما خالفها القرآن والإنجيل فيه ، أو عنوا اليهودية المحدثة الباطلة ، فكذبهم الله بأن يعقوب أوصاهم بدين الحق ولم تحضروا ، ولو حضرتم فى زمانه لسمعتموه فى ذلك ، وإنما اليهودية بعد موسى.

{ إِذْ } بدل من إذ { قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِىَ } من بعد موتى ، أراد بما العموم ، من يعلم ومن لا يعلم ، ويبعد أن يكون المراد ما لا يعلم فقط ، وأنه كمختبر لهم ، وكانت المعبودات فى زمانه أصناماً ونجوماً وغير ذلك مما لا يعلم ، فيقول لهم : أيها تعبدون ، فأجابوا أن لا نعبدها ، بل نعبدالله ، كما قال { قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَائِكَ } أى الله الذى هو معبودك ، ومعبود آبائك { إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ } عده أباً ليعقوب تغليباً للأكثر ، ولأنه عمه ، والعم أب ، كما فى الحديث ، وأن العم صنو الأب ، وأن العباس بقية آبائى ، وقال : ردوا علىّ ، أى ، وهو العباس حين بعثه لمكة ليدعوهم ، لئلا يقتلوه ، واحفظونى فى العباس فإنه بقية آبائى ، وقدمه على إسحاق الأب الحقيقى تغليباً ، ولكبرسنه ، إذ زاد على أخيه إسحاق بأربع عشر سنة ، ولأنه جد نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولو جعلنا إبراهيم بدلاً من إله على حذف مضاف ، أى إله إبراهيم لم نحتج لتأويل فى ذكر إسماعيل إلا أن فيه سوء أدب.

{ وَإِسْحَقَ أِلَهاً وَاحِداً } بدل من إلهك ، أو نعنى إلهاً واحداً ، تصريح بالتوحيد نفياً للتعدد المتوهم من قوله « إلهك وإله آبائك » فإن أغلبية كون العرفة المكررة عين الأولى لا تكون نصا ، ولأنها فى غير العطف ، أما فيه فكما هنا ، فقد عارضها أغلبية أخرى ، هى أن الأصل فى العطف التغاير ، وقد تستفاد الوحدة من الهاء ، فيكون قوله واحداً نقياً للتركيب والمشاركة فى الصفات { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مخلصون التوحيد ، أو منقادون لأمره ونهيه .
---------------------------------------------------

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)
{ تِلْكَ } أى هؤلاء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوهم ، وقال : تلك ، لمعنى الجماعة ، أو للخبر ، وهو قوله { أُمَّةٌ } جماعة ، سميت لأنها تؤم ، أى تقصد ، ويؤم بعضا بعضاً ، ويجمعهم أمر واحد ، دين أو زمان أو مكان ، هذا أصل الأمة ، وقد يطلق على الملة ، أو على الزمان ، أو على المنفرد بشىء فى زمانه ، وحمل بعضهم الآية عليه بمعنى ، أن كل واحد من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أمة فى زمانه ، فالإشارة إلى الأربعة على هذا ، ولا يراد عما يعمل الأربعة من خير أو شر ، إذ لا يعملون شرّاً اللهم إلا على سبيل الفرض للبرهان .

{ قَدْ خَلَتْ } مضت { لَهَا } لا لغيرها { مَا كَسَبَتْ } أجر عملها { وَلَكُمْ } لا لغيركم { مَّا كَسَبْتُمْ } ولهم أو لكم ما كسب لهم أو لكم ، وحذف ذلك مثل أن يتصدق أحد ويصلى النفل ، أو يصومه وينوى بثوابه غيره من الأحياء أو الأموات ، وأما العلم المنتفع به والصدقة الجارية فمن كسب الإنسان ، ومنفذ ذلك كوكيله وولد الرجل من كسبه ، وقيل : يختص ذلك بهذه الأمة ، والخطاب لليهود ، أو المراد الجزاء بخير أو شر كما فى قوله { وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } عن خير أو شر ولا يسألون عما كنتم تعملون ، والسؤال عبارة عن لازمه ، وهو المؤاخذة ، ولو كان حقيقا فكيف ، وهو توبيخ .

قال ابن أبى حاتم مرسلا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا معشر قريش ، إن أولى الناس بالنبى المتقون ، فكونوا بسبيل من ذلك ، فانظروا ألا يلقانى الناس ، يحملون الأعمال ، وتلقونى بالدنيا تجمعونها فأصد عنكم بوجهى » ، وفى معناه ما روى : با بنى هاشم ، لا يأتينى الناس بأعمالهم ، وتأتونى بأنسابكم ، أو لا تسألون عما يعلم هؤلاء الأنبياء قبلكم من الشرائع ، بل عما يعمل نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم .

الآيات ( 135 - 141 )
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَرَىْ تَهْتَدُواْ } أو للتفصيل ، قالت يهود المدينة ، كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وأبو يسار ابن أخطب ، وعبدالله بن صوريا الأعور ، وهم رؤساء يهود المدينة للمسلمين : كونوا هوداً تهتدوا ، لا دين إلا دين اليهود ، وأنكروا الإنجيل وعيسى والقرآن ومحمداً صلى الله عليه وسلم عليهما ، وقالت نصارى نجران لهم : كونوا نصارى تهتدوا ، وأنكروا التوراة وموسى والقرآن ومحمداً صلى الله عليه وسلم عليهما.

{ قُلْ } يا محمد لهم { بَلْ } نتبع { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } كما جاء اتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ، أو نلزمها كما كنا ، لا نفارقها ، أو اتبعوا أنتم كما اتبعناها ، وذلك مضمون الرد على قولهم : كونوا . . . الخ ، أو بل نكون ملة إبراهيم ، أى أهل ملة إبراهيم كما هو لفظ : كونوا هوداً ، أو يقدر ، بل كونوا أهل ملة إبراهيم كما كنا على ملته { حَنِيفاً } عن الأديان كلها إلا دين الإسلام.

{ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } كما كان الشرك فى يهوديتكم ونصرانيتكم ، إذ قلتم عزير بن الله ، والمسيح بن الله ، أو إله ، ونحو ذلك ، وكما أشركتكم بإنكار القرآن وبعض الرسل ، واليهود بإنكار الإنجيل ، والنصارى بإنكار التوراة ، والآية تعريض بشرك العرب المشركين ، إذ يعبدون الأصنام ، كما أنها تعريض بشرك اليهود والنصارى .
-----------------------------------------------

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
{ قُولُواْ } أيها المؤمنون ، أو النبى والمؤمنون ، وكل نبى أول من يؤمن بما أنزل عليه { ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا } أى أخبروهم بأنا على الهدى مؤمنون بما يجب الإيمان به مما أنزل علينا ، وهو القرآن ، أو هذا القول من جملة ما حكى بقل ، والخطاب لليهود والنصارى كأنه قيل : قل لهم ، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا من التوراة والإنجيل والقرآن ، فإنه نزل عليهم كغيرهم { وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } من الصحف العشر { وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ } الخ ، أنزلت على إبراهيم خاصة ، لكن خوطبوا بالعمل بها ، فهى منزلة إليهم ، فهم كمن أرسل إليهم السلطان فى شأن بواسطة كبيرهم { وَيَعْقُوبَ } اجتمع هو وعيص فى بطن أمهما ، فقال عيص : تأخر ، أنزل قبلك ، وإلا خرقت بطن أمى ، فتأخر ، فخرج عيص قبله ، فخرج عقبه يعقوب ، أو متصلا بعقبه ، فسمى يعقوب ، وهذا مما يقال { وَالأَسْبَاطِ } أولاد يعقوب ، سماهم لأنهم أولاد الولد لإسحق وإبراهيم ، والسبط ولد الولد ، أو يراد أولاد أولاد يعقوب ، والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب من بنى إسماعيل من السبوطة ، وهى الاسترسال ، أو من السبط ، وهو شجر كثير الأغصان لكثرتهم ، أو من السبط ، فقلب لكثرتهم وليسوا كلهم أنبياء ، بل بعضهم على الصحيح لصدور كبائر منهم ، والصحيح أنها لا تصدر من نبى ، ولو قبل البلوغ.

{ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى } من ربهم ، فحذف لدلالة ما بعده ، جمع التوراة والإنجيل بلفظ ما لشهرة التوراة لموسى والإنجيل لعيسى ، واتصال ذكرهما إلى وقت الخطاب ، ولأن الإنجيل مقرر للتوراة ، وما نسخ منها إلا قليلا ، وموسى وعيسى داخلان فى الأسباط ، وخصهما بالذكر لعظمهما أو لتخصيصهما بكتابيهما ، وكانت العبارة كذلك تحرزاً عما زاد اليهود والنصارى ونقضوا من الكتابين ، وكذا فى قوله { وَمَا أُوتِىَ } من الكتب والمعجزات والدلائل { النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ } واحد فحذف العطف ، أو أحد بمعنى الجمعة بعد السلب ، أى لا نفرق بينهم ، على أنه موضوع للواحد والاثنين فصاعدا بعد كل ، أو النفى كما قال الفارسى { مِّنْهُمْ } بل نؤمن بهم كلهم ، لا كاليهود والنصارى آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض ، وأما التفريق بتفضيل بعض على بعض تفضيلا لا يؤدى لنقض فجائز ، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .
---------------------------------------------------

فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)
{ فَإِنْ ءَامَنُواْ } أى اليهود والنصارى { بِمِثْلِ مَآ ءَامَنْتُمْ بِهِ فقَدِ اهْتَدَوْاْ } متعلق بقوله عز وجل . . . قولوا ءامنا ، أو بقوله سبحانه ، بل ملة إبراهيم ، أى إن حصلوا الإيمان بمثل ما حصلتم الإيمان به ، وهو الاعتقاد والنطق التعميم فى كتب الله وأنبيائه ، أو إن حصلوا دينا مثل دينكم ، وهو لا يوجد ، فيكون تعجيزا عن أن يوجد دين صحيح غير دين الإسلام ، مثل ، فأْتوا بسورة ، ولو ادعوا أن ما هم عليه الحق ، لأنهم بين عالم أن دين الإسلام هو الحق وكنتم ، وعاقل لو فكر لأدرك ذلك ، وهاء به لما أو مثل زائد ، أو الباء زائد ، وعليه فما مصدرية ، أى مثل إيمانكم بالله ، وهاء به لله .

{ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإيمان بالحق المذكور ، وعن قوله صلى الله عليه وسلم لهم « قولوا آمنا بالله . . . » الخ . . . { فإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } عظيم ، مخالفة لكم لأجل دينكم ، أو مخالفة لكم للقول ، والفعال على بابه ، فإن المسلمين أيضا مخالفون لهم ، فإنه فى معنى جازوكم على مخالفتكم لهم ، وأنتم المحقون ، وأصله الشق ، وهو الجانب ، أو المشقة ، أو من شق العصا ، إذا أظهروا العداوة { فَسَيَكْفِيكَهُمُ } مضرة شقاقهم { آللهُ } يا محمد ، بقتل قريظة ، وبنى قينقاع ، وسبيهم ، وإجلاء بنى النضير ، وضرب الجزية قبل إجلائهم ، وضرب الجزية على اليهود والنصارى { وَهُوَ السَّمِيعُ } لأقوالهم ، أى العليم بها { الْعَلِيمُ } بأحوالهم ، فيعاقبهم عليها ، وهو متعلق بشقاق ، أو السميع لأقوالكم الحقة أيها المؤمنون ، والعليم بأحوالكم الصالحة فيجازيكم عليها ، فيتعلق بالكفاية الممتن بها ، الموعود بها .
---------------------------------------------------

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)
{ صِبْغَةَ اللهِ } قيل بدل من صلة ، أو الزموا صيغة الله ، أو صبغَتا الله صبغة ، وحذف صبغنا ، أو أضيف للفظ الجلالة ، أو متعلق بقوله آمنا على حد قعدت جلوساً ، وهى فطرة الله التى فطر الناس عليها ، وهى الإسلام أو التوفيق أو الحجة؛ أو تطهير القلب من الكفر والمعصية ، شبه بالصبغة فى كونه ظاهراً ظهور الصبغة وحلية ، ومتداخلا فى أعماق المصبوغ ، لأنه راسخ ، فى كونه يمتاز به الإنسان عن سائر الحيوان ، وعن الكفار امتياز الثوب المصبوغ ، وهو استعارة تصريحية أصلية تحقيقية ، أو سمى ذلك صبغة للمشاكلة لوقوعه فى جوار محذوف ، هو صبغة النصارى أولادهم فى ماء المعودية ، لتتحقق نصرانيتهم ، وهو ماء أصفر وأصله اء غسل به عيسى عليه السلام فى اليوم الثالث من ولادته ، وكلما انتقص زادوا فيه ماء ، ويقولون ، هو تطهير ، ويقال : هو معرب معموذينا بإعجام الذال ، ومعناه الطهارة ، ماء يقدس بما يتلى من الإنجيل ، ثم تغتسل به الحاملات ، أمر الله المؤمنين أن يقولوا للنصارى ، قولوا آمنا بالله ، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغة المعودية ، والإبدال ضعيف لكثرة الفصل بالأجنبى.

{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً } لا أحسن من صبغة الله ، ولا مساوى لها ، لأنها الإسلام المنجى من خزى الدنيا والآخرة المورث لخيرهما { وَنَحْنُ لَهُ } لا لغيره كما تشركون معشر اليهود والنصارى غيره فى العبادة { عَبِدُونَ } قيل : أو داخل فيما أمر أن يقولوها أى قولوا معشر اليهود والنصارى نحن له عابدون ، قالت اليهود : نحن أهل الكتاب الأول ، وقبلتنا أقدم ، ولم تكن الأنبياء من العرب ، ولو كان محمد نبيّاً لكان منا ، فنزل قوله تعالى :

{ قُلْ } يا محمد ، أو يا من يصلح للقول { أَتُحَآجُّونَنَا } أتجادلوننا جدالاً يقطعنا ، والحج القطع ، لا قدرة لكم على ذلك ، لأنكم مبطلون { فِى اللهِ } شأنه وقضائه ، إذ قضى وقدر أن يكون نبى من العرب ، ولا سيما أنه مذكور فى التوراة والإنجيل ، متداول ذكره من أوائلكم إلى الآن ، وقد أتى قيدار ولد إسماعيل بالتابوت من الشام إلى مكة ، دوره منه إما إسحاق أو يعقوب عليهما السلام ، وقال : إن لكم نوراً واحداً آخر الأنوار { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } فله أن يختار من شاء منا أو منك { وَلَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ } فإن توهمتم أن النبوة بالعمل فلنا من الأعمال ما نستحق به النبوة ، كما تدعون أن لكم أعمالاً إلا أنها باطلة بخلاف أعمالنا فصحيحة بالإخلاص كما قال { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } الدين والعمل ، وأنتم جعلتم له شركاء ، فنحن أولى بالنبوة ، لكن النبوة لا تعطى صاحبها لعمل غيره ، ولا لعمله بل اضطرارية ، لا كسبية بالأعمال ، أو بوصول نوع من الأعمال .

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ، بعد أن سئل عن الإخلاص ، قال : سألت جبريل عنه قال : سألت ربى عنه ، فقال : سر من أسرارى أودعته قلب من أحببته من عبادى .

وقال سعيد بن جبير ، ألا تشرك فى دنيه ولا ترائى أحداً فى عمله وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما ، وقيل : استاء أعمال العبد فى الظاهر والباطن ، وقيل : كتم الحسنات كما تكتم السيئات ، وقيل : احتقارك عملك .

ومعنى كونه سرا من أسرار الله ، أنه لا طاقة لأحد عليه باختياره ، ومعنى كون الشرك رياء أنه راءى الناس أنه غير مراء ، ومعنى أن العمل لهم شرك أنه رئاء أيضا زاد باسم الشرك؛ لأنه عمل لغير الله عز وجل .
---------------------------------------------------

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)
{ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبْاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى } يا أهل الكتاب ، لم تحاجون فى إبراهيم ، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون « وأم متصلة متعلقة بقوله أتحاجوننا ، أو منقطعة للانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء ، ووجه الاتصال ذمهم بجمعهم بين المحاجة فى الله والقول بأن إبراهيم ومن معه كانوا هوداً أو نصارى ، مع كون واحد منهما كافيا فى القبح .

وأبو حيان لما رأى أن الغالب فى المتصلة " أم" استدعاء وقوع إحدى الجملتين ، والسؤال عن أحدهما ، وما هنا ليس كذلك ، اقتصر على المنقطعة ، وهكذا عادته ، يرى غير الغالب كأنه غير موجود ، فيقتصر على الغالب .

{ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ } بحال إبراهيم فى الدين { أَمِ اللهُ } عطف على أنتم ، أو أم الله أعلم ، والتفضيل استهزاء بهم ، أو أعلم بمعنى عالم ، أنتم الجهلاء والله هو العالم ، قال : ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب تبع له { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ } أخفى على الناس { شَهَدَةً عِنْدَهُ } جاءت { مِنَ اللهِ } فى التوراة والإنجيل لإبراهيم بالحنيفية ، لا باليهودية أو النصرانية ، ولمحمد بالرسالة ، والكاتمون هم اليهود والنصارى ، لا أحد أظلم منهم ، أو لا أحد أظلم منا لو كتمناها كما كتمتموها ، وقدم ثبوتها عنده على كونها من الله مع أنها متأخر فى الوجود مراعاة لطريق الترقى { وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } فهو مجازيكم على مثاقيل الذر ككتمان شهادته تعالى ، والافتراء على الأنبياء .
--------------------------------------------------

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)

{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } كرر تأكيداً فى الزجر عما رسخ فى الطباع من الافتخار بالآباء والقرابة والاتكال على أعمالهم ، وقيل : الأولى لليهود ، والثانية لنا ، لئلا نقتدى بهم فى الاتكال ، إلا أن الكلام سوق لأصل الكتاب ، أو الأمة فى الأولى الأنبياء ، وفى الثانية أسلاف اليهود والنصارى ، إلا أن أسلاف اليهود لم يجر لهم ذكر ، وما سبق ذكر الأنبياء ، وقد ياقل : إن القوم لما قالوا فى إبراهيم وبنيه أنهم كانوا هوداً صارا كأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة سلفنا من اليهود فصار سلفهم فى حكم المذكورين فجاز أن يقال : تلك أمة قد خلت ويعينهم ، وفيه تعسف ، وقد يقال ، إنه لما اختلفت الأوقات فى الأحوال والمواطن لم يكن التكرار ضعيفاً ، كأنه قيل ما هذا الأشر ، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد فى هذا الجنس ، فاتركوا الكلام فى تلك الأمة ، فلها ما كسبت ، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ، فإنه أنفع لكم ولا تسألون إلا عن عملكم .

توقيع :

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد , البقرةللشيخ , العلامة , اطفيش , تفسير , بن , يوسف , صورة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعه من السؤال والجواب ف الثقافه الاسلاميه cdabra الـنور الإسلامي العــام 0 02-24-2011 08:53 AM
تفسير سورة البقرة ص 34(القرطبي) الامير المجهول علوم القرآن الكريم 0 01-05-2011 01:20 PM
تفسير سورة الفاتحة (القرطبي) الامير المجهول علوم القرآن الكريم 0 12-31-2010 09:29 PM
تفسير سورة البقرة ص1(القرطبي) الامير المجهول علوم القرآن الكريم 0 12-31-2010 08:57 PM
الشيخ محمد بن شامس البطاشي (رحمه الله) جنون علماء وأئمة الإباضية 4 12-19-2010 07:42 AM


الساعة الآن 05:40 AM.