ملف شامل يتضمن عدد من المواضيع والمسائل المتعلقة بــ ( الصلاة ) - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات


العودة   منتديات نور الاستقامة > الــنـــور الإسلامي > المكتبة الإسلامية الشاملة

المكتبة الإسلامية الشاملة [كتب] [فلاشات] [الدفاع عن الحق] [مقالات] [منشورات]


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
افتراضي  ملف شامل يتضمن عدد من المواضيع والمسائل المتعلقة بــ ( الصلاة )
كُتبَ بتاريخ: [ 02-12-2012 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية عابر الفيافي
 
عابر الفيافي غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363
قوة التقييم : عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


ملف شامل يتضمن عدد من المواضيع والمسائل المتعلقة بــ ( الصلاة )
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
يشرفني أن أنقل لكم بعض ما جاء في كتاب المعتمد في فقه الصلاة ، مؤكدين لكم في الوقت نفسه بأهمية إقتناء الكتاب المذكور للإطلاع والإستفادة مما إحتواه من مراجع ومسآئل قيمة للغاية .
مؤلف الكتاب / المعتصمُ بنُ سعيدِ بنِ سيفٍ المعوليُّ.المؤهل الدراسي: ثانوية المعاهد الإسلامية/بكلوريوس التربية الإسلامية(جامعة السلطان قابوس).
سنة الميلاد: 1984م .البريد الإلكترونيMuatasim@squ.edu.om :الوظيفة: مرشد ديني بجامعة السلطان قابوس.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



* القِسْمُ الأوَّلُ/في الطَّهارةُ وأحكامُها:


البَابُ الأوَّلُ: في الطَّهَارةِ


تعرَّفْ -أيُّها الطالبُ الأريبُ، وهبَك اللهالطَّهارةَ الظاهرةَ والباطنةَ- أنَّ الطهارةَ مِنْ أيِّ نجاسةٍ منَ النَّجاساتِ شرطٌ منْ شروطِ صحةِ الصَّلاةِ، وتشملُ هذه الطهارةُ طهارةَ الجسْمِ والثَّوبِ والمكانِ، وللطهارةِ أنواعٌ ومطَهِّراتٌ سَيأتي ذكرُها فـَ} لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ{ بإذنِ اللهتعَالى.



فَصْلٌ في أَصْلِ الطَّهَارَةِ


الطَّهارةُ في أصلِها اللُّغويِّ تشيرُ إلى معنى النَّظَافةِ، وفي الشَّرْعِ: هيَ إِزالةُ كُلِّ عَينٍ مُسْتقذَرَةٍ أَمَرَ الشَّارِعُ بإِزالتِهَا، أوْ غُسْلُ أعضاءٍ مخصوصةٍ بصِفَةٍ مخصُوصَةٍ.
وعنْ أَصْلِها الشَّرعيِّ حَسْبُكَ قولُهُ تعَالى:

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{المائدة: ٦

فَصْلٌ في تَقْسِيمِ الطَّهَارَةِ


الطَّهارةُ تنقسمُ إلى قسْمينِ: طهارةٌ منَ النَّجَسِ (الخَبَثِ)، وطهارةٌ منَ الحَدَثِ.

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


فالنَّجَسُ أو الخبَثُ: هوَ عبارةٌ عنْ عَينِ النَّجاسةِ القائمةِ بالشَّخْصِ أوِ الثَّوبِ أوِ المكَانِ.
وأمَّا الحدَثُ فهوَ: الحالةُ النَّاقِضَةُ للطَّهارةِ شرعًا، أو قلْ: هو معنىً قائمٌ بالنَّفسِ مانعٌ منْ بعضِ العباداتِ كالصَّلاةِ والطَّوافِ[1]، وينقسمُالحدثُ إلى قسمينِ: أكبرَ وأصغرَ، فالأصغرُ: ما يُوِجبُ الوُضوءَ[2]، ومنْ أسْبابهِ: خُروجُ البَولِ والغَائطِ والرِّيحِ والمذيِ والوديِ، أو ملامسةُ نجاسةٍ من النَّجاساتِ، ويمتنعُ معَ وجودِ الحَدثِ الأصغرِ ما يلي:

أ- أداءُ الصَّلاةِ؛ لقولِه e:".. ولا صلاةَ لمَن لا وضوءَ له"[3].
ب-مسُّ المُصحَفِ وقراءَةُ القُرآنِ الكَريمِ منْهُ[4]؛ لحديثِ الرَّبيعِ أنَّهُ e قالَ في الجنُبِ والحائضِ والذينَ لم يكونوا على طهارةٍ: (( لا يقرؤونَ القرآنَ ولا يطؤونَ مُصحفًا بأيديهمْ حتى يكونوا مُتَوضِئينَ ))[5].
ج- الطَّوافُ بالبيتِ[6]؛ لما رُوِيَ:" الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلا أنَّ اللهأحلَّ فيهِ النُّطقَ، فمَن نطقَ فيهِ فلا ينطقْ إلا بخيرٍ"[7].

أمَّا الحدَثُ الأكبرُ: فهو ما يُلزِمُ الغُسلَ، ومِن أسبابِهِ: الجنابةُ (الإنزالُ أو الجماعُ)، والحيضُ والنفاسُ، ويمتنعُ معَ الحدثِ الأكبرِ ما يلي:
أ‌- أدَاءُ الصَّلاةِ: لوُجُودِ الحَدَثِ المانعِ مِنَ العبادةِ، وفي الحديثِ: " لا يَقْبَلُ اللهصَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ "[8]، والطَّوافُ بالبَيْتِ: لقَولِهِ eلِعَائشَةَ عندَمَا حَاضَتْ:"افعَلِيْ مَا يفعَلُ الحَاجُّ، غيرَ أنكِ لا تطُوفي بِالبَيتِ حتى تطهُرِيْ"[9].
ب- الصِّيامُ؛ لقولِهِ e: " مَن أصبحَ جُنبًا أصبحَ مُفطرًا"[10]، وَلما رُوي أنَّ السَّيدةَ عائشةَ قَالَتْ: " كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهe ثُمَّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلاةِ"[11]، وَإذَا امْتنَعَ الصِّيَامُ امتنعَ الاعْتِكَافُ لأنَّهُ مَشْروطٌ بالصِّيامِ.
ج- قراءةُ القُرآنِ الكَريمِ مطلقًا وكتابتُهُ، ولمسُ المُصحفِ[12]؛ لحديثِ الربيعِ السَّابقِ: قالَ في الجنبِ والحائضِ والذين لمْ يكونُوا على طهارةٍ: (( لا يقرؤونَ القرآنَ ولا يطؤونَ مُصحفًا بأيدِيهمْ حتى يكونُوا متوضِئينَ ))[13].
د‌- المباشرةُ بينَ الزوجينِ (حالَ الحيضِ نصًّا، والنِّفاسِ قياسًا)؛ قَالَ تَعَالى:}فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ{البقرة: ٢٢٢.
ذ‌- دُخُولُ المسْجِدِ: كَمَا تجِدُهُ في بَابِ "أحكَامُ المسَاجِدِ".
ويُلخِّصُ لنا هذِهِ الأحكامَ الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- فاحفظْها واشدُدْ بها يدًا، تكنْ لكَ ذِكْرى، وقديمًا قيلَ:


"مَن حَفِظَ المتُونَ حازَ الفنونَ"

الصَّوْمُ وَالصَّلاةُ والطَّوَافُ*** وَسَجْدَةُ الذِّكْرِ وَالاعْتِكَافُ
تِلاوَةُ الذِّكْرِ مُرُوْرُ المَسْجِدِ*** وَالْمَسُّ لِلْمُصْحَفِ حُرْمٌ فَابْعُدِ
لِحَائِضٍ وَنُفَسَا وَجُنُبِ*** وَالْوَطْءَ مِنْ هَاتَيْنِ فَلْتَجْتَنِبِ
وَلْيُبْدِلُوا الطَّوَافَ وَالصِّيَامَا*** وَالاعْتِكَافَ هَكَذَا تَمَامَا








فَصْلٌ في النيَّةِ للطَّهارَةِ

اِعلمْ -أيُّها المتفقهُ- أنَّ العباداتِ إجمالاً تنقسمُ إِلى قِسْمَينِ اثنينِ: الأوَّلُ/ عباداتٌ معقولَةُ المعْنى، وهيَ: التي يُدرِكُ المكَلَّفُ الحِكمَةَ مِنْ تَشريعِها، والقِسمُ الثَّاني/ عباداتٌ غيرُ معقولة المعْنى، وهيَ: التي لا يُدرِكُ المكلَّفُ الحِكْمَةَ مِن تَشريعِها.
فالنيَّةُ شرطٌ في صحةِ العباداتِ غيرِ المعقولةِ المعنى، ومنها الطهارةُ منَ الحدَثِ الأصغرِ والأكبرِ، إذ لا تُدرَكُ الحكمةُ مِن غُسلِ أعضاءٍ دونَ أُخرى
معَ أنَّ الظَّاهرَ طهارةُ الكُلِّ، قال تعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{البينة: ٥.

أمَّا التطهُّرُ منَ النَّجَسِ فإنهُّ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ المقصودَ إزالةُ عَينِ النَّجاسةِ منَ البَدنِ أوِ الثوبِ أو المكانِ، فيطهُرُ محلُّ النَّجاسةِ بغُسلهِ بلا نيةٍ على المُعْتمَد عندَ
علمائِنا -حفظَهم الله-[14]، يقولُ سماحةُ الشيخِ -يحفظُهُ اللهُ تعالى-:"..هذَا والنِّيةُ التي هيَ الَقصدُ بالقلبِ إنِّما تَجِبُ في غيرِ معقولِ المعنى منَ الأعمالِ، وذلكَ كالصَّلاةِ والوضوءِ، أمَّا مَا كانَ معقولَ المعْنى كالتطهُّرِ منَ النَّجاسةِ فلا تجبُ لهُ النيةُ، فلو َفعَلهُ الإنسانُ ساهيًا لم يكنْ عليهِ حرجٌ ولم تلزمْهُ الإعادةُ"[15].
}فَائِدَةٌ:{ينْبغِي للمُسلِمِ دائمًا أنْ يصطحبَ النيةَ في أدائِهِ لجميعِ العباداتِ معقولةً كانتْ أوْ غيرَ معقولةٍ بلْ ويُعدِّدَ النِّياتِ للعبادَةِ الواحِدَةِ حَتى يُؤجَرَ بِكلِّ نيةٍ ينْويها.


فَصْلٌ في أَقْسَامِ الميَاهِ

الماءُ: هوَ أقوى المطهِّراتِ في إزالةِ النجاساتِ على الإطلاقِ، بلْ هوَ المطهِّرُ الوحيدُ لرفعِ الأحداثِ[16]، وقد قسَّمَ الفقهاءُ الماءَ تبعًا لحكمِ كلِّ واحدٍ منهُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
القِسمُ الأوَّلُ: الماءُ المطلَقُ/ وهو الماءُ الباقي على أصْلِ خلقتِهِ، ويُلحَقُ به عندَ جمهورِ الفقهاءِ ما تغَيَّرَ بطولِ مكثِهِ[17]، أو بما هو متولِّدٌ منهُ كَالطُّحلُبِ[18]،
أو بطاهرٍ لا ينفَكُّ عنهُ كَالملحِ ووَرَقِ الأشْجَارِ والتُّرابِ[19]، ويُعرَفُ هذا النوعُ بـ"المَاءِ الطَّهُوْرِ".

وحُكْمُهُ: أنَّهُ يُزيلُ الخبثَ ويرفَعُ الحدثَ، فهو الماءُ الذي يَصلُحُ للوضوءِ وللاغتسالِ دونَ غيرِهِ مِنْ أقسَامِ المياهِ الأخْرَى[20]؛ قال تعالى:}وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم{ الأنفال: ١١،ومِنْ أشكالِهِ: ماءُ الأمطارِ والأفلاجِ والبحارِ والأوديةِ والعيون[21].

القِسْمُ الثَّاني: الماءُ الطَّاهرُ/ وهوَ ما اختلَطَ بِهِ طاهرٌ ينفَكُّ عنهُ في أصلِهِ، وحُكمُهُ: أنَّه يُزيلُ الخبثَ ولا يَرفعُ الحدَثَ، ومِنْ أشكالِهِ: الماءُ المختلِطُ بالصَّابونِ أو الزَّعفرانِ، وكذلكَ الماءُ المستخرَجُ منَ النَّباتاتِ.
القِسْمُ الثالثُ الماءُ النَّجِسُ/وهو الماءُ الذي وقعتْ فيِه نجاسةٌ فغيَّرتْ لونَه أو طعمَه أو رائحتَه، وحكمُهُ: أنَّه لا يُزيلُ الخبثَ ولا يَرفعُ الحدثَ بالاتفاقِ.
يقولُ الإمامُ السَّالِمِي -رَحمَهُ اللهُ-[22]:
الماءُ مِنهُ طاهِرٌ مطهِّرُ*** ومِنهُ طَاهِرٌ و لا يُطهِّرُ
ومنهُ رِجْسٌ صَحَّ فيهِ النَّجَسُ*** والأولُ المُطلَقُ ليسَ يَنْجُسُ

إلا إذا بِنَجَسٍ تغيَّرا*** لونًا وعَرْفًا وبطَعْمٍ غُيِّرَا






مَسْألةٌ

الماءُ إذا كانَ فوقَ القُّلتَينِ* فَلا يتنجَّسُ بوقوعِ النَّجاسَةِ فيهِ ما لمْ يتغَيَّرْ أَحَدُ أوصَافِهِ؛ لقولِهِ e: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُهُ إِلا مَا غَيَّرَ لونَهُ أوْ طعمَهُ أو رائِحَتَهُ"[23].
أمَّا إذَا كانَ الماءُ دونَ القُلَّتينِ ووَقَعَتْ فيهِ نجاسةٌ فغيرتْ أحدَ أوصافِه الثلاثةِ فإنَّهُ ينجسُ باتفاقٍ.
واختلفَ العلماءُ إذا لم يتغيرْ أحدُ أوصافِه، فقِيلَ: ينجُسُ؛ لقولِه e: " إذا كانَ الماءُ قدرَ قُلتينِ لمْ يحتمِلْ خَبَثًا"[24]، وذهبَ بعضُ المحققينَ وعلى رأسِهم شيخُنا القنوبيُّ -حفظَه الله- إلى القولِ بعدمِ نجاستهِ؛ حملاً للحديثِ على الأغلبِ المعتادِ[25].

مَسْأَلةٌ أُخْرَى

أَلحقَ بعضُ العلماءِ بالماءِ الطَّاهرِ الماءَ المستعمَلَ -وهو الماءُ المتساقِطُ مِن أعضاءِ الوضوءِ أو الغسلِ- في إزالةِ الخبثِ وعدمِ رفعِ الحدثِ، فمنعوا الوضوءَ والاغتسالَ بِه، وصحَّحَ الشيخُ القنوبيُّ -حفظَهُ الله- جوازَ استعمالِهِ لرفِع ِالأحداثِ فحكمُه: حكمُ الماءِ المطلقِ في صحةِ استعمالِه للوضوءِ والغسلِ، وإنْ كانَ الخروجُ منَ الخلافِ هوَ الأولى عندَ الإمكانِ[26].


فَصْلٌ في آدابِ قضَاءِ الحَاجَةِ

تعرَّفْ -أيُّها العبدُ الضعيفُ، رحمِني اللهُ وإياكَ- أنَّ حِكْمةَ الحكيمِ I قضتْ أنْ يجعلَ في الإنسانِ ما يُشعرُهُ بضعفهِ وقلةِ حيلتِهِ، ومِنْ ذلكَ حاجتُهُ الماسَّةُ والضروريَّةُ لقضاءِ حاجتِه الطبيعيةِ وإخراجِ تلكَ الإفرازاتِ السَّامَّةِ والمؤذيةِ، حتى إنَّ الإنسانَ لا يمكنُهُ العيشُ ولا يَقِرُّ له قرارٌ حتى تخرجَ منهُ وتنفصلَ عنْ جسدِه.
وجاءَ هذا الدِّينُ العظيمُ ليُكرِّمَ هذا المخلوقَ الضعيفَ على سائرِ الخلقِ، فوضعَ له مِنَ الآدابِ ما يحفظُ كرامتَهُ، ويحولُ دونَ أن تنحطَّ بِه هذه العادةُ اليوميةُ إلى المرتبةِ الحيوانيةِ، فكانت هذه الآدابُ منْ سُنَنِ الفِطْرةِ التي أَرشدَ إِليْهَا الشَرْعُ الحنيفُ.

وآدابُ قضاءِ الحاجةِ منها ما هو واجبٌ على الإِنْسانِ، ومنها ما هو مستحَبٌّ لا يأثمُ بتركِهِ المُكلَّفُ، ومن جملةِ آدابِ قضاءِ الحاجةِ ما يَأتي:
1- أنْ لا يصطَحِبَ معَهُ كلَّ ما لا يَليقُ حملُه عندَ قضاءِ الحاجةِ كالمُصحفِ وما كُتبَ عليه اسمُ اللهتعالى، وبهِ تُدرِكُ -أيُّها الأريبُ- أنّهُ لا ينبغي كتابةُ اسمِ المولى I أو شيءٍ مِن القرآنِ على السَّاعاتِ أوِ القلائدِ أوِ العقودِ التي يلبسُها الصِّغارُ والكبارُ، فإِنْ كانَ لابُدَّ منْها فلْيستُرْها في جيبِهِ أو تحتَ ثَوبِهِ.
2- أنْ يكُونَ مكَانُ قَضَاءِ الحَاجَةِ:
`ساترًا عنْ أعينِ الناسِ: بعيدًا عنهم، بحيثُ لا يُسمعُ له صوتٌ، ولا تُشمُ لهُ رائحَةٌ -بقدرِ الإِمكَانِ-، فقدْ كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا خرجَ لحاجتِهِ أبعدَ المذْهبَ[27].
`غيرَ مُتَّخذٍ لمصالحِ الناسِ: كموضعِ الجلوسِ أو المرورِ، قال عليه الصلاةُ والسَّلامُ: "اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ، قَالُوَا: وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ"[28].
`منخفضًا ليِّنًا: لا يؤدِّي إلى تطايرِ شيءٍ من النجسِ إلى البدنِ أو الثيابِ، ولذلك يُنهى أيضًا عن استقبالِ الريحِ لئلا يَرتدَّ إليه شيءٌ منْ شررِ البولِ.
3- أنْ لا يستقبلَ القِبلةَ ولا يستدبرَهَا في بولِه وغائِطِه[29]: لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ الله{ مرفوعًا: "لا تستقبِلُوا القبلةَ ببولٍ ولا غائطٍ"[30].
وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذهِ المسألةِ كثيرًا، والمُعْتمَدُ المشْهُورُ في المذْهَبِ هوَ رأيُ ابنِ عباسٍ { بأنَّ النهيَ محصورٌ في الفَضَاءِ، أمَّا في المَبانِي المُعَدَّةِ لذلكَ فلا حَرَجَ، فقد جاءَ في روايةِ الربيعِ أنَّ جابرًا سألَ ابنَ عباسٍ { عن هذه المسألةِ فقالَ: "ذلكَ إذا كانَ في الصحاري والقِفَارِ، أمَّا في البيوتِ فلا حَرَجَ لأنَّه قد حالَ بينَ الناسِ وبينَ القبلةِ حِيالٌ وهو الجدَارُ"[31].
4- أنْ يُقدِّمَ في الدُّخولِ لمكانِ قضَاءِ الحَاجةِ رجلَهُ اليُسرَى، ويقولُ: "اللَّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ من الخُبُثِ والخبائثِ"[32]، وإذا كانَ في الفَضَاءِ فإنَّه يقولُ هذا الدعاءَ عندَ تشْميرِه لثيابِهِ.
أمَّا عندَ الخروجِ فيقدِّمُرجلَهُ اليُمنى، ويقولُ :"غُفْرَانَكَ"[33].
5- أنْ لا يَقضِيَ حاجتَهُ قائمًا خوفًا منْ تطايرِ شيءٍ مِن النَّجَسِ إليه، ولمخالفةِ ذلكَ لهيئةِ السِّترِ والخُلُقِ الكريمِ، والثابتُ عنِ المعْصُومِ عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التسليمِ أنَّه ما كانَ يبولُ إلا جالسًا[34].
6- أنْ لا يقضيَ حاجتَهُ في جُحرٍ، فعنِ ابنِ عباسٍ { أنَّ النَّبِيَّ e " نهَى عنِ البولِ والغَائطِ في الأجحرةِ" قالَ ابنُ عباسٍ : إِنما نَهى عنْ ذلكَ عليه السَّلامُ لأنها مساكنُ إخوانِكمْ مِنَ الجِنِّ[35].
7- أنْ يكفَّ عنِ الكلامِ أثناءَ قضاءِ الحاجةِإلا لضرورةٍ، فقد ثبتَ أنَّ رجلاً سَلَّمَ على النَّبِيِّ eوهوَ جالسٌ لحاجتِه فلم يردَّ عليهِ السلامَ[36].
8- أنْ يستبرئَ ويستجمرَ ويستنجيَ:
فالاستبراءُهو إزالةُ أثرِ البولِ المتبقي بمخرجِه، وهوَ واجبٌ؛ لأنَّ الرسولَ eعلَّقَ الوعيدَ على تركِهِ، فقالَ في الرَّجُلَينِ اللَّذَيْنِ يُعذَّبانِ في قبورِهما[37]:" يُعذَّبان ومَا يُعذَّبانِ بكبيرٍ، أمَّا أحدُهما فقدْ كانَ لا يستبرئُ منَ البولِ، وأمَّا الآخرُ فكانَ يمشِي بينَ النَّاسِ بالنميمةِ"[38].
ومنْ طُرُقِ الاستبراءِ المفضَّلَةِ: أنْ يَسلِتَ المستبرئُ ذكرَهُ وذلكَ بالضغطِ عليه مُبتدئًا مِن أصلِهِ إلى مُنتهاهُ.
أمَّا الاستجمارُفهو إزالةُ آثارِ عينِ النجاسةِ المتبقيةِ بالحجارةِ -كمَا هُو الحالُ في السابقِ-، أو ما يقومُ مقامَها كالمناديلِ الورقيةِ في وقتِنا الحالي.
وقدِ اختلفَ العلماءُ في حُكمِ الاستِجْمَارِ، فذهبَ إباضيةُ المغربِ إلى وجوبِهِ، وهذا القولُ أحوطُ وأولى بالاتباعِ، وذهبَ كثيرٌ منَ العلماءِ إلى عدمِ الوجوبِ[39]، إلا أنَّه لا يَنبغِي التفريطُ فيهِ لا سِيَّما ممَّنْ كانَ مبتلىً بسلسِ البولِ أوْ لا ينقطعُ عنهُ مدَدُ البَولِ مُبَاشَرةً؛ لأنَّ استخدامَ الماءِ مباشرةً قدْ يزيدُ مِن جَرَيانِ البولِ.
}تَنْبِيهٌ{: ولْيحذرِ المتطَهِّرُ مِنَ الوسْوسَةِ والشُّكُوكِ والمبالَغةِ في الاستبراءِ والاستجمارِ والاستنجاءِ حتى يصلَ بِهِ إلى حدِّ الوَسْواسَ القَهْرِيْ؛ فإنَّهُ بابٌ ومصْيدَةٌ للشَّيطانِ[40].

فَتْوَى

السُّؤالُ/ما حُكمُ الاستجمارِ؟ وهل يكونُ من البولِ فقط أم مِنَ البولِ والغائِطِ؟
الجَوابُ/ذهبَ أصحابُنا من أهلِ المَغربِ إلى وجُوبِه للأمرِ بِه في الحديثِ، والأصلُ أن يُحملَ الأمرُ على الوجوبِ، وذهبَ غيرُهم إلى أنَّه مندوبٌ إليهِ، والقولُ الأوَّلُ أحوطُ وأولى بالاتباعِ، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ الأخبثَينِ. وَالله أعلمُ[41].
أمَّا الاستنجاءُفهو غُسْلُ السَّبيلَينِ (القُبُلِ والدُّبُرِ) بالماءِ الطَّهورِ أو الطَّاهرِ لإزالةِ ما بقيَ مِن النَّجَاسةِ[42]، والاستنجاءُ يكونُ بعدَ الاستبراءِ والاستجمارِ، والصحيحُ المُعْتمَدُ عندَنا أنَّه واجبٌ لا بُدَّ منهُ حتى يتوضأَ المُكلَّفُ لأداءِ الصلاةِ؛ لأنَّ الماءَ هو أقوى المطهراتِ على الإطلاقِ في إزالةِ عَينِ النجاسةِ مِنْ مباطِنِها إلا إذا منعَهُ مانعٌ مِن استِعمالِ الماءِ[43].

فَتْوَى

السُّؤالُ/ هَلْ يُجزي الاستجمارُ بالحِجارةِ دُونَ الماءِلأداءِ الصَّلاةِ؟
الجَوابُ/ لا تُجْزِي الحجارةُ عنِ الماءِ عندَنا بلْ لا بُدَّ مِنَ الجمعِ بينَهما وذلكَ صنيعُ أهلِ قُباءَ الذينَ أَثْنى اللهتَعَالى عليْهِم بقولِهِ: } لّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ { التوبة: ١٠، والنَّبِيُّ e قدْ أمرَ أن يُصنَعَ مثلَ ما صَنعوا، وقدْ جاءَ إليهمْ النَّبِيُّ e وسأَلهمْ بِمَ استحقُّوا هذَا الثناءَ مِنَ الله؟ فقالُوا: إنَّهم يُتْبِعونَ الحجارةَ الماءَ، وعليْهِ فإنَّ على الذي نَسِيَ استعمالَ الماءِ أن يُعيدَ صلاتَهُ لأنَّ صلاتَه غيرُ تامةٍ، واللهأعلمُ[44].

خَاتمةٌ

ويُلَخِّصُ لنا الإمامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-بعضًا مِنْ هذِهِ الآدابِ بعباراتِهِ الرَّائقةِ السَّهلةِ والمخْتَصَرةِ فيَقولُ[45]:
بَيانُ مَا يفعلُهُ العِبادُ*** عندَ قضَا الحاجةِ فالإبعادُ
أو اسْتِتَارٌ حَاجِبٌ مَصُونُ*** بِحيثُ لا تراهُمُ العُيونُ

وحيثُ لا يُسمعُ صوتُ ما حدثْ*** ولْيَجتنِبْ قِبلتَهُ عندَ الحَدثْ
واجْتنِبَنْ مَا كَانَ ذا احْتِرَامِ*** وكُلَّ مَا يَضُرُّ بالأنَامِ
كموَضعِ الجُلوسِ والأنْهَارِ*** والطُرْقِ أو مَسَاقِطِ الثِّمارِ
وهيِّئَنْ مِنْ حَجَرٍ ثَلاثا*** لتُذهِبَ اليُسْرى بِها الأخْبَاثَا
كذاكَ كُلُّ جامِدٍ مُطهِّرِ*** وما الثلاثُ حدُّهُ في الأكثرِ


lgt ahlg djqlk u]] lk hgl,hqdu ,hglshzg hgljugrm fJJ ( hgwghm ) lk hgljugrm hgl,hqdu hgwghm fJJ djqlk ahlg u]d





توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس

كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البابُ الثَّاني: في أعْيَانِ النَّجَاسَاتِ


تعلَّمْ أخي طالبَ العلمِ أنَّك إذا أردتَ القِيامَ لوضوءِ الصلاةِ ورفعَ الحدثِ الأصغرِ فلا بُدَّ أولاً أنْ تتأكَّدَ مِن عدمِ تَلبُّسِكَ بأيِّ عينٍ مِنْ أعيانِ النجاساتِ[1]، وفي حالِ وجودِ أيِّ نجاسةٍ على بدنِكَ فلا بُدَّ أوَّلاً مِنْ إزالتِها لابتداءِ الوضوءِ فالتخلِّي قبلَ التحلِّي..

...والرَّفعُ للأَنجاسِ شرطٌ للوُضُوءْ[2]




وهكَذَا تُشْتَرَطُ طَهَارةُ الثَّوْبِ والمكَانِ لابتداءِ الصَّلاةِ قال r :" لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ"[3]، ولذلكَ وجبَ عليكَ معرفةُ أعيانِ النجاساتِ، فمِن أعيانِ النجاساتِ التي يَلزَمُ التطهرُ منها:

أوَّلاً: النَّجَاسَاتُ الخارجَةُ مِنَ السَّبِيلَينِ(القُبُلِ والدُّبُرِ)

أ‌-البَوْلُ: مطلقًا سواءً كان مِن آدميٍّ أوغيرِهِ، وقدْ قيلَ: البولُ هوَ أشدُّ النجاساتِ لا سيَّما مِن الآدميِّ[4]، فلا بُدَّ مِن غُسلِهِ وعركِه.
ويُسْتثنَى مِن ذلكَ بولُ الصبيِّ الذَّكَرِ الذي لم يأكلِ الطعامَ بَعدُ، فإنَّه يُجزِي في تطهيرِهِ النَّضحُ مِن غيرِ حاجةٍ إلى عَركٍ[5]؛ والدَّليلُ على هذا الاستثناءِ ما رواهُ ابنُ عباسٍ {قالَ: "إنَّ أمَّ قيسٍ بنتَ مِحْصَنٍ أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكلِ الطعامَ إلى رسولِ اللهr ، فأجلسَهُ رسولُ اللهِ r في حِجْرِه فبالَ على ثوبِهِ، فدعا بماءٍ فنضحَهُ نضحًا ولم يَغسلْهُ"[6].
ب‌-الغَائِطُ: ما يخرجُ مِنَ الدُّبُرِ مِن فضلاتِ الإنسانِ وسمومِ الجسمِ، قال تعالى: }أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ{النساء: ٤٣.
ويُلحَقُ بالغائِطِ فضلاتُ ما لا يُؤكلُ لحمُهُ مِنَ الحيواناتِ، أمَّا ما يُؤكلُ لحمُهُ فروثُهُ وفرثُهُ طاهرٌ[7]، وبالنسبةِ لرَوثِ الطُّيورِ رخَّصَ بعضُ العلماءِ في المأكولِ منها، وبعضُهم قيَّدهُ بالمشقةِ وعدمِ إمكانِ الاحترازِ رفعًا للحَرجِ عنِ المُكَلَّفِينَ.
ت‌-دمُ الحيْضِ والاسْتحَاضَةِ والنِّفَاسِ: لقولِهِ r :" المَنْيُ والمَذْيُ والوَدْيُ ودَمُ الحَيْضَةِ ودَمُ النِّفاسِ نجَسٌ لا يُصلَّى في ثَوْبٍ وقعَ فيه شيءٌ مِن ذلكَحتى يُغسلَ و يزول أثرُه"[8].
ث‌-الْمَنِيُّ وَالْمَذِيُّ وَالْوَدِيُّ[9]: للحَديثِ السَّابِقِ.

والفرقُ بينَها أنَّ المَنيَّ: ما يَخرجُ بلذَّةٍ واندفاقٍ ثمَّ انكسارٍ للشهوةِ، وهو عندَ الرجلِ سائلٌ أبيضُ غليظٌ لهُ رائحةٌ كرائحةِ الطَّلعِ، وعندَ المرأةِ ماءٌ رقيقٌ، وهو موجبٌ للغُسْلِ على الطَّرَفَينِ.[10]
والمَذيُّ: هو ماءٌ رقيقٌ شفَّافٌ (لا لَوْنَ لَهُ) كاللُّعابِ، يَخرجُ حَالَ التشهي والمداعبةِ مِن غيرِ انكسارٍ، وهو كذلك عندَ الرَّجلِ والمرأةِ إلا أنَّه لا يُوجِبُ شيئًا إلا الوضوءَ فقط؛ لقولِهِ r:" الوضوءُ مِن المَذْي والغُسْلُ مِن المَنْي"[11].
أمَّا الوَدْيُ فهو سائلٌ رقيقٌ أبيضُ يَخرجُ بِلا شهوةٍ بَعد البولِ بسببِ علَّةٍ أو بردٍ، ولا يُوجِبُ إلا ما يُوجِبُهُ البولُ فقط.
ج‌-طُهْرُ النِّسَاءِ:ويُسمَّى (القَصَّةَ البَيْضَاءَ)، وهو سائلٌ شديدُ البياضِ يُعدُّ علامةً لطهرِ المرأةِ مِن الحيضِ والنفاسِ، وعلةُ نجاستِهِ مُرُورُه بمخرجِ النجاسةِ أثناءَ خروجِه[12].
وهكذا كلُّ ما خرَجَ من السَّبِيلينِ ولو كانَ غيرَ معتادٍ كالحصَى والدُّودِ لخروجِهِما مِن مخرجِ النجاسةِ؛ ولذلكَ فإنَّها يمكنُ أنْ تَطْهُرَ إذا غُسِلتْ، يقولُ الشيخُ المُجدِّدُ نورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-:
وَكُلُّ مَا مِنَ السَّبِيْلَيْنِ بَدَا*** وَلَوْ يَكُوْنُ حَجَرًا وَجَلْمَدا
وَنَحْوَهَا لَكِنَّهَا إِنْ طُهِّرَتْ ***وَزالتِ الأنجَاسُ عنْها طَهُرَتْ [13]



ثانيا: النَّجَاسَاتُ الخَارِجَةُ مِنْ سَائِرِ أَعْضَاءِ الجِسْمِ


أ-القَيْءُ: هو كلُّ ما خَرجَ مِن الجوفِ مِن طَعامٍ وشَرَابٍ مُجَاوِزًا الفمَ حتى يَملأَهُ، وهو ناقضٌ للوضوءِ -كمَا سَيأتي-؛ لقولِه r في حديثِ جابرِ بنِ زيدٍ -رَحمَهُ اللهُ-:" مَن قَاءَ أو قَلَسَ فليتوضأْ"[14].
ب‌-القَلَسُ[15]: هو ما يَخرجُ مِنَ الحُلْقُومِ ووَصَلَ الفَمَ وَلكِنَّهُ لمْ يُجَاوِزْهُ، ودليلُ نجاسةِ القَلَسِ ونقضِه للوضوءِ الحديثُ المتقدِّمُ، ولا فرقَ في نجاسةِ القيءِ والقلسِ بينَ كبيرٍ أو صغيرٍ، ذكرٍ أو أنثى، رضيعٍ أو غيرِ رضيعٍ، فليُنتبهْ لذلكَ لا سيَّما المرضِعَاتُ.
أمَّا مجرَّدُ وصولِ طَعْمٍ أو حموضةٍ إلى الحلقِ فهذا لا ينتقضُ بِه الوضوءُ[16].
ج- الرُّعَافُ: هوَ الدَّمُ الذيْ يَخرجُ مِنَ الأنفِ مُتصِلاً بسببِ نزيفٍ ونحوِهِ، والرُّعافُ داخلٌ في عُمومِ الدَّمِ المسْفُوحِ.

والقيءُ والقَلسُ والرُّعافُ ينقُضانِ الوضوءَ دُونَ الصلاةِ؛ قالَ النَّبِيُّ r:"القيءُ والرُّعافُ لا يَنقُضانِ الصَّلاةَ فإذا انفَلَتَ المُصلِّي بِهما توضأَ وبنَى على صلاتِه"[17].

د- الدمُ المَسْفُوحُ: هو كلُّ دمٍ جاوزَ موضِعَهُ مِنَ الجسمِ؛ لقولِه تعالى:}أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً{الأنعام: ١٤٥، وذلك يكونُ في صُوَرٍ متعددةٍ مِنْها دمُ الجروحِ، والدمُ الخارجِ مِن شقوقِ الأرجُلِ.
أمَّا مَا كَانَ مِنَ الدَّمِ في اللَّحْمِ بعْدَ السَّلخِ فليْسَ بِنَجِسٍ علَى المذْهَبِ المُعْتمَد وعلَيهِ الجُمهُورُ[18]، وَكَذَا دَمُ السَّمَكِ وحيوانِ البحرِ ليسَ بنجِسٍ علَى المُعْتمَد وعَلَيْهِ الجُمْهورُ أيضًا[19]؛ لأنَّهُ إذا حلَّتْ ميتتُهُ حَلَّ الدمُ مِنهُ مِنْ بابِ أَوْلى لأنَّهُ جزءٌ منهُ.


مَسْأَلَةٌ


اختلفَ العلماءُ في مقدارِ الدَّمِ الناقضِ للصَّلاةِ إذا وجدَهُ المُصلي بعدَ صلاتِه، فمنْهم مَنْ حدَّدَهُ بمقدارِ الظُفرِ أو الدِّرهمِ، و المُعْتمَدُ عند شيخِنا القنوبيِّ-حفظهُ اللهُ- أنَّ الدمَ مطلقًا قليلَهُ وكثيرَهُ ناقضٌ للوضوءِ إلا إِذا كانَ قليلاً جدًّا بحيثُ يُغتفَرُ ويُتسامَحُ فيه رفعًا للحرجِ ودفعًا للمشقةِ[20].
ورُخِّصَ كذلكَ في الدَّمِ المُجْتَلَبِ القليلِ كدَمِ البعوضِ والذُّبابِ وكلِّ ما يَصعُبُ الاحترازُ منْهُ.



خَاتِمَةٌ




وإليكَ مَا قالَه النُّورُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- فاحفظْها واشدُدْ بها يدًا[21]:



وَإِنْ يَكُ اللِّبَاسُ مِمَّا طَهُرَا***فَلا يَضُرُّ نَجَسٌ إِنْ لَمْ يُرَى
كَشَرَرٍ يَطِيْرُ مِنْ مُغْتَسِلِ*** أَوْ مَا أَتَى بِهِ الذُّبَابُ فَسَلِ
أَوْ مِنْ دَمٍ مُجْتَلَبٍ قَلِيْلِ***أَوْ نَجَسٍ كَانَ عَلَى عَلِيْلِ

وَكُلُّ ذَا وَنَحْوُهُ أُبِيحَا *** لِرَفْعِ مَا مِنْ ضَرَرٍ أُتِيْحَا


فَصْلٌ

في نجَاسَاتِ أُخْرَى


أ‌-الخِنزِيرُ: بجميعِ أجزائِه[22]؛ لقولِهِ تعالى في وصفِ الخنزيرِ:}فإِنَّهُ رِجْسٌ{الأنعام: ١٤٥
ب‌-الكَلبُ: لقولِه r: "إذا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكم فَلْيُهْرِقْهُ وليغسلْهُ سبعَ مراتٍ، أولاهُنَّ وأخراهُنَّ بالترابِ"[23].
ت‌-كلُّ ذي نابٍ مِن السِِّباعِ ومخلبٍ مِنَ الطَّيرِ: ودليلُ نجاسَتِها[24] قولُهr : "أكلُ كلِّ ذي نابٍ مِنَ السِِّباعِ، ومخلبٍ منَ الطَّيرِ حرامٌ"[25].
ث‌-الجَلاَّلةُ: وهوَ الحيوانُ الذِي يأكلُ النَّجاساتِ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ { قَالَ:" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ eعَنْ أَكْلِ الْجَلالَةِ وَأَلْبَانِهَا"[26]، والحُكمُ في سؤرِه وفضلاتِهِ أنَّها نجسةٌ، إلا أنْ تُحبَسَ عنِ القاذوراتِ، وأقلُّ الحبسِ يومٌ وليلةٌ للطيرِ، وسبعةُ أيامٍ للإبلِ والبقرِ.
ج‌-الميْتَةُ: وهيَ كلُّ حيوانٍ بَرِّيٍّ ذي نَفسٍ سائِلةٍ[27] خَرجَتْ روحُهُ على غيرِ سبيلِ الذَّكاةِ الشرعيَّةِ.
والدليلُ على نجاسةِ الميتةِ قولُهُ تعالى:}إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً{الأنعام: ١٤٥[28]، وكذلكَ استدلَّ بعضُهم على ذلكَ بالمفهومِ المخالِفِ مِن قولِهr عندَمَا سُئِلَ عنِ الوضوءِ بِماءِ البحرِ: "هو الطَّهُورُ ماؤُه، والحِلُّمَيتَتُهُ"[29].

ويُستثنَى منَ الميتَةِ:
1-الصُّوفُ والشَّعْرُ والوبرُ وأطرافُ الرِّيشِ، وما دُبغَ منَ الجلدِ؛ لامتنانِ اللهِ U بها على الإنسانِ في قولِهِ تعالى:}َجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ{النحل: ٨٠،ولقولِهِ r:".. إنَّما حَرُمَ أَكلُها، وأيما إهابٍ دُبِغَ فقدْ طَهُرَ"[30].
2-ميتةُ الجَرادِ والسَّمَكِ[31]؛ لحدِيْثِ " أُحِلَّ لكُمْ ميتَتَانِ ودَمَانِ، فالميتتانِ: الجَرَادُ والسَّمكُ، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطِّحاَلُ"[32]، وهكذا كلُّ ما خَرجَ مِن حيوانِ البَحْرِ فحكمُهُ الطهارةُ؛ قال تعالى:}أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ{[33]المائدة: ٩6.
3-مَيتةُ ما لا دمَ فيهِ: كالذُّبابِ والخَنافِسِِ والعقربِ؛ لقولِه صلى اللهُ عليه وسلَّمَ:"إذا وَقعَ الذُّبابِ...الحديث"[34]. وقد قِيسَ على الذُّبابِ ما شابَهَهُ مما لا دمَ فِيهِ.
4-الجنينُ المذكَّاةُ أُمُّهُ: فإنَّ ميتتَهُ طاهرةٌ ولحمَهُ حلالٌ على المُعْتمَد الراجحِ عندَ شيخِنا إمامِ السُّنَّةِ والأصُولِِ -عافاهُ اللهُ-؛[35] للحديثِ الصحيحِ:" ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ"[36].
5-مَيتةُ الصَّيدِ: بعدَ أنْ يُذكَرَ اسمُ اللهِ U عندَ إطلاقِ الحيوانِ المُعلَّمِ أو السَّهمِ نحوَ الصيدِ، هذا إنْ أدركَ الصَّيدَ ميتًا، فإن أدركَهُ حيًّا وجبَ عليه أنْ يذكيَهُ الذَّكاةَ الشَّرعيَّةَ.


خُلاصَةٌ


ويُلَخِّصُ لنا كلَّ ذلكَ الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- حينَمَا يقولُ[37]:

والرِّجْسُ فِي الْمَيْتَةِ حُكْمٌ الْتُزِمْ*** إِلا خِصَالاً قَدْ أَتَتْ فِيْمَا نُظِمْ



فَمَيْتَةُ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ تُدْرَكِ*** ذَكَاتُهُ وذُكِرَ اسْمُ الْمَلِكِ
عَلَيْهِ مَعْ إِرْسَالِ سَهْمٍ أَوْ فَهَدْ*** كَذَا ذَكَاةُ الأُمِّ تُجْزِيْ لِلْوَلَدْ
إِنْ يَكُنِ الجَنِيْنُ فِي البَطْنِ اسْتَقَرْ***وَمَيْتَةُ الذِيْ يَعِيْشُ فِي البَحَرْ
وَمَيْتَةُ الجَرَادِ بَلْ وَكُلُّ مَا*** لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ تَسِيْلُ فَاعْلَمَا

كَذَا الْوَلِيُّ إِنْ يَمُتْ وَهُوَ الأَصَحْ[38]*** وَالقَرْنُ وَالعَظْمُ إِذَاالْعَظْمُ وَضَحْ
مِنْ مَيْتَةٍ يَحِلُّ قِدْمًا أَكْلُهَا *** كَذَاكَ أَيْضًا شَعْرُهَا وَجِلْدُهَا






فَائِدَةٌ
اختلفَ الفقهاءُ في نجاسةِ الخمرِ، بعدَ اتفاقِهم على حُرمتِها، فذهبَ الجمهورُ إلى نجاستِها، ورجَّحَ الشَّيخَانِ الخَليليُّ القَنوبيُّ -يحفظُهمُ اللهُ- القولَ بطهارتِها إلا إنْ صُنِعتْ مِن مادةٍ نجسةٍ؛ إذْ ليسَ كلُّ مُحرَّمٍ نجسًا، وإنْ كانَ كلُّ نجسٍ محرَّمًا؛ وقدْ أراقَ صحابةُ رسولِ اللهِr دِنَانَ[39] الخمرِ في سِكَكِ المدينةِ عندَ نزولِ آيةِ الخمرِ[40]، وهذا دليلٌ على طهارتِها[41].



فَائِدَةٌ أُخْرَى

اعلمْ -يا رعاكَ اللهُ[42]- أنَّ أهلَ العلمِ قدِ اختلفَوا في نجاسَةِ المشْركِِالوثنيِّ المذكورةِ في قولِهِ تعَالى:}إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ { التوبة: ٢٨، فقِيلَ: إنَّ نجاستَهم حسِّيةٌ، وقِيل: إنَّها معنويةٌ، والرأيُّ الأولُ هوَ الذي يميلُ إليهِ شيخُنا الخليليُّ في بعضِ أجوبتهِ، والرأيُّ الآخرُ هوَ الذي اختارَهُ محدِّثُ العَصرِ العلامةُ القنوبيُّ -متَّعنا اللهُ بحياتهما-[43].


أمَّا المشْرِكُ الكِتابيُّ[44] -يهوديًّا أو نصرانيًّا- فالرَّاجحُ المُعْتمَدُ عندَهما طهارتُهُ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى أَحَلَّ لنَا أَكْلَ طعامِهِمْ وذبائِحِهمْ، ونكاحَ الحرَائرِ منْ نِسَائِهِمْ.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البَابُ الثَّالِثُ: في الوُضُوءِ


قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{المائدة: ٦



فَصْلٌ فِي أَصْلِ الوُضُوءِ

الوُضوءُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ منَ الوضَاءةِ أي الحُسْنِ والنَّظافةِ، يُقالُ: (وُضوءٌ) بضمِّ الواوِ للفِعْلِ، وأمَّا (وَضُوءٌ) بفتحِ الواوِ فيطلَقُ على الماءِ الذي يُتوضَّأُ بِهِ، وأمَّا في الشَّرعِفالوُضوءُ: هو استعمالُ ماءٍ طَهُورٍ في أعضاءٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ بنيةِ العبَادةِ.
وأصْلُ مشروعيتِهِ ما تلوتَهُ أعلاهُ منْ قولِه تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ...{المائدة: ٦، ومنَ السُّنَّةِ قولُهُ عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: "لا إيمانَ لمَنْ لا صلاةَ لهُ، ولا صلاةَ لمَنْ لا وُضوءَ له"[1]، وغيرُها كثيرٌ متواترٌ[2].


فَصْلٌ فِي حُكْمِ الوُضُوءِ

ويختلفُ حُكمُ الوضوءِ حسبَ أحوالِهِ وأسبابِهِ، فقد يكونُ واجبًا كالوضوءِ للصلاةِ؛ للآيةِ السابقةِ، وللطَّوافِ بالبيتِ[3]؛ لأنَّ الطَّوافَ بالبيتِ صلاةٌ إلا أنَّ الله قدْ أحلَّ فيهِ الكلامَ، وَلِمَسِّ المصحَفِ والقِراءةِ منْهُ[4]؛ لِقَولِهِ eفي الجنبِ والحائِضِ والذِيْنَ لم يكونُوا على طَهَارةٍ: "لا يقرؤونَ القرآنَ، ولا يطؤونَ مصحفًا بأيدِيهم حتَّى يكونُوا مُتوضِّئِينَ"[5].
ويُندَبُ الوضوءُ في أحوالٍ كثيرةٍ كَالوُضوءِ للنَّومِ؛ لقولهِ e: "إذاَ أتيتَ مَضْجَعَكَ فتوضَأْ وضوءَك للصَّلاةِ"[6]، وعقبَ الاستيقاظِ منَ النَّومِ؛ لقولهِ e:" فإِذَا اسْتيقَظَ وَذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عُقْدةٌ، فإِذَا توضَّأَ انحلَّتْ عُقْدَة"[7].
وكذلكَ يُندَبُ عندَ غُسلِ الجنابةِ؛ لقولِ السَّيدةِ عائشةَ <:"كانَ رسُولُ اللهe إذا أرادَ الغُسلَ من الجَنابةِ بدأَ فغَسلَ يَديْهِ ثمَّ يتوضأُ كَما يتوضأُ للصَّلاةِ.."[8]، وللجُنُبِ عندَ إرادَةِ الأكلِ والشُّربِ والنَّومِ، قالتِ السَّيدةُ عائشةُ <: "كانَ النَّبِيُّ e إذا كَانَ جنبًا، فأرادَ أنْ يأكلَ أو ينامَ توضأَ"[9].
ولقراءةِ القُرآنِ، ودراسةِ الحديثِ وروايتِهِ، ومطالعةِ كُتبِ العِلْمِ الشَّرعيِّ مِنْ تفسيرٍ وحديثٍ وعقيدةٍ وفقهٍ ونحوِها، لكنْ إذا كانَ القرآنُ أكثرَ من التفسيرِ، فيُشَدَّدُ في المسِّ لا سيَّما لصاحبِ الحدثِ الأكبرِ[10]، وكذا يُندَبُ الوضوءُ بعدَ ثورةِ الغضبِ؛ لأنَّ الوضوءَ يطفئُهُ، لما رُويَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: "فإذا غضِبَ أحدُكم فليتوضَّأْ"[11].
وللخُروجِ من خلافِ العلماءِ، كَمَن لَمسَ فرجَه بظهرِ كفِّهِ[12]، أو أَكلَ لحمَ الجزورِ[13]؛ لقولِ بعضِهم بالوضوءِ منه[14]، ولتكونَ عبادتُه صحيحةً بالاتفاقِ عليها استبراءً لدينِه، ويكونُ الوضوءُ مباحًا إذا قصدَ به مباحًا كالتنظُّفِ والتبرُّدِ.
}تَذْكِيرٌ{تقدَّمَ لدَيكَ سلفًا أنَّهُ يُشرَطُ لصِحَّةِ الوُضوءِ إزالةُ النَّجَاسَاتِ منَ البدَنِ، كما تقدَّمَ أيضًا[15] أنَّ الماءَ المطْلَقَهوَ الماءُ الذيْ يَرفُعُ الحدَثَ، فهوَ الماءُ الذيْ يَصلُحُ للوضوءِ وللاغتسَالِ دُونَ غيرِهِ مِنْ أقسَامِ المياهِ الأُخْرَى.
فَهَذِهِ هيَ شُرُوطُ الوُضُوءِ، فَشَمِّرِ الهِمَّةِ لمعْرِفَةِ الفَرَائِضِ..


فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الوُضُوءِ

نَصَّ القُرآنُ الكَريمُ على أركانٍ أو فرائضَ أربعةٍ للوضوءِ، وهيَ: غُسلُ الوجهِ، واليَديْنِ، والرِّجْلَينِ، ومسحُ الرَّأسِ، إضافةً إلى النِّيةِ المُشَار إليها، وذلكَ كلُّهُ في قولِهِ تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ{المائدة: ٦.
أولاً: النِّيةُ:
وهيَ مِنْ أركانِ الوضوءِ وفرائضِه على الصَّحِيحِ المُعْتمَد؛ لقولِه تعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{البينة: ٥، ولقولِه e :"إنما الأعمالُ بالنِّياتِ"[16]، أي صحَّةُ الأعمالِ وقَبولُها مرهونةٌ بنيَّاتها؛ وذلكَ لأنَّ الوضوءَ عبادةٌ غيرُ معقولةِ المعْنى.
وينوِي المكلَّفُ بوضوئهِ رفعَ الحدَثِ، والتطهُّرَ للعبادةِ، ولا بُدَّ أنْ تكونَ هذِهِ النيَّةُ سابقةً لجميعِ أعمالِ الوضوءِ، فإنْ قدَّمَ بعضَ أعضاءِ الوُضوءِ الواجبةِ على النِّيةِ لزِمَتهُ الإعادةُ.
والمقصودُ منَ النِّيةِ تمييزُ العِبَادةِ عنِ العادَةِ، أو تمييزُ بعضِ العبَاداتِ عن بعضِ، وتمييزُ رتبةِ هذهِ العبادةِ، أي كالصَّلاةِ تكونُ فرضًا تارةً، ونفلاً تارةً أخرَى[17].


فَائِدَةٌ جَلِيْلَةٌ

مَن توضأَ وارتفعَ حدثُهُ أجزَاهُ ذلكَ الوضوءُ لكُلِّ عبادةٍ يُشترَطُ لها الوضوءُ ولوْ لمْ يستحضِرْها في وضوئِهِ ذلكَ، كالصَّلواتِ ولو تعددتْ فرضًا ونفلاً، وكالطوافِ بالبيتِ وقراءةِ القرآنِ الكريمِ، يقولُ ابنُ النَّضرِ[18]:
وَإِنْ تَوَضَّأْتَ بِلا نِيَّةْ[19]*** أَجْزَاكَ لِلْفَرْضِ وَلِلنَّفْلِ

لأنَّ المقصودَ مِنَ الوُضوءِ رفعُ الحدَثِ، فلمَّا ارتفَعَ الحدثُ جازتْ سائرُ العباداتِ على القَولِ المُعْتمَدالصَّحيحِ[20].


فَتْوَى

السُّؤالُ/ مَا قولُكم سماحةَ الشيخِ فيمن توضأَ لصلاةِ الميتِ،فحضرتْهُ فريضةٌ من الفرائضِ، هل تصحُّ صلاتُه بذلكَ الوضوءِ؟
الجَوَابُ/ الوضوءُ يُرادُ بِه رفعُ الحدثِ، والحدثُ هو معنىً قائمٌ بالنَّفسِ مانعٌ من الصلاةِ، فإذا ارتفعَ الحدثُ جازتِ الصلاةُ، ولا داعيَ إلى تجديدِ الوضوءِ، والله أعلمُ[21].


مَسْأَلَةٌ

ويُستحَبُّ استصحابُ ذِكْرِ النِّيةِ إلى آخرِ الطَّهارةِ؛ لتكونَ أفعالُهُ كلُّها مقترنةً بالنِّيةِ، ولكنْ لا يضرُّ عُزُوبُ النيةِ، أيْ ذهابُها عنْ خاطرِهِ وذهولُهُ عنها، بعدَ أنْ أتَى بها في أولِ الوضوءِ؛ لأنَّ مَا اشتُرِطَت لهُ النِّيةُ لا يَبطلُ بعزوبِها والذُّهولِ عنها كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وذلكَ بخلافِ الرَّفضِ: أي الإبطالِ، وذلكَ بأنْ ينوِيَ إبطالَ ما فعلَهُ، كأنْ ينويَ في قَلْبِهِ: إِبْطَالَ وُضُوئِهِ جازِمًا بذلكَ، فإنَّه يبْطلُ.

ثانيًا: غُسْلُ الوَجْهِ:
لقولِه تعالى: }فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ{ أي غُسلُ ظاهر جميعِ الوجِه، بحيثُ يُسيلُ الماءَ عليه ولا يكتفي بمجردِ المسحِ[22]، والفرضُ هو الغسلُ مرةً واحِدةً، أمَّا تكرارُ الغسلِ ثلاثَ مراتٍ فهو سنةٌ وليس فرضًا.
والدليلُ على جوازِ الاجتزاءِ بالإفرادِ دونَ التثليثِ في المغسُولاتِ ما ثبتَ أنَّ النَّبِيَّ e توضأَ مرَّةً مرَّةً فقالَ: "هذا وضوءٌ لا تُقبَلُ الصَّلاةُ إلا بِهِ"، ثمَّ توضأَ اثنتين اثنتين فقالَ: "مَنْ ضاعفَ ضاعفَ الله لَه"، ثمَّ توضأَ ثلاثًا ثلاثًا فقالَ: "هذا وضوئِي ووضوءُ الأنبياءِ من قَبلِي"[23].
والوَجْهُ: ما يواجِهُ بهِ الإنسانُ غيرَهُ مِنَ النَّاسِ، وحدُّهُ طولاً: ما بينَ منابتِ شعرِ الرأسِ المعتادِ، إلى منتهى الذقنِ، وحدُّهُ عرضًا: ما بينَ شَحْمتيْ الأُذنَينِ؛ هذَا لِمَنْ لمْ يكُنْ بهِ شَعرٌ، أمَّا مَن كانَ بهِ شعرٌ فكذلكَ علَى القَولِ المشْهُورِ، وهوَ المُعْتمَدُ الصَّحِيْحُ عندَ شيخِنا القنوبيِّ -حفظهُ اللهُ-؛ ولِذَا يجبُ -على الصَّحِيْحِ عندَهُ- تخلِيْلُ اللِّحْيَةِ إذَا كَانتْ خفيفةً دونَ الكَثيفَةِ[24]، وغُسْلُ العِذَارِ[25]، وكذا البَياضُ الذِيْ بينَ شَعْرِ اللِّحيةِ والأُذُنِ[26].

ثالثا: غُسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَينِ:
لقولِهِ تعَالى: }وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ{المائدة : 6، وَللإِجماعِ.
ويجبُ عندَ جمهورِ العلماءِ -وهو المُعْتمَدُعندَ العلامةِ القَنُّوبيِّ[27]- إدخالُ المرفقَينِ[28] في غُسلِ اليدَينِ، لأنَّ حرفَ }إلى{ لانتهاءِ الغايةِ، وهيَ هنَا بمعنى "مَعَ" كمَا في قولِه تعَالى: }َيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ{هود: ٥٢، و}وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ{النساء:2، وقدْ أوضحَتِ السُّنَّةُ النبويةُ المطلوبَ وبيِّنت المجملَ، رُويَ عنْ أبي هريرةَ في صفةِ وضوءِ رسولِ اللهe:"أنَّه توضأَ فغَسلَ وجهَهَ، فأسبغَ الوضوءَ، ثم غَسلَ يدَه اليمنى حتى شرعَ في العَضُدِ، ثمَّ اليسرَى حتى شَرعَ في العَضُدِ .." [29].
ويجبُ أنْ لا يفوتَ المكلَّفَ النَّبِيْهَ تخليلُ الأصابعِ عندَ غُسلِ اليدَينِ؛ يقولُ النَّبِيُّ e: "خلِّلُوا بينَ أصابِِعكم في الوُضوءِ قبلَ أن تُخلَّلَ بمساميرَ منْ نارٍ"[30].
}تَنْبِيهٌ{: نَرَى بعضَ النَّاسِ مِنَ الرِّجَال والنِّسَاءِ -هدَانا اللهُ وإيَّاهمْ- عندَ غُسلِ اليَدَينِ لا يقومُونَ برَفْعِ كُمِّ القَميصِ السَّاترِ للسَّاعِدِ إلى أعلَى المرفقِ، وهذَا خَطَأٌ جليٌّ لما عَلِمْتَ مِنْ دُخولِ المرفَقَينِ في المغسُولِ مِنَ اليَدَينِ، وبِاللهِ التَّوفيقُ.

رابعًا: مَسْحُ الرَّأسِ:
لقولِه تَعَالى: }وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ{
والمسْحُ: هو إمرارُ اليدِ المبتلةِ على العُضوِ، والرَّأسُ: هنا هوَ منْ مَنبتُ الشَّعرِ المعتادُ منَ المقدَّمِ فوقَ الجبهةِ إلى قَفا الرَّأسِ.
واختلفَ الفقهاءُ في القَدْرِ المجْزِئِ مِن مَسحِ الرَّأسِ: فقيلَ لا بدَّ مِنْ مسحِ جميعِ الرَّأسِ حملاً للبَاءِ في قولِهِ تَعَالى:}وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ{على التَّوكيدِ، على حدِّ قولِهِ :}وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ{الحج: ٢٩،وإلى هذا الرَّأيِ ذهبَ العلامةُ الأصُوليُّ ابنُ بركةَ[31]، وقيلَ بلْ يجزي مسحُ بعضِ الرَّأسِ وأنَّ الباءَ في الآيةِ للتَّبعيضِ -أي ببعضِ رؤوسِكُمْ-، واستدلُّوا له بما ثَبَتَ عنِ ابنِ عباسٍ {أنَّ النَّبِيَّ e: "مسحَ ببعضِ رأسِهِ في الوضِوءِ"[32]، والرَّأيُ الأوَّلُ أحوطُ وفيه خروجٌ من خلافِ العلماءِ، ولكنْ مَنْ مَسَحَ بعضَ الرَّأسِ فينبغي لَهُ أنْ لا يَقتَصِرَ عَلَى نَزْرٍ يسيرٍ مِن مُقدِّمَتهِ.


مَسْأَلَةٌ

ومِنَ السُّنَّةِ مسحُ الأُذُنَين معَ الرَّأسِ؛ لقولِهِ e :"الأُذُنانِ منَ الرَّأسِ"، قال أبُو الشَّعثاءِ -راوي الحديثِ-: وبَلَغَني عنهُ عليهِ السَّلامُ أنَّه غرفَ غُرفةً واحدةً فمَسَحَ بها رأسَهُ وَأُذُنَيهِ[33].
ويكفِي في المسْحِ مرةٌ واحدةٌ شاملةٌ للظَّاهرِ والبَاطنِ، ولا يُستحبُّ تِكْرارُ المسْحِ للرَّأسِ والأذنَينِ علَى المُعْتمَدالصَّحيحِ[34]، وهوَ رأيُ جمهورِ العُلماءِ خلاَ الشَّافعيةَِ وبعضَِ أصحابِنا[35]؛ لأنَّ حديثَ الوُضوءِ ثلاثًا ثلاثًا عامٌّ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ الممسُوحَ منهُ بالمرَّةِ الواحِدَةِ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -كرَّمَ اللهوجهَهُ- في وصْفِ وضوءِ رسولِ اللهe قالَ : "ومَسَحَ برأسِهِ مرةً واحدةً"[36]؛ ولأنَّه لَو كرَّرَ المسحَ لاتَّحَدَ معَ الغُسلِ، هكَذا قيلَ، واللهأعلمُ[37].
ويُكتفَى في مسْحِ الأذنَينِ بماءِ الرَّأسِ على الصَّحِيْحِ عندَ شيخِنا إمامِ السُّنَّةِ والأصُولِ -حفظَهُ اللهُ-، وقيلَ: لابدَّ أنْ يَأخُذَ ماءً جديدًا لهما.

خامسًا: غُسْلُ الرِّجلَينِ إلى الكَعبَينِ:
لقولِهِ تَعَالى: }وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ{والكَعْبَانِ: هما العَظْمانِ النَّاتِئَانِ منَ الجانِبَينِ عندَ مِفْصَلِ القَدَمِ، فالواجبُ في الرِّجْلَينِ الغُسلُ ولا يجزِي فيهمَا المسحُ، ومَن مَسَحَ جاهلاً بالحكمِ أعادَ صلاتَه.
ويجبُ غسلُ الكعبَينِ مع الرجلَينِ كغُسلِ المرفقَينِ في اليَدَيْنِ، لدُخُولِ الغايةِ في المُغَيَّا، أيْ لدخولِ ما بعدَ }إِلَى{فيمَا قبلَها، وكذلكَ يجبُ غُسْلُ الأعقَابِ والبطُونِ منَ القدمَينِ؛ لوُرُودِ الوعيدِ الشَّديدِ على تركِ غُسْلِها، قالَ e :"وَيْلٌ للعَراقيبِ من النَّارِ ووَيْلٌ لبُطونِ الأقدامِ من النَّارِ"[38].
قالَ الرَّبيعُ: أرادَ بذلكَ النَّبِيُّe أنْ تُعْرَكَ بالماءِ ويُبَالَغَ في غُسْلِها.


خَاتمَةٌ

يقُولُ الإمامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- ملخِّصًا فرائضَ الوضوءِ وأركانَه[39]:


فرائضُ الوُضوءِ أربعٌ لها***هَذا المَقامُ كاشِفٌ مُجْمَلَهَا
الغُسلُ للوجهِ وحَدُّهُ بَدا***مِنْ مَنبَتِ الشَّعرِ الَّذِي قَدْعُوِّدا
لِلذِّقنِ طُولاً وإلى الأُذْنَينِ***فِي العَرْضِ ثُمَّ الغُسلُ لليَدَيْنِ
لِلمِرفقَينِ ثُمَّ لِلرِّجلينِ***تَعُمُّها أيضًا معَ الكَعْبَينِ
والمسْحُ للرَّأسِ تَمامُ الفَرضِ***ومَسحُهُ فِي الكُلِّ أو فِي البَعْضِ
وسُنَّ فيهِ المَسحُ للأُذْنينِ***بِمَا جَدِيدٍ مِنْ كِلا الوَجْهيْنِ
وقيلَ يُجزِي فيهِ مَاءُ الرَّأسِ***والأولُ الرَّاجِحُ فِي القِيَاسِ




فَصْلٌ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ

تعرَّفْ -أخِي طالبَ العلمِ، وفَّقكَ الله لما يحبُّ ويرضَى- أنَّ أعمالَ الوضوءِ لا تقتصرُ على فرائِضِهِ ولا تنحصرُ في أركانِهِ المذكورةِ في آيةِ المائدَةِ[40] بلْ هناكَ سُننٌ للوُضوءِ، منْها الواجبةُ، ومنها المندوبةُ والمستحبَّةُ، وإليكَ بيانًا مختصرًا لمجمَلِها:

1- السِّواكُ قبلَ الوضُوءِ: وحكمُهُ الندبُ، قال e: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواك عندَ كلِّ صَلاةٍ وكلِّ وضُوءٍ"[41].
2- التسْمِيَةُ: وهيَ قولُ المتَوضِئِ "بسم الله"[42]، وهيَ -على الصَّحيحِ المُعْتمَد عند العلاَّمَةِ القنوبيِّ عافاهُ اللهُ- واجبةٌ في حالةِ الذِّكْرِ والنِّسْيانِ[43]؛ لقولِ النَّبِيِّ e :"لا وضوءَ لِمَنْ لم يذكرِ اسمُ الله عليه"[44].

تَنْبِيْهٌ

ومنَ الجديرِ بالذِّكرِ أنَّهُ لم يَثبُتْ شَيءٌ منَ الأذكارِ والأَدْعِيَةِ أثناءَ الوضوءِ إلا التسميةُ في أوَّلِهِ، وفي آخرِه قولُ:"أشْهَدُأنْ لا إِلهَ إِلا الله، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ"[45]؛ فقد ثبتَ في فضلِها قولُ النَّبِيِّ e:" ما مِن مسلمٍ يتوضَّأُ فيُحسنُ الوضوءَ ثم يقولُ: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا "، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ إلا فُتِحَتْ له ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ، يدخلُ منْ أيِّها شَاءَ"[46].
وثبتَ أيضًا عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ t موقوفًا[47] أنَّهُ قالَ :"مَنْ توضَّأَ فقالَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحمْدِكَ أشْهدُ أنْ لا إِلهَ إلا أنْتَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ" كُتبَ في رَقٍّ ثمَّ طُبعَ بطابعٍ فلم يُكسرْ إلى يومِ القِيَامَةِ"[48]، والحديثُ وإنْ كانَ موقوفًا لفظًا إلا أنَّ لهُ حُكمَ الرفعِ؛ إذْ لا يمكنُ أنْ يُقَالَ بمجرَّدِ الرأيِ ولا مجالَ للاجتهادِ فيهِ[49].
3- غُسْلُ اليدَيْنِ إلى الرّسغَينِ: ويتأكدُ ذلكَ بعدَ النَّومِ؛ قال e: " إذا استيقظَ أحدُكمْ مِنْ نومِهِ فلا يَغْمِسْ يدَهُ في الإناءِ حتى يِغسلَها ثلاثا؛ لأنَّهُ لا يدْرِي أينَ باتتْ يدُهُ"[50].
4- المضْمَضَةُ والاسْتِنشَاقُ:والمضمضةُ: هيَ إِدْخالُ الماءِ في الفَمِ وتطهيرُ باطنِهِ بالخَضْخَضَةِ[51]. والاستنشاقُ: هوَ إدخالُ الماءِ في الأنفِ وجذبُه بنَفَسِهِ إلى داخلِ أنفهِ ثمَّ طَرْحُهُ، حتى يَطْهُرَ باطنُهُ.
وحُكْمُالمضْمضَةِ والاستنشاقِ: الوجوبُ على المُعْتمَد الصَّحيحِ[52]، ويُستحبُ المبالغةُ فيهما ما لم يكنِ الإنسانُ صائمًا؛ قالَ eلِلَقِيطِ بنِ صُبرةَ:" إذا اسْتَنْشَقْتَ فأبلِغْ إلا أنْ تكونَ صَائِمًا"[53]، والأَوْلى أن تكون المضمضةُ والاستنشاق من غَرْفَةٍ واحدةٍ[54]؛ لحديث جابرِ بنِ زيدٍ قالَ: بلغني عنْ رسولِ اللهِ e "أنه تمضْمَضَ واستنشقَ مِن غَرفةٍ واحِدَةٍ"[55].
}تَنْبِيْهٌ{:يقومُ بعْضُ المتوضِّئِينَ -هدَانا اللهُ وَإِيِّاهمْ- عندَ غُسْلِ الأنفِ بغُسْلِها مِنَ الخَارجِ فقط مِنْ غَيرِ اسْتنشَاقٍ وإدخالٍ للمَاءِ في الأنفِ (المِنْخَرَيْنِ)، وهذَا خَطَأٌ ولا يُجْزِيْ في الوُضُوءِ، فليُنتَبَهْ وليُنبَّهْ عَلَى ذلكَ.


فَائِدَةٌ

السُؤَالٌ/ما هيَ الحِكْمَةُ مِنْ تقديمِ المضْمضَةِ والاستنشاقِ على الأعضاءِ الواجبِ غُسلُها مثلِ الوجهِ واليدَينِ؟
الجَوَابُ/ الحكمةُ -في رأيِ بعضِ العُلمَاءِ- أنَّ الماءَ إِمَّا أنْ يتغيرَ طعمُهُ أو لونُهُ أو ريحُهُ، وتغيُّرُ اللَّونِ هوَ أكثرُ تأثيرًا على الماءِ منْ تغيُّرِ الطَّعْمِ أوِ الرِّيحِ؛ لأنَّ تغيرَ اللَّونِ دليلٌ على ما خالطَ الماءَ مِنْ غيرِهِ، فالإِنسانُ إذا وضعَ الماءَ في يدَيْهِ وقرَّبَهُ مِنْ عينيهِ يَشعرُ بتغيرِ لونِهِ، فإذَا وضعَهُ في فِيْهِ فإِنَّهُ يشعرُبطعمِ الماءِ، فإذا وضعهُ في أنفهِ يشعرُ بريحِه، والحديثُ عنِ الرسولِ e يُبينُ أنَّ الماءَ باقٍ على أصلِ خِلْقَتِهِ وهوَ الطهوريةُ والتَّطهيرُ ما لم يتغيرْ لونُهُ أو طعمُهُ أو ريحُهُ، فقد جاءَ في الحديثِ الذي رواهُ الإمامُ الربيعُ -رَحمَهُ اللهُ- عنْ أبي عبيدةَ عنْجابِرِ بنِ زيدٍ عنِ ابنِ عباسٍ {عنْ رسولِ اللهeأنَّه قالَ: " الماءُ طَهورٌ لا ينجِّسُهُ إلا ما غلبَ عليه فغيرَ لونَهَ أو طعمَه أو ريحَه"، هذهِ هيَ الحِكْمَةُ التي استظهرَها بعضُ العلماءِ، وقد تكونُ هنالكِ حكمةٌ قد خَفِيَتْ علينا، والوضوءُ نفسُهُ إنما هوَ أمرٌ تعبديٌّ، واللهأعلمُ[56].
5- التَّثْلِيْثُ: أيِ الوُضوءٌ ثلاثًا ثلاثًا لكلِّ عضوٍ منَ الأعضاءِ المغسولَةِ دونَ الممْسُوحةِ[57]؛ لقولِهِ e حينَ توضأَ ثلاثًا ثلاثًا :"هذا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأنبياءِ مِنْ قَبْلِي"[58].
6- التَّرْتِيْبُ: أيْ ترتيبُ أعْضَاءِ الوُضوءِ كمَا وردَتْ في الكتابِ والسُّنَّةِ، معَ البدْءِ بالميامِنِ قَبْلَ المياسِرِ، فقدْ كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام يُحِبُّ التيامُنَ في طُهورِه إذا تطهَّرَ، وفي انتعالِه إذا انتعَلَ[59]، وحكمُ الترتيبِ الوجوبُ[60] على المُعْتمَد الصَّحِيحِ عندَ شيخِنا القَنُّوبيِّ -حفظه الله-، ومالَ إليهِ شيخُنا الخليليُّ -حفظَهُ الله- في فتاواهُ[61]؛ لأنَّهُ الثابتُ من فعلِ المبلِّغ e، ولمْ يُؤثرْ عنه ولا مَرَّةً واحدةً أنهُ لم يرتبْ أعمالَ الوُضوءِ، ولا صرَّحَ بذلك قطُّ لا بقولٍ ولا بفعلٍ، والقولُ بالترتيبِ هوَ قولُ الإِمامِ الربيعِ خلافًا لشيخِهِ أبي عبيدةَ -رحمهم الله جميعا-[62].
7- الموَالاةُ: هيَ التَّتَابُعُ فيِ أعمالِ الوضوءِ عُضْواً بعدَ عضوٍ. وضَابِطُ الموالاةِ: أنْ لا يَجِفَّ العضوُ السَّابقُ قبلَ البدْءِ بالعضوِ اللاحقِ وذلكَ في الأحوالِ العاديةِ، والصَّحيحُ أنَّ حُكَمَ الموالاةِ كالترتيبِ في الوجوبِ لملازمةِ النَّبِيِّ e لها طوالَ حياتِهِ[63].
8- عدَمُ الإِسْرافِ في اسْتخْدَامِ الماءِ: فقدْ كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يتوضأُ بِقَدَرِ المُدِّ ويَغتسلُ بِقَدَرِ الصَّاعِ[64].

وَالمَاءُ مُدٌّ فِي الوُضُوءِ وَلَدَى*** ذَا الغُسْلِ صَاعٌ لا أَقَلَّ مَقْصِدا [65]






}تَنْبِيْهٌ{


دَرَجَ كثيرٌ منَ النَّاسِ على مَسْحِ الرَّقَبةِ في الوُضُوءِ بعدَ مَسْحِ الأذنَينِ معَ أنَّ العُنُقَ ليستْ مِنْ أعضاءِ الوُضوءِ على الصَّحيحِ المُعْتمَد، والحقيقةُ أنَّ ذلكَ لم يَثبتْ عنِ النَّبِيِّ e لا في حديثٍ صحيحٍ ولا حَسَنٍ[66]، وَإنما استحسنَهُ بعضُ العُلماءِ اعتمادًا منهمْ علَى روايةٍ ضعيفةِ، ولذلكَ قالَ الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-: (قلتُ: ومَسْحُ الرقبةَ استحبَّهُ بعضُ العُلماءِ ولم يكنْ موجُودًا في الأحَادِيثِ الْمَروِيَّة عنْ رسولِ اللهe)[67]، وإذا لم يكنْ مرويًّا عنْ رسولِ اللهe فالأَوْلى تركُهُ لأنَّهُ ليسَ مما آتانا بهِ الرَّسُولُ قال تعالى:}وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا{الحشر: ٧،إِذْ
لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ يَفُتْ مُحَمَّدا*** وَصَحْبَهُ...[68]


فَصْلٌ في صِفَةِ الوُضُوءِ

إذا أرادَ الإنسانُ الوضوءَ تأكَّدَ أوَّلاً مِن زوالِ كلِّ نجاسَةٍ عالِقةٍ ببدنِهِ، ثمَّ أَحْضَرَ مَاءً طَهُورًا ونَوَى الوُضوءَ مُستحضِرًا رَفْعَ الحَدَثِ واستباحةَ الصَّلاةِ -مثلاً-، فبَسْمَلَ وغَسَلَ يدَيْهِ إلى الرُّسغَينِ، ثمَّ تمضْمَضَ واستنشَقَ ثَلاثًا، ثمَّ غَسَلَ وجهَهُ ثلاثًا، ثم يَدَيهِ اليُمنى فاليُسرى إلى المرفقَينِ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ مَسَحَ رأسَهُ وأذنَيهِ ظاهرَهما وباطنَهما مرَّةً مرَّةً، ثم غَسلَ رِجلَيْهِ اليُمنى فاليُسْرى إلى الكعبينِ ثلاثًا ثلاثًا.


خَاتمةٌ

يقُولُ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-في مَدَارِجِ الكَمَالِ[69]
مَضْمَضَةٌ سِوَاكٌ استنشَاقُ*** وبَالِغَنَّ حَسْبَما يُطَاقُ

إلا إذا مَا كُنْتَ صَائِمًا فَلا*** تُبالِغَنَّ والسِّواكَ فَاهْمِلا

تَسْمِيةٌ غُسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ أنْ*** تُدخِلَ في الإناءِ مِنْ تِلكَ السُّنَنْ

ومنَها أيضًا أنْ يُرتِّبَ العَمَلْ*** ومنْها تَخليلٌ لِلِحْيَةِ الرَّجُلْ

كذَا التَّوالي وهوَ أنْ يُسْرِعَ فِي*** تَرتيبِهِ إلا لِعُذْرٍ فَاعْرِفِ
وهكذَا التَّثليثُ فِي كُلِّ عُضُوْ*** والرَّفعُ للأنْجَاسِ شَرْطٌ لِلوُضُوْ

وبعضُهُم أَثبَتَ للمَمْسُوحِ *** واحدةً وجَاءَ بِالتَّصْحيحِ

لِلفَرقِ بَينَ الغُسْلِ والمَسْحِ ولَوْ*** كرَّرَهُ لاتَّحَدا كذَّا رَأوْا

وبعضُ مَا مرَّ مِنَ الوُجوبِ *** وبعضُهُ مِنْ جُملةِ المَندُوبِ

تَمَضْمَضِ اسْتنشِقْ ووالِ رتِّبَا*** وخَلِّلِ اللِّحيةَ بعْضٌ أوْجبَا

وتاركٌ لواجِبٍ يُعيدُ مَا *** صَلاهُ أو يَأتِي بِما قَدْ لزِمَا




فَصْلٌ في مكروهاتِ الوُضُوءِ


تعرَّفْ -أيُّها المتَّبِعُ لأحْسَنِ القَولِ- أنَّ هناكَ عدةَ أمورٍ تُكرَهُ أوْ لا تُستحْسَنُ حالَ الوُضوءِ، منْها[70]:
1-الوُضُوءُ قائمًا[71].
2-التَّحَدُّثُ بغيرِ ذِكْرِ الله.
3-الإِسْرَافُ في صَبِّ الماءِ.
4-الزِّيادَةُ في المغْسُولِ على الثَّلاثِ وفي الممْسُوحِ على الواحِدَةِ.
5-التَّوَضُّؤُ في مَوضعٍ نَجِسٍ؛ لئَلا يَتنجسَ منهُ[72].
6-التَّعَرِّيْ عندَ الوُضوءِ إذا كانَ في خلْوةٍ، ويحرُمُ في مكانٍ يمكنُ أنْ يَراهُ النَّاسُ[73].
7-تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُننِ الوضوءِ المسْتحبَّةِ.
ولا يُكرَهُ على الصَّحِيحِ عندَ شيخِنا الخليليِّ -رعاهُ اللهُ-[74] تنشِيفُ الأعضاءِ بعدَ الوضوءِ بمنديلٍ أو ما شابههُ، لا سيَّما عندَ الحاجةِ كوجودِ بردٍ مثلاً؛ لما ثبتَ عندَ الرَّبيعِ وغيرِهِ أنَّ النَّبِيَّ eكانَ مُتخِذًا منديلاً يمسحُ بهِ بعدَ الوُضوءِ[75].
وكذلكَ لمْ يثبتِ النَّهيُ عنِ الوضوءِ بالماءِ المشَمَّسِ والحارِّ لكنْ ينبغِي تركُهُ إذا ثبتَ ضَررُ سُخونَتِهِ[76].


فَصْلٌ في نَواقِضِ الوُضُوءِ


واعلمْ -أخي العابدَ- أنَّ الإِنسانَ مأمورٌ أنْ لا يُبطِلَ عملَهُ بعدَ تمامِهِ} وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{مُحَمَّد: ٣٣، وَهَا أنَا أذكرُ بعضًا مِنْ مُبطلاتِ الوضوءِ:
vالرِّدَّةُ: وهيَ الخُروجُ منَ الإِسلامِ كلِّيًا، أو ارتكابُ ما يوجِبُ ذلكَ كإنكارِ ما هوَ معلومٌ منَ الدِّينَ بالضرورةِ مِنْ غير شُبهةٍ أو تأويلٍ.
vلمَسُ المتوضئِ لعَوْرتِهِ(المُغلَّظَةِ) أو عورةِ غيرِهِ[77]: ولا فَرْقَ على المُعْتمَد الصحيحِ -عندَ العلامةِ القنوبيِّ- أنْ يكونَ ذلكَ اللَّمسُ ببَاطنِ3 الكَفِّ أو بظاهرِهِ[78]؛ فعنِ ابنِ عباسٍ { مرفوعًا :"إذا مَسَّ أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فليَتوضَأْ"[79]، وعنْ جابرِ بنِ زيدٍ مرفوعًا أيضًا:" إذا مسَّتِ المرأةُ فرجَها فلْتَتَوَضَّأْ"[80].
vلمَسُ مَا كانَ نجِسًا: إِذَا كَانَ اللاَّمِسُ أوِ الملمُوسُ أو كِلاهما رطبًا، وقدْ تقدَّمَ ذكرُ النَّجاساتِ وأنواعِها سلفًا، والحمدُ للهِ حقَّ حمدِهِ.
vالغِيْبَةُ: لقَولِهِ e:"الغيبةُ تُفطِّرُ الصَّائمَ وتنقضُ الوُضوءَ"[81]، وقدْ قاسَ عليها كثيرٌ مِنَ العلماءِ سائرَ الكبائرِ منَ المعاصِي، فقالوا: إنَّ جميعَ كبائرِ الذُّنوبِ ناقضةٌ لِلْوضوءِ كَالنَّظَرِ المُحرَّمِ مُباشرةً أو بواسطةٍ، ومثلُهُ الاسْتِمَاعُ المُحرَّمُ كالاستماعِ إلى الغيبةِ والنَّمِيمَةِ ومزاميرِ الشَّيطانِ[82]، ولمَسُ المتوضِئِلِلمرْأَةِ الأجْنَبِيَّةِ أوْ مصافحتُها[83].
vكُلُّ مَا خَرَجَ منَ السَّبيلَينِ[84](القُبُلِ والدُّبُرِ): معتادًا كالبولِ والغائطِ والريحِ[85]، أو غيرَ مُعتادٍ كدُودٍ أو حَجَرٍ.
vخُرُوجُ الدَّمِ:وذلكَ إذا جاوزَ محلَّهُ، وهوَ الدَّمُ المسفوحُ؛ لقولِهِ تعَالى: }أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً{ الأنعام: ١٤٥.
vخُرُوجُ القَيءِ والقَلسِ:لقَولِهِ r:" مَنْ قَاءَ أو قَلَسَ فليتوضأ"[86].
vزَوَالُ العَقْلِ أو التَّمْييزِ: وذلكَ بالنَّومِ أوِ السُّكْر أوِ الإغماءِ أوِ الجُنونِ ونحوِها؛ لأنَّ الإِنْسانَ في تلكَ الحالةِ لا يشعرُ بما يخرُجُ منه قال عليه الصَّلاة والسَّلام:" العَيْنَانِ وِكَاءُ الدُّبُرِ"[87].


فَائِدَةٌ

رجَّحَ الشَّيخُ سعيدُ بنُ مبروكٍ القنوبيُّ -حفظَهُ اللهُ- أنَّ الضَحِكَ لا ينقضُ الوضوءَ سواءً كانَ هذا الضحكُ أثناءَ الصلاةِ أو خارجَها[88]. والله أعلم.



لَطِيفَةٌ

في إِحْدى اللَّيالي -بينَ صلاتيْ المغْربِ والعِشَاءِ بالمسجدِ الجامعِ- جَمَعَنا مجلسُ العِلْمِ ببقيَّةِ السَّلفِ شيخِنا العلامةِ سيفِ بنِ راشدٍ المعوليِّ -رَحمَهُ اللهُ-، فذُكِرَتْ عندَهُ مسألةُ قصِّ الأظافرِ والشَّعْرِ وأثرِها علَى صِحَّةِ الوضوءِ!
فأردفَ الشيخُ -رَحمَهُ اللهُ- مِنْ دُرَرِهِ الثمينةِ قصَّةً وقعتْ بينَ الإمامِ السَّالميِّ وشيخِهِ العلامةِ راشدِ بنِ سيفٍ اللَّمكيِّ -رحمهمُ اللهُ تعالى جميعًا- قالَ الشيخُ: وقعَ في هذه المسألةِ اختلافٌ بينَ التِّلميذِ السَّالميِّ والشَّيخِ اللمكيِّ، فقالَ الشيخُ بنقضِ الوضوءِ، وقالَ التلميذُ بعدمِ النقضِ، فأرسلوا كتابًا إلى جَنَابِ قُطبِ الأئِمَّةِ -رَحمَهُ اللهُ-[89]بالمغربِ العربيِّ يَسألونَهُ عنِ الراجحِ في هذِهِ المسْألةِ، فجاءَ الجوابُ المغربيُّ موافِقًا لرأيِ التِّلميذِ النِّجيبِ[90].
حينَها قالَ الشَّيخُ سيفٌ المعوليُّ -رَحمَهُ اللهُ-- في ثناءِ الإمامِ السالميِّ ومدحِ حافظتِهِ القويَّةِ منذُ صغرِهِ- كلمةً لا زِلْتُ أحفظُها وتتردَّدُ في ذهنِي إلى الآنِ، قالَ: "ذاكَ وْعَاهْ مَا مِنْخرُقْ"[91].


مَسْأَلَةٌ

للنَّومِ عدةُ حالاتٍوهيئَاتٍ، فمِنْهُ ما يكونُ طويلاً ثقيلاً في حالةِ الاضِطِجَاعِ فهذَا نَاقِضٌ للوُضوءِ ولا إِشْكالَ[92]، وقدِ اختلفَ العلماءُ في غيرِ هذِهِ الهيْئةِ منَ النَّومِ النَّاقضِِ للوضوءِ على أقوالٍ كثيرةٍ، فقيل بنقضِ النَّومِ مطلقًا على أي هيئةٍ وعلى أي صفةٍ كان، وقيل بالنَّقْضِ للمُتكئِ والمضطَجِعِ، أمَّا الجالسُ فلا نَقْضَ عَلَيهِ.
والرَّاجحُ عندَ شيخِنا القَنُّوبيِّ -حفظهُ الله- أنَّ النومَ الناقضَ هو النَّومُ الذِي لا يَشعرُ صاحبُهُ بخروجِ شَيءٍ حتى ولوْ كانَ جالسًا[93]، وإلى هذَا الرأيِ ذهبَ غيرُ واحدٍ مِن علمائِنا -رحمهمُ اللهُ-[94]؛ وذلكَ لأنَّ النَّومَ ليسَ حدثًا ناقضًا بنفسِهِ وإنما بما يُؤدِّي إليهِ، ولأنَّ الإنسانَ قد ينامُ نومًا عميقًا في جلوسِهِ فلا يُحسُّ لما يَعرضُ لهُ؛ قال e: "العَيْنَانِ وِكَاءُ الدُّبُرِ"[95].


لَطِيفَةٌ أُخْرَى

وفي هذَا السَّياقِ حدَّثَنا بعضُ أفاضلِ عَصرِنَا أنَّ بعضَ العلماءِ -مِمَّنْ كانَ يقولُ بعدمِ نقضِ الوضوءِ لمَنْ نامَ جالسًا- جلسَ يومَ الجمعةِ بجوارِ رَجُلٍ، فأخذتِ الرجلَ غَفْوةٌ فناَمَ على جلستِهِ تلكَ حتى أحدثَ، فقالَ لهُ العالمُ: اذهبْ وتوضأْ فقدْ خرجتْ مِنكَ ريحٌ، فأنكرَ الرجلُ ذلكَ، وكرَّرَ عليهِ العالمُ الطلبَ، فقالَ الرجلُ: بلْ خرجَتْ منكَ أنتَ.!! والله المستعانُ.


خُلاصَةٌ

يَقُولُ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- في مدَارِجِ الكَمَالِ[96]
وَنَقْضُهُ بِخَارِجٍ مَعْلُومِ*** مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَوِ الحُلْقُومِ

كَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ وَدَمٍّ وَاغْتُفِرْ*** مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ رِيْحٌ تَنتَشِرْ

وَبِالرُّعَافِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ*** يَخرُجُ مِنْ جَسَدِهِ المَجْرُوحِ

كَذاكَ إِنْ بَاشَرَ مَا كَانَ نَجِسْ *** أَوْ لِفُرُوجِ بَالِغٍ كَانَ لَمَسْ

بِبَاطِنِ الكَفِّ عَلَى الثُّقْبَيْنِ*** بِلا حِجَابٍ أوْ عَلى الرُّفْغَيْنِ

إِنْ كَانَ فَرْجُهُ الَّذِيْ قَدْ لَمَسَا*** أَوْ مَسَّ أَجْنَبيَّةً مِنَ النِّسَاء

كَذَاكَ أَيْضًا أَنْ تَرَى عَوْرَةَ مَنْ*** لَيْسَ يَحِلُّ أنْ تَرَاهُ فَاعْلَمَنْ

وَذِي النِّسَاءُ عَوْرَةٌ كَبِيْرَةْ *** إِلا الَّذِي أُخْرِجَ لِلضَّرُورَةْ

وَجْهٌ وَكَفَّانِ وَسَائِرُ القَدَمْ ***إِلا لِمَنْ يَكُونُ مِنْهَا ذَا حُرُمْ
وَزَوْجَةُ المَرْءِ كَمِثْلِ نَفْسِهِ*** لا يَنقضُ الوُضُوءَ غَيْرُ مَسِّهِ

وَالشِّرْكُ نَاقِضٌ لَهُ إِذَا طَرَا*** وَالخُلْفُ فِي المَعَاصِي عَنْهُمْ صَدَرَا

فَيَشْمَلُ الغِيْبَةَ وَالنَّمِيْمَةْ *** وَالكِذْبَ وَالصَّغِيرَةَ الذَّمِيمَةْ

وَيَنْقُضُ الإِغْمَاءُ وَالجُنُونُ *** وَالنَّوْمُ إِذْ مُضْطَجِعًا تَكُونُ


فَصْلٌ في المسْحِ علَى الجَبِيرَةِ

الجبائرُ هيَ ما يوضعُ مِنَ اللَّفائِفِ أو الضَّمَائِدِ علَى مَواضِعِ الجروحِ حتى تصحَّ وتشفَى، وقدْ رخَّصَ الشَّرعُ الشَّريفُ في المسْحِ علَيها بدلاً مِنْ غُسلِها رفعًا للحَرَجِ ودفعًا للمشقَّةِ، قال تعالى: }وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج{الحج: ٧٨.
والأصلُ الشَّرعيُّ للمَسحِ علَى الجبائرِ ما ثبتَ عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -كرَّمَ اللهُ وجهَهُ-:" أنهُ انكسَرَ إِحدَى زندَيْهِ فسَأَلَ النَّبِيَّ r أنْ يمسَحَ على الجبائرِ، قالَ لهُ: (( نَعَمْ ))"[97].


مَسْأَلَةٌ

غُسْلُ الرِّجلَينِ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ وركنٌ مِنْ أركَانِهِ لنَصِّ آيةِ الوُضُوءِ علَى ذلكَقال تعالى: }وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ{المائدة: ٦، وعليهِ فلا يُجزِي مسحُهُما أو المسحُ على الخُفين بعد أنْ نزلتَ آيةُ المائدةِ التي هيَ آخرُ القرآنِ نُزولاً، سواءً كان ذلكَ في سفرٍ أو في حضرٍ، وما رُويَ في المسحِ على الخُفينِ فهوَ محمولٌ على ما قبلَ المائدةِ، فحُكمُهُ النَّسْخُ؛ ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ{:" ما رأيتُ رسولَ اللهِ e مَسَحَ على خُفِّهِ قطُّ"[98].
على أنَّ ما رُويَ في المسْحِ علَى تقديرِ ثبوتِهِ فهوَ آحادٌ لا يُعارِضُ القطعيَّ المتواترَ مِنَ القرآنِ الكريمِ[99]، وإلى هذَا الرأيِّ ذهبَ طائفةٌ كبيرةٌ منْ صحابةِ رسولِ الله e؛ ولذلكَ شدَّدتِ السَّيدةُ عائشةُ<فقالتْ:"لأنْ أحملَ السِّكينَ على قدَمِي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أمْسَحَ على الخُفَّينِ"[100].

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البَابُ الرَّابِعُ: في الغُسْلِ


قَال تَعَالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ{النساء: ٤٣



فَصْلُ في أَصْلِ الغُسْلِ

الغُسْلُ لُغَةً: بضمِّ الغَينِ اسمٌ لفِعلِ الاغتسالِ، والغَسلُ -بالفتحِ- اسمٌ للماءِ المُغتَسَلِ بهِ -كما تقدَّم في الوُضوءِ والوَضوء-، وأمَّا في الشَّرعِ: فهوَ إفاضةُ الماءِ على الجسدِ كلِّهِ بنيَّةِ التَّطهُّرِ رفعًا للحدثِ الأكبرِ كالغُسْلِ من الجَنابةِ أوِ الحيضِ، أو عَمَلاً بالسُّنَّة كالغُسلِ للجمعةِ والإحْرامِ.
وعنْ أصلِهِ الشَّرعيِّ حسبُكَ قولُهُتعالى: }وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ{النساء: ٤٣، ومَا رواهُ ابنُ عباسٍ { عنِ النَّبِيِّ e قالَ: "الوُضوءُ مِنَ المَذْي والغُسْل
مٍن المَنْي "[1].. إلى غيرِ ذلكَ منَ النُّصوصِ الكَثيرةِ.


فصلٌ في الغُسْلِ الواجبِ

يَختلفُ حُكْمُ الغُسْلِ حسبَ أحوالِهِ وأسبابِهِ، فقدْ يكونُ الغسلُ واجبًا للأسبابِ التَّاليةِ:
أوَّلاً: الجَنَابَةُلقولِهِتعالى: }وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ{المائدة: ٦، والجنابةُ حَدَثٌ أكْبرُ يَتَّصِفُ بِهِ الرَّجلُ والمرأةُ بسببِ الإنزالِ أو الجِمَاعِ.
ويكونُ الإِنزالُ في اليقظةِ كما يكونُ في النَّومِ وهو المعروفُ بالاحتلامِ، ويكونُ الاحتلامُ منَ المرأةِ كما يكونُ منَ الرجلِ؛ ولذلكَ يجبُ الغُسلُ عليهِما جميعًا[2]، فعنِ ابنِ
عباسٍ { قالَ: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ e فقالتْ: بَرِحَ الخفاءُ يا رسولَ اللهِ، المرأةُ تَرى في النومِ مَا يَرى الرجلُ، فقالَ رسولُ الله e: ((عليها الغُسلُ إذَا أنزلت))[3].
أمَّا الجماعُ فيَجبُ به الغُسلُ أنزَلَ الرجلُ أو لم يُنزلْ فعنْ جابرِ بنِ زيدٍ قال: سألتُ عائشةَ هلْ كانَ يَغتسلُ رسولُ الله e من جِماعٍ ولم يُنزِلْ؟ قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ e يصنَعُ بنا ذلكَ ويَغتسِلُ ويأمرُنا بالغُسْلِ ويقولُ: (( الغُسْلُ واجِبٌ إذا التقَى الخِتانان))[4]، ويقولُ: (( إذا التَقَى الخِتانانِ فالغُسْلُ واجبٌ أنْزلَ الرَّجلُ أو لم يُنْزِلْ))[5].
ثانيا: طُهْرُ المَرْأَةِمنَ الحيضِ لقولِهِ تعالى:}فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ{البقرة: ٢٢٢، أي اغْتَسَلْنَ. وكذلكَ طهرُها منَ النِّفاس، قياسًا على الحيضِ؛ لأنَّ النفاسَ -كما يقولُ الفقهاءُ- حيضٌ طالتْ أيامُهُ.
ثالثا: المَوْتُوهو واجبٌ على الكِفَاية، قالت أمُّ عطيةَ الأنصاريةِ : دخلَ علينا رسولُ الله eحين تُوفِيَت ابنتُهُ فقال : " اغسلنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثرَ من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماءٍ وسدرٍ ، واجعلْنَ في الآخرةِ شيئاً من كافورٍ"[6].
رابعًا: دُخولُ المُشْرِكِ فِي الإِسْلامِلأمرِه eثمامةَ الحنفيَّ بالاغتسالِ حِينَ أسلَمَ[7].
خامسًا: النَّجَاسَةُ المجهُولَةُ الموْضِعِ في الجَسَدِ:يجبُ علَى صَاحِبِها غُسْلُ جسَدِهِ كلِّهِ؛ لأنَّهُ تيقَّنَ النَّجاسَةَ وجَهِلَ موضِعَها، فلا يَطهُرُ إلا بيقينٍ وذلكَ مَا لا يحصُلُ إِلا بِغُسْلِ جميعِ الجَسَدِ[8].


فَصْلٌ في الغُسْلِ المنْدُوبِ

أولا: لصَلاةِ الجُمُعةِ[9]:قال e:" الغُسلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ "[10]، ومرادُهُ بالوُجوبِ التأكيدُ عليهِ.
ثانيا: للإحرامِ بالحجِ أو العمرةِ ولدخولِ مكةَ وللوقوفِ بعرفةَ: لمَا رُويَ:" أنَّ النَّبِيّ e تَجَرَّدَ لإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ"[11]، حتى الحائضُ والنفساءُ يُشرعُ في حقِّهما الاغتسالُ للإحرامِ؛ لأمرِهِ e أسماءَ بنتَ عُميسٍ بالاغتسالِ بعدَ ولادتِها بمُحَمَّدِ بنِ أبي بكرٍ[12]، ولما رُوي أنَّ النَّبِيَّ e كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ يغتسلُ[13]، ولوقوفِ عَرَفَةَ[14].
ثالثا: الغُسْلُ للعِيدَينِ:يقولُ الشيخُ القنوبيُّ -حفظهُ اللهُ- :" الاغتسالُ يومَ العيدِ وردَتْ فيهِ بعضُ الأحاديثِ التي تُرْفَعُ إلى النَّبِيِّ e ولا يَصِحُّ شيءٌ مِن ذلكَ، وإنَّما جاءَتْ رواياتٌ مُتَعَدِّدَةٌ عنْ صحابةِ رسولِ الله e منها الصحيحُ ومنها السَّقِيمُ، فالظَّاهرُ أنَّ هذا الاغتسالَ ثابتٌ، و-أيضًا- قَاسَهُ بعضُ العلماءِ على الاغِتسالِ ليومِ الجُمُعةِ وهو قِيَاسٌ لا بأسَ بهِ، ولكنّ الأقوى هو ما جاءَ عنِ الصَّحابةِ -رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى عليهمْ-، فالظَّاهرُ أنَّهُمْ قدْ أخذُوا ذلكَ عنِ النَّبِيِّ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ"[15].
وهناكَ اغتسَالاتٌ غيرُ مَسْنُونَةٍ؛ لكونِها لم تَثبُتْ في سُنةِ النَّبِيِّ eكالغُسلِ مِنَ الاستحاضَةِ والحِجَامةِ والغُسلِ لِمَن غَسَّلَ مَيتًا[16]، بل هناك ما هو بِدعةٌ مُخَالِفَةَ لهديِ النَّبِيِّ eلا ينبغي فعلُهُ أبدًا كالغُسلِ بعد انتهاءِ عِدةُ المرأةِ المُتَوفَّى عنها زوجُها[17]، واللهُ المستعانُ.


}فَائِدَةٌ جلِيْلَةٌ{

اختلفَ العلماءُ في حُكْمِ غُسْلِ الجُمُعَةِ، فذهبَ أكثرُهمْ إلى أنَّهُ سنَّةٌ وليسَ واجبًا شرعيًّا يأثمُ تاركُهُ[18]، وإنَّما عبَّر e بالوجوبِ ومرادُهُ الحضُّ والتأكيدُ عليهِ، وهكذا كثيرٌ مِن المصطلحاتِ الأصوليةِ الطارئةِ لا يمكنُ أنْ تُحْمَلَ وتُنزلَ على النُّصُوصِ الشرعيةِ مِن كتابِ اللهِ تعالى أو سُنةِ نبيهِ e.
ونذكرُ مِثالاً على ذلك، مصطلحُ "القَضَاءِ" يرادُ بِه عندَ الأصوليينَ الإتيانُ بالعِبَادةِ بعدَ خُروجِ وقتِها المحدَّدِ لها شرعًا، ولكنَّ هذا المعنى الحادِثُ لا يمكنُ أنْ تُحملَ وتُفسَّرَ عليهِ النُّصوصُ الشرعيةُ كقولِهتعالى:}فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ{البقرة: ٢٠٠، وقولِهِ تعالى: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ{الجمعة: ١٠، وقولِهِ e:" فما أدْرَكْتُم فصَلُّوا ومَا فَاتَكُمْ فاقْضُوا"[19]، فالمرادُ بالقضاءِ هنا هو أداءُ العبادةِ في وقتِها، واللهُ أعلم.
وقد نَبَّهَ على هذِهِ الفائدةِ الجلِيْلةِ أكثرَ مِن مرةٍ شيخُنا إمامُ السُّنَّةِ والأصولِ -حفظهُ اللهُ-، وكذا شيخنا الخليلي -حفظهُ اللهُ-[20]، وقبلهُما الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- في شرحِهِ على الجَامعِ الصَّحِيحِ حيث قال في موضع: "فَالوَاجِبُ التنبُّهُ لهذِهِ النُّكْتَةِ فإِنها مَزَلَّةُ الأقْدَامِ وقَدِ انجرَّ بِنَا الكَلامُ بِالاسْتِطْرادِ في ذِكْرِها لِعِظَمِ خَطَرِهَا"[21].


فَصْلٌ في فَرَائِضِ الغُسْلِ

أوَّلاً: النِّيةُ:[22]لأنَّها عبادةٌ غيرُ مَعقُولَةِ المعنى، قالَ e :" إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ"[23]، ويجْزِي -على الصَّحيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخينِ- غُسلٌ واحدٌ لأكثرَ مِن سَببٍ كالجنابةِ معَ الحيضِ، أو الجَنابةِ مع الجُمُعةِ[24].
ثانيا: تَعْمِيْمُ البَدَنِ بالماءِ:قالَ e: " تحتَ كُلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فَبُلُّوا الشَّعرَ وأنقُوا البَشَرَ"[25]، وقالَ: "أمرني حَبيبي جِبريلُ u أنْ أغسِلَ فنيكَتي وعَنْفَقَتي وعَنْقَفَتي عندَ الجَنابةِ"[26].
ثالثا: المُوالاةُ والدَّلْكُ:الموالاةُ هيَ المتابعةُ بينَ المغسُولاتِ بحيثُ يُشْرَعُ في اللاَّحِقِ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ المغسُولُ السَّابقُ، ولا بُدَّ مِنْها لأنَّ الغُسلَ عبادةٌ واحدةٌ لا تتجزَّأُ.
والدَّلكُ هوَ إِمرارُ اليدِ عندَ صبِّ الماءِ حتى يصلَ الماءُ إلى جميعِ مواضِعِ الجسَدِ؛ لقولِهِ e: " فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وأنقُوا البَشَرَ"[27]، ويجزي عنهُ كلُّ ما يقومُ مَقامَ الدَّلكِ كرشَّاشِ الماءِ وموجِ البَحْرِ، وقيلَ: إنَّ الدَّلكَ غيرُ واجِبٍ إذا تعهَّدَ المغتسِلُ مباطنَ جسْمِهِ وعمَّمَّ الماءَ، وهوَ المُعْتمَدُعندَ شَيخِنا الخليليِّ -حفِظهُ اللهُ-[28].
وكذلكَ مما يجِبُ في الغُسْلِ الواجبِ المضمضةُ والاستنشاقُ على المُعْتمَد عندَ الشَّيخينِ -يحفظُهُما اللهُ-[29]؛ قَالَ e:" فبُلُّوا الشَّعْرَ، وأنقُوا البَشَرَ" فالفمُ بِهِ بَشَرٌ، والأنفُ بِهِ شَعْرٌ.


فَتْوَى

السُّؤَالُ/ شَخْصٌ اغتسَلَ بغيرِ نيَّةِ الاغتِسَالِ، هلْ يجبُ عليهِ الغُسلُ مرةً أخْرى إنْ كانَ قدْ لزمَهُ الغُسْلُ؟
الجَوابُ/ اختلفَ العُلماءُ في حُكمِ النِّيةِ لغُسلِ الجنَابةِ، والصَّحيحُ أنها واجبةٌ؛ لأنَّهُ -أعَني غُسلَ الجنابةِ- غيرُ معقولِ المعْنى، وكلُّ عبادةٍ غيرِ معقولةِ المعْنى لا بُدَّ لها مِن نيةٍ[30].


فَتْوَى أُخْرَى

السُّؤالُ/ هلْ يُجزيْ تعميمُ الجسدِ بالماءِ عندَ الغُسلِ مِنَ الجنابةِ دونَ إِمْرارِ اليدِ عليهِ؟
الجَوَابُ/ اختُلفَ في ذلكَ والراجِحُ الإجزاءُ إِنْ تتبعَ مغابنَ جسَدِهِ. واللهُ أعلمُ[31].



فَصْلٌ في سُنَنِ الغُسْلِ ومُسْتَحَبَّاتِهِ

أوَّلاً: إِرَاقةُ البَوْلِ[32].
ثانيًا: الاستنجاء[33].
ثالثًا: التَسْمِيَةُ[34].
رابعًا: الوُضُوءُ قَبْلَهُ[35]؛ لفعلِ النَّبِيِّ e، إلا أنَّه يُؤخِّرُ غُسلَ القدمَينِ ليجعلَه آخرَ الاغتسَالِ، وهذا الوُضُوءُ يمكنُ أنْ يُصلِّيَ بِهِ المكلَّفُ ما دامَ أنَّهُ لم ينتقضْ بلَمْسِ الفَرْجِ أو بغيرِهِ منْ نَواقِضِ الوُضُوءِ.
خامسًا: الأعَالي قَبْلَ الأسافلِ، والميامنُ قبلَ المياسِرِ؛ لفعلِ النَّبِيِّ eذلكَ، ولأنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ وَفِي تَرَجُّلِه[36].


فَصْلٌ في صِفَةِ الغُسْلِ

خيرُ الهدْي هدْيُ مُحَمَّدٍ e، وها هيَ أمُّ المؤمنينَ السيدةُ عائشةُ <تنقلُ لكَ صِفةَ اغتسالِ رسولِ اللهِ e فتقولُ:" كانَ رسولُ اللهِ e إذا أرادَ الغُسْلَ مِنَ الجَنابةِ بَدأَ فغَسَلَ يديهِ، ثمَّ يتوضَّأُ كَمَا يتوضَّأُ للصَّلاةِ، ثم يُدخِلُ أصابِعَهُ في الماءِ ويُخلِّلُ بِها أصولَ شَعْرِ رأسِهِ، ثم يَصبُّ على رأسِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، بيدِهِ ثم يُفيْضُ الماءَ علَى جَسَدِهِ كلِّهِ، وهذَا بعدَ الاسْتنجاءِ"[37].
فيظهرُ لنَا أنَّ صِفَةَ الغُسْلِ مرتَّبَةٌ على النَّحْوِ التَّالي:
1-النيَّةُ.
2-الاستنجاءُ.
3-غسلُ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبتَينِ، وكلِّ موضعٍ وقعتْ فيه نجاسةٌ.
4-وُضُوءُ الصَّلاةِ بِما فيهِ المبالَغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ، وتأخيرُ القدَمَينِ.
5-تعميمُ الجسَدِ بالماءِ، مبتدِءًا بالأعلى قبلَ الأسفلِ، وبالأيمنِ قبلَ الأيسرِ.
6-غُسْلُ القدمَينِ اليُمْنى ثمَّ اليُسْرَى.


فَتْوَى

السُّؤال / أنَا شابٌ أبلغُ مِنَ العُمرِ 19 سنةً وقدْ قرُبَ موعدُ زواجِي وعندَما سألتُ أحدَ أصدقائي المتزوجينَ عنِ الطَّهارةِ بعدَ مُجامَعَة ِالزَّوجةِ أجابني بصورةٍ غيرِ واضحةٍ، أرجو الإفادةَ عنِ الطَّهارةِ بعدَ الجِماعِ؟
الجَوابُ/ الطَّهارةُ بعدَ الجِماعِ هيَ نفسُ الغُسْلُ مِنَ الجَنابةِ الذِي يجبُ بالاحتلامِ ونحوِهِ، وهيَ الاستنجاءُ أوَّلاً ثُمَّ الوضوءُ أوِ الاقتصارُ على المضْمضةِ والاستنشَاقِ، ثم غُسْلُ الرَّأسِ وتعميمُ الجسدِ بالماءِ معَ إيصالِ الماءِ باليَدِ إلى مغابِنِ الجسَدِ كالسُّرَّةِ والرُّفغَينِ[38]والإِبِطَينِ، واللهُ أعلمُ[39].


خَاتمةٌ

وإليكَ ما قالَهُ الشَّيخُ الفقيهُ الأديبُ نورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- في مدارجِهِ[40]

وَلا يَتِمُّ الغُسْلُ دُونَ أَرْبَعِ*** تَمَضْمَضِ اسْتَنْشِقْ وَعَمِّمْ تَتْبَعِ
وُمرَّ عِنْدَ الغُسْلِ بِالكَفِّ عَلَى *** مَا تَسْتَطِيْعُ لازِمًا وَقِيَلَ لا
سُنَّ لَهُ السِّوَاكُ فَاغْسِلِ اليَدا*** قَبْلَ دُخُولِهَا الإِنَاءَ وَاقْصِدا
وَاحْثُ عَلَى الرَّأْسِ ثَلاثًا بَعْدَمَا*** تَذْكُرُ اِسْمَ مَنْ عَلَيْكَ أَنْعَمَا


وَالمَاءُ مُدٌّ فِي الوُضُوءِ وَلَدَى***
ذَا الغُسْلِ صَاعٌ لا أَقَلَّ مَقْصِدا


توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البَابُ الخَامِسُ: في التَّيَمُّمِ



تعلمْ -أخي طالبَ العلمِ، وفَّقكَ اللهُ لكلِّ خيرٍ وأبدلكَ بكلِّ عُسرٍ يُسرًا- أنَّ التيممَ مِن جملةِ خصائصِ هذِهِ الأُمةِ[1]التي فضَّلَها اللهُ على سائرِ الأمَمِ وجعلَها خيرَ أمَّةٍ أُخرجَتْ للنَّاسِ، وقد شُرِعَ التيممُ تيسيرًا للعبادِ ورَفعًا للحَرجِ عنهمْ، شُرِعَ التيمَّمُ ليكونَ عبادةً بديلةً عنِ الوضوءِ والغُسلِ عندَ عدمِ الماءِ أو عدمِ القدرةِ على استعمالِهِ، ولمشروعيةِ التيمُّمِ مناسبةٌ لطيفةٌ أدَعُ السيدةَ عائشةَ <تحكِيهَا لكَ، فاطلبْهَا بنفسِكَ...[2]




فَصْلٌ في أَصْلِ التَّيَمُّمِ

التَّيَمُّمُ لغةً: القَصْدُ، ويَمَّمْتُهُ: قصدْتُهُ، قَالَ تعالى: }وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ{البقرة: ٢٦٧،ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: عِبَارَةً عَنِ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، بنيةِ التَّطهرِ مِنَ الحدثِ الأصْغَرِ أوِ الأكبرِ[3].
وأصْلُ مشْروعيَّةِ التيمُّمِ -باعتبارِهِ طَهَارةً بديلةً- ثابتٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ، فمِنَ الكتابِ قولُهُ تعالى: }وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ{المائدة: ٦، ومنالسُّنَّةِالصَّحيحةِ:قولُ النَّبِيِّ e لأبي ذرٍ t: " التيمَّمُ
يكفيكَ إنْ لمْ تجدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ"[4]، وأجمعتِ الأمةُ الإسلاميةُ على مشروعيةِ التيمُّمِ[5]، والحمدُ للهِ حَقَّ حمدِهِ.


فصلٌ في أسبابِ التيمُّمِ

التيممُ طهارةٌ بديلةٌ عنِ الوضوءِ والغُسلِ في حالِ الضرورةِ، وذلكَ لهُ أسبابٌ ودواعٍ، فمِنْ أسبابِ التيمُّمِ ما يلَي:
1-فُقْدَانُ الماءِلقولِهِ تعالى: }فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً{المائدة: ٦، وفُقْدانُ الماءِ حقيقةً بانعدامِهِ أصْلاً، أو فقدانُ الماءِ حُكمًا معَ وجودِهِ حقيقةً، وذلكَ إذا لمْ يمكنِ الوُصُولُ إليهِ لسَبَبٍ مِنَ الأسبابِ: كخَوفٍ على نفسٍ أو مالٍ، أو نسيانٍ للماءِ، أو عدمِ وجودِ وسائلِ استخراجِهِ[6].
2-عَدَمُ القُدْرةِ علَى استعمالِهِبسببِ:
أ‌-البردِ الشَّديدِ: فقدْ أقرَّ eعمرَو بنَ العاصِ حينَ تيمَّمَ منْ جَنابةٍ في غزوةِ ذاتِ السَّلاسِلِ[7].
ب‌-الخوفُ مِنْ: حُدوثِ مرضٍ أو ازديادِهِ أو تأخُّرِ شفاءٍ؛ لقولِه e:"قتَلُوه قَتَلَهُم اللهُ، ماذَا عليهمْ لو أمرُوهُ بالتيمُّمِ"[8].
ت‌-الحاجةِ إلى الماءِ للشربِ؛ للقاعدةِ "الضَّررُ يُزالُ"، و"الضَّرُوراتُ تُبِيحُ المحظوراتِ"، وكذلكَ إذا وَجَدَ الماءَ يُباعُ لكنَّه بثمنٍ عالٍ فلا يجبُ عليهِ شراؤُهُ ويعدِلُ إلى التيممِ.
ث‌-الخوفِ مِنْ فواتِ وقْتِ الصَّلاةِ؛ لقصَّةِ السَّيدةِ عائشةَ حينَ نزلتْ آيةُ التيمُّمِ بعدَ أنْ خافُوا فواتَ الوقتِ[9].


فَصْلٌ في أركانِ التَّيمُّمِ

تعلَّمْ -أيُّها الطالبُ الذكيُ الأريبُ- أنَّ للتيمم أركانًا لا يتُمُ إلا بِها، فمِنْ أركانِهِ:
1-النيةُ لرفعِ الحدثِ:الأصغرِ أو الأكبرِ[10]؛ لأنَّها عبادةٌ غيرُ معقولَةِ المعْنى، وقد صحَّحَ المُحَدِّثُ القنوبيُّ -حفظهُ اللهُ- إمكانَ الاكتفاءِ بتيمُّمٍ واحدٍ لرفعِ الحدثينِ الأصغرِ والأكبرِ إذَا نوى بتيممِهِ ذلكَ[11].
2-وَضْعُ الكَفَّينِ علَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ: }فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً{ المائدة:٦، والمُرادُ بالصَّعِيدِ الطيبِ: الترابُ ذو الغُبار، وقِيل: الصَّعيدُ الطيبُ هو الترابُ المُخرِجُ للنبَاتِ استئناسًا بقَولِهِ U:}وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ{ الأعراف: ٥٨.[12]
3-مَسْحُ الوَجْهِ:كلِّه مرةً واحدةً من غيرِ تثليثٍ ولا تخليلٍ.
4-مَسْحُ اليدَينِ إلى الرُّسغَينِ:بوضْعِ اليُسْرى علَى اليُمْنى ثمَّ العَكسِ.


مَسْأَلَةٌ

اختلفتِ الرِّواياتُ في عَدَدِ ضَرَباتِ التَّيمُّمِ، فقدْ جاءَ في أكثرِ الرواياتِ النَّصُّ على الضَربةِ الواحدةِ، وجاءَ في روايةِ الربيعِ التصريحُ بالضَّربتَينِ الاثنتينِ، فعنْ عمارِ بنِ ياسرٍ {قالَ:" تيمَّمَّنا معَ رسولِ اللهِ e فضَربنا ضربةً للوجهِ وضربةً لليدَينِ"[13].
وبناءً على كلِّ ذلكَ فمَنْ عَمِلَ بالضربةِ أو بالضربتينِ فلا حرجَ عليه -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-[14].


فَصْلٌ في سُننِ التَّيمُّمِ

للتيمُّمِ سُننٌ متعددةٌ، منهَا:
1-التسميةُ قياسًا على الوضوءِ[15].
2-النَّفخُ على الكفينِ أو نفضُهما نفضًا خفيفًا قبلَ المسحِ.
3-الترتيبُ: الوجهُ فاليدُ، والموالاةُ؛ لأنَّه عبادةٌ واحدةٌ مترابطةٌ.


فَصْلٌ في كَيفِيَّةِ التَّيمُّمِ

بعدَ أنِ اطلعتَ علَى أركانِ التَّيممِ وسننِهِ فلا تَخفى عليكَ كيفيتُه، وهيَ كالتَّالي: النيةُ لرفعِ الحَدثِ، التسْمِيَةُ، وضعُ الكَفَّينِ علَى الصَّعيدِ الطَّيِّبِ، نفضُهما نفضًا خفيفًا ، مسحُ الوجهِ كامِلِهِ، وضعُ الكَفَّينِ على الصَّعيدِ مرَّةً أُخرى، نفضُهما نفضًا خفيفًا، مَسْحُ اليدين إلى الرُّسغين اليُمنى ثم اليُسرى، وهكَذا تكونُ قدْ تيمَّمْتَ، تقبَّلَ اللهُ طاعتَكَ وأجزَلَ مثوبتُكَ، واللهُ أعلمُ وأحكمُ.


فَصْلٌ في نواقضِ التَّيمُّمِ

1.كلُّ ما يَنقضُ الوضوءَ؛ لأنَّه بدلٌ عنهُ، والبَدَلُ يُعطى حُكمَ المُبْدَلِ مِنهُ.
2.زوالُ العلَّةِ أو السَّببِ المبيحِ للتيمُّمِ، كمَا مرَّ سابقًا.


فَائِدَةٌ


أقوالٌ راجحةٌ عندَ العلامةِ القنوبيِّ

1-نصَّ كثيرٌ مِن العلماءِ على اشتراطِ كونِ التيممِ بعدَ دُخولِ الوقتِ، والصَّحيحُ المُعْتمَدُجوازُهُ قبلَ دخولِ الوقتِ إذا كان متأكِّدًا أنَّهُ لنْ يحصُلَ ولنْ يجدَ الماءَ في الوقتِ[16].
2-نصَّ كثيرٌ من العلماءِ على وجوبِ التيممِ لكلِّ فريضةٍ، والصَّحيحُ المُعْتمَدُإجزاءُ التيممِ السَّابقِ ما لمْ ينتقضْ بأيِّ ناقضٍ مِنْ نواقضِ التَّيمُّمِ[17].
3-التيمُّمُ إلى الرُّسغينِ على القَولِ الصَّحيحِالمُعْتمَد[18].
4-فاقدُالطَّهورَينِ (الماءِ والترابِ) يصلِّي في الوقتِ ولا قضاءَ عليهِ[19].
5-التُّرابُ المستعمَلُ في التيممِ لا مانعَ منَ التيممِ بِهِ مرَّةً أُخرى كالماءِ المستعملِ في الوضُوءِ على الصَّحيحِالمُعْتمَد[20].
6-مَن تيمَّمَ ووجدَ أو تذكرَ الماءَ أثناءَ الصَّلاةِ فالقولُ الصحيحُ المُعْتمَدُأنَّ صَلاتَه باطلةٌ، وعليهِ الوضوءُ وإعادةُ الصَّلاةِ، أما إذا اكتشفَهُ بعدَ الصَّلاةِ فلا إعادةَ عليهِ على الصَّحيحِ المُعْتمَد[21].
7-مَنْ لمْ يجدِ الماءَ وخافَ خُروجَ وقتِ الصَّلاةِ فالصَّحيحُ أنَّهُ يتيممُ ويصلِّي، ولوْ كانَ يعلمُ أنَّهُ سيجدُ الماءَ بعدَ خروجِ الوقتِ؛ لأنَّ للمَاءِ بدلاً وهوَ التَّرابُ وليسَ للوقتِ بدلٌ[22].


خَاتمَةٌ

واحفظْ -أيُّهَا الطَّالِبُ المُجِدُّ- ما يقولُهُ الشَّيخُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-في بعْضِ أحْكَامِ التَّيَمُّمِ،،،


فـمن حَفِظَ المتُونَ حَازَ الفُنُونَ"

* إِنْ عُدِمَ الْمِيَاهُ عِنْدَ السَّفَرِ***فَاقْصِدْ تَيَمُّمًا كَذَا فِي الْحَضَرِ

إِنْ خِيْفَ فَوْتُ الْوَقْتِ إِذْ لا بَدَلُ*** لِلْوَقْتِ وَالْمِيَـاهُ عَنْــهَا الْبَـدَلُ

وَمُتَيَمِّمٌ أَتَى مَا لَزِمَا***لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيْدَ فَاعْلَمَا

كَيْفَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيْدَ وَهُوَ لَمْ***يَقْدِرْ عَلَى سِوَى التُّرَابِ إِذْ لَزِمْ

أَلَيْسَ يُجْزِيْهِ الَّذِيْ قَدْ فَعَلا*** أَمْ ثَمَّ فَرْضٌ غَيْرُهُ قَدْ نَزَلا



توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



* الْقِسْمُ الثَّاني/في الصَّلاَةِ وَأَحْكَامِهَا:


الْبَابُ الأَوَّلُ: في الصَّلاَةِ


الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الصَّلاَةُ، إِذَا جِئْتَ لِقَدْرِهَا فَالْقَدْرُ الْجَلِيلُ، وَإِذَا جِئْتَ لِفَضْلِهَا فَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ، وَإِذَا جِئْتَ لخَطَرهَا فَالْخَطَرُ الْجَسِيمُ[1]، هِيَ عَمُودُ الدِّيْنِ وقِوَامُهُ، وَجَنَّةُ الْمُؤْمِنِ وَحَيَاتُهُ، وَبَلْسَمُ الْهَمِّ وِشِفَاؤُهُ، وَمَفْزَعُ الصَّالِحِ وَرَجَاؤُهُ.
أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الأَنَامُ، وَآخِرُ مَا يُتْرَكُ مِنْ دِينِ اللهِ الإِسْلاَمِ، جَفَّتْ فِي وَصْفَا الْمَحَابِرُ وَالْأَقْلاَمُ، وَتَبَارَتْ فِي ذِكْرِ مَحَاسِنِهَا الْأَعْلاَمُ، وَتَوَقَّفَتْ عِنْ إِدْرَاكِ عَمِيقِ أَسْرَارِهَا الْأَفْهَامُ، فَإِلَيْكَ جُهْدًا مُقِلاًّ يَرْجُو بِهِ صَاحِبُهُ أَجْرًا مُمْتَدًّا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِ..



فَصْلٌ في أَصْلِ الصَّلاَةِ

الصَّلاَةُ: لُغَةً/ الدُّعَاءُ، قَالَ تعالى: }وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ{التوبة: ١٠٣، أَيْ ادْعُ لَهُمْ[2].
اِصْطِلاَحًا/هِيَ عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَىْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ وَأَرْكَانٍ مَخْصُوْصَةٍ.
وَأَمَّا عَنْ أَصْلِهَا الشَّرْعِيِّ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلاَمِيَّةُ قَاطِبَةً عَلَىْ رُكْنِيَّتِهَا وَوُجُوْبِهَا بَعْدَ نُصُوْصِ الْكِتَابِ الْعَزِيْزِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَفِي الْكِتَابِ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ الصَّرِيْحُ بِقَوْلِهِ تَعَالَىْ:}وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ {النساء: ٧٧ثَمَاني مَرَّاتٍ تَقْرِيْبًا، وَفِي السُّنَّةِ قَوْلُهِ r:" لَا إيْمَانَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لهُ.."[3]، وَغَيْرُهَا كَثِيْرٌ وَمُتَوَاتِرٌ.
وَمِنَ الْجَدِيْرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ الصَّلَاةَ -وَإِنِ اِخْتَلَفَتْ هَيْئَاتُهَا- كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ قَبْلَنا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيْزِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَدْحِ إِسْمَاعِيلَ :u}وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً{مريم: ٥٥،وَفِي بِدَايَةِ الْعَهْدِ الْمَكِيِّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ثُمَّ اِسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا بَعْدَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ[4] عَلَى مَا عَلَيْهِ الآنَ[5]، وَالْعِلْمُ عِنْدالله.


فَصْلٌ


فِي مَكَانَةِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهَمِّيَتِهَا

لا تَخْفَى مَكَانَةُ الصَّلاةِ وَأَهَمِّيَتُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ مِنْ أَبْجَدِيَّاتِ الدِّينِ وَمُسَلَّمَاتِهِ، وَمِنْ أَوَّلِ الْعِبَادَاتِ التِي لا يَسَعُ جَهْلُهَا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَهْمِيَّةِ هَذَا الرُّكْنِ العَظِيمِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، نُلَخِّصُ أَبرَزَهَا فِي النُّقَاطِ التَّالِيَةِ، فَالصَّلاةُ هِيَ:
1-أَوَّلُ رُكْنٍ عَمَلِيٍّبَعْدَ الِإيمَانِ بِالغَيْبِ، قَالَ تعَالى: }هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ{البقرة: ٢ - ٣.
2-عَمُودُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ قَالَ r:" لِكُلِّ شَيْءٍ عَمُودٌ، وَعَمُودُ الدِّينِ الصَّلاةُ.."[6]، وَقَالَ r:"رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ.."[7].
3-أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلامِ الخَمْسَةِ، قَالَ النَّبِيُّ r:" بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاةِ.."[8].
4-أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ r:" إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُه،ُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ"[9].
5-هِيَ المَفْزَعُ لِلإِنْسَانِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، قال تعالى: }إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ{ المعارج:19– ٢٣،وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ[10]، وَيَقُولُ: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ"[11].
6-تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، قَالَ تعَالى:}وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ { العنكبوت: ٤٥.
7-قُرَّةُ عَيْنِ المُصْطَفَىrإِذْ يَقُولُ: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"[12].
8-آخِرُ وَصِيَّةٍ وَصَّى بِهَا رَسُولُاللهr أُمَّتَهُ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا فَقَدْ كَانَيَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ:"الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"[13].
9-هِيَ الوَاقِي لِلإِنْسَانِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي بَرَاثِنِ الْكُفْرِ[14] قَالَ الرَّسُولُ الْعَظِيمُ r: "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُهُ الصَّلاةَ "[15].
إِضَافَةً إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّلاةِ وَالحَثِّ عَلَى إِقَامَتِهَا، وّالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهَا آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ...
وَإنَّما تُطْلَبُ مِنْ مَحَلِّهَا***وتُخْطَبُ الغَادَةُ عِنْدَ أَهْلِهَا







فَصْلٌ في الصَّلواتِ الخَمْسِ

ولا يخفَى عَليكَ -أيُّهَا التِّلميْذُ النَّجِيبُ، أنْعَمَ اللهُ عَليْكَ بِالعَمَلِ بَعْدَ نِعمَةِ العِلْمِ- أنَّ الصَّلواتِ الخمْسَ المكتوبَاتِ التَّي يُنادَى بها في الجمَاعَاتِ هِيَ:
1-الظُّهْرُ[16]: وهيَ أربعُ ركعَاتٍ سرِّياتٍ، يَكتفيْ فيها الإمَامُ والمأمُومُ بقراءَةِ الحمدِ فَقَط، يَفصِلُ بينَ ركعَاتها التَّشَهُّدُ الأولُ بعدَ الرَّكعةِ الثانيةِ ليقومَ المصَلِّي للركعَةِ الثالثةِ بتكبيرٍ، ويجلسُ بعدَ الرَّابعةِ للتَّشهُّدِ الأخيرِ ثُمَّ التسليمِ.
2-العَصْرُ: وهيَ كالظهرِ حذوَ النَّعْلِ بالنعْلِ[17]، وهيَ الصَّلاةُ الوُسْطَى عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّيخَينِ -يحفَظهُما اللهُ-[18].
3-المغربُ: وهيَ ثلاثُ ركعاتٍ، يجهرُ الإمامُ في الرَّكعتينِ الأوليَينِ منها بفاتحةِ الكتابِ وما تيسَّرَ لهُ مِنَ القُرآن، يَقرأُ المأمومُ الفاتحةَ ويَكتفِي بالاسْتمَاعِ لما بعدَها، أمَّا الرَّكعةُ الثالثَةُ فهيَ ركعةٌ سرِّيةٌ يُجتزَى فيها بقراءةِ أمِّ الكتابِ فقَط.
4-العِشاءُ: وهي أربعُ ركعاتٍ، يجهرُ الإمامُ في الركعتينِ الأوليَينِ منهَا بفاتحةِ الكتابِ وما تيسَّرَ لهُ منَ القُرآنِ، ويُسِرُّ القراءةَ في الركعةِ الثالثةِ والرابعةِ، ويفصِلُ بينَ هذهِ الركعاتِ الأربعِ بالتشهدِ الأوَّلِ بعدَ الركعةِ الثانيةِ، ويجلسُ بعدَ الرابعةِ للتشهدِ الأخيرِ ثم التسليمِ.
5-الفجرُ: وهيَ ركعتانِ يجهرُ فيهما الإمامُ بالفاتحةِ والسُّورةِ بعدَها، ليجلسَ بعدَ الثانيةِ للتشهدِ الأخيرِ ثم التسليمِ.
فهذهِ هيَ الصَّلواتُ المفروضاتُ -إِضَافَةً إِلى صَلاةِ الجُمُعَةِ-، ومَا عَدَاها فليسَفرْضًا[19]، كَمَا دَلَّ على ذلكَ حديثُ الأعْرابيِّ: "..خمسُ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ، قالَ: هلْ غيرُهَا؟ قالَ: لا إِلا أنْ تطَّوَّعْ"[20]، وسَيأتي الحدِيثُ مفصَّلا حَولَ بقيَّةِ الصَّلواتِ فيمَا سَيأتي بعونِ اللهِ تعَالى.


وَاجِبَاتُ وَلِيِّ أَمْرِ الصَّبِيِّ

يُؤْمَرُ وَلِيُّ أَمْرِ الصَّبِيِّ بِتَعْلِيمِهِ الصَّلاةَ إِذَا بَلَغَ سَبْعًا مِنَ السِّنِينَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْمِلَ مَعَهُ مُخْتَلِفَ الْوَسَائِلِ لِتَرْغِيبِهِ وَتَحْبِيبِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْقِصَّةِ المُؤَثِّرَةِ، وَالْعِبَارَةِ المُلَطَّفَةِ، وَالرَّبْطِ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالتَّرْغِيْبِ بِعَظِيمِ الثَّوَابِ وَالتَّرْهِيْبِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ؛ حَتَّى يَنْشَأَ مُحِبًّا لِلْصَلَاةِ مُعْتَادًا عَلَيْهَا، فَـ:

النَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى***حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ [21]



فَإِذَا بَلَغَ الْعَاشِرَةَ يَكُونُ قَدْ أَتْقَنَ الصَّلَاةَ بِإِذْنِ اللهتَعَالَى، فَإِذَا تَرَكَهَا وَجَبَ إِرْشَادُهُ وَتَنْبِيْهُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ تَأْدِيْبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الحَالِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي جَانِبِهِ، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ لِلْمُرَبِّي الْأَوَّلِ -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ- حِيْنَمَا قَالَ مُوَجِّهًا:" مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهاَ"[22].


مَسْأَلَةٌ

وَمَعَ ذَلِكَ فَلا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الصَّلاةُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَكُونُ فِي حَقِهِ كُلُّهَا نَفْلًا إِلَى أَنْ يَصِلَ سِنَّ الْبُلُوغِ وَالتَّكْلِيفِ، إِلَّا إِنْ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّاهُ سَابِقًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَقِهِ نَفْلًا وَالْآنَ أَصْبَحَ فَرْضًا، يَقُولُ شَيْخُنَا الْقَنُّوبِيُّ -حَفِظَهُالله تَعَالَى- :" ..وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ إِذَا بَلَغَ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ الْبُلُوغِ"[23].


فَائِدَةٌ فِي عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ

عَلَامَاتُ الْبُلُوغِ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِالصَّبِيِّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِالصَّبِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، يَقُولُ الْإِمَامُ السَّالِمِيُّ-رَحمَهُ اللهُ-فِي تَلْقِيْنِ الصِّبْيَانِ:
"فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ [وَالصَّبِيَّةُ] حَدَّ الْبُلُوغِ وَهُوَ حُصُولُ الْحُلُمِ -أَي الْمَاءِ الدَّافِق-، أَوْ نَبَاتُ الشَّعرِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ، أَوْ بُلُوغُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَة عَلَى قَوْلٍ وهُو الأَصَحُّ، أَوْ سَبْعَ عَشرَةَ سَنَةً عَلَى قَوْلٍ آخَر- وَالْمَرْأَةُ إِنْ وَجَدَتِ الْحَيْضَ أَوْ الْحَمْلَ أَوْ تَكَعَّبَ ثَدْيَاهَا- فَإِذَا وَجَدَ الصَّبِيُّ [وَالصَّبِيَّةُ] إِحْدَى هَذِهِ الْعَلاَمَاتِ حُكِمَ لَهُ وَعَلَيْهِ بِأَحْكَامِ الْبَالِغِ، وَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ وَالْخِطَابُ بِتَرْكِ الْمَحْجُورَاتِ"[24].




فَصْلٌ فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلاةِ

تَعَلَّمْ أَخِي الْمُسْلِمَ -أَلْزَمَ الله غَرْزَكَ فِي الطَّاعَاتِ وَالصَّالِحَاتِ، وَوَقَاكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْمُوبِقَاتِ- أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ هِيَ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- بَعْدَ وُصُولِهِ سِنَّ الرُّشْدِ مَعَ صِحَّةِ عَقْلِهِ فَلا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ[25]:
إِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا أَوْ إِنْكَارًا لَهَا بِالْكُلِيَّةِ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ عَنِ الدِّينِ، يَقُولُ الْعَلاَّمَةُ الْقَنُّوبِيُّ -حَفِظَهُ الله وَعَافَاهُ-:"..وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَرْكُهُ لَهَا جُحُودًا فَإِنَّهُ يُشْرِكُ بِاتِّفَاقِهِم؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ"[26]، وَحُكْمُهُ: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ فَيُعْفَى عَنْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ جُحُودًا وَإِلَّا قُتِلَ مُرْتَدًّا، وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ باِلضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا إِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلاً مِنْهُ لَا جُحُودًا وَإِنْكَارًا لَهَا: فَحُكْمُهُ: أَنَّهُ كَافِرٌ كُفْرَ نِعْمَةٍ لَا كُفْرَ شِرْكٍ، يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ حَدًّا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الحُكْمِ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، قَالَ الْإِمَامُ السَّالِمِيُّ (رَحمَهُ اللهُ): [27]

...................*** وَقِيْلَ بَلْ يُؤْمَرُ ابْنَ سَبْعِ

وَضَربُهُ فِي العَشْرِ وَهُوَ أَعْدَلُ***لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيْلٍ يُنقَلُ

وَبَالِغٌ تَرَكَهَا وَيَعْقِلُ***مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ قَولٌ يُقتَلُ

مِنْ بَعْدِ أَنْ تَوَّبْتَهُ ثَلاثا***وَأَخْرَجَ المُصَنِّفُ الإِنَاثَا

وَعَدَمُ الفَرْقِ هُوَ الجَلِيُّ***إِنْ صَحَّ قَتلٌ وَهُوَ المَرْضِيُّ










مَسْأَلَةٌ

وَمِنْ رِسَالَةِ "الْمُخْتَصَرُ الْمُفِيدُ فِي الْكَفَّارَاتِ" مَسْأَلَةٌ فِيْمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّدًا عَلَى جِهَةِ الانْتِهَاكِ أَوِ التَّهَاوُنِ وَالتَّكَاسُلِ، ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ إِلَى اللهِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَالْخِلافُ فِي الْكَفَّارَةِ، قِيْلَ بِلُزُومِ الكَفَّارةِ قياسًا عَلَى الصَّومِ...
"وَرَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَدَمَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الصَّلاةِ أَصْلاً[28]، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقَانِ الْخَلِيلِيُّ[29] وَالْقَنُّوبِيُّ[30]؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ الْعِصْمَةُ، فَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ، لَكِنْ لَوِ احْتَاطَ وَلَوْ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ فَالاحْتِيَاطُ حَسَنٌ جَمِيْلٌ:

وَذُو احْتِيَاطٍ فِي أُمُورِ الدِّينِ***مَنْ فَرَّ مِنْ شَكٍّ إِلَى يَقِينِ


وَهَذَا الرَّأْيُ [عَدَمُ وُجُوبِ الكَفَّارةِ] ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيخُمُنَازِلُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخَرَاسَانِيِّينَ"[31].

خِلاَفٌ وَثَمَرَةٌ

تَقَدَّمَ مَعَكَ -قَرِيْبًا- أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى المُكَلَّفِ حُضُورَ العَقْلِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ وَفَاقِدِ الْوَعْيِ فِي الْحَالِ، وَمِنْ حَيْثُ الْقَضَاءُ لَاحِقًا: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِغْمَاءِ هَلْ سَبِيلُهُ سَبِيْلُ الْجُنُونِ أَوْ هُوَمُجَرَّدُ مَرَضٍ؟
وَثَمَرَةُ الخْلَافِ: مَنْ رَأَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ جُنُونٌ لَمْ يَرَ عَلَى صَاحِبِهِ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ الْتِي اِسْتَغْرَقَ وَقْتَهَا فِيالْإِغْمَاءِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَجْنُونِ فِي سُقُوطِ التَّكَالِيفِ عَنْهُ -اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ، أَوْ أَفَاقَ حَالَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ فِيالْحَالَيْنِ الْقَضَاءُ-.
وَمَنْ رَآهُ مَرَضًا أَلْزَمَهُ قَضَاءَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْتِي فَاتَتْ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ، وَهَذَا الرَّأْيُأحْوَطُ[32] وَالأَوَّلُ أَرْجَحُ[33].

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



الْبَابُ الثَّانِي: في الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ


تعرَّفْ -أيُّها التِّلْميذُ، جَعَلني اللهُ وإيَّاكَ}مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{فصلت: ٣٣أنَّ: الْأَذَانَ/في اللُّغَةِ: الْإِعْلَامُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: }وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ{التوبة: ٣، أَيْ إِعْلامٌ، }وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ{الحج: ٢٧ أَيْ أَعْلِمْهُمْ. وَشَرْعًا: هُوَ الْإعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ.


وَالْأَذَانُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تعَالى: }وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ {المائدة: ٥٨، وَقَوْلُهُ: }إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ {الجمعة: ٩ وَمِنَ السُّنَّة قَوْلُهُ r: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ.."[1]، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ كَثِيرٌ؛ وَلِذَلِكَ انْعَقَدَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهُ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.


فَصْلٌ فِي سَبَبِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ

وَقَدْ شُرِعَ الْأَذَانُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ هِجْرَةِ رَحْمَةِ الْعَالَمِينَ r، بَعْدَمَا اِسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ - رَضِيَالله عَنْهُمْ-فِي شِعَارٍ يَجْمَعُ النَّاسَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ننصِبُ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُم: اتَّخِذُوا قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، وَقَالَ آخَرُونَ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، فَكَرِهَ النَّبِيُّ rكُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ[2].
يَقُولُ عَبْدُاللهبْنُ زَيْدٍt فَطَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهأَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ تَقُولُ:T، T...إلخ الأذانِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهr فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَالله، فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَاللهلَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى فَقَالَ رَسُولُاللهr :"الْحَمْدُ لِلَّهِ فَذَلِكَ أَثْبَت"[3].


فَائِدَةٌ فِي مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ r

اِشْتُهِرَ مِمَّن رَفَعُوا شِعَارَ التَّوْحِيدِ لِلْنَّبِيِّ r ثَلاثَةُ مُؤْذِّنِينَ، وَهُمْ بِلَالُ بنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيِّ وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ r إِلَّا لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ حِيْنَ فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَبَكَى عُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ لِسَمَاعِ صَوْتِ بِلَالٍ وَتَذَكُّرِهِم لِذَلِكَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ الزَّاهِرِ حِيْنِ كَانَ بِلَالٌ يُدَوِّيْ بِالأَذَانِ عَلَى مَسْمَعِ النَّبِيِّ r، وَعَبْدُ اللهبنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْذِي كَانَ يُؤَذِّنُ الأذَانَ الثَّاني لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَا يُؤَذِّنُ حَتَى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، وَأَبُو مَحْذُورَة أَوْسُ بنُ مُعِيرٍ الْجُمَحِيِّ (رَضِيَاللهتَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ).


فَصْلٌ فِي فَضْلِ الأَذَانِ

تَعَلَّمْ -أَخِي الطَّالِبَ، رَزَقَكَ الله الْمُسَارَعَةَ إِلَى الْخَيْرَاتِ- أَنَّ فِي الأَذَانِ ثَوَابًا كَبِيْرًا، وَفَضْلاً عَظِيْمًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ r: " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا"[4]، وَمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ t أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: " إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلْصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ فِإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْء إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله r، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يَقُولُ النَّبِيُّ r:" الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[5].


}تَنْبِيهٌ{

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فَضْلِ الْأَذَانِ الْكَبِيرِ وَأَجْرِهِ الْعَظِيمِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَلَا لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ r أَذَّنَ لِلصَّلَاةِ؛ وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى كَرَاهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ شَخْصٌ وَيَؤُمَّ بِالنَّاسِ شَخْصٌ آخَرٌ، هَذَا هُوَ الثَّابِتُ وَهُوَ الْذِيْ دَرَجَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ -رِضْوَانُ الله تَعَالَى عَلَيْهِم-.


فَتْوَى

السُّؤَالُ/ هَلْ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْتَلِفَ المُؤَذِّنُ عَنِ الإِمَامِ؟
الْجَوَابُ/ نَعَمْ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثُ الْذِي فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَذَّنَ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ حَسْبَ نَقْدِي[6].


}تَنْبِيهٌ آخَرُ{

شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ لا سِيَّما فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ الْإِمَامُ بِالإِقَامَةِ دُونَ الْمُؤَذِّنِ، فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَإِذَا حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَقَامَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ؛ إِذْ فِي سُنَّتِهِ الثَّابِتَةِ أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ، وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلِيهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رِضْوَانُ الله تَعَالَى عَلَيْهِم- جِيلًا بَعْدَ جِيْلٍ[7]، وَسُنِّيَةُ إِقَامَةِ الْمُؤَذِّنِ هُوَ الْذِي انْتَصَرَ لَهُ أَشَدَّ الْاِنْتِصَارِ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-[8]، وَالشَّيْخَانِ الْخَلِيلِيُّ وَالْقَنُّوبِيُّ -حَفِظَهُمُ الله تَعَالَى جَمِيعًا-[9]...
وَللهِ دَرُّ مُحْيِي السُّنَنِ وَمُمِيتُ الْبِدَعِ[10]... فِي قَوْلِهِ:

إِذْ كَانَ فِي سُنَّتِهِ مَنْ أَذَّنا ***فَهُو يُقِيْمُ وَعَلَيْهِ صَحْبُنَا

حتَّى أَتَى مَنْ جَهِلُوا المَسْنُونا***وَهُمْ لِلاحْتِيَاطِ يَدَّعُونَا

وَفِعْلُهُ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّهُ***مُشْتَهِرٌ مَضَى عَلَيْهِ صَحْبُهُ

وَالخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَجْمَعُ***إِلَى انتهَائِهِمْ عَلَيْهِ أَجْمَعُوا






فَصْلٌ فِي حُكْمِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ

اِخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ في حقِّ الجَمَاعَةِ[11]، وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا -رِضْوَانُ الله عَلَيْهِم-أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ[12]؛ لِأَمْرِهِ r بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي مَوَاقِفَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُوَاظَبَتُهُ@عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إذْ لَمْ يَتْرُكْهُ لا فِي حَضَرٍ ولا في سَفَرٍ، يقولُ شيخُنا إمامُ السُّنَّة والأصولِ -حفظهالله تعالى-:"..فكذلكَ كلُّ ما واظبَ عليهِ رسولُالله@ من أفعالِ الصلاةِ فإنَّهُ يجبُ كَوجوبها؛ لقولِهِ r :"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"[13] وهو حَديثٌ صَحيحٌ ثابتٌ"[14].
وأمَّا في صَلاةِ المنْفَرِدِ فالأَذَانُ وَالإقَامَةُ سُنَّةٌ لِكُلِّ مُنْفَرِدٍ فِي خِاصَّةِ نَفْسِهِ[15]، وَالْإِقَامَةُ آكَدُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مِنَ الأذانِ؛ إِذْ لا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ الْقِيَامِ لأَدَاءِ الْفَرِيضَةِ، وفِي فَتَاوَى سَمَاحَةِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُالله-أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ مُتَعَمِّدًا أَعَادَ الصَّلاةَ، وَإِنْ نَسِيَهَا مَضَى فِي صَلاتِهِ وَاللهيَتَقَبَّلُ مِنْهُ[16].

وَلَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ إِلَّا فِي الْفَرَائِضِ الخمْسِ والجمُعةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَهَكَذَا فَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَشْرُوعَانِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ.


فَاقْرَأْ وَاحْفَظْ


وَلا تُؤَذِّنُ الْفَتَاةُ لأَحَدْ***وَلا تُقِيمُ فَهُوَ مَنْعٌ للأبَدْ

لأَنَّ ذَاكَ
صِفَةُ الرِّجَالِ***لا مِنْ صِفَاتِ رَبَّةِ الْحِجَالِ


لأَنَّ خَفْضَ صَوْتِهَا الثَّمِيْنِ***مُخَالِفٌ لِحَالَةِ التَّأْذِيْنِ

وَلا أَذَانَ لا وَلا
إِقَامَةْ***عَلَى النِّسَا كَذَاكَ لا إِمَامَةْ[17]






وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَشْرُوعَانِ فِي الْحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ، فِي الْأَدَاءِ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لِأَمْرِهِ rبِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيْمَ عِنْدَمَا نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَامُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ[18].


تَنْبِيهٌ


فِي عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الأَذَانِ لِغَيْرِ الْفَرَائِضِ

شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ رَفْعُ الْأَذَانَاتِ عِنْدَ وُقُوعِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَثْبُتْ أبدًا عَنِ المُبَلِّغِ r[19]، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُنَادَى بـِ"الصَّلَاةَ جَامِعَةً"[20] لِيُجْمَعَ النَّاسُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ[21]، أَمَّا الْأَذَانُ لَو كَانَ مَشْرُوعًا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَوْ بِهِ فَضْلٌ وَمحْمَدَةٌ لَكَانَ أَوْلانَا بِالْسَبْقِ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ r
لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ يَفُتْ مُحَمَّدا***وَصَحْبَهُ وَلَمْ يَكُنْ تَعَدَّدا...[22]





فَائِدَةٌ

اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ لِلْصَّلاةِ، يَقُولُ الْعَلَّامَةَ الْقَنُّوبِيَّ -عَافَاهُالله-:"وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ جَمِيْعًا ...ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأَدِلَّةِ وَقَالَ...فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ مِنْ أَجْلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ"[23].


فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ

تعرَّفْ -أخي، سدَّدَ اللهُ منطقَكَ، وجعلَكَ ممنْ دَعا إليهِ- أنَّ للأذانِ ألفاظًا توقيفيةً ثبتَ إِقرارُها عنْ أفصحِ مَن نطقَ بالضادَ e، فلا يجوزُ العدولُ عَنها إلى غيرِها، وهيَ كما تعلمُ وتحفظُ:
اللهأكْبَرُ اللهأَكْبَرْ (مَرَّتَيْنِ).
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاالله(مَرَّتَيْنِ).
أَشْهَدُ[24] أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُالله(مَرَّتَيْنِ).
حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مرَّتينِ).
حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ (مَرَّتَيْنِ).
اللهأَكْبَرُاللهأَكْبَرْ (مَرَّةً وَاحِدَةً).
لا إِلَهَ إِلاالله(مَرَّةً وَاحِدَةً)[25].
وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى؛ لِقَوْلِهِ r:"...وَالْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى وَالْإقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى"[26]، يَقُولُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ-رَحمَهُ اللهُ-:"وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ"[27]، وَيُزَادُ فِي الْإِقَامَةِ "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ" (مَرَّتَيْن) بَعْدَ قَوْلِه:"حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ".


}تَنْبِيهٌ{


فِي كَيْفِيَّةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ

وَتَخْتَلِفُ صِفَةُ الأَذَانِ عَنْ صِفَةِ الإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَذَانَ يَكُونُ بِتَرَسُّلٍ وَتَمَهُّلٍ معَ َتَحْسِينِ الصَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَلْحِينٍ أَوْ تَطْرِيبٍ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ بَيَانِ الصَّوْتِ وَتَحْسِينِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ الْذِينَ أَحْدَثُوا فِي الْأَذَانِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِالله-عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ سُلْطَانٍ لَا فِي كِتَابٍ وَلَا فِي سُنَّةٍ، فَأَخَذُوا يَتَغَنَّوْنَ بِالْأَذَانِ وَيَتَمَايَلُونَ بِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ مُحَمَّدٍ r فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ r:"إِنَّ الأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَمْحًا سَهْلاً وَإِلاَّ فَلاَ تُؤَذِّنْ"[28]، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَى وَقْتِنَا يُنْكِرُونَ التَّطْرِيبَ وَالتَّلْحِينَ فِي الْأَذَانِ[29].
أَمَّا إِقَامَةُ الصَّلاةِ فَمِنَ السُّنَّةِ الْحَدْرُ وَالْإِسْرَاعُ فِيْهَا؛ لِقَوْلِهِ rلِبِلالٍ:" يَا بِلَالُ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ"[30]، وَلا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ المقِيْمِ صَوتَهُ بِالْإِقَامَةِ -كالأذانِ- حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ هُمْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَاللهيَهْدِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.


فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ

1-أَنْ يَرْفَعَهُ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ عَاقِلٌ: فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ -عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عندَ شيخِنا القَنُّوبيِّ[31]- الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ لَكِنْ يُرَاعِي صَاحِبُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عَدَمَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
2-أَنْ يُرْفَعَ الْأَذَانُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ: إِلَّا الْفَجْرَ وَالْجُمُعَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهُمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَرَّةً أُخْرَى.
3-أَنْ يَكُونَ بِأَلْفَاظِهِ الْعَرَبِيَّة: وَلَا تُجْزِئُ عَنْهَا لُغَةٌ أُخْرَى؛ لأَنَّ أَلْفَاظَهُ تَعَبُّدِيَّةٌ مَوْقُوفَةٌ.
4-التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ:بَيْنَ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.


فَصْلٌ فِي سُنَنِ الْأَذَانِ

وَاعْلَمْ -وَهَبَكَ اللهالتَّمَسُكَ بِالسُّنَنِ الْمَحْمُودَةِ، وَالْبُعْدَ عَنِ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ- أَنَّ لِلْأَذَانِ سُنَنًا وَآدَابًا يَنْبَغِي التَّحَلِّي بِهَا وَإِرْشَادُ الْمُؤَذِّنِينَ إِلَيْهَا، فَهَاكَهَا مُخْتَصَرَةً مُفِيدَةً..
1-الطَّهَارَةُمِنَ الْحَدَثَيْنِ: الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ[32].
2-الْأَذَانُ فِيأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
3-الْقِيَامُ فِي الْأَذَانِ مَعَ اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
4-رَفْعُ الصَّوْتِبِالْأَذَانِ؛ قَالَ r:"فَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[33].
5-وَأَنْ يَجْعَلَإِصْبَعَيْهِ المسبِّحَتينِ[34]فِي أُذُنَيْهِ؛ وَهُوَ أَرْفَعُ لِلْصَّوْتِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ الصَّحِيحِ[35] قَالَ:" رَأَيْتُ بلالا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ.."[36].
6-أَنْ يَلْتَفِتَ بِوَجْهِهِنَاحِيَةَ الْيَمِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ :"حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ"، وَنَاحِيَةَ الشِّمَالِ عِنْدَ قَوْلِهِ :"حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ"؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
7-مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ[37]؛ لِقَوْلِهِ r: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ.."[38].
}تَنْبِيْهٌ{: الْحَدِيثُ السَّابِقُ "فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ.." عَامٌ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ لَكِنْ وَرَدَتْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى خَصَّصَتِ الْحَيْعَلتَيْنِ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) مِنْ هَذَا الْعُمُومِ؛ لِذَلِكَ فَالرَّأْيُّ المُعْتمَدُالصَّحِيحُ[39] أَنْ يُقَالَ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَينِ:" لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ"، نَظَرًا لِكَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الثَّابِتَ عَنِ الأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ rكَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ[40]، وَيُؤكِّدُ ذلكَ أَيْضًا أَنَّ الْحَيْعَلَتَينِ لَيْسَتَا مِنَ الْأَذْكَارِ الْتِي يُشْرَعُ تَرْدِيدُهَا عُمُومًا، بِخِلَافِ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ الْأُخْرَى.

8- الصَّلاةُ علَى النَّبيِّ rبَعْدَ الْأَذَانِ ثم الدُّعَاءُبِقَوْلِهِ :﴿ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ فَمَنْ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ r[41] بِإِذْنِاللهتَعَالَى، وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِالله[42]r أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ﴿ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًاغُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ[43].


فَائِدَةٌ

إِذَا رَفَعَ الْمُؤَذِّنُ الْأَذَانَ فِي حَالِ تِلَاوَتِكَ لِكِتَابِ اللهِ الْمَجِيدِ فاَلأَفْضَلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ تَسْكُتَ وَتُتَابِعَ الْمُؤَذِّنَ وَتَأْتِيَ بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ ثُمَّ تُوَاصِلَ قِرَاءَتَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَكُونُ قَدْ حُزْتَ عَلَى الْفَضْلَينِ[44]، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.


فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ

تَعَرَّفْ -أَخِي الطَّالِبَ، جَنَّبَكَالله محبطاتِ الأعمالِ- أنَّ الأذانَ ينتقضُ وكذا الإقامةُ بأحدِ الأسبابِ التاليةِ:
1-زوالُ العقلِ.
2-الارتدادُ أثناءَهُ.
3-القولُ أو الفعلُ الفاحشُ أثناءَه.
4-عدمُ الموالاةِ والترتيبِ بينَ ألفاظِهِ.
}تَنْبِيْهٌ{:إذَا نَسِيَ المؤذنُ شيئًا منْ ألفاظِ الأَذانِ أوِ الإِقَامَةِ ثمَّ تذكَّرَهُ بعدَما جَاوزَهُ فإِنَّهُ يَرجعُ إليهِ فيأْتي بهِ وبما بعدَهُ مراعاةً للتَّرتيبِ، واللهُ أعلمُ.



فصلٌ:فيما بينَ الأذانِ والإقامةِ

هناكَ عدةُ أمورٍ ومسائلَ ينبغي التنبهُ لها والتنبيهُ عَليها فيمَا بينَ الأذانِ والإقامةِ:

أوَّلا: الفصلُ بينَ الأذَانِ والإِقامةِ: ينبغي أنْ يكونَ بمقدارِ ما يتجهزُ المصلونَ للصلاةِ وينتهي مَن كانَ في حاجةٍ مِنْ قضائِها؛ لما رُويَ مِن قولِ النَّبِيّ rلبلالٍ:" وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ"[45].
ثانيًا: الخرُوجُ مِنَ المسْجدِ بعدَ الأذانِ وقَبلَ الصَّلاةِ: لا ينبغي إلا لضرورةٍ أو بنيَّةِ العودةِ مرةً أخرى؛ لثبوتِ النَّهيِ عنْ ذلكَ في أحاديثَ متعددةٍ، ولمخالفةِ هذا السلوكِ للمقصدِ مِنَ الأذانِ وهوَ جمعُ الناسِ إلى المساجدِ، وإظهارُ رمزِ الوحدةِ، وشعارِ التوحيدِ، قالَ أبو هريرةَ t لما رأى رجلاً خَرَجَ مِنَ المسجدِ وقد أذَّنَ المؤذنُ: "أمّا هذا فقدْ عصَى أبا القَاسَمِ r"[46]، يقولُ العلامةُ القنوبيُّ -حفظهُالله-:"..والحديثُ وإنْ كانَ موقوفًا على أبي هريرةَ -رضيَاللهتعالى عنه- إِلا أنَّ حكمَهُ الرفعُ؛ إِذ لا يمكنُ أنْ يُقالَ بمحضِ الرأيِ"[47].
ثالثا: الدَّعاءُ بينَ الأذانِ والإِقامةِ: مِن المواضعِ المباركةِ والمستجابةِ للدعاءِ، وللأسفِ قدْ غفلَ عنْ هذا الوقتِ والدعاءِ فيه الكثيرُ منَ الناسِ -هدانااللهتعالى وإيَّاهم-، وقدْ أشارَ إلى هذا المعنى وثبوتِهِ عنِ المصطَفى r العلاَّمةُ القنوبيُّ -حفظهالله-، حيثُ يقولُ في أحدِ المواضعِ:" ففي الدُّعاءِ بينَ الأذانِ والإقامةِ خيرٌ كثيرٌ، كما ثبتَ ذلكَ عنِ النَّبِيّ e"[48]؛ففي سننِ أبي داودَ أنَّ النَّبِيَّ rقَالَ :" لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ"[49].


لَطِيفَةٌ

قدَّرَ اللهتعالى لنا بأنْ أكرمَنا أنْ كنا في منزلِ شيخِنا القنوبيِّ -حفظهُالله-يومَ ولادةِ سليلِهِ البكرِ "عبدِ الرحمنِ"[50]، فكانَ منِ جملةِ ما حدثنا بهِ أنَّه سوفَ يُسمي ابنَه في هذا اليومِ أو اليومِ السابعِ، وسألناهُ عنِ الأذانِ والإقامةِ في أُذُني المولودِ فأجابَ: بأنهُ لم يؤذِّنْ ولم يُقِمْ؛ لأنهُ يرى عدمَ ثبوتِ كلِّ ذلكَ عنِ النَّبِيّ r، فنعمَ السَّليلُ ونعمَ الأبُ، جعلهُ المولى خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ...
بنُو الأكرمينَ الأكرمونَ ومَنْ يكنْ***لآباءِ صدْقٍ يلقَهمْ حيثُ سيَّرا






تَنْبِيْهٌ مُهِمٌّ

تقدَّمَ سلفًا أنَّهُ لا ينبغي معاجلةُ المصلينَ بالإقامةِ بعدَ الأذانِ، وهذا أمرٌ ينبَّهُ عَلَيهِ أكثرَ بينَ أذانِ المغربِ وإقامتِهِ، فمِنَ الأخطاءِ ما يفعلُهُ بعضُ النَّاسِ مِن الإقامةِ بعدَ أذانِ المغربِ مباشرةً بحجةِ ضيقِ وقتِ صلاةِ المغربِ المبالغِ فيهِ، بحيثُ لا يتمكنُ مَن سمعَ النِّداءَ أنْ يتوضأَ ويلحقَ بالجماعةِ إلا وهمْ في الصَّلاةِ، والحقيقةُ أنَّ وقتَ المغربِ ما لم يَدخلْ وقتُ صلاةِ العِشاءِ[51]، وفي فتوى لسَماحةِ شيخِنا الخليليِّ -متعنا الله بحياته- حولَ الانتظارِ بينَ أذانِ المغربِ وإقامتِه أجابَ سماحتُه :"لا بأسَ بالانتظارِ بعدَ الأذانِ نحوَ خمسِ دقائقَ، واللهأعلم"[52].
وبالحجةِ السَّابقةِ نفسِها يؤخرونَالتفاتَ الإمامِ بعدَ الفريضةِ إلى ما بعدَ السُّنَّةِ، معَ أنَّ السُّنَّةَ الالتفاتُ بعدَ الفرائضِ مباشرةً لا بعدَ السُّنَنِ، ولا حظَّ للنظرِ عندَ ثبوتِ الأثرِ عنْ سيَّدِ البَّشرِ@.


خَاتمةٌ


في بعضِ أحكامِ الأذانِ


للإمامِ نورِ الدِّين السَّالِمِي-رَحمَهُ اللهُ-


و إنْ أردتَ أن تؤدِّي الوَّاجبَا***أذِّنْ أقمْ تؤدِّ فعْلا واجبَا

على الجميعِ إنْ أتاهُ البعضُ***أجزَى وإلا فالصَّلاةُ نقضُ

ورتِّلِ الأذانَ مَثنى مَثنى***واجْزِمْ إذَا أقمتَ فادرِ المعْنى

وزدْ على الأذانِ إِنْ أقمتَا***قدْ قامتِ الصَّلاةُ أنى كُنْتَا

وإنْ تُؤذِّنْ نحوَ يمناكَ اقبِلا***إذَا النِّداءُ بالصَّلاةِ وُصِلا

وأقبِلَنَّ للشِّمالِ إنْ تقلْ***حيَّ على الفَلاحِ حتى تمتثلْ[53]


توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البابُ الثالثُ: في شُرُوط ِالصَّلاةِ


اعلمْ -أيُّها الطالبُ النَّبِيْهُ، وفَّقكَ الله إلى صحيحِ العبادةِ، وجنَّبَكَ مسالِكَ الضَّلالِ والغوايَةِ- أنَّ للصلاةِ شروطًا وأركانًا[1]لا تتمُّ الصلاةُ إلا بأدائِها والقيامِ بها، وكُلُّ ذلكَ مأخوذٌ منْ قولِ النَّبِيِّ e وفعلِهِ، واقتفاءً لقولِهِ :" صلُّوا كمَا رأيتُمُوني أُصَلِّي"[2].

وَنشرعُ -باللهِ مستعينينَ- أوَّلاً في الحديثِ حولَ شروطِ الصَّلاةِ، فنقولُ: إنَّ الشُّروطَ قسمانِ:
أ‌-شُروطُ وُجُوبٍ: وهيَ العقلُ والبُلوغُ والطَّهارةُ منَ الحيْضِ وَالنِّفاسِ، وقدْ تقدمَ الحديثُ عَنْها.
ب‌-شُروطُ صِحَّةٍ: وهيَ -إجمالا-: الإسلامُ، والطهارةُ، ودخولُ الوقتِ، وسِترُ العَورةِ، واستقبالُ القبلةِ..
وتاركٌ شيئًا مِنَ الشُّروطِ***فَلا صَلاةَ لانتفا المَشْروطِ[3]




وَإليكَ تفصيلَ القولِ في شُروطِ صحةِ الصلاةِ:


الشَّرطُ الأولُ: الإِسْلامُ

علينا -نحنُ معاشرَ المسلمينَ- أنْ نحمدَاللهتعالى على أنِ اصطَفانَا مِنْ بَينِ أُمَمِ الأرْضِ فَنَكُونَ مسلمينَ مؤمنينَ موحِّدينَ للهِ I، فنعمةُ الإسلامِ هيَ أكبرُ نعمةٍ أنعمَهااللهعلينَا، فـ}الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ {الأعراف: ٤٣؛ ذلكَ لأنَّ الصلاةَ وسائرَ العباداتِ لا تصِحُّ ولا تُقبلُ مِنْ غيرِ المُسْلمِ؛ قَالَ تعَالى: }وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{آل عمران: ٨٥.


تنبيهٌ مُهِمٌّ

ذكرنا آنفًا أنَّ مِنْ شروطِ وجوبِ الصَّلاةِ البلوغَ والعقلَ، وقدْ أضافَ بعضُهمْ (شَرْطَ الإِسْلامِ) شَرطًا مِنْ شُروطِ وجوبِ الصَّلاةِ، والصَّحِيحُ أنَّ الإسلامَ شرطُ صحةٍ لا شرطُ وجوبٍ؛ وذلكَ لأنَّ الكُفارَ مخاطبونَ بفروعِ الشَّريعةِ على المُعْتمَدالراجحِ عندَ الشَّيخَينِ -أبقاهُمااللهتعالى- كمَا أنهُمْ مخاطبونَ بأصولِها، ولِذلكَ فكما أنهمْ مُعاقبونَ على تركِ الأصولِ فهمْ معاقبونَ أيضًا على تركِ الفروعِ كالصَّلاةِ والزكاةِ...وعلى ذلكَ دلائلُ كثيرةٌ وشواهدُ منَ القرآنِ الكريمِ منها:
1. قولُهُ تَعَالى: }وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ{6} الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ{ فصلت: ٦ – ٧.
2.عندمَا حكَى عنْ أهلِ النارِ أنهمْ يُسألونَ مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ حكى إجابَتَهُم بقولِه:}قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ{44} وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ{45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ{46}{ المدثر: ٤٣–٤٦، وغيرُ ذلكَ منَ النصوصِ مِنْ كتابِ الله تعالى وسُنةِ نبيِهِ r يقولُ سماحةُ الشيخِ :" بجانبِ كونِاللهتباركَ وتعالى خاطَبَهمْ بالإيمانِ وبقَبولِ هَذا الدِّينِ وبالانضِمامِ إلى هَذا المعتقدِ، خاطَبهمْ أيضاً بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، ولكنْ لا تصحُّ منهمُ الصلاةُ ولا تصحُّ منهمُ الزكاةُ إلا باعتناقِهمُ الإسلامَ، فهنالكَ فرقٌ بينَ شرطِ الوجوبِ وشرطِ الصِحَّةِ.. وهكذَا يُقالُ في كلِّ العباداتِ التي تتوقفُ على شرائِطَ لصحتِهَا، لا يعني ذَلِكَ عَدَمَ وُجُوِبها على مَنْ لم يوفِ بتلكَ الشرائطِ، وإنما هذهِ شرائطُ لِصحةِ العملِ لا لوجوبِ العملِ، وكذلكَ إقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاةِ وجميعُ الأعمالِ الواجبةِ في الإسلامِ، مما يتوقفُ على عقيدةِ الإسلامِ يعدُّ الإسلامُ شرطاً لصحتِها ولا يعدُّ شرطاً لوجوبها"[4].


اِقْرَأْ وَاحْفَظْ


يَقُولُ النُّورُ السَّالميُّ -رَحمَهُ اللهُ- في مَدَارِجِ الكَمَالِ

وَتَارِكُ التَّوْحِيدِ هَلْ يُعَذَّبُ***بِتَرْكِهِ الأَعْمَالَ وَهُوَ المذْهَبُ

وَإِنْ تَرَى الإِسْلامَ شَرْطاً وَقَعَا***فَذَاكَ في صِحَّةِ مَا قَدْ صَنَعَا

أيْ لا يَصِحُّ دُونَهُ وَإِنْ وَجَبْ***فَلِلْوُجُوبِ غَيرُهُ أَيْضًا سَبَبْ
[5]






الشَّرطُ الثاني: الوَقْتُ

جعلَالله تعالى للصلواتِ مواقيتَ لأدائِها[6] لا تُقدَّمُ ولا تؤخَّرُ إلا بعذرٍ شرعيٍّ[7]، وحرَّمَأوقاتًا[8] لا تجوزُ الصلاةُ فيها ولا تصحُ، وأوقاتًا أخرى تُكرَهُ فيهَا،
قَال تعَالى: }إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً {النساء: ١٠٣، وذلكَ كلُّهُ حسبَ التفصيلِ الآتي:


مواقيتُ الصَّلواتِ الخمسِ

وهذهِ هيَ أوقاتُ الصلواتِ الخمسِ، نبدأُها منْ بدايةِ اليومِ العربيِّ[9]:
1-المغربُ: يبدأُ وقتُها بسقوطِ قُرصِ الشمسِ كاملاً، وينتهِي بغروبِ الشفقِ الأحمرِ على المعتبرِ عندَ شيخِنا الخليليِّ -حفظَه اللهُ-[10].
2-العِشَاءُ: يبدأُ وقتُهَا بعدَ وقتِ المغربِ، وينتهِي بثُلثِ الليلِ وقيلَ: بمنتصفِه، يقولُ شيخُنا القنوبِيُّ -حفظَه اللهُ-:" الذي نأخذُ به أنَّ وقتَ العشاءِ ينتهِي بمنتصفِ الليلِ[11]، ويقول أيضًا: "وهوَ الراجحُ عندِي لدلالةِ السنَّةِ الصحيحةِ الثابتةِ"[12].
3-الفَجْرُ: يَبدأُ منْ طُلوعِ الفَجْرِ الصَّادقِ إلى طُلوعِ جُزءٍ منَ الشَّمسِ.
4-الظُّهرُ: يبدأُ بعدَ زوالِ الشمسِ عنْ كبدِ السماءِ بقدرٍ بسيطٍ[13]، وينتهي إلى مصيرِ ظِلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه معَ مراعاةِ ذلكَ القدْرِ الذي زالَتْ بهِ الشَّمسُ[14].
5-العَصْرُ: يبدأُ مِنْ خروجِ وقتِ الظهرِ، أيْ بعدَ مصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه معَ مراعاةِ القدرِ الذي زالتْ بهِ الشَّمسُ، وينتهي باصْفرارِ الشمسِ قبلَ الغُروبِ[15]؛ لأنَّ هَذَا الوقتَ وقتٌ تمنعُ فيهِ الصَّلاةُ عَلَى الرأْيِ الرَّاجِحِ[16].


]تَنْبِيْهٌ[

الفجرُ فجْرانِ، فجرٌ كاذبٌ وفجرٌ صَادِقٌ، فَالفَجْرُ الكاذبُ: هوَ الذي يطلعُ مستطيلاً متجهًا إلى الأعلى في وسَطِ السَّماءِ، ثم تعقبُهُ ظُلْمةٌ، ويقابِلُهُ الفَجْرُ الصَّادِقُ: وهوَ البياضُ المنتشرُ ضوءُهُ معترضاً في الأفُقِ، والأوَّلُ: لا يَتَعَلَّقُ بهِ شيءٌ منَ الأحكامِ، فحكمُه حكمُ الليلِ، والثَاني: هوَ الذي تتعلقُ بهِ الأحكامُ الشَّرعيةُ كلُّها مِنْ بدءِ الصومِ، ودخولِ وقتِ الصبحِ، وانتهاءِ وقتِ الوَترِ.



مَسْألةُ الاشْتِرَاكِ في الأَوْقَاتِ

ثبتَ في الحديثِ الصَّحيحِ عندَ الإمامِ الربيعِ والشَّيخَينِ وغيرهم عنِ ابنِ عباسٍ { " أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ جميعًا مِنْ غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ ولا سحابٍ ولا مطرٍ"[17]؛ وبناءً على هذَا الحديثِ وصحَّتِهِ فقَدْ رأى الشَّيْخانِ الخليليُّ والقنوبيُّ[18] -أطالَ اللهُ في عُمُرهمْ ومتَّعنا بحياتهمْ- أنَّ القولَ بالاشتراكِ بينَ الوقتينِ هوَ القولُ الصحيحُ، أيْ أنَّ الوقتَ مِنْ أولِ الظهرِ إلى آخرِ العصرِ مشتركٌ بينهُما، وهكذا مِنْ أولِ المغربِ إلى آخرِ العشاءِ وقتٌ مشتركٌ بينهمَا لأداءِ الصلاتينِ، ولكنَّ ذلكَ منوطٌ بوجودِ الحرجِ والمشقةِ؛ لأنَّهُ لمْ يكنْ مما يتكررُ منْ فعلِ النبيِّ@، وقدْ أفصحَ عنْ ذلكَ ابنُ عباسٍ عندَما سُئِلَ عنْ علِّةِ فعلِهِ @ فقالَ: "أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ".
ومِمَّا لا يخفَى عليكَ -أيُّهَا المتعلمُ النجيبُ- أنَّ الجمعَ في أحدِ الوقتينِ أو القولَ بالاشتراكِ في الأوقاتِ مختلِفٌ عمَّا يُعرفُ بـ"الجَمْعِ الصُّوْرِي"؛ وذلكَ لأنَّ هذَا الأخيرَ متفَقٌ على جوازِهِ، فهوَ جمعٌ في الصُّورةِ فقط، وأمَا حقيقتُهُ فهوَ أنْ يصليَ الظهرَ في آخرِ وقتِها، فإذَا سلَّمَ انتهى وقتُ الظهرِ ودخلَ وقتُ العَصرِ فيصليها حينئذٍ في وقتِها المتفَقِ عليهِ، والعِلمُ عندَ اللهِ[19].


الأوقاتُ المحرمةُ

اعلمْ -أخي هداكَالله لأسبابِ طاعتِه، وجنبَكَ موجباتِ سخطِهِ ومعصيَتِهِ- أنَّ الأوقاتَ المذكورةَ آنفًا هيَ أوقاتٌ لأداءِ الصَّلواتِ المفروضةِ، وأنَّ هناكَ أوقاتًا تحرمُ فيهَا الصلاةُ بلْ لا تنعقدُ ولا تصحُّ فيها الصلاةُ أبدًا[20] فرضًا كانتْ أم نفلًا، أداءً كانتْ أم قضاءً، فكنْ منها على حذرٍ[21]، وهيَ:
أ‌-وقتُ الطُّلوعِ:إذا طلعَ جزءٌ منَ الشَّمسِ حتى تستكملَ طلوعَهَا، وقيلَ: حتى ترتفعَ قدرَ رمحٍ -أيْ ما يعادلُ اثنَتيْ عشْرَةَ دقيقةً تقريبًا- وهوَ المُعْتمَدُالصحيحُ[22].
ب‌-وقتُ الزَّوالِ:وقتُ استواءِ الشمسِ في كبدِ السماءِ[23]، وذلكَ في الحرِ الشديدِ إلى أنْ تزولَ الشمسُ أيْ يدخلَ وقتُ الظهرِ، ويستثنى منَ النهْيِ يومُ الجمعةِ[24] علَى الصَّحِيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ -يحفظهم الله-[25].
ت‌-وقْتُ الغُرُوبِ:إذَا غربَ جزءٌ مِنَ الشَّمسِ، حتَى تستكملَ غروبهَا، والعِبرةُ في الطُلوعِ والغروبِ بالحقيقةِ لا بالجبالِ التي تحجبُ الرؤيَةَ[26].
وقيلَ: إذَا اصفرَّتِ الشمسُ ودنَتْ مِنَ الغُروبِ فإنَّ الصَّلاةَ تمنعُ وهوَ الصحيحُ المُعْتمَدُ عندَ الشيخِ الخليليِّ-يحفظهُ اللهُ-؛ لحديثِ(لا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلا أَن تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ)[27]؛ فعندَ اصفرارِ الشَّمسِ أو عندَ قُربِ طلوعِ الشمسِ ينبغي أنْ يُقالَ بعدمِ جوازِ الصلاةِ في هذينِ الوقتينِ ولَوْ كانتِ الصلاةُ منَ الصلواتِ ذواتِ الأسباب[28].
والدَّليلُ علَى حُرمةِ الصَّلاةِ في هذِهِ الأَوقاتِ عُمُومًا مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ عُقبةَ بنِ عامرٍ t قال: "ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ r يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ"[29].
ويُضافُ إلى ذلكَ عدمُ جوازِ الصَّلاةِ إذَا أُقيمَتِ الفريضةُ المكتوبةُ لمَنْ لمْ يُصلِّ تلك الصَّلاةَ، فيجبُ -علَى الصَّحيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ[30]- قطعُ الصَّلاةِ والدُّخولُ معَ الإمامِ في هذَا الوقتِ؛ لقولِهِ r: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ"[31].
وكَذا وقتُ خُطبةِ الجمُعةِ إلا ركعتيْ تحيَّةِ المسجدِ، يقولُ محدِّثُ العصرِ -عافاهُ اللهُ-: " ومِنَ الأوقاتِ التي يُنهى عنِ الصَّلاةِ فيها وقتُ خُطبةِ الجُمعَةِ، فذلكَ الوقتُ يُنهى عنِ الصَّلاةِ فيهِ بِاستثناءِ ركعتيْ تحيةِ المسجِدِ"[32].


مَسْأَلةٌ

ثبتَ في الحديثِ أنَّ النَّبِيَّ r قالَ:"مَنْ أدركَ منَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ فقدَ أدركَ الصبحَ، ومَنْ أدركَ مِنَ العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ"[33]، وعليهِ فإنَّهُ يستفادُ مِنَ الحديثِ أنَّ النَّهيَ عَنِ الصَّلاةِ في هذِه ِالأوقاتِ إنما هوَ نهيٌ عَنِ ابتداءِ الصلاةِ لا عنْ استمرارِها، وذلكَ لمنْ أكملَ ركعةً تامةً منْ صلاتِهِ، فمنْ استيقظَ قبلَ طلوعِ الشمسِ -مثَلا- وكانَ بإمكانِهِ أداءُ ركعةٍ كاملةٍ فعليهِ أنْ يأتيَ بالصلاةِ، فإنْ تمتِ الركعةُ الأُولى قبلَ الطلوعِ فعليهِ مواصلةُ الصلاةِ ولا يلتفتْ إلى الطلوعِ؛ لأنَّ النهيَ في هذهِ الأوقاتِ نهيٌ عنِ الابتداءِ لا عنِ المواصلةِ.
هذا هوَ الرأيُ الراجحُ الذي رجحهُ الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- والعلامةُ القنوبيُّ[34]-حفظَهالله وأبقَاهُ- ، يقولُ الإمامُ السَّالِمِيُّ-رَحمَهُ اللهُ- :"وظاهرُ الحدِيثِ يؤيِّدُ القولَ الأوَّلَ وإِنْ كانَ شاذًّا في المذهبِ..وهَذا الحديثُ خاصٌّ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِ، وقد يُغتفرُ في البناءِ ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ، فالنَّهيُ عنِ الصَّلاةِ في ذلكَ الوقتِ نهيٌ عنِ ابتدائِها لا عنِ استدامتِها.." [35].
وهذَا كلُّهُ خلافًا لمنْ قالَ بأنَّه يقفُ بعدَ الركعةَ الأولى منتظرًا استكمالَ طلوعِ الشمسِ حتى رخصُوا لهُ بأنْ يلتفتَ للخلفِ ليتأكدَ منْ طلوعِها، وقدْ عرفتَ الرأيَ الراجحَ فاشددْ بهِ يدًا. والله الموفِّقُ.


الأوقاتُ المكروهةُ

تكرهُ الصلاةُ كراهةَ تنزيهٍ لا تحريمٍ في الأوقاتِ التاليةِ:
أ‌-بعدَ طلوعِ الفجرِحتَى تُصلَّى الفريضةُ إلا ركعتَي السُّنَّةِ.
ب‌-بعدَ صلاةِ الصبحِحتى يطلعَ قرنٌ منَ الشَّمسِ.
ت‌-بعدَ صلاةِ العَصرِ-علَى الصحيحِ-[36]؛ والدَّليلُ علَى الكراهةِ في هذيْنِ الوقتينِ قولُ النَّبِيِّ r:" لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ الصبحِ حتى تطلعَ الشمسُ"[37].


مَسْأَلَةٌ

اختلفَ العلماءُ في التنفلِ بعدَ صلاةِ الوترِ قبلَ أنْ ينامَ المصليْ؛ ذلكَ أنَّهُ لمْ يأتِ حديثٌ صريحٌ يدُلُّ على النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ بعدَ الوترِ إلا أمرُ النَّبِيِّ r بأنْ تُجعلَ الوترُ آخرَ الصلاةِ[38] في قولِهِ : "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِِكُمْ وِتْرًا"[39]، لذلكَ ذهبَ بعضُهمْ إلى الكراهَةِ وذهبَ بعضُهمْ إلى التحريمِ، يقولُ إمامُ السُّنَّةِ والأصولِ -حفظَهُالله-:"..فينبغِي تركُ التنفلِ بعدَ صلاةِ الوترِ بغضِّ النظرِ عنْ حرمةِ ذلكَ أو كراهيتِهِ، فإنَّاللهI لا يُعبدُ بالمكروهِ"[40].
ورأَى -حفظَهُالله- في موضعٍ آخرَ بأنَّ الإنسانَ إذا بدَا لهُ التنفلُ بعدَ أنْ صلَّى الوترَ فَلا مانعَ منْ ذلكَ بعدَ أنْ أدَّى الوترَ باعتبارِها آخرَ صلاتِه،[41] والله الهادِي إلى سواءِ السَّبيلِ.


فَائِدَةٌ

ثبتَتْ مشْروعيةُ قضاءِ الفوائتِ (فرائِضَ أو سُننٍ) وكذَا الصَّلواتِ السَّببيةِ في الأوقاتِ التِي تُكرَهُ فيهَا الصَّلواتُ دونَ التي تحْرمُ، فهِيَ مُستثناةٌ منْ عُمومِ النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ في هذهِ الأوقاتِ[42]، ومِنْ أمثلةِ السَّبَبِيَّاتِ: صَلاةُ الجَنازةِ، وصَلاةُ الاسْتخارةِ، وصَلاةُ تحيةِ المسجدِ، وصَلاةُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ...-كمَا سَيَأْتي-، والله أعلمُ.


فَتْوَى

السُّؤالُ/ ما رأيُكمْ في وقتِ صلاةِ تحيةِ المسجدِ؟ أفتِنا مأجورًا.
الجَوابُ/ تصلَّى في جميعِ الأوقاتِ باستثناءِ وقتِ الشروقِ والغروبِ، ووقتِ وقوفِ الشَّمْسِ في كبدِ السماءِ في الحرِّ الشديدِ، وقيل مطلقًا، إلا يومَ الجمعةِ، والله أعلمُ[43].


الشَّرطُ الثالثُ: الطَّهارةُ

والطَّهارَةُ المطلوبةُ للصَّلاةِ هيَ الطهارةُ مِنَ الحدَثينِ: الأصغرِ والأكبرِ[44] كمَا تقدَّمَ سابِقًا؛ قالَ r :".. وَلا صلاةَ لمنْ لا وضوءَ لهُ"[45]؛ فمَنْ صلَّى بغيرِ طهارةٍ لمْ تنعقدْ صلاتُه أصلًا، ومَنْ طرأَ عليهِ الحدثُ أثناءَ صلاتِه انتقضَتْ ما لمْ يُسَلِّمْ، والطهارةُ مِن الحدثينِ شرطٌ في صحةِ كلِّ صلاةٍ، فريضةً كانتْ أو نافلةً.
و كذلكَ تُشترطُ الطهارةُ مِنَ الخبثِ (النَّجَسِ)، وهذهِ الطهارةُ تكونُ في:
أ- الثَّوْبِ: قالَ تعَالى: }وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{المدثر: ٤، وقالَ الرَّسُولُ r:" المنيُّ والمذِيُّ والودِيُّ .. نجسٌ لا يصلَّى في ثوبٍ وقعَ فِيه شيءٌ منْ ذلكَ حتى يُغسلَ ويزولَ أثرُهُ".[46]
ب- البَدَنِ: قالَ r :"اغسِلي عنكِ الدَمَ وصلِّي"[47]، وإذَا وجَبَ تطهيرُ الثوبِ فتطهيرُ البدَنِ أَوْلى.
ث‌-المكَانِ: لنهيِ النَّبِيِّ rعنِ الصَّلاةِ في المقبرةِ، والمنحرةِ، ومعاطنِ الإبلِ[48]؛ لأنَّهَا مظنةُ النجاسةِ[49].


الشَّرطُ الرابعُ: اللِّبَاسُ

يُشترَطُ لصحةِ الصَّلاةِ اللباسُ الساترُ للعورةِ باتفاقِ العلماءِ[50]؛ قَالَ تعالى: }يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ{الأعراف: ٣١، والمرادُ بالزينةِ في الآيةِ اللباسُ الذي يسترُ العَورةَ لقولِهِ تعالى:} قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً {الأعراف: ٢٦، ومنْ شأنِ الإنسانِ إذا دُعيَ للقاءِ ملِكٍ منَ الملوكِ أو مسؤولٍ منَ المسؤولينَ أنْ يتجهزَ ويستعدَّ لذلكَ اللقاءِ ويلبسَ لهُ أحسنَ اللباسِ وأطيبَه، فأوْلَى بذلكَ عندَ لقاءِ ملكِ الملوكِ الذي بيدهِ كلُّ شيءٍ، ولهُ الحكمُ ولهُ الأمرُ كلُّهُ، فيأخذُ مِنْ زينتِهِ ولباسِهِ الحسَنِ ما يليقُ بعِظَمِ هذا المقامِ الجليلِ.


فَصْلٌ في صِفَةِ اللِّباسِ

والأصلُ أنَّ كلَّ لباسٍ طاهرٍ ساترٍ تجوزُ بهِ الصلاةُ، ويُستثنَى منْ ذلكَ ما نهَى عنهُ الشَّرْعُ كالذَّهَبِ والحرِيرِ للرِّجالِ؛ قالَ فيهمَا المصطفَى r:"..لأنَّهمَا محرمانِ على رجالِ أمتِي، ومحلَّلانِ لنسائِهَا"[51].
والأَوْلَى للرِّجالِ لِبْسُ البياضِ منَ الثيابِ فإنها خيرُ الثيابِ وأفضلُها؛ قالَ r:"عليكُم بهذِهِ الثيابِ البيضِ ألبسوهَا أحياءَكُم، وكفِّنوا فيها موتاكُم، فإنهَا خيرُ ثيابِكُم"[52]، وعنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ قالَ: نهاني رسولُاللهrعنْ لبسِ القِسِّيِّ وعنِْ لبسِ المُعَصْفَرِ.."[53]. والقسِّيُ: هوَ الحريرُ، والمعصفرُ: اللباسُ الذي خالطَتْه صفرةٌ.


فَصْلٌ في اللِّبَاسِ المُجْزِي لِلصَّلاةِ

وأقلُّ المجزي في لباسِ الصَّلاةِ سِترُ العَورةِ منَ الرجلِ والمرأةِ، وعورةُ الرجلِ منَ السُّرةِ إلى الركبتينِ معَ دخولهِمَا في حدِّ العورةِ على المخْتارِ[54]؛ فقدْ مَرَّ الحبيبُ المصطفَى rعَلَى رَجُلٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ فَقَالَ:" يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ"[55]، وينبغِي لهُ معَ ذلكَسترُ الصَّدرِ والبطنِ والظهرِ والعاتقِ، بل يقول إمام السُّنةِ -يحفظه الله-: "القولُ بوجوبِ سترِ العاتقِ لهُ وجهٌ وجيهٌ" والله أعلمُ[56].


لِبَاسُ المرْأَةِ

وأمَّا بالنسبةِ للمرْأةِ فجميعُ جسَدِها عورةٌ إلا الوجهَ والكفَّينِ، لسؤالِ أمِّ سلمةَ < بعدَ ذكرِهِ rلحدِّ إِزْرةِ المؤمنِ، والمرأةُ يا رسُولَالله ؟ قالَ : " تُرخِي شِبرًا" قالتْ : إذًا ينكشِفُ عنهَا؟ قالَ رسولُ الله صلَّى اللهعليهِ وسلَّمَ :" فذراعًا لا تزيدُ عليهِ"[57].
وعلَى ذلكَ فلا يجوزُ للمرأةِ -علَى الرأيِ المُعْتمَد الصَّحيحِ- أن تُظهرَ في صلاتِهَا قدمَيهَا وكلَّ ما لا يجوزُ إظهارُه عندَ الأجَانبِ، بلْ عليها سِتْرهُ بلبسِ الجوربينِ أو بإرخاءِ الثوبِ حتى يُغطِّيَ القدمينِ، لأنَّهَا مأمورةٌ في حالِ الصلاةِ أنْ تكونَ في كاملِ هيئتِهَا، يقولُ سماحةُ الشيخِ - حفظَهُالله وأبقاهُ- في أحدِ أجوبتِهِ:" نعمْ القولُ الصحيحُ الذي نعتمدُهُ أنَّ قدمَي المرأةِ منْ عورَتِها التي يجبُ عليهَا أنْ تَسترَها في الصلاةِ وفي لقائِها بالرجالِ الأجانبِ بدليلِ حديثِ أمِّ سلمةَ رضيَالله تعالى عنهَا.."[58]،وفي مدارجِ الكمالِ للإمامِ السَّالِمِي-رَحمَهُ اللهُ-[59]:
وَكُلُّ مَا ليْسَ لهَا أنْ تُظهِرَهْ***فَفِي الصَّلاةِ وَاجِبٌ أَنْ تَسْتُرَهْ






لَطِيفَةٌ

قُلتُ: وقدْ حضَرتُ في يومٍ منَ الأيامِ مجلسًا زارَنَا فيهِ شيخُنا بدرُ الدِّينِ الخليليِّ -حفظَهُ اللهُ- في المركزِ الصيفيِّ الذي أقامَه شيخُنا القنوبِيُّ -حفظَه اللهُ- لطلبةِ العلمِ فتذاكرُوا مسألةَ عورةِ الأَمَةِ، فأبدَى الشيخُ القنوبيُّ رأيَه وقالَ: بأنَّه لا فرقَ بينَ الأَمَةِ والحرةِ في حدِّ العَورةِ[60]، ثمَّ قالَ معقبًا ومُدلِّلا لذلكَ بأنَّ الأمَةَ قدْ تكونُ أكثرَ جمالا وأشَدَّ فتنةً منَ الحرةِ مثلَ ما هوَ معروفٌ منْ جمالِ إماءِ التُرْكِ, فابتسمَ البَدرُ الخليليُّ -حفظَهُم اللهُ- إقرارًا لكلامِهِ وإعجابًا باستدلالِهِ[61]..
قُلوبُ العَارِفينَ لَهَا عُيُونٌ***وأَجْنِحَةٌ تَطِيرُ بغَيرِ رِيْشٍ

ترَى مَا لا يَراهُ النَّاظِرونَا***إلى رِضْوَانِ ربِّ العَالمينَا






فَتْوَى

السُّؤالُ الأوَّلُ/ هلْ يجوزُ للمسلمِ جرُّ إزارِهِ في الصَّلاةِ أو خارِجَها؟
الجوابُ/جرُّ الإزارِ منكرٌ وكبيرةٌ مِنَ كبائرِ الإثمِ، وهوَ منْ صفاتِ الفساقِ، ولا يقبل الله صلاةَ مَنْ صنعَ ذلكَ، وسواءً كانَ في الصلاةِ وحدَها أوْ في الصَّلاةِ وخارجِها }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{ المائدة: ٢٧، وكالإزارِ سائرُ الثيابِ، وإنَّما غلبَ الإزارُ في الحديثِ لأنَّهُ الغالبُ. والله أعلمُ[62].
السُّؤالُ الثَّاني/هلْ يجبُ علَى المرأةِ تغطيةُ قدَميهَا في الصَّلاةِ؟

الجوابُ/ نعمْ القولُ الصحيحُ الذي نعتمدُه أنَّ قدمَي المرأةِ منَ عورتِها التي يجبُ عليهَا أنْ تسترَها في الصلاةِ وفي لقائِها بالرجالِ الأجانبِ بدليلِ حديثِ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ تعالى عنهَا عندَمَا سمعتِ النَّبِيَّ r يشدّدُ في إسبالِ الرَّجلِ لثوبِهِ فسألتْهُ عنْ حكمِ المرأةِ، فقالَ r: ترخِي شبرًا، فقالتْ لهُ: إذًا ينكشِفُ عنْ قدمَيها، فقالَ: ترخي ذراعًا.
فهذَا دليلٌ علَى أنَّ انكشافَ القدَمينِ غيرُ سائغٍ بالنسبةِ إلى المرأةِ معَ الرجالِ الأجانبِ، كذلكَ في حالِ الصلاةِ؛ لأنَّ في حالِ الصلاةِ هيَ مأمورةٌ أنْ تكونَ في كاملِ هيئتِها[63].


تنبيهاتٌ مهمةٌ


حولَ اللباسِ في الصَّلاةِ

1-لبسُالسَّاعةِ في الصَّلاةِ لا يجوزُ إذا كانتْ مصنوعةً منَ الحديدِ أو منْ أيِّ نوعٍ منْ أنواعِ المعادنِ؛ لنَهيِ النَّبِيِّ rعنِ الصلاةِ بالآنكِ والشَّبَه[64]، وقِيسَتْ عليهِما بقيَّةُ المعَادنِ، فمَنْ نسيَهَا ثمَّ تذكرَها أثناءَ الصَّلاةِ فعليهِ أنْ يخلعَها مباشرةً[65].
وَهَكَذَا يُقالُ في (الإِكْسِسْوارَاتِ) المصْنوعةِ مِنَ المعَادنِ والتي اعتادَتْ بعضُ النِّساءِ لبسَها واستخدامَها للتزيُّنِ، فعليهَا أنْ تخلعَها أثناءَ تأديتِها لهذِهِ الشعيرةِ المقدَّسةِ، والعِلمُ عندَ اللهِ تعالى.
أمالبسُ النَّظَّارَةِ في الصَّلاةِ فلا مَانعَ منْهُ إنْ كانتْ غيرَ مصنوعةٍ مِنَ المعادِنِ وكانتْ لا تَشغلُ المصليْ في صَلاتِه[66].
2-الإسْبالُ منكرٌ وكبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذنوبِ سواءً كانَ ذلكَ خارجَ الصلاةِ أوْ داخلَها؛ للأحاديثِ المتواترةِ[67] عنِ النَّبِيِّ r، ومنهَا قولُهُ r :"إزرةُ المؤمِنِ إلى أنصافِ ساقيهِ ولا جناحَ عليهِ فيمَا بينَه وبينَ الكعبينِ وما أسفلَ مَنْ ذلكَ ففِي النَّارِ" قالَ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ[68]؛ وعلَى ذلكَ فتفسُدُ صلاةُ المُسبِلِ، ومَنْ صلَّى خلفَهُ إنْ كانَ إمامًا[69].
وكذا تفسُدُ صَلاةُ المصلينَ في الصفِّ الأولِّ إنْ كانَ سترةُ الإمامِ مُسبلا ولمْ يشَاركْهُ أحدٌ في الستْرةِ[70]، ومَعْ ذلكَ فإنَّ الإنسانَ غيرُ مطالبٍ بالنَّظرِ والتَّفحُّصِ للإمامِ وسترتِه بلْ يمضي على صلاتِه ما دامَ أنَّ الأصلَ السَّلامةُ.
3-لِبْسُ الجواربِ للرجالِ أثناءَ الصلاةِ لا يضرُّ بالصَّلاةِ فهيَ لا تمنعُ الأقدامَ مِنْ أنْ تصِلَ إلى الأرضِ ولا تمنعُ مِنَ السُّجودِ على سبعةِ آرابٍ، ولا تدخلُ في مسألةِ الإسبالِ[71].
أمَّا المرأةُ فقدْ علمْتَ أنها مأمورةٌ بسِتْرِ قدَمَيْها بإطالةِ الثَّوبِ أوْ بِلبْسِ الجَواربِ.
4-وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ تدُلُّ على تحريمِ تصويرِ ذواتِ الأرواحِوتحريمِ لبسِ ما فيه صورةٌ مِن ذواتِ الأرواحِ، وبناءً على قاعدةِ "النَّهيُ يدُلُّ علَى فَسَادِ المنْهيِّ عَنْهُ" فقدْ صحَّحَ إمامُ السُّنَّة والأصولِ -حفظَه الله- بطلانَ صلاةِ مَنْ لبسَ في صلاتِه لباسًا فيه صورةٌ مِنْ ذواتِ الأرواحِ كالبشرِ وسائرِ الحيواناتِ[72].
5-لا بُدَّ أنْ يكونَ الثوبُ واسعًا فضفاضًابحيثُ لا يجسِّدُ عورةَ المصلِّي كالبنطلونِ الضيِّقِ، وهكَذا يجبُ أنْ لا يكونَ شفَّافًا يشِفُّ عمَّا تحتَه[73].
6-الأصْباغُ الصِّناعيةُالتي توضعُ على الأظافرِ وتمنعُ وصولَ الماءِ إليهَا، علَى المرأةِ اجتنابُها حتَى يصحَّ وضوؤُها ثمَّ تصِحَّ عبادتُها[74].


الشَّرطُ الخامِسُ: القِبْلةُ

جاءتْ شريعةُ الإسلامِ مهيمنةً على الشرائعِ السَّابقةِ، وجامعةً لمواريثِ الرِّسالاتِ السماويةِ المتقدمةِ، وأنَّ الْأَنْبِيَاءَ كلَّهم إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، َأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ[75]، وقدْ أرادَ الله عزَّ وجلَّ أنْ يجسِّدَ ذلكَ المعنَى بأمرهِ لنبيِهِ rباستقبالِ قبلةِ أهلِ الكتابِ "بيتِ المقدسِ"[76]، فكانَ المسلمونَ يستقبلونَ بيتَ المقدسِ قبلَ الهجرةِ، وبعدَ الهجرةِ لمدةِ سبعةَ عشرَ شهرًا[77] حتى نزلَ قولُهُ تعالى: }قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ {البقرة: ١٤٤، فتوجَّهَ المسلمونَ نحوَ الكَعبةِ شرَّفَها الله ورفعَ قدْرهَا.
وقد اتفقَ المسلمونَ مِنْ حيثُ الجمْلةُ على وجُوبِ استقبالِ الكَعبةِ باعتبارِهِ شرطًا مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ[78].
}فَائِدَةٌ:{قالُ أهلُ العِلْمِ: يجبُ على مَنْ كانَ معاينًا للكعبةِ أمامَهُ أنْ يستقبلَ عينَها[79]، أما مَنْ كانَ غيرَ مُعاينٍ لها -بحيثُ يَتعذَّرُ عليهِ إصابةُ عينِهَا- كمَا هوَ حالُ السَّوادِ الأعظمِ مِنَ المسْلمِينَ فلا يجبُ عليهِمْ إلا استقبالُ جهتِهَا[80] قال تعالى: }فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ {البقرة: ١٤٤.


تحرِّيْ القِبْلَةِ

يجبُ التحري والاجتهادُ في معرفةِ جهةِ القِبْلَةِ -أيْ بذلُ المجهودِ لنيلِ المقصُودِ- وذلكَ بالدلائلِ والقرائنِ في حقِّ مَنْ كانَ عاجزًا عنْ معرفةِ القبلةِ، واشتبهتْ عليهِ جهتُها، فمَنْ وجدَ أيَّ مرشدٍ اتبعهُ (برًّا كانَ أو فاجرًا)[81]؛ لأنَّ خبرَ المرشدِ أقوَى مِنَ الاجتهادِ، وإذا اكتشفَ بعدَ الصلاةِ سواءً كانَ في الوقتِ أو بعدَه خطأَ ما كانَ عليه فلا إعادةَ عليْهِ على الصَّحيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ -حفظهُما اللهُ-[82]مَا دامَ أنَّهُ لمْ يُقصِّرْ في التَّحرِّيْ؛ وفي ذلكَ -قيلَ- نزلَ قولُهُ تعالَى:} فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ {[83]البقرة: ١١٥.
}فَائِدَةٌ:{ مِنَ الوسَائلِ المعِينَةِ والدَّقيقَةِ في معْرفةِ القِبلَةِ وتحديدِ جِهتِهَا "البَوْصَلَةُ"، فعلَى المسْلمِ أنْ يصطحِبَها في أسفارِهِ لا سيَّما عندَما يسافرُ إلى بلادٍ غيرِ مُسلِمَةٍ، قُلْتُ: وقدْ اسْتخدمْناها في سَفَرِنا للولاياتِ المتَّحدةِ الإِمريكيَّةِ في صيفِ 2005م، وقد كانتْ عمليَّةً ومُجْديَةً جدًّا.


أَعْذَارُ تَرْكِ القِبْلَةِ

تعرَّفْ -يا رَعَاكَ اللهُ- أنَّه قدْ يَعرِضُ علَى المصَلِّي مِنَ العَوارِضِ مَا يمنعُهُ مِنَ اسْتقبالِ القِبلةِ في صلاتِه؛ فيمكنُهُ ترْكُ استقبالِها في الأحوالِ التَّاليةِ:
1- صلاةُ الخائفِ[84]على نفسِهِ أو مالِهِ، وصَلاةُ المطرودِ الذي يتبعُهُ عدوٌّ أو سَبُعٌ منَ السِّباعِ، وصلاةُ المسَايفةِ عندَ الاشتباكِ معَ العدوِّ، }فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً{البقرة: ٢٣٩ قالَ ابنُ عمرَ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا[85].
2- صلاةُ المريضِ والمكرَهِ والمربوطِ إذا عَجزُوا عنِ الاستقبالِ قالَ r:" إذا نهيتُكم عنْ شيءٍ فانتهوا ، وإذا أمرتُكمْ بشيءٍ فائْتُوا ما اسْتطَعتُمْ "[86].
3- صلاةُ النَّافلةِ على الراحلةِ في حالِ السفرِ، فعنِ ابنِ عمرَ بنِ الخطَّابِ { قالَ: " كانَ رسولُاللهِيصلِي على راحلتِه في السَّفرِ حيثُ ما توجهَتْ بهِ راحلتُه"[87]. قالَ الربيعُ : وذلكَ في النَّوافلِ.


تنبيهٌ مُهِمٌّ

صلاةُ النافلةِ في السَّفرِ على الراحلةِ كالسَّيارةِ والحافلةِ والطائرةِ منَ السُننِ التي غَفلَ عنْها كثيرٌ منَ الناسِ في هذهِ الأيامِ، فتجدُ الواحدَ منهُم -هدانا اللهوإياهُم- يقطَعُ المئاتِ بلِ الآلافَ مِنَ الكيلُومتراتِ بينَ نومٍ وأكلٍ وكثرةِ حديثٍ ووقعٍ في أعراضِ النَّاسِ، وينسَونَ أو يتناسَونَ هذهِ السُّنَّة الشهيرةَ الثابتةَ عنِ الأسوةِ الحسنةِ r[88].
فما أجدرَ المسلمَ وهوَ يمشِي في مناكبِ الأرضِ، ويضربُ في مشرقِها ومغربِها أنْ يُجدِّدَ العهدَ والصلةَ باللهِ -عزَ وجلَّ- فيحييَ هذهِ السُّنَّةَ ويدعُوَ الناسَ إليها لا سيَّمَا في تلكَ الأسفارِ التي يَقصدُ فيها المسافرُ بيتَ اللهالعتيقَ لأداءِ شعائرِ الحجِّ والعمرةِ، ألا وإنَّ ذلكَ مِنْ تعظيمِ شعائرِ الله}ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {الحج: ٣٢[89].


مَسْأَلةٌ


في الصَّلاةِ دَاخِلَ الكَعْبةِ

اختَلَفَ أهلُ العلمِ في الصَّلاةِ داخلَ الكَعبةِ على عدَّةِ آراءٍ، فمنهُم منْ منعَ ذلكَ مطلقًا، ومنهُم مَنْ منعَ الفرضَ وأجازَ النَّفلَ[90] وبه أفتى سماحةُ المفتي -حفظهُ اللهُ-[91]، بينَما مَالَ العلامةُ القنوبيُّ -حفظَهُ اللهُ- إلى الجوازِ مطلقًا فرضًا أو نفلاً[92]؛ لثبوتِ فعلِ ذلكَ عنِ الشارِع[93]r معَ عدمِ وجودِ ما يصرفُ هذَا الفعلَ عنْ أصلِ العمومِ إلى التخصيصِ بالنفلِ دونَ الفرضِ؛ إذِ الأصْلُ أنَّ مَا جَازَ في النَّفلِ جازَ في الفرضِ إلا إذَا دلَّ دليلٌ عَلَى خِلافِ ذلكَ.
ولا دليلَ -كذلكَ- عَلَى التَّخصِيْصِ بِهِ r دونَ غيرهِ منْ أفرادِ أُمتِهِ.


اتخَاذُ السِّترةِ

اعلمْ -وفَّقَكَ الله للعملِ بسنةِ نبيِّه الشَّريفةِ- أنَّهُ قدْ غفلَ كثيرٌ مِنَ الناسِ عنِ اتخاذِ السترةِ أثناءَ صَلاتهِم، فتجدُ الواحدَ منهمْ إذا دخلَ المسجدَ لمْ يَهتمّ أنْ يصلِيَ خلْفَ ساريةٍ أو جدارٍ يمنعُ المارَّةَ مِنَ المرورِ أمامَهُ، واتخاذُ السترةِ سنةٌ منَ السننِ النبويةِ الثابتةِ منْ قولِ النَّبِيِّ r وفعلِهِ، فقَدْ قالَ u:" إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ"[94].
وإذَا أرادَ شخصٌ المرورَ أمامَ المصلِّي فإنَّ المصَلِّيَ مأمورٌ بدفعِهِ ودَرْئِهِ ما استطاعَ، فإِنْ أبى فمَا هوَ إلا شيطانٌ منْ شياطينِ الإنسِ كمَا ثبتَ في الحديثِ " إنَّ أحدَكم إذا كانَ في الصلاةِ فلَا يدعْ أحدًا يمرُ بينَ يديهِ وليدرأهُ ما استطاعَ فإِنْ أَبى فليقاتِلْهُ فإنَّما هوَ شَيْطانٌ"[95].
وإذَا قُدِّرَ أنَّ شخصًا مرَّ بينَ المصلي وسترتِهِ فإنَّ صَلاتَه لا تتأثرُ على الرأيِ المُعْتمَد الرَّاجحِ عندَ الشَّيخَينِ الخليليِّ[96] والقنوبيِّ[97]-يحفظُهُمُالله-؛ وذلكَ لأنَّ الصَّلاةَ ليسَتْ حبلاً ممدودًا ينقطعُ بمرورِ المارَّةِ، وإنَّما هيَ صلةٌ بينَ العبدِ وربِّهِ، يصلُها برُّ القلبِ ويقطعُها فجورُه[98].


فَائِدةٌ

رخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في المرُورِ بينَ يدَيْ المصلِّي في المسْجدِ الحرامِ؛ ولعلَّ ذلكَ لوجودِ الزِّحامِ ووقوعِ الحرجِ في حالِ التَّشديدِ على النَّاسِ، والأمرُ إذا ضَاقَ اتسَعَ، وعُمومًا يَنبغِي لمنْ وجَدَ سَبيلاً إلى تَرْكِ المرورِ أنْ لا يمرَّ[99].
}تَنْبِيْهٌ مُهِمٌّ{: يكثُرُ المرُورُ بينَ يَدَيْ المصَلِّي مِنْ قِبَلِ بعضٍ مِنَ المصَلِّينَ غيرَ مُبالِينَ بنهْيِ النَّبيِّ e، وأكثرُ مَا يقعُ ذلكَ في صَلاةِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ التَّراويحِ ونحوِها مِنَ الصَّلواتِ؛ وقدْ نهى النَّبيُّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْ ذلكَ مُشَدِّدًا ومُغلِظًا قولَهُ: " لوْ يعْلَمُ المارُّ بينَ يدَيْ المصَلِّيْ مَاذَا عليهِ لَوَقَفَ أربعينَ خيرًا لهُ مِنْ أنْ يمرُّ بينَ يَدَيْهِ". قالَ جابرٌ: قالَ بعضُ الناسِ: يعني أربعينَ خريفًا، وقالَ آخرونَ: أربعينَ شَهْرًا، وقالَ آخرونَ: أربعينَ يومًا[100].


خَاتمةٌ


في أحْكَامِ القِبْلَةِ


وإليكَ ما قالَهُ النورُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- فاحفظْهَا واشدُدْ بها يدًا[101]:

ويجبُ اسْتقبالُ عَينِ الكَعبةِ***إنْ كنتَ في المسجدِ أو للجِهةِ

إنْ لمْ تكنْ فِيهِ وَلكِنْ بعْدمَا***أنْ تتحرَّى فالتحرِي لزمَا

و جائزٌ تقليدُ أهلِ الدَّارِ***فيهَا وإِنْ كانُوا مِنَ الفجَّارِ

ويَترُكُ القبلةَ مَنْ خَافَ علَى***نفسٍ ومالٍ مِنْ عدوٍّ أقْبلا

أوْ كانَ مربوطًا علَى نحوِ خشبْ***ولا يُطيقُ نحوَهَا أنْ يَنتصِبْ

أوْ كانَ أعمَى لمْ يجدْ دَلِيلا***أو حائرًا لمْ يهتدِ السَّبيلا

أوْ كانَ ذا تنفُّلٍ في الحالِ***علَى الطريقِ وعلَى الرِّحالِ

لكنَّهُ يحرمُ نحوهَا فقطْ*** ويمضِ حيثُ شاءَ مِنْ غيرِ شَطَطْ


توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البَابُ الرَّابعُ: في أَرْكَانِ الصَّلاةِ

وبعدَ أنْ تعلمتَ -أخِي الطالبَ أختي الطالبةَ- شُروطَ الصَّلاةِ فاحمدِ اللهتعالَى على نعمةِ العِلْمِ واسألْهُ التَّوفِيقَ لصَالحِ العَمَلِ، والاقتداءِ بسَيِّدِ الرُّسلِ، المعطَى جوامعَ الكَلِمِ، القائِلِ:" صلُّوا كمَا رأَيتمُونِي أُصَلِّي"[1].
وقدْ مرَّ لديكَ سلفًا أنَّ للصَّلاةِ أركانًا -وقدْ عرفتَ الفَرقَ بينَ الرُّكنِ والشَّرطِ- فشمِّرِ العزمَ لإدراكِ الأركانِ فإنَّهُ لا يمكنُ أنْ يقومَ للصَّلاةِ بدونِها بنيانٌ...

وأركانُ الصَّلاةِ تسْعةٌ، وهيَ -إجمالاً-: النيَّةُ، والقِيامُ، وتكبيرةُ الإِحْرامِ، والخشُوعُ، وقراءةُ الفَاتحةِ، والرُّكوعُ، والسُّجودُ، والتشَهُّدُ الأخيرُ، والتسْلِيمُ.
فهَاكَها مفصَّلةً مُبَيَّنَةً:


الرُّكْنُ الأوَّلُ: النيَّةُ

النيةُ هيَ الركنُ الأولُ منْ أركانِ الصلاةِ، بلْ هيَ الركنُ الأولُ مِنْ جميعِ العباداتِ التي لا نعقلُ معناهَا، والدَّليلُ على وجوبِها وركنيَّتِها قولُهُتعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{البينة: ٥، وقولُهُ عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ :" إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّياتِ"[2].


فَصْلٌ

واعلمْ -يا رحمكَ الله- أنَّهُ ينبغِي للمصلِّي إذَا أرادَ القيامَ واقفًا بينَ يدَيْ ربِه العظيمِ جلَّ في علاهُ أنْ يُخلصَ القصدَ والمرادَ للهِ تعالَى ثم يُعيِّنَ الصَّلاةَ التي يريدُ القيامَ لها ظهرًا أو عصرًا...ثمَّ يعينَها فرضًا أو نفلاً... حضرًا أو سفرًا.. أداءً أو قضاءً، وعليهِ أنْ يستحضرَ نيتَهُ طوالَ الصلاةِ إنْ أمكنَهُ، وإنْ عزبتِ النيةُ أثناءَ الصلاةِ فلا بأسَ ما لم ينوِ قطعهَا أو تبديلَ النيةِ لصلاةٍ أخْرى كأنْ يحولِّها مِنْ فرْضٍ لنفلٍ، أو منْ فرضٍ لفَرضٍ آخرَ فإنَّ ذلكَ مما تفسُدُ الصلاةُ بهِ[3].


فَتْوَى

السُّؤالُ/ما الحكمُ إذَا صلَّى الشَّخصُ الجمعةَ بنيةِ أنَّها (سنةٌ) جاهلاً بحكمِ وجوبِها؟ وهَلْ يلزمُه شيءٌ ؟
الجوابُ/عليهِ أنْ يُبدلهَا ظهراً أربعَ ركعاتٍ؛فإنَّ الجمعةَ لا تنعقدُ إنْ نواهَا سنةً، وعليهِ التوبةُ إلى اللهI لجهلِهِالواجِبَ عليهِ، واللهأعلَمُ[4].


فَوَائِدُ

صحَّحَ محدِّثُ العَصرِ[5]-حفظَهُ الله- أنَّهُ لا يلزمُ المسافرَ تعيينُ صَلاتيْ المغربِ والفَجرِ أنَّهما حضرٌ أو سفرٌ؛ وذلكَ لأنَّهما صلاتانِ لا قصْرَ فيهَما.
وصحَّحَ كذلكَ وجوبَ التزامِ النِّيةِ في ركعاتِ الصَّلاةِ -كصلاةِ الوترِ مثلاً- علَى ما أحْرَمَ عليهِ أوَّلاً، فلَيْسَ لَهُ أنْ يَزيدَ ثلاثًا إنْ كانَ أحرَمَ بواحِدةٍ، أو يقتصرَ على واحدةٍ إنْ أحرمَ علَى ثلاثٍ [6].


}تنبِيهٌ{


في النِّياتِ اللَّفظِيَّةِ

النيةُ المطلوبةُ للصَّلاةِ هيَ النيةُ القلبيةُ، وهيَ القصدُ والعزمُ بالقلبِ لأداءِ الفِعْلِ، ومعنَى ذلكَ أنَّ النيةَ محلُّها القلبُ، وأمَّا ما شاعَ عندَ الكثيرِ مِنَ الناسِ مِنَ الإتيانِ ببعضِ الألفاظِ فهوَ ليسَ منَ النيةِ الواجبةِ في شيءٍ، بلْ لمْ يأتِ به سلطانٌ لا منْ كتابٍ ولا منْ سنةٍ، ولمْ يكنْ معهودًا عندَ الرَّعيلِ الأولِ منْ صحابةِ رسولِ اللهrوالتابعينَ لهمْ، وإنَّما استحسنَهُ بعضُ العلماءِ المتأخرينَ منْ أجلِ إعانةِ العوامِ علَى استحضارِ نيةِ الصلاةِ فقط، ولكنْ صارَ الأمرُ عادةً عندَ النَّاسِ فاختلطَتِ العادةُ بالعبادَةِ حتَى قالوا بوجوبِ هَذِهِ الألفاظِ[7]..
ومنَ المعلومِ بينَ عوامِ الناسِ أنفسِهم أنَّه لو قالَ أحدٌ لصَاحبِه: "كنتُ نَوَيْتُ بالأمسِ زيارتَك" لمْ يكنْ معنَى ذلكَ أنَّه ردَّدَ ألفاظًا معيَّنةً، وإنَّمَا هوَ قصدُ القلبِ فقطْ لفعلِ ذلكَ العملِ، فحصلتْ النيةُ بذلكَ.
ويَكفي دلالةً على وجودِ نيةِ الصلاةِ أنَّ الواحدَ منهمْ إذا أرادَ أنْ يصلِّيَ ذهبَ فقضَى حاجتَهُ وتوضَّأَ وضوءَ الصَّلاةِ ثمَّ مَشَى لمصَّلاهُ وقامَ في الصفِّ واستَوى عندَ إقامةِ الصلاةِ، فمَا معنى ذلكَ كلِّهِ؟!! أليسَ دليلاً واضحًا علَى وجودِ النيةِ والقصدِ والإرادَةِ؛ ولذا أنكرَ الإمامُ النُّورُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-في جَوهرِهِ ذلكَ القولَ ناظِمًا:

ونِيَّةُ الصَّلاةِ بالجَنَانِ***فقطُّ دونَ اللَّفْظِ باللِّسَانِ
واللفظُ تأكيدٌ لمنْ يشاهُ***وَقِيْلَ لازِم وَلا نَرَاهُ
كَيْفَ يكُونُ اللَّفْظُ يلزَمَنَّا***ولمْ يَكُنْ في القَصْدِ يَدْخُلَنَّا
وَالواجِبُ النِّيَّةُ دُوْنَ القَوْلِ***فَلا أَرَى صِحَّتَهُ مِنْ قَوْلِ[8]






ويقولُ-رَحمَهُ اللهُ-في موضعٍ آخرَ:
لأَنَّمَا النِّيَّةُ بِالفُؤَادِ***لا بِالتَّلفُّظَاتِ والتعْدَادِ[9]





ويقولُ في موضعٍ ثالثٍ:
وَهِيَّ بالقَلْبِ وباللِّسَانِ***في قول بعضِ النَّاسِ مِنْ عُمَانِ


وأهلُ نَزْوَى عِنْدَهمْ بالقَلْبِ***وَهُوَ الذِي مَالَ إِليْهِ قَلْبِي[10]







الرُّكنُ الثانِي: القِيامُ


دلَّ مجموعُ النصوصِ منْ كتابِ اللهتعالَى وسُنةِ نبيِّهِ r علَى وُجُوبِ القيامِ في الصَّلاةِ، وأنَّهُ رُكنٌ لا تصحُّ الصَّلاةُ بدونِهِ قَالَ تَعَالى:}وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ {البقرة: ٢٣٨، وفِي السُّنَّةِ المطَهَّرةِ قولُهُ r: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا"[11].
هذَا بالنسبةِ للفرائضِ، ويُرخَّصُ في النَّوافلِ المطلَقةِ -غيرِ المؤكَّدةِ وغيرِ الرَّاتبةِ- بالصَّلاةِ قاعدًا ولوْ معَ الاختيارِ[12]، ولكنَّ صلاةَ القاعدِ في هذِهِ الحالةِ أقلُّ درجةً منْ صلاةِ القائمِ قالَ r:" صلاةُ أحدِكمْ قاعدًا نصفُ صلاتِه قائمًا"[13].



فَصْلٌ في صِفَةِ القِيَامِ


وصفةُ القيامِ أنْ ينتصبَ المصلِّي معتدلاً دونَ انحرافٍ أوِ اتكاءٍ لأيِّ جهةٍ منَ الجهاتِ معَ التفْريقِ بينَ القدَمَينِ دونَ مباعدةٍ كبيرةٍ بحيثُ تكونُ قدماهُ مسايرةً لأعضاءِ جسمِهِ، ويسوِّي المصلِّي قامتَهُ ويقيمُ صلبَهُ ويُرسِلُ يديهِ علَى جانبَيهِ[14]، ويصوِّبُ ببصرهِ نحوَ موضعِ سجودِهِ ولا يرفعُهُ؛ لما جاءَ منَ الوعيدِ الشَّديدِ علَى ذلكَ، ففي الحديثِ عنهُ rقالَ:" مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ"[15].



فَتْوَى


السُّؤالُ/ في حَالِ تأديةِ الصَّلاةِ أينَ يكونُ نظرُ المصلِّي؟
الجَوابُ/ المصلي عندَما يكونُ قائمًا يكونُ نظرُه محصورًا بينَ قدميْهِ وموضعِ سجودهِ، وعندَما يكونُ ساجدًا يَنظرُ إلى أنفِه؛ لأنَّ ذلكَ هوَ النظرُ الطبيعيُّ، وعندَما يكونُ راكعًا ينظرُ إلى مَا بينَ إبهاميْهِ، وعندَمَا يكونُ قاعدًا ينظرُ إلى ما بينَ ركبتيْهِ، واللهُ تعالَى أعلمُ[16].



}تَنْبِيْهٌ{


السُّنةُ أنْ يفتحَ المصلِّي عينيْهِ في الصلاةِ، لكنْ لا ينبغِي لهُ أنْ يفتحَ عينيهِ كثيرًا مخافةَ أنْ يشتغلَ، بلْ يكونُ الأمرُ وسطًا، بلِ الظَّاهِرُ -كمَا يقولُ شيخُنا الخليليُّ والغاربيُّ- أنَّهُ لا مانعَ منَ الإغماضِ لمنَ خشيَ الاشتغالَ بالفتحِ، وباللهِ التَّوفيقُ[17].



فَصْلٌ في صَلاةِ العَاجِزِ


واعلَمْ -أدامَ اللهعليْكَ نعمةَ الصِّحَّةِ والعَافِيَةِ- أنَّ مَنْ لمْ يستطعِ القيامَ في الصَّلاةِ فإنَّهُ يسقطُ عنهُ هذَا الفرضُ، فيُصلِّي علَى الكيفيَّةِ التِي يستطيعُ عليهَا، فمَنْ لمْ يستطِعْ أنْ يصلِّيَ قائِمًا فليُصَلِّ قاعدًا[18]، فإِنْ لمْ يستطعْ أنْ يُصلِّيَ قاعدًا فليُصلِّ مضطجعًا علَى جنبِهِ الأيمنِ مستقبلاً للقِبلةِ بوجهِهِ، وإِلا صلَّى مُستلقيًا علَى ظهرِهِ (وتكونُ قدماهُ نحوَ القبلةِ، بحيثُ لوْ وقفَ لاستقبلَ القبلةَ)[19].
وإنْ لمْ يتمكنْ مِن اسْتقبالِ القِبلةِ فليُصلِّ إلى أيِّ جهةٍ كانَ عليهَا، وهكَذا منْ لمْ يستطعْ أنْ يركعَ أو يسجدَ فليومِئ لهمَا، ويكونُ إيماؤُهُ للسُّجودِ أخفضَ من إيمائِه للركوعِ[20]، فإنْ لمْ يستطعِ الإيماءَ ولا الحركةَ مطلقًا فعليهِ أنْ يأتيَ بألفاظِهَا من قراءةٍ وتسبيحٍ وتحميدٍ[21]، ولا يتركُ الصلاةَ فِي حالٍ منَ الأحوالِ ولو أنْ يُكيِّفَ أعمالهَا بقلبِهِ ما دامَ أنَّ مناطَ التكليفِ (العَقْلَ) قائمٌ بهِ، فسُبحانَهُ ما أيسرهُ مِنْ دِيْنٍ، ومَا أتمَّها مِنْ نعْمَةٍ}يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{البقرة: ١٨٥.


والدِّينُ يُسْرٌ لمْ يَكُنْ عَسِيرا***فَبَشِّرُوا لا تُظْهِرُوا التَّنفِيْرا







مَسْأَلةٌ


لو قُدِّرَ أنَّ إنسانًا لمْ يجدْ ما يسترُ بهِ عورتَهُ في الصَّلاةِ إلا أنْ يصلِيَ جالسًا، فهَلْ يُراعِي الرُّكنَ؟ فيُصلِي قائِمًا، أو يراعِي الشَّرْطَ؟ فيُصلِي جالسًا، قولانِ، والمختارُ عندَ العلامةِ القنوبيِّ- حفظَهُ الله- أنَّه يصلِّي قاعِدًا؛ لأنَّ هذَا هوَ الأقربُ إلى معانِي الشَّريعةِ ومقاصدِها، ومعَ ذلكَ يَسترُ عورتَه بمَا أمكنَ مِنْ تُرابٍِ أو شَجَرٍ[22]، إلا إذَا كانَ في مكانٍ ساترٍ بحيثُ لا يمكنُ أنْ يطَّلعَ عليهِ أحدٌ -كأنْ يكونَ فِي غرفةٍ مغلقةٍ- فَيراعِي حينَهَا الرَّكنَ ويصلِي قائِمًا[23].



مَسْأَلةٌ أُخْرَى


الأصلُ أنَّ المأمومَ يتابعُ إمامَهُ صلَّى الإمامُ قاعدًا أو قائمًِا لحديثِ :" إنَّما جُعل الإمامُ إمامًا ليؤتَمَّ بِهِ، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا"[24]، ولكنْ إنْ عرضَ للإمامِ عارضٌ أثناءَ الصلاةِ فاضُطرَ للجلوس،ِ فالمختارُ عندَ شيخِنا المحقِّقِ القنوبيِّ -حفظَهالله- أنْ يواصلَ المأمومونَ الصَّلاةَ قيامًا لا قعودًا[25].



الرُّكْنُ الثَّالِثُ: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ


وهيَ التي تعرفُ بـ"تكبيرةِ الاسْتِفْتَاحِ"؛ لأنَّها أوَّلُ شَيْءٍ يُستفتحُ بهِ في الصَّلاةِ، وبهَا يصيرُ العبدُ داخلاً في صلاتِهِ، وتُسمَّى "تكبيرةَ الإحرامِ" لأنَّه يحرمُ علَى المصلِّي بهَا مَا كانَ مباحًا لَهُ خارجَ الصلاةِ.
وتكبيرةُ الإحرامِ ركنٌ ثابتٌ منْ أركانِ الصَّلاةِ[26]؛ لأدلةٍ كثيرةٍ منهَا إشارةُ القُرآنِ في قولِهِ تعالى: }وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{المدثر: ٣ وقولِهِ:}وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً {الإسراء: ١١١؛ وصريحُ السُّنةِ في قولِهِ e:" تحريمُ الصَّلاةِ التكبيرُ وتحليلُها التسليمُ"[27]، ولذلكَ فلا تصحُّ صلاةُ مَنْ صلَّى بدونِ تكبيرةِ الإحرامِ؛ لأنَّه ما لمْ يكبرْ فلا يُعدُّ داخلاً في صَلاتِهِ.
وعلَى العبدِ أنْ يستحضرَ معنَى هذهِ التكبيرةِ لينسكبَ في نفسِه شعورٌ بأنَّه بينَ يدي اللهِ تعالَى الكبيرِ المتعالِ، وأنَّ الكبرياءَ للهِ وحدَهُ، فمَا لهُ مِنَ الكِبرياءِ شيءٌ، ولا يحقُّ لهُ أنْ يُنازِعَ ربَّهُ تباركَ وتعالَى في صفةٍ مِنْ صفاتِهِ كمَا جَاءَ في الحدِيثِ القُدُسِيِّ:" الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ"[28].



فَتْوَى


السُّؤالُ/ شخصٌ أمِّيٌ كانَ يصلِّي دونَ أنْ يكبرَ تكبيرةَ الإحرامِ جهلاً بذلكَ، ومضَى عليهِ وهوَ علَى هذهِ الحالةِ عشرونَ عامًا ثمَّ عَلِمَ بعدَ مرورِ تلكَ المدةِ، فماذَا عليهِ؟
الجَوَابُ/ عليهِ أنْ يتوبَ إلى اللهِ تباركَ وتعالَى، وأنْ يعيدَ تلكَ الصلواتِ التي صلَّاها بدُونِ تكبيرةِ الإِحْرامِ، واللهُ أعلمُ[29].



فَصْلٌ في صِفَةِ تَكبِيْرةِ الإِحْرَامِ


وصفةُ تكبيرةِ الإحرامِ هي: "اللهُ أَكْبَرْ" بفتْحِ الهمزةِ مِنْ لَفظِ الجلالةِ، وسُكُونِ اللامِ الأولَى وتشديدِ الثانيةِ، وضمِّ الهاءِ، ثمَّ بفتحِ همزةِ "أَكْبَرْ" وسكونِ الكافِ وفتحِ الباءِ وسكونِ الراءِ[30].
والمرادُ مِنْ تكبيرةِ الإحرامِ اللفظُ والمعنَى علَى القولِ الصحيحِ الراجحِ[31]، وبناءً علَى ذلكَ فلا يجوزُ التكبيرُ بغيرِ اللغةِ العربيةِ[32]، وكذلكَ لا ينوبُ عنِ التكبيرِ أيُّ لفظٍ آخرَ كأنْ تَقولَ: (اللهُ أجلُّ، اللهُ أعظمُ)، وهكَذَا (اللهُ الكبيرُ، اللهُ الجليلُ، اللهُ العظيمُ)؛ لأنَّ الحدِيثَ خصَّ التكبيرَ دونَ غيرِهِ، ولأنَّ ألفاظَ الصَّلاةِ توقيفيةٌ مِنَ الشَّارِعِ الحكيمِ، وقَولُهُ r:" مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليْهِ أمرُنا فهوَ ردٌّ"[33] أصلٌ في ردِّ كلِّ ما كانَ مُبتدَعًا في أمرِ العباداتِ.



تَحْذِيْرٌ


واحذرْ -أيُّهَا المصلِّي النَّبِيْهُ- منَ اللَّحنِ والخطأِ في تكبيرةِ الإِحْرامِ[34]، ومِنْ أمثلةِ اللَّحنِ الجليِّ في التكبيرِ مَدُّ همزة ِ"اللهُ" فتصبحُ استفهامًا ويفحُشُ المعنَى والعياذُ باللهِ، وكذَا إِشْبَاعُ ضمةِ الهاءِ منْ لفظِ الجلالةِ حتَّى يتولدَ عنهَا حرفُ الواوِ، أو إسكانُ الهاء ِمنْ غيرِ تحريكٍ لهَا، وهكذَا أنْ تُمَدَّ همزةُ "أَكْبرُ" أو تُكسرَ الكافُ، أو تُعطَّشَ فتصبحَ شينًا، أو يُشبِعَ فتحةَ الباءِ فتصبحَ ألفًا "أكبار" فينقلبُ المعنى تمامًا؛ لأنَّ أكبارَ جمعُ (كَبَرٍ)، و(كَبَرٌ) اسْمٌ مِنْ أسماءِ الطَّبْلِ والعياذُ باللهِ، وهكَذَا فلتحذرْ منْ تكريرِ حرفِ الرَّاءِ حتى تتولدَ راءاتٌ زائدةٌ[35].



مَسْأَلَةٌ


ومَنْ عَرضَ عليهِعارضٌ أثناءَ التكبيرِ فلم يكمِلْهُ، كأنْ يكونَ نطقَ باسْمِ الجلالةِ فعطسَ، فلأهلِ العلمِ في المسألةِ رأيانِ: الاستئنافُ والبناءُ، والأوَّلُ هُوَ المخْتارُ عندَ صاحبِ الإيضاحِ[36] ورجَّحَهُ شيخُنا القنوبيُّ -أبقاهُ اللهُ-، فمَنْ وقعَ في ذلكَ فعَليهِ إعادَةُ التَّكبيرِ مِنْ جديدٍ ولا يبنِي علَى السَّابقِ[37].



مَسْأَلَةٌ أُخْرَى


وحكْمُ تكبيرةِ الإحرامِ في الشَّكِ كحكمِ سائرِ أركانِ الصلاةِ، فمَنْ شكَّ في الإتيانِ بهَا بعدَما جاوزَها فَلا يلتفتْ لشكِّهِ ولا يرجعْ إليْهَا إلا بحصُولِ يقينٍ أنَّه ما أتَى بهَا، هذَا الرأيُ هوَ الذي اختارَه شيخُنا القدْوةُ الخليليُّ -حفظَهُ اللهُ وسدَّدَ في طريقِ الخيرِ خطاهُ-، وفِي هذَا درأٌ للوسوسةِ، واستصحابٌ للأصلِ[38].



الرُّكْنُ الرَّابعُ: الخُشُوعُ


تعرَّفْ -أيُّها المستنيرُ في ظُلَمِ الحياةِ، والسُّائرُ على دروبِ النَّجاةِ- أنَّ الجسدَ بلا روحٍ جيفةٌ هامدةٌ، وهذهِ هيَ حالُ الصَّلاةِ بلا خشوعٍ، لا قيمةَ لهَا بلْ هيَ إلى الاحتقارِ والإقصاءِ أدنَى وأقربُ، وهذَا هوَ شأنُ رأسِ العباداتِ إذا فارقَهُ روحُها وسرُّ حياتِها ولذتِها، والذِي هوَ سببُ عُروجِها بصاحبِها إلى الملأِ الأعلَى.. وهوَ سببُ النجاحِ والارتياحِ في الدُّنيَا، والفوزِ والفلاحِ في العقْبَى.
لذَا فمَا أحراهُ ومَا أولاهُ أنْ يوضعَ في مصافِّ أركانِ الصلاةِ وفرائضِهَا، بلْ مِنْ أعظمِها وأولاهَا[39]، حتَى لا يكونَ حظُّ صاحبِها منهَا مجردَ التعبِ والنَّصَبِ، والقيامِ والقعودِ، قال تعالى: }قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {المؤمنون 1-2، وأمرَ بذلكَ أمرًا جازمًا مؤكدًا بقولِه:}وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ {البقرة: ٢٣٨أيْ خاشعينَ خاضعينَ ذليلينَ بينَ يدي الجبارِ، ملِكِ الملوكِ الذي بيدهِ حَلُّ كلِّ شيءٍ وإبرامُه، وبسطُ كلِّ شيءٍ وقبضُه، ولهُ الأمرُ والنَّهيُ، والبَطشُ والقهرُ، بلْ لَهُ الأمرُ كلُّهُ، وإليهِ يُرجعُ الأمرُ كلُّهُ.
يقولُ إمامُ الخاشعينَ، و قدوةُ القانتينَ، الذِي إذَا كبَّر سُمعَ لبُكائِه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَلِ[40] - وقدَ غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّرَ-:" لكلِّ شَيءٍ عمودٌ، وعمودُ الدِّينِ الصلاةُ، وعمودُ الصلاةِ الخشوع"[41]...فاسمعْ وتفكرْ...

وَلَيْسَ خُشُوعُ الجِسْمِ يَوْمًا بِنَافِعٍ***إذَا غَابَ قَلْبٌ فِي شِعَابِ التَّدَبُّرِ

فَمَا كُلُّ مَنْ صَلَّى يُقَالُ مُصَلِّيًا***فَشَتَّانَ بَينَ الاسْمِ وَالفِعْلِ[42]





فَصْلٌ في حَدِّ الخُشُوعِ


وقدْ تعددتِ العباراتُ في ذكرِ الخشوعِ وتعريفِهِ، ومنْ أروعِ ما قيلَ، ما ننقلُه لكَ –عزيزِي القارئَ- عنْ شيخِنا بدرِ الدِّينِ الخليليِّ -حفظَه اللهُ- :"الخُشُوعُ روحُ الصَّلاةِ وحياتُهَا، وهوَ تعظيمُ المقامِ واستحضارُ المقَالِ، فَهُوَ في القلْبِ وَأَثَرهُ في الجوارحِ"[43].
وقدْ قيلَ: إنَّ الخشوعَ لا يتحصَّلُ إلا بأربعِ خِصَالٍ -فاجمعِ الهمةَ لتحصيلِها كلِّها- وهيَ[44]:
1-إِعظامُ المقامِ، الذيْ أنتَ واقفٌ فيهِ.
2-إِخلاصُ المقالِ، للهِ الواحدِ الدَّيانِ.
3-اليقينُ التامُفي اللهِ تعالَى، بالثوابِ والعقابِ، والجنةِ والنارِ.
4-جمعُ الهيْئةِ، فلوْ خشعَ قلبُ هذَا لخشعتْ جوارحُهُ[45].


فَرَائِدُ

هذَا..وإذَا علِمتَ -رَحمني اللهُ وإياكَ- ما لا يتحَصَّلُ الخشُوعُ إلا بِهِ فَلا تَعجَبْ إذَا فعَلَ الخشُوعُ بصاحِبِِهِ العَجَبَ وتسَامَى بهِ عنْ أدِيمِ الأَرضِ حتّى طَارَ بهِ للمَلأِ الأعْلَى، فلمْ يَكنْ لهُ في هذهِ الفانيةِ إلا الجسْمُ.
وَمما يُحكى ممَّا لا يُستبعدُ ولا يُستقصَى أنَّ أحدَهُمْ كانَ يصلِّي فانهدَمَ جانبٌ مِنَ المسجِدِ فلمْ يشعرْ بهِ، ومرَّتْ ببعضِهِمُ الطُّبُولُ والزُّمورُ فلَمْ يسْمعْها، ووقفَ على ثالثِهِمُ الطَّيرُ يظنُّهُ جدارًا أو خشبةً منصوبةً مِنْ شدَّةِ سكونِهِ وحُسْنِ وقوفِهِ، وإنْ تعجبْ فاعْجَبْ ممَّنْ أُريدَ لَهُ أنْ تُقطع قدمُهُ قَبْلَ وجودِ أدَواتِ التَّخديرِ، فأمرهمْ أنْ يقطعُوها عندَما يكونُ في الصَّلاةِ؛ لأنَّهُ لا يُحِسُّ بشيءٍ عندَما يُقْبِلُ على ربِّهِ I .. هذِهِ مواهبُ اللهِ ولطائِفُهُ يهبُها مَنْ يشاءُ منْ عِبادِهِ[46]}ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً{النساء: ٧٠.


فَصْلٌ في الاطْمِئْنَانِ

وأدنَى ما يُجزي في الخشوعِ "الاطْمِئْنَانُ" في القيامِ والركوعِ والسجودِ والقعودِ معَ إكمالِ الشُّروطِ والواجباتِ والأركانِ، فهذَا أمرٌ واجبٌ لا بدَّ منهُ، مَنْ تركَهُ فسدَتْ صلاتُهُ، ووجبَ عليهِ إعادتهُا؛ لقولِه@:" لا صَلاةَ لِمَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"[47]، ولأمرِ المعلِّمِ الأولِ@الرجلَ الذي أسرعَ -في صلاتِهِ في حديثِ المسيءِ صلاتَه- بإعادَتِها وقالَ لهُ :"ارجعْ فصلِّ فإنكَ لمْ تصلِّ"[48].
وأَقَلُّ الاطْمِئْنَانِ: هوَ أنْ يمكُثَ المصَلِّي زمنًا في هيئتِهِ تلكَ حتَّى تَستقِرَّ جميعُ أعضائِهِ، ويَرجعَ كلُّ مفصلٍ لموضعِهِ، ومَنْ أخلَّ بالاطمئنانِ وأسرعَ في صلاتِه فهوَ أسرقُ الناسِ وأسوؤُهُم، وفي هذَا يقولُ إمامُنا السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ-:
وأَسْرقُ النَّاسِ فتىً قدْ يَسْرِقُ***صَلاتَهُ فَهُوَ بهَا مُنطَلِقُ[49]



وذلكَ أخذٌ ممَا رُويَ مِنْ قولِ المصطفَى @:"إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَه،ُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ يَسْرِقُهَا؟ قَالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا ولا سُجُودَهَا"[50].


فَتْوَى

السُّؤال/ ما حكمُ مَنْ لم يُقِمِ الركوعَ والسجودَ في الصلاةِ؟
الجوابُ/ جاءَ في الحديثِ الشريفِ عنِ النَّبِيِّ e " لا صلاةَ لمنْ لا يقيمُ صلبهُ في ركوعهِ وسجودِهِ"، وفي حديثِ المسِيءِ صلاتَهُ أنَّ النَّبِيَّ eأمرهُ أنْ يركعَ حتَى يطمئنَّ راكعًا، وأنْ يسجدَ حتى يطمئنَّ ساجدًا، وعليهِ فمَنْ لا يُتمُّ ركوعَهُ وسجودَهُ بالطُّمأنينةِ فصلاتُهُ باطلةٌ، واللهُ أعلمُ[51].


الرُّكنُ الخَامِسُ: قِرَاءَةُ الفَاتحَةِ

دلَّتِ النصوصُ الشَّرعيةُ علَى ركنيةِ قراءَةِ الفاتحةِ في الصَّلاةِ[52]، بلْ إنَّ رُكنيَّتُها في كلِّ ركعةٍ منْ ركعاتِ الصَّلاةِ فرضًا أو نفلاً علَى المُعْتمَد المشْهورِ[53]، سواءً كانَ المصلِّي منفردًا أو في جماعةٍ، إِمامًا أو مأمومًا، في صلاةٍ سرِّيةٍ أو جهرِيَّةٍ[54]، وأنَّ الصلاةَ لا تصحُّ بدونِها ففي حديثِ أنسٍ مرفوعًا إلى النَّبِيِّ r:" مَنْ صلَّى صلاةً لمْ يقرأْ فيهَا بأمِّ القُرآنِ فهيَ خِداجٌ"، قالَ الربيعُ: الخداجُ النَّاقصةُ، وهيَ غيرُ التَّمَامِ[55].
وبذا تُدرِكُ -أيُّها الفطِنُ- أنَّ مَنْ نقصَ مِنَ الفاتحةِ شيئًا -ولوْ حرفًا واحدًا- فسدتْ صلاتُهُ كمَا هوَ الرأيُ المُعْتمَدُ الصَّحيحُ عندَ الشَّيخَينِ -أبقاهما اللهُ-؛ لأنَّه نقصٌ في رُكنٍ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ[56]، وهكَذا مَنْ كرَّرَ آيةً أو بعضَ آيةٍ مِنَ الفاتحةِ متعمِّدًا وغيرَ مُضطرٍّ فقدْ فسدَتْ صلاتُهُ لتكريرِهِ ركنًا مِنْ أركانِ الصَّلاةِ[57]، واللهُ المسْتعَانُ.
أمَّا إذَا كانَ تِكْرارُه نسيانًا أوْ مِنْ أجلِ إصلاحِ القراءةِ فلا حرجَ عليهِ بإذنِ اللهِ تعالَى، يقولُ الحافظُ القنوبيُّ: "أمَّا إذَا كررَّ الإنسانُ جملةً مِنَ الفاتحةِ منْ أجلِ إصلاحِ القراءةِ فإنَّ ذلكَ لا بأسَ بهِ بلْ قدْ يكونُ في بعضِ الحالاتِ واجبًا، واللهُ تعالَى أعلمُ"[58].
يقولُ النُّورُ السَّالِمِيُّ-رَحمَهُ اللهُ-[59]:
وَمَنَعُوْا تِكْرَارَهُ لِلْحَمْدِ***وللتَّحِيَّاتِ بمعنَى العَمْدِ


ونقضُوا صلاةَ ذا المكرِّرِ
***وعَذَرُوا النَّاسِي هُنَاكَ فَاعْذُرِ






مَسْأَلَةٌ

ولا يحملُ الإمامُ عنِ المسْبُوقِ -المستدركِ- قراءةَ الفاتحةِ، فإنَّ لم يدركْها المأمومُ وجبَ عليهِ قضاؤُها على الرَّأيِ المُعْتمَد الصَّحيحِ[60].


فَصْلٌ في البَسْمَلَةِ

والبَسْملةُ آيةٌ منْ سورةِ الفاتحةِ يجبُ الجهرُ بها في حالةِ الجهرِ، والإِسرارُ في موضعِ السرِّ[61]، كمَا أنَّ الصَّحيحَ المُعْتمَدَ عِنْدَ الشَّيخَينِ -وفقهمُ اللهُ-[62] أنَّها آيةٌ منْ كلِّ سُورةٍ كُتبتْ قَبلَهَا.
وبناءً علَى أنَّ الفاتحةَ ركنٌ معَ الأخذِ في الاعتبارِ أنَّ البَسملةَ جزءٌ منهَا فمَنْ تركَ البسملةَ في الفاتحةِ مِنْ غيرِ تأويلٍ فسَدَتْ صلاتُهُ.
والدليلُ علَى أنَّ البسملَةَ آيةٌ منَ الفاتحةِ ما رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ وأمِّ سلمةَ {مرفوعًا أنَّ النَّبِيَّ r: " كَانَ يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.."[63]، وعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِىَّ r كَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِـ(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ فَاتِحَةَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا الآيَةُ السَّابِعَةُ[64]، وعندَ الربيعِ عنِ ابنِ عباسٍ{موقوفًا:" فاتحةُ الكتابِ هيَ أمُّ القُرآنِ فاقرأْهَا واقرأْ فيهَا (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ )، وقالَ: إنهَا آيةٌ منْ كتابِ اللهِ"[65].
إضافةً إلى ذلكَ كتابتُهَا أوَّلَ الفاتحةِ وأوَّلَ كلِّ سورةٍ - إلا التوبةَ- في المصحَفِ الإمامِ المُجمَعِ عليهِ[66]، معَ إجماعِ الصَّحابةِ y علَى عدمِ كتابةِ أيِ شَيءٍ غيرِ القرآنِ بينَ دفتي المصحفِ، ولذلكَ لمْ يكتبُوا أسماءَ السورِ وعددَ الآياتِ والمكيَّ والمدنيَّ[67].
}فائِدةٌ{: السَّبْعُ المثَاني هيَ الفاتحةُ الشَّريفةُ على المُعْتمَد الراجحِ عندَ إمامِ المفسَّرينَ -أبقاهُ اللهُ-[68] قال تعالى: }وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ {الحجر: ٨٧.


الرُّكنُ السَّادِسُ: الرُّكُوعُ

الرُّكُوعُ رُكْنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ لقولِهِ تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا {الحج: ٧٧، ولقولِهِ eللمُسيءِ صلاتَهَ: " ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا"[69].
وعليهِ فَمَنْ تركَ الركوعَ ناسيًا أو متعمِّدًا، عالِمًا أو جاهِلاً حتَى خرجَ مِنَ الصَّلاةِ فقدْ فسَدَتْ عليهِ صلاتُهُ، ومَنْ تذكَّرهُ أثناءَ الصَّلاةِ وجَبَ عليهِ أنْ يَرجعَ إليهِ ويأتِيَ بما بعدَه ثمَّ يسْجُدُ للسَّهوِ بعدَ السَّلامِ، أمَّا إِنْ لمْ يأتِ بهِ فقدْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ، ولا يُجبرُ بسُجودِ السَّهوِ، وهذَا هوَ حُكْمُ الأَرْكَانِ في الصَّلاةِ.
وَصِفَةُ الرُّكُوعِ: الانحناءُ بالظَّهرِ والرأسِ معًا حتَى تبلغَ يدَاهُ (أو راحتاهُ) ركبتَيْهِ مفرقًا بينَ أصابعِه، معَ مراعاةِ تسْويةِ ظهرهِ وعنقهِ ورأسهِ[70]، بحيثُ لوْ وُضِعَ علَى ظهرِهِ قَدَحُ ماءٍ لاستقرَّ عليهِ، ويكونُ بصرُهُ حالَ ركوعِهِ بينَ إبهامَيْ قدمَيْهِ[71].


فَصْلٌ فِي ألفَاظِ الرُّكُوعِ

ويقولُ في ركوعِه "سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيْمْ"؛ لمَا ثبتَ في حديثِ ابنِ عباسٍ{أنَّهُ عندمَا نزلَ قولُه:U}فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ{ الحاقة: ٥٢، قالَ عليهِ الصلاةِ والسلامِ: " اجعلُوهَا في ركوعِكُم"[72]، ولقولِهِ @:" فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ"[73]، ويمكنُ للمُصلِّي أنْ يكرِّرَ التسبيحَ -في ركوعِهِ وسجودِهِ- وترًا: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثرَ مِنْ ذلكَ حسبَ مَا يشاءُ، وأقلُّ التسْبيحِ في الصلاةِ ثلاثُ مرَّاتٍ علَى الصحيحِ عنْدَ شيخَينا الخليليِّ[74] والسَّالِمِيِّ[75]..
أَقَلَُّ مَا يجزِيْ مِنَ التَّسْبِيْحِ***ثلاثُ مرَّاتٍ علَى الصَّحِيْحِ



فإذَا انتهَى منَ التسبيحِ قامَ قائلاً (سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهْ)، فإذَا اطْمَأَنَّ في قيامِهِ قالَ: (ربنَا ولكَ الحمدُ)، هذََا في حقِّ مَنْ كانَ إِمامًا أو مُنفردًا، أمَّا المأمومُ فيَقُولُ في قيامِه: (ربَّنَا وَلَكَ الحمْدُ) ولا يقولُ (سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهْ) إذَا استوَى قائِمًا؛ لأنَّ الإمامَ يحمُلُها عنهُ[76] -كَمَا سَيأتي-[77].
ويُستحَبُّ -أيضًا- بعدَ قولِ المصلِّي: (ربنَا ولكَ الحمدُ) أنْ يزيدَ (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ)[78]؛ لمَا ثبتَ في الحديثِ الصحيحِ أنَّ النَّبِيَّ @قالَ لأصحابِهِ: " مَنِ المتكلمُ آنفًا وهوَ يقولُ: "ربنَا ولكَ الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ"، قالَ رجلٌ منهمْ: أنا يا رسولَ اللهِ، قالَ: " لقدْ رأيتُ بضعًا وثلاثينَ مَلَكًا يبتدرونَها أيُّهمْ يكتبُها أوَّلا"[79].


فَائِدَةٌ

وإدراكُ الرُّكوعِ معَ الإمامِ هوَ الحدُّ الفاصلُ لإدراكِ الرَّكعةِ؛ لقَولِ المُبلِّغِ r: "إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلا تَعُدُّوهَا شَيْئًا"[80].
وعليهِ فمَنْ لمْ يدركِ الرُّكوعَ -أيْ جاءَ بعدَ قيامِ الإمامِ مِنَ الرُّكوعِ- فإنهُ لمْ يدركِ الرَّكعةَ، ووجبَ عليهِ قضاؤُهَا كاملةً مِنْ قراءةٍ وركوعٍ وسجودٍ، أمَّا مَنْ أدركَ الإمامَ وهوَ راكعٌ فقدْ أدركَ الركعةَ وعليهِ معَ ذلكَ قضاءُ ما فاتَهُ مِنَ القراءَةِ علَى الرأيِ المُعْتمَد الصَّحيحِ عندَ الشَّيخَينِ -حفظَهمُ اللهُ-[81].
وبناءً علَى ذلكَ فمنْ لمْ يدركْ ركعةً منَ الصلاةِ (أيْ لمْ يدركِ الركوعَ منَ الركعةِ الأخيرةِ) فإنَّهُ لمْ يدركِ الصلاةَ؛ لقولهِ @:" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ"[82]، وخيرُ تطبيقٍ عملِيٍّ لهذهِ المسألةِ: مَنْ دخلَ معَ الإمامِ في صلاةِ الجمعةِ بعدَ الركوعِ الثاني فإنَّه يقضيهَا ظهرًا لا جمعةً علَى الرأيِ الذي عليهِ الفتوَى عندَ شيخَيْ زمانِهمَا العلاَّمتينِ الخليليِّ[83] والقنوبيِّ[84]-حفظَهمُ اللهُ-، وكذَا قالَ بعضهُم في المسَافِرِ يدخلُ معَ الإِمامِ المقيمِ في التَّشَهدِ الأخِيرِ مِنْ صَلاةٍ رُباعيَّةٍ، فإنَّه يقضِي ركعتينِ لا أربعًا[85]، واللهُ أعلمُ.
هَذا.. وأمَّا بالنِّسبةِ إلى بقيَّةِ الصَّلواتِ الأخرَى فإنَّه إذَا أدركَ ولوْ جزءًا بسيطًا منَ الصَّلاةِ فإنَّه يكونُ مدركاً لتلكَ الصَّلاةِ علَى الصَّحيحِ[86]-كمَا سيأتِي قريبًا بإذنِ اللهِ-[87].


فَائِدةٌ أُخْرَى

مَنْ أدركَ الإمامَ وهوَ راكعٌ وأرادَ الدُّخُولَ معَهُ في الركوعِ فإنَّ عليهِ أنْ يأتِيَ الإِحْرامِ وهوَ قائِمٌ، ثمَّ يأتيْ بتكبيرةِ الانتقالِ مِنَ القيامِ إلى الرُّكوعِ -علَى المُعْتمَد عندَ شيخَيْنا الخليليِّ[88]والقَنُّوبيِّ[89]-، وإنْ كانتْ قدْ فاتَتْهُ معَ الإمامِ؛ لأنَّها ليسَتْ مشروعةً لذاتِها، وإنَّما للتَّوصُّلِ إلى الركوعِ والسُّجودِ


الرُّكنُ السابعُ: السجودُ

واعلمْ -أيُّهَا العابِدُ الأريبُ- أنَّ السجودَ للهِ تعالَى هوَ غايةُ الخضوعِ ومنتهَى التذلُّلِ حينمَا ينزلُ الإنسانُ بكبريائِه، وبمحِلِّ شُموخِهِ وأنفتِهِ، وينتهِي بهَا حتَى يضعَ أنفَهُ وجبهتَهُ علَى الأرضِ ويساوِيَ بها التُّرابَ، ووَاللهِ إنَّ في هذَا العزَّ لمنَ رامَهُ، والعلُوَّ لمنْ قصدَهُ }تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {القصص: ٨٣، حينئذٍ يكونُ الدُّنوُّ والتطَامُنُ علوًّا ورفعةً عندَ اللهِ U؛ لذا يقرُبُ العبدُ مِنْ مولاهُ، بلْ يكونُ في أكثرِ حالاتِه قربًا مِنْ ربِّهِ جلَّ في علاهُ، علوٌ في دُنُوٍّ، وقدْ ثبتَ[90] " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ"[91].
فَأَنْتَ في تَذَلُّلِ الدُّنُوِّ***وَهُوَّ في تَعَزُّزِ العُلُوِّ[92]




}حِكْمَةٌ{: وقدْ قيلَ: إنَّ هِذهِ هيَ الحكمةُ مِنْ تكرارِ السُّجودِ دونَ الركوعِ في الركعةِ الواحدةِ؛ولذَا عندمَا سَأَلَ رجلٌ مِنَ الصحابةِ رسولَ اللهِ eأنْ يُرافِقَه في الجنةِ أجابَهُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ:" أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"[93].
والسُّجودُ ركنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ؛ لقولِه عزَّ مِنْ قائلٍ:}وَاسْجُدُوا {الحج: ٧٧؛ ولقولِهِ تعالى: }وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{العلق: ١٩؛ ولقولِهِ @ للمسيءِ صلاتَهُ :"ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا"[94]، والسَّجدتانِ جميعًا حدٌّ واحدٌ بينهمَا قعدةٌ خفيفةٌ.


فَصْلٌ في صِفَةِ السُّجُودِ

وصفةُ السُّجودِ: أنْ يهوِيَ المصلِّي مِنْ قيامِهِ نحوَ الأَرضِ، مقدِّمًا -علَى المُعْتمَد- ركبتيهِ ثمَّ يديهِ[95]مصوِّبًا بأصابعِهِ مضمومةً نحوَ القِبلةِ[96]، وفي حالِ استقرارِهِ علَى هيئةِ السُّجودِ يضعُ جبهتَهُ وكفَّيهِ وركبتَيهِ، ويضَعُ بطُونَ أصَابِعِ قدمَيهِ على الأرضِ متجهةً للقبلةِ، وهذهِ هيَ الآرابُ -أيْ الأعضاءُ- السَّبعةُ كما جاءَ في الحديثِ " أُمِرَ نَبِيُّكُمْ e أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ"[97].
معَ مراعاةِ ملامسةِ الأنفِ للأرضِ طوالَ السجودِ، وتبطلُ بتركِ ذلكَ علَى الصحيحِ عندَ الشيخينِ -حفظَهمُ اللهُ تعالَى-[98]، ويُراعِي كذلكَ عدمَ الضَّغطِ علَى الجبهةِ حالَ وضعِها في الأرضِ[99]، وعدمَ رفعِ قدميْهِ في السُّجودِ، وأقلُّ ما يجزِي مِنَ القَدَمِ ثلاثُ أصابعَ[100]، ومنْ سهَا فرفعَ أنفَه أو قدمَه فليُرْجعْهمَا إلى الأرضِ ولْيُسبِّحْ ثلاثَ تسبيحاتٍ قبلَ الرَّفعِ.
وعليهِ كذلكَ أنْ يكشفَ جبهتَه للأرضِ وألا يحولَ بينَ جبهتِه وموضعِ سجودِه حائلٌ كالعمامةِ والمِصرِّ والكُمَّةِ، بلْ عليهِ أنْ يرفَعَهَا قبلَ ابتداءِ الصلاةِ علَى الفتوَى عندَ شيخَيْ زمانهمَا الخليليِّ والقنوبيِّ -حفظهُم الله تعالى-. [101]
ويقدِّمُ السَّاجدُ في هويتِهِ للسُّجودِ ركبتَيْهِ فيدَيْهِ، ويقدِّمُ في قيامِهِ مِنَ السُّجودِ العكسَ منْ ذلكَ فيبدَأُ برفعِ يديهِ ثمَّ ركبتَيهِ.
ويجعلُ الرَّجُلُ يديهِ أمامَ ركبتيهِ، فيمَا بينَهمَا وبينَ رأسِه، وينبغِي أنْ تكونَ أطرافُ الأصابعِ عندَ الأذنينِ[102]، مجافيًا قليلا بينَ عضديْهِ[103]، ولْيَضُمَّ أصابعَهُ متجهةً نحوَ القبلةِ.
وأمَّا المرأةُ فقيلَ بأنَّ عليهَا أنْ تضُمَّ ولا تجافِي، وصحَّحَ الإمامُ القطب-رَحمَهُ اللهُ-والعلامةُ القنوبيُّ[104]-حفظَه اللهُ- عدمَ الفرقِ بينَ صلاةِ المرأةِ وصلاةِ الرجلِ ما دامَ أنَّ صلاتها بعيدةٌ عنِ الأعينِ ولا يمكنُ أنْ يراهَا فيهِ أحدٌ.

فَتْوَى

السُّؤالُ/ ما قولُكم فيمَنْ يسجدُ فوقَ العمامةِ، أيْ أنَّ العمامةَ تحولُ بينَ جبهتِه والأرضِ؟
الجوابُ/ في نقضِ صلاتِه خلافٌ بينَ العلماءِ، والراجحُ النقضُ إذَا كانتْ كثيفةً تحولُ بينَه وبينَ الأرضِ، واللهُ أعلمُ[105].


فَصْلٌ في لَفْظِ السُّجُودِ

تعلَّمْ -أيُّها الأخُ، ألهمَكَ اللهُ ذكرَهُ وشُكْرَهُ- بأنَّ المشروعَ في سُجودِ الفرضِ أنْ يقولَ المصلِّي: (سبحانَ ربيَ الأعلَى)؛ وذلكَ لقولِهِ @:" اجعلوهَا في سُجُودِكُمْ"[106] بعدَمَا نزلَ}سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى{الأعلى: ١.
ويمكنُكَ أيُّهَا المصلِّي في حالِ صلاةِ النَّفلِ -كقيامِ الليلِ مثلا- أنْ تدعُوَ اللهَ تعالَى في سجودِكَ وفِي القَعدةِ بينَ السَّجدتينِ، وهذَا مخصوصٌ بالنَّوافلِ دونَ الفرائضِ[107]، فقدْ دعَا النَّبِيُّ @ في صلاةِ الليلِ بقولِه :"أعوذُ بعفوكَ منْ عقابكَ وبرضاكَ منْ سخطكَ"[108].
ويمكنُ للمصلِّي أنْ يكرِّرَ التسبيحَ وترًا: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثرَ مِنْ ذلكَ حسبَ مَا يشاءُ -كمَا تقدَّمَ مثلُهُ في الرُّكُوعِ-، وإذَا كانَ إمامًا فلا ينبغِي لهُ الإِطالةُ علَى النَّاسِ وليجعلْ ذلكَ لصَلاةِ نفسِهِ، وأقلُّ التسبيحِ -كمَا في الرُّكوعِ- ثلاثُ مرَّاتٍ على الصَّحِيحِ عندَ شَيخَيْنا الخليليِّ[109] والسَّالِمِيِّ، فاسمعْ واحفظْ..
أَقَلُّ مَا يُجزيْ مِنَ التَّسْبيحِ***ثلاثُ مرَّاتٍ على الصَّحِيْحِ [110]





الرُّكْنُ الثَّامِنُ: القُعُودُ للتَّشَهُّدِ

وهوَ القُعودُ الأخيرُ الذِي يعقبُهُ السَّلامُ دونَ القعودِ الأولِ الذِي يعقبُه القيامُ، أمَّا الصَّلواتُ الثُّنائِيةُ فليسَ فيْها إلا تشهدٌ واحدٌ، وهوَ الرُّكنُ؛ وقدْ ذكرَ بعضُهمْ أنَّ الدَّليلَ علَى فرضِيَّةِ القُعودِ وركنيَّتِهِ قولُهُI:} فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً {النساء: ١٠٣.


فَصْلٌ في صِفَةِ القُعُودِ

والسُّنَّةُ في هيئةِ القُعُودِ أنْ يجلسَ المصلِّي مسوِّيًا ظهرَهُ، ويفترشَ رجلَهُ اليُسْرَى جالِسًا عليهَا، وينصِبَ رجلَه اليمنَى، ويجعلَ بُطونَ أصابعِ قدميْهِ علَى الأرضِ معتمِدًا عليهَا، لِتكُونَ أطرافُها إلى القِبلةِ؛ لحديثِ السَّيدةِ عائشةَ<فِي صفةِ صلاةِ النَّبِيِّ @:" وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى"[111]، ويضعُ كفَّهُ اليمنَى في ركبَتِهِ اليُمنَى، وكفَّهُ اليُسرَى علَى ركبَتِهِ اليُسرَى بحيثُ تكونُ رؤوسُ أصابعِهِمَا علَى أطرافِ الرُّكبَتَينِ.


فَصْلٌ في لَفْظِ التَّشَهُّدِ

هناكَ عدةُ رواياتٍ ثابتةٍ في صِيْغَةِ التشهدِ أو التحياتِ، وكلُّها جائزةٌ بحَمْدِ اللهِ تعَالى، والمختارُ منْها اللفظُ الواردُ في روايةِ ابنِ مسعودٍt[112]، ولفظُها "التَّحِيَّاتُ لِلَّه[113]ِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"[114].
ولفظُ التَّشهدِ واجبٌ منْ واجباتِ الصَّلاةِ على أقلِّ تقديرٍ، بلْ مالَ شيخُنا الخليليُّ -عافاهُ اللهُ- إلى أنَّهُ ركنٌ لا تتمُّ صلاةُ مَنْ ترْكَهُ[115].


الرُّكْنُ التاسِعُ: السَّلامُ

وهوَ ركنٌ منْ أركانِ الصَّلاةِ علَى الصَّحِيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ -حفظَهمُ اللهُ-[116]؛ لحديثِ الإمامِ عليٍّ -كرَّمَ اللهُ وجهَهُ- مرفوعًا :" تحريمُ الصَّلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ"[117]، ولمواظبةِ النَّبِيِّ e عليْهِ في جميعِ صلواتِهِ فرضًا ونفلاً، ولوْ كانَ سُنةً أو غيرَ واجِبٍ لبيَّنَ ذلكَ النَّبِيُّ eبقولِهِ أوْ فعلِهِ؛ وعَلَيهِ فتفسُدُ صَلاةُ مَنْ تركَه أو أتَى بناقِضٍ ما لمْ يُسلِّمْ ويخرجْ منَ الصَّلاةِ[118].
والرُّكنُ في السَّلامِ هوَ نفسُ التَسْليمِ، أمَّا الالتفاتُ يمينًا وشمالاً فهوَ سُنةٌ لا ينبغِي تركُها بحالٍ منَ الأحوالِ.


فَصْلٌ في صِفَةِ التَّسْلِيْمِ

وصفةُ التسليمِ أنْ يصفحَ المصلِّي بوجِهِهِ عنْ يمينِه قائلاً: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ)، ثمَّ عنْ شمالِه قائِلاً (ورحمةُ اللهِ)[119].
واعلمْ أيُّهَا المتعلِّمُ أنَّ علماءَنا -أثابهُمُ اللهُ- أجازُوا التسليمةَ الواحدةَ والتسليمَتَينِ الاثنتينِ في الخُروجِ مِنَ الصَّلاةِ، وكلُّ ذلكَ مرويٌّ في سُنةِ النبيِّ r، وإنْ كانَ العملُ عندَ الأكثرِ علَى التَّسليمَةِ الواحِدَةِ، ودليلُ الأصحابِ ما رُويَ عنْ طائفةٍ منْ صَحَابةِ رسولِ اللهِ e منهُم السَّيدةُ عَائِشَةُ <وغيرُها:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً"[120]، وقدْ حكَى غيرُ واحدٍ منَ العُلماءِ الإجماعَ علَى صحةِ صلاةِ منْ سلَّمَ تسليمةً واحدةً[121].


اِقْرَأْ وَتَدَبَّرْ

وَسَلِّمَنَّ يُمْنَةً ويُسْرى***تسليمتينِ والشَّهيرُ وترَا
وَأَوَّلُ القَوْلَينِ عَنْ ضُمَامِ***والثَّاني عنْ بَقِيَّةِ الأَعْلامِ
وَكُلُّهُمْ قَدِ اكْتفَى بمَرَّةْ***وهوَ حَدِيثٌ لا نُطِيْلُ ذِكْـرَهْ[122]






لَطِيفَةٌ

وممنْ أدركنَا مِنْ بقيةِ السَّلفِ الشيخَ العالمَ المربِّيَ سيفَ بنَ راشدٍ المعْولِي-تغمَّدَه اللهُ برحمتِهِ وأسكنَهُ فسِيحَ جنَّاتِهِ- أرادَ أنْ يُعلِّمَ النَّاسَ سَعَةَ المذهبِ والعَمَلَ بالرأيِ الآخرِ، فصلَّى بنَا صَلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ وسلَّم تسليمتَينِ عنْ يمينِه وشمالِهِ، فانقسَمَ الناسُ في هذِهِ اللحظَةِ بينَ مُنكرٍ لهذا الفعلِ ومستفهمٍ عن سببِهِ! فأجابَهمُ الشيخُ الوقورُ وهُوَ يقومُ لمصَافحَتهِم بهذهِ الأبياتِ الثلاثةِ منْ "جوهرِ النظامِ"، فرضِيَ الجميعُ وسلَّمُوا...
قلتُ: وقد فعلَه خاتمةُ الحفاظِ شيخُنا الخليليُّ -أبقاهُ اللهُ- حينَما افتتحَ أحدَ الجوامعِ التِي يحضُرهَا قومُنَا منْ أصحابِ المذاهبِ الأُخرَى[123].
وهذَا هوَ دأبُ أصحابِنَا في حلِّهمْ وترحَالِهم يراعُونَ الواقعَ، ويأخذونَ بالأوسعِ ما لمْ يخالفْ كتابًا ناطقًا أو سنةً ماضيةً، وهذَا مِنْ ذخائرِ العِلْمِ فاشدُدْ بِهِ يدًا.


فَائِدَةٌ

وردتْ رواياتٌ تُنسَبُ إلى النَّبِيِّ e فيهَا مشروعيةُ المسْحِ علَى الوجْهِ والجَبْهَةِ بعدَ السَّلامِ، وكذَا بعدَ الدُّعاءِ، وقدْ تكلَّمَ فيهَا أهلُ العلمِ، وممنْ تكلَّمَ فيهَا شيخُنا إمامُ السُّنَّةِ والأصولِ -حفظَهُ اللهُ تعالَى-فحكمَ علَى الرِّواياتِ الأولَى بالبُطلانِ والوضعِ، وعلَى الثانيةِ بالضعفِ والوهْنِ[124]، وقدْ عَرَفْتَ فالزَمْ غرزَهُ.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 02-12-2012 ]
 
 رقم المشاركة : ( 10 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,882
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



البابُ الثالثُ: في شُرُوط ِالصَّلاةِ


اعلمْ -أيُّها الطالبُ النَّبِيْهُ، وفَّقكَ الله إلى صحيحِ العبادةِ، وجنَّبَكَ مسالِكَ الضَّلالِ والغوايَةِ- أنَّ للصلاةِ شروطًا وأركانًا[1]لا تتمُّ الصلاةُ إلا بأدائِها والقيامِ بها، وكُلُّ ذلكَ مأخوذٌ منْ قولِ النَّبِيِّ e وفعلِهِ، واقتفاءً لقولِهِ :" صلُّوا كمَا رأيتُمُوني أُصَلِّي"[2].

وَنشرعُ -باللهِ مستعينينَ- أوَّلاً في الحديثِ حولَ شروطِ الصَّلاةِ، فنقولُ: إنَّ الشُّروطَ قسمانِ:
أ‌-شُروطُ وُجُوبٍ: وهيَ العقلُ والبُلوغُ والطَّهارةُ منَ الحيْضِ وَالنِّفاسِ، وقدْ تقدمَ الحديثُ عَنْها.
ب‌-شُروطُ صِحَّةٍ: وهيَ -إجمالا-: الإسلامُ، والطهارةُ، ودخولُ الوقتِ، وسِترُ العَورةِ، واستقبالُ القبلةِ..
وتاركٌ شيئًا مِنَ الشُّروطِ***فَلا صَلاةَ لانتفا المَشْروطِ[3]



وَإليكَ تفصيلَ القولِ في شُروطِ صحةِ الصلاةِ:


الشَّرطُ الأولُ: الإِسْلامُ

علينا -نحنُ معاشرَ المسلمينَ- أنْ نحمدَاللهتعالى على أنِ اصطَفانَا مِنْ بَينِ أُمَمِ الأرْضِ فَنَكُونَ مسلمينَ مؤمنينَ موحِّدينَ للهِ I، فنعمةُ الإسلامِ هيَ أكبرُ نعمةٍ أنعمَهااللهعلينَا، فـ}الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ {الأعراف: ٤٣؛ ذلكَ لأنَّ الصلاةَ وسائرَ العباداتِ لا تصِحُّ ولا تُقبلُ مِنْ غيرِ المُسْلمِ؛ قَالَ تعَالى: }وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{آل عمران: ٨٥.


تنبيهٌ مُهِمٌّ

ذكرنا آنفًا أنَّ مِنْ شروطِ وجوبِ الصَّلاةِ البلوغَ والعقلَ، وقدْ أضافَ بعضُهمْ (شَرْطَ الإِسْلامِ) شَرطًا مِنْ شُروطِ وجوبِ الصَّلاةِ، والصَّحِيحُ أنَّ الإسلامَ شرطُ صحةٍ لا شرطُ وجوبٍ؛ وذلكَ لأنَّ الكُفارَ مخاطبونَ بفروعِ الشَّريعةِ على المُعْتمَدالراجحِ عندَ الشَّيخَينِ -أبقاهُمااللهتعالى- كمَا أنهُمْ مخاطبونَ بأصولِها، ولِذلكَ فكما أنهمْ مُعاقبونَ على تركِ الأصولِ فهمْ معاقبونَ أيضًا على تركِ الفروعِ كالصَّلاةِ والزكاةِ...وعلى ذلكَ دلائلُ كثيرةٌ وشواهدُ منَ القرآنِ الكريمِ منها:
1. قولُهُ تَعَالى: }وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ{6} الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ{ فصلت: ٦ – ٧.
2.عندمَا حكَى عنْ أهلِ النارِ أنهمْ يُسألونَ مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ حكى إجابَتَهُم بقولِه:}قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ{44} وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ{45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ{46}{ المدثر: ٤٣–٤٦، وغيرُ ذلكَ منَ النصوصِ مِنْ كتابِ الله تعالى وسُنةِ نبيِهِ r يقولُ سماحةُ الشيخِ :" بجانبِ كونِاللهتباركَ وتعالى خاطَبَهمْ بالإيمانِ وبقَبولِ هَذا الدِّينِ وبالانضِمامِ إلى هَذا المعتقدِ، خاطَبهمْ أيضاً بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، ولكنْ لا تصحُّ منهمُ الصلاةُ ولا تصحُّ منهمُ الزكاةُ إلا باعتناقِهمُ الإسلامَ، فهنالكَ فرقٌ بينَ شرطِ الوجوبِ وشرطِ الصِحَّةِ.. وهكذَا يُقالُ في كلِّ العباداتِ التي تتوقفُ على شرائِطَ لصحتِهَا، لا يعني ذَلِكَ عَدَمَ وُجُوِبها على مَنْ لم يوفِ بتلكَ الشرائطِ، وإنما هذهِ شرائطُ لِصحةِ العملِ لا لوجوبِ العملِ، وكذلكَ إقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاةِ وجميعُ الأعمالِ الواجبةِ في الإسلامِ، مما يتوقفُ على عقيدةِ الإسلامِ يعدُّ الإسلامُ شرطاً لصحتِها ولا يعدُّ شرطاً لوجوبها"[4].


اِقْرَأْ وَاحْفَظْ


يَقُولُ النُّورُ السَّالميُّ -رَحمَهُ اللهُ- في مَدَارِجِ الكَمَالِ

وَتَارِكُ التَّوْحِيدِ هَلْ يُعَذَّبُ***بِتَرْكِهِ الأَعْمَالَ وَهُوَ المذْهَبُ
وَإِنْ تَرَى الإِسْلامَ شَرْطاً وَقَعَا***فَذَاكَ في صِحَّةِ مَا قَدْ صَنَعَا


أيْ لا يَصِحُّ دُونَهُ وَإِنْ وَجَبْ***فَلِلْوُجُوبِ غَيرُهُ أَيْضًا سَبَب
[5]







الشَّرطُ الثاني: الوَقْتُ


جعلَالله تعالى للصلواتِ مواقيتَ لأدائِها[6] لا تُقدَّمُ ولا تؤخَّرُ إلا بعذرٍ شرعيٍّ[7]، وحرَّمَأوقاتًا[8] لا تجوزُ الصلاةُ فيها ولا تصحُ، وأوقاتًا أخرى تُكرَهُ فيهَا،
قَال تعَالى: }إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً {النساء: ١٠٣، وذلكَ كلُّهُ حسبَ التفصيلِ الآتي:



مواقيتُ الصَّلواتِ الخمسِ


وهذهِ هيَ أوقاتُ الصلواتِ الخمسِ، نبدأُها منْ بدايةِ اليومِ العربيِّ[9]:
1-المغربُ: يبدأُ وقتُها بسقوطِ قُرصِ الشمسِ كاملاً، وينتهِي بغروبِ الشفقِ الأحمرِ على المعتبرِ عندَ شيخِنا الخليليِّ -حفظَه اللهُ-[10].
2-العِشَاءُ: يبدأُ وقتُهَا بعدَ وقتِ المغربِ، وينتهِي بثُلثِ الليلِ وقيلَ: بمنتصفِه، يقولُ شيخُنا القنوبِيُّ -حفظَه اللهُ-:" الذي نأخذُ به أنَّ وقتَ العشاءِ ينتهِي بمنتصفِ الليلِ[11]، ويقول أيضًا: "وهوَ الراجحُ عندِي لدلالةِ السنَّةِ الصحيحةِ الثابتةِ"[12].
3-الفَجْرُ: يَبدأُ منْ طُلوعِ الفَجْرِ الصَّادقِ إلى طُلوعِ جُزءٍ منَ الشَّمسِ.
4-الظُّهرُ: يبدأُ بعدَ زوالِ الشمسِ عنْ كبدِ السماءِ بقدرٍ بسيطٍ[13]، وينتهي إلى مصيرِ ظِلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه معَ مراعاةِ ذلكَ القدْرِ الذي زالَتْ بهِ الشَّمسُ[14].
5-العَصْرُ: يبدأُ مِنْ خروجِ وقتِ الظهرِ، أيْ بعدَ مصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه معَ مراعاةِ القدرِ الذي زالتْ بهِ الشَّمسُ، وينتهي باصْفرارِ الشمسِ قبلَ الغُروبِ[15]؛ لأنَّ هَذَا الوقتَ وقتٌ تمنعُ فيهِ الصَّلاةُ عَلَى الرأْيِ الرَّاجِحِ[16].



]تَنْبِيْهٌ[


الفجرُ فجْرانِ، فجرٌ كاذبٌ وفجرٌ صَادِقٌ، فَالفَجْرُ الكاذبُ: هوَ الذي يطلعُ مستطيلاً متجهًا إلى الأعلى في وسَطِ السَّماءِ، ثم تعقبُهُ ظُلْمةٌ، ويقابِلُهُ الفَجْرُ الصَّادِقُ: وهوَ البياضُ المنتشرُ ضوءُهُ معترضاً في الأفُقِ، والأوَّلُ: لا يَتَعَلَّقُ بهِ شيءٌ منَ الأحكامِ، فحكمُه حكمُ الليلِ، والثَاني: هوَ الذي تتعلقُ بهِ الأحكامُ الشَّرعيةُ كلُّها مِنْ بدءِ الصومِ، ودخولِ وقتِ الصبحِ، وانتهاءِ وقتِ الوَترِ.




مَسْألةُ الاشْتِرَاكِ في الأَوْقَاتِ


ثبتَ في الحديثِ الصَّحيحِ عندَ الإمامِ الربيعِ والشَّيخَينِ وغيرهم عنِ ابنِ عباسٍ { " أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ جميعًا مِنْ غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ ولا سحابٍ ولا مطرٍ"[17]؛ وبناءً على هذَا الحديثِ وصحَّتِهِ فقَدْ رأى الشَّيْخانِ الخليليُّ والقنوبيُّ[18] -أطالَ اللهُ في عُمُرهمْ ومتَّعنا بحياتهمْ- أنَّ القولَ بالاشتراكِ بينَ الوقتينِ هوَ القولُ الصحيحُ، أيْ أنَّ الوقتَ مِنْ أولِ الظهرِ إلى آخرِ العصرِ مشتركٌ بينهُما، وهكذا مِنْ أولِ المغربِ إلى آخرِ العشاءِ وقتٌ مشتركٌ بينهمَا لأداءِ الصلاتينِ، ولكنَّ ذلكَ منوطٌ بوجودِ الحرجِ والمشقةِ؛ لأنَّهُ لمْ يكنْ مما يتكررُ منْ فعلِ النبيِّ@، وقدْ أفصحَ عنْ ذلكَ ابنُ عباسٍ عندَما سُئِلَ عنْ علِّةِ فعلِهِ @ فقالَ: "أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ".
ومِمَّا لا يخفَى عليكَ -أيُّهَا المتعلمُ النجيبُ- أنَّ الجمعَ في أحدِ الوقتينِ أو القولَ بالاشتراكِ في الأوقاتِ مختلِفٌ عمَّا يُعرفُ بـ"الجَمْعِ الصُّوْرِي"؛ وذلكَ لأنَّ هذَا الأخيرَ متفَقٌ على جوازِهِ، فهوَ جمعٌ في الصُّورةِ فقط، وأمَا حقيقتُهُ فهوَ أنْ يصليَ الظهرَ في آخرِ وقتِها، فإذَا سلَّمَ انتهى وقتُ الظهرِ ودخلَ وقتُ العَصرِ فيصليها حينئذٍ في وقتِها المتفَقِ عليهِ، والعِلمُ عندَ اللهِ[19].



الأوقاتُ المحرمةُ


اعلمْ -أخي هداكَالله لأسبابِ طاعتِه، وجنبَكَ موجباتِ سخطِهِ ومعصيَتِهِ- أنَّ الأوقاتَ المذكورةَ آنفًا هيَ أوقاتٌ لأداءِ الصَّلواتِ المفروضةِ، وأنَّ هناكَ أوقاتًا تحرمُ فيهَا الصلاةُ بلْ لا تنعقدُ ولا تصحُّ فيها الصلاةُ أبدًا[20] فرضًا كانتْ أم نفلًا، أداءً كانتْ أم قضاءً، فكنْ منها على حذرٍ[21]، وهيَ:
أ‌-وقتُ الطُّلوعِ:إذا طلعَ جزءٌ منَ الشَّمسِ حتى تستكملَ طلوعَهَا، وقيلَ: حتى ترتفعَ قدرَ رمحٍ -أيْ ما يعادلُ اثنَتيْ عشْرَةَ دقيقةً تقريبًا- وهوَ المُعْتمَدُالصحيحُ[22].
ب‌-وقتُ الزَّوالِ:وقتُ استواءِ الشمسِ في كبدِ السماءِ[23]، وذلكَ في الحرِ الشديدِ إلى أنْ تزولَ الشمسُ أيْ يدخلَ وقتُ الظهرِ، ويستثنى منَ النهْيِ يومُ الجمعةِ[24] علَى الصَّحِيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ -يحفظهم الله-[25].
ت‌-وقْتُ الغُرُوبِ:إذَا غربَ جزءٌ مِنَ الشَّمسِ، حتَى تستكملَ غروبهَا، والعِبرةُ في الطُلوعِ والغروبِ بالحقيقةِ لا بالجبالِ التي تحجبُ الرؤيَةَ[26].
وقيلَ: إذَا اصفرَّتِ الشمسُ ودنَتْ مِنَ الغُروبِ فإنَّ الصَّلاةَ تمنعُ وهوَ الصحيحُ المُعْتمَدُ عندَ الشيخِ الخليليِّ-يحفظهُ اللهُ-؛ لحديثِ(لا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلا أَن تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ)[27]؛ فعندَ اصفرارِ الشَّمسِ أو عندَ قُربِ طلوعِ الشمسِ ينبغي أنْ يُقالَ بعدمِ جوازِ الصلاةِ في هذينِ الوقتينِ ولَوْ كانتِ الصلاةُ منَ الصلواتِ ذواتِ الأسباب[28].
والدَّليلُ علَى حُرمةِ الصَّلاةِ في هذِهِ الأَوقاتِ عُمُومًا مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ عُقبةَ بنِ عامرٍ t قال: "ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ r يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ"[29].
ويُضافُ إلى ذلكَ عدمُ جوازِ الصَّلاةِ إذَا أُقيمَتِ الفريضةُ المكتوبةُ لمَنْ لمْ يُصلِّ تلك الصَّلاةَ، فيجبُ -علَى الصَّحيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ[30]- قطعُ الصَّلاةِ والدُّخولُ معَ الإمامِ في هذَا الوقتِ؛ لقولِهِ r: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ"[31].
وكَذا وقتُ خُطبةِ الجمُعةِ إلا ركعتيْ تحيَّةِ المسجدِ، يقولُ محدِّثُ العصرِ -عافاهُ اللهُ-: " ومِنَ الأوقاتِ التي يُنهى عنِ الصَّلاةِ فيها وقتُ خُطبةِ الجُمعَةِ، فذلكَ الوقتُ يُنهى عنِ الصَّلاةِ فيهِ بِاستثناءِ ركعتيْ تحيةِ المسجِدِ"[32].



مَسْأَلةٌ


ثبتَ في الحديثِ أنَّ النَّبِيَّ r قالَ:"مَنْ أدركَ منَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ فقدَ أدركَ الصبحَ، ومَنْ أدركَ مِنَ العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ"[33]، وعليهِ فإنَّهُ يستفادُ مِنَ الحديثِ أنَّ النَّهيَ عَنِ الصَّلاةِ في هذِه ِالأوقاتِ إنما هوَ نهيٌ عَنِ ابتداءِ الصلاةِ لا عنْ استمرارِها، وذلكَ لمنْ أكملَ ركعةً تامةً منْ صلاتِهِ، فمنْ استيقظَ قبلَ طلوعِ الشمسِ -مثَلا- وكانَ بإمكانِهِ أداءُ ركعةٍ كاملةٍ فعليهِ أنْ يأتيَ بالصلاةِ، فإنْ تمتِ الركعةُ الأُولى قبلَ الطلوعِ فعليهِ مواصلةُ الصلاةِ ولا يلتفتْ إلى الطلوعِ؛ لأنَّ النهيَ في هذهِ الأوقاتِ نهيٌ عنِ الابتداءِ لا عنِ المواصلةِ.
هذا هوَ الرأيُ الراجحُ الذي رجحهُ الإمامُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- والعلامةُ القنوبيُّ[34]-حفظَهالله وأبقَاهُ- ، يقولُ الإمامُ السَّالِمِيُّ-رَحمَهُ اللهُ- :"وظاهرُ الحدِيثِ يؤيِّدُ القولَ الأوَّلَ وإِنْ كانَ شاذًّا في المذهبِ..وهَذا الحديثُ خاصٌّ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِ، وقد يُغتفرُ في البناءِ ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ، فالنَّهيُ عنِ الصَّلاةِ في ذلكَ الوقتِ نهيٌ عنِ ابتدائِها لا عنِ استدامتِها.." [35].
وهذَا كلُّهُ خلافًا لمنْ قالَ بأنَّه يقفُ بعدَ الركعةَ الأولى منتظرًا استكمالَ طلوعِ الشمسِ حتى رخصُوا لهُ بأنْ يلتفتَ للخلفِ ليتأكدَ منْ طلوعِها، وقدْ عرفتَ الرأيَ الراجحَ فاشددْ بهِ يدًا. والله الموفِّقُ.



الأوقاتُ المكروهةُ


تكرهُ الصلاةُ كراهةَ تنزيهٍ لا تحريمٍ في الأوقاتِ التاليةِ:
أ‌-بعدَ طلوعِ الفجرِحتَى تُصلَّى الفريضةُ إلا ركعتَي السُّنَّةِ.
ب‌-بعدَ صلاةِ الصبحِحتى يطلعَ قرنٌ منَ الشَّمسِ.
ت‌-بعدَ صلاةِ العَصرِ-علَى الصحيحِ-[36]؛ والدَّليلُ علَى الكراهةِ في هذيْنِ الوقتينِ قولُ النَّبِيِّ r:" لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ الصبحِ حتى تطلعَ الشمسُ"[37].



مَسْأَلَةٌ


اختلفَ العلماءُ في التنفلِ بعدَ صلاةِ الوترِ قبلَ أنْ ينامَ المصليْ؛ ذلكَ أنَّهُ لمْ يأتِ حديثٌ صريحٌ يدُلُّ على النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ بعدَ الوترِ إلا أمرُ النَّبِيِّ r بأنْ تُجعلَ الوترُ آخرَ الصلاةِ[38] في قولِهِ : "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِِكُمْ وِتْرًا"[39]، لذلكَ ذهبَ بعضُهمْ إلى الكراهَةِ وذهبَ بعضُهمْ إلى التحريمِ، يقولُ إمامُ السُّنَّةِ والأصولِ -حفظَهُالله-:"..فينبغِي تركُ التنفلِ بعدَ صلاةِ الوترِ بغضِّ النظرِ عنْ حرمةِ ذلكَ أو كراهيتِهِ، فإنَّاللهI لا يُعبدُ بالمكروهِ"[40].
ورأَى -حفظَهُالله- في موضعٍ آخرَ بأنَّ الإنسانَ إذا بدَا لهُ التنفلُ بعدَ أنْ صلَّى الوترَ فَلا مانعَ منْ ذلكَ بعدَ أنْ أدَّى الوترَ باعتبارِها آخرَ صلاتِه،[41] والله الهادِي إلى سواءِ السَّبيلِ.



فَائِدَةٌ


ثبتَتْ مشْروعيةُ قضاءِ الفوائتِ (فرائِضَ أو سُننٍ) وكذَا الصَّلواتِ السَّببيةِ في الأوقاتِ التِي تُكرَهُ فيهَا الصَّلواتُ دونَ التي تحْرمُ، فهِيَ مُستثناةٌ منْ عُمومِ النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ في هذهِ الأوقاتِ[42]، ومِنْ أمثلةِ السَّبَبِيَّاتِ: صَلاةُ الجَنازةِ، وصَلاةُ الاسْتخارةِ، وصَلاةُ تحيةِ المسجدِ، وصَلاةُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ...-كمَا سَيَأْتي-، والله أعلمُ.



فَتْوَى


السُّؤالُ/ ما رأيُكمْ في وقتِ صلاةِ تحيةِ المسجدِ؟ أفتِنا مأجورًا.
الجَوابُ/ تصلَّى في جميعِ الأوقاتِ باستثناءِ وقتِ الشروقِ والغروبِ، ووقتِ وقوفِ الشَّمْسِ في كبدِ السماءِ في الحرِّ الشديدِ، وقيل مطلقًا، إلا يومَ الجمعةِ، والله أعلمُ[43].



الشَّرطُ الثالثُ: الطَّهارةُ


والطَّهارَةُ المطلوبةُ للصَّلاةِ هيَ الطهارةُ مِنَ الحدَثينِ: الأصغرِ والأكبرِ[44] كمَا تقدَّمَ سابِقًا؛ قالَ r :".. وَلا صلاةَ لمنْ لا وضوءَ لهُ"[45]؛ فمَنْ صلَّى بغيرِ طهارةٍ لمْ تنعقدْ صلاتُه أصلًا، ومَنْ طرأَ عليهِ الحدثُ أثناءَ صلاتِه انتقضَتْ ما لمْ يُسَلِّمْ، والطهارةُ مِن الحدثينِ شرطٌ في صحةِ كلِّ صلاةٍ، فريضةً كانتْ أو نافلةً.
و كذلكَ تُشترطُ الطهارةُ مِنَ الخبثِ (النَّجَسِ)، وهذهِ الطهارةُ تكونُ في:
أ- الثَّوْبِ: قالَ تعَالى: }وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{المدثر: ٤، وقالَ الرَّسُولُ r:" المنيُّ والمذِيُّ والودِيُّ .. نجسٌ لا يصلَّى في ثوبٍ وقعَ فِيه شيءٌ منْ ذلكَ حتى يُغسلَ ويزولَ أثرُهُ".[46]
ب- البَدَنِ: قالَ r :"اغسِلي عنكِ الدَمَ وصلِّي"[47]، وإذَا وجَبَ تطهيرُ الثوبِ فتطهيرُ البدَنِ أَوْلى.
ث‌-المكَانِ: لنهيِ النَّبِيِّ rعنِ الصَّلاةِ في المقبرةِ، والمنحرةِ، ومعاطنِ الإبلِ[48]؛ لأنَّهَا مظنةُ النجاسةِ[49].



الشَّرطُ الرابعُ: اللِّبَاسُ


يُشترَطُ لصحةِ الصَّلاةِ اللباسُ الساترُ للعورةِ باتفاقِ العلماءِ[50]؛ قَالَ تعالى: }يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ{الأعراف: ٣١، والمرادُ بالزينةِ في الآيةِ اللباسُ الذي يسترُ العَورةَ لقولِهِ تعالى:} قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً {الأعراف: ٢٦، ومنْ شأنِ الإنسانِ إذا دُعيَ للقاءِ ملِكٍ منَ الملوكِ أو مسؤولٍ منَ المسؤولينَ أنْ يتجهزَ ويستعدَّ لذلكَ اللقاءِ ويلبسَ لهُ أحسنَ اللباسِ وأطيبَه، فأوْلَى بذلكَ عندَ لقاءِ ملكِ الملوكِ الذي بيدهِ كلُّ شيءٍ، ولهُ الحكمُ ولهُ الأمرُ كلُّهُ، فيأخذُ مِنْ زينتِهِ ولباسِهِ الحسَنِ ما يليقُ بعِظَمِ هذا المقامِ الجليلِ.



فَصْلٌ في صِفَةِ اللِّباسِ


والأصلُ أنَّ كلَّ لباسٍ طاهرٍ ساترٍ تجوزُ بهِ الصلاةُ، ويُستثنَى منْ ذلكَ ما نهَى عنهُ الشَّرْعُ كالذَّهَبِ والحرِيرِ للرِّجالِ؛ قالَ فيهمَا المصطفَى r:"..لأنَّهمَا محرمانِ على رجالِ أمتِي، ومحلَّلانِ لنسائِهَا"[51].
والأَوْلَى للرِّجالِ لِبْسُ البياضِ منَ الثيابِ فإنها خيرُ الثيابِ وأفضلُها؛ قالَ r:"عليكُم بهذِهِ الثيابِ البيضِ ألبسوهَا أحياءَكُم، وكفِّنوا فيها موتاكُم، فإنهَا خيرُ ثيابِكُم"[52]، وعنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ قالَ: نهاني رسولُاللهrعنْ لبسِ القِسِّيِّ وعنِْ لبسِ المُعَصْفَرِ.."[53]. والقسِّيُ: هوَ الحريرُ، والمعصفرُ: اللباسُ الذي خالطَتْه صفرةٌ.



فَصْلٌ في اللِّبَاسِ المُجْزِي لِلصَّلاةِ


وأقلُّ المجزي في لباسِ الصَّلاةِ سِترُ العَورةِ منَ الرجلِ والمرأةِ، وعورةُ الرجلِ منَ السُّرةِ إلى الركبتينِ معَ دخولهِمَا في حدِّ العورةِ على المخْتارِ[54]؛ فقدْ مَرَّ الحبيبُ المصطفَى rعَلَى رَجُلٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ فَقَالَ:" يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ"[55]، وينبغِي لهُ معَ ذلكَسترُ الصَّدرِ والبطنِ والظهرِ والعاتقِ، بل يقول إمام السُّنةِ -يحفظه الله-: "القولُ بوجوبِ سترِ العاتقِ لهُ وجهٌ وجيهٌ" والله أعلمُ[56].



لِبَاسُ المرْأَةِ


وأمَّا بالنسبةِ للمرْأةِ فجميعُ جسَدِها عورةٌ إلا الوجهَ والكفَّينِ، لسؤالِ أمِّ سلمةَ < بعدَ ذكرِهِ rلحدِّ إِزْرةِ المؤمنِ، والمرأةُ يا رسُولَالله ؟ قالَ : " تُرخِي شِبرًا" قالتْ : إذًا ينكشِفُ عنهَا؟ قالَ رسولُ الله صلَّى اللهعليهِ وسلَّمَ :" فذراعًا لا تزيدُ عليهِ"[57].
وعلَى ذلكَ فلا يجوزُ للمرأةِ -علَى الرأيِ المُعْتمَد الصَّحيحِ- أن تُظهرَ في صلاتِهَا قدمَيهَا وكلَّ ما لا يجوزُ إظهارُه عندَ الأجَانبِ، بلْ عليها سِتْرهُ بلبسِ الجوربينِ أو بإرخاءِ الثوبِ حتى يُغطِّيَ القدمينِ، لأنَّهَا مأمورةٌ في حالِ الصلاةِ أنْ تكونَ في كاملِ هيئتِهَا، يقولُ سماحةُ الشيخِ - حفظَهُالله وأبقاهُ- في أحدِ أجوبتِهِ:" نعمْ القولُ الصحيحُ الذي نعتمدُهُ أنَّ قدمَي المرأةِ منْ عورَتِها التي يجبُ عليهَا أنْ تَسترَها في الصلاةِ وفي لقائِها بالرجالِ الأجانبِ بدليلِ حديثِ أمِّ سلمةَ رضيَالله تعالى عنهَا.."[58]،وفي مدارجِ الكمالِ للإمامِ السَّالِمِي-رَحمَهُ اللهُ-[59]:

وَكُلُّ مَا ليْسَ لهَا أنْ تُظهِرَهْ***فَفِي الصَّلاةِ وَاجِبٌ أَنْ تَسْتُرَهْ







لَطِيفَةٌ


قُلتُ: وقدْ حضَرتُ في يومٍ منَ الأيامِ مجلسًا زارَنَا فيهِ شيخُنا بدرُ الدِّينِ الخليليِّ -حفظَهُ اللهُ- في المركزِ الصيفيِّ الذي أقامَه شيخُنا القنوبِيُّ -حفظَه اللهُ- لطلبةِ العلمِ فتذاكرُوا مسألةَ عورةِ الأَمَةِ، فأبدَى الشيخُ القنوبيُّ رأيَه وقالَ: بأنَّه لا فرقَ بينَ الأَمَةِ والحرةِ في حدِّ العَورةِ[60]، ثمَّ قالَ معقبًا ومُدلِّلا لذلكَ بأنَّ الأمَةَ قدْ تكونُ أكثرَ جمالا وأشَدَّ فتنةً منَ الحرةِ مثلَ ما هوَ معروفٌ منْ جمالِ إماءِ التُرْكِ, فابتسمَ البَدرُ الخليليُّ -حفظَهُم اللهُ- إقرارًا لكلامِهِ وإعجابًا باستدلالِهِ[61]..

قُلوبُ العَارِفينَ لَهَا عُيُونٌ***ترَى مَا لا يَراهُ النَّاظِرونَا
وأَجْنِحَةٌ تَطِيرُ بغَيرِ رِيْشٍ***إلى رِضْوَانِ ربِّ العَالمينَا







فَتْوَى



السُّؤالُ الأوَّلُ/ هلْ يجوزُ للمسلمِ جرُّ إزارِهِ في الصَّلاةِ أو خارِجَها؟

الجوابُ/جرُّ الإزارِ منكرٌ وكبيرةٌ مِنَ كبائرِ الإثمِ، وهوَ منْ صفاتِ الفساقِ، ولا يقبل الله صلاةَ مَنْ صنعَ ذلكَ، وسواءً كانَ في الصلاةِ وحدَها أوْ في الصَّلاةِ وخارجِها }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{ المائدة: ٢٧، وكالإزارِ سائرُ الثيابِ، وإنَّما غلبَ الإزارُ في الحديثِ لأنَّهُ الغالبُ. والله أعلمُ[62].
السُّؤالُ الثَّاني/هلْ يجبُ علَى المرأةِ تغطيةُ قدَميهَا في الصَّلاةِ؟

الجوابُ/ نعمْ القولُ الصحيحُ الذي نعتمدُه أنَّ قدمَي المرأةِ منَ عورتِها التي يجبُ عليهَا أنْ تسترَها في الصلاةِ وفي لقائِها بالرجالِ الأجانبِ بدليلِ حديثِ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ تعالى عنهَا عندَمَا سمعتِ النَّبِيَّ r يشدّدُ في إسبالِ الرَّجلِ لثوبِهِ فسألتْهُ عنْ حكمِ المرأةِ، فقالَ r: ترخِي شبرًا، فقالتْ لهُ: إذًا ينكشِفُ عنْ قدمَيها، فقالَ: ترخي ذراعًا.
فهذَا دليلٌ علَى أنَّ انكشافَ القدَمينِ غيرُ سائغٍ بالنسبةِ إلى المرأةِ معَ الرجالِ الأجانبِ، كذلكَ في حالِ الصلاةِ؛ لأنَّ في حالِ الصلاةِ هيَ مأمورةٌ أنْ تكونَ في كاملِ هيئتِها[63].



تنبيهاتٌ مهمةٌ


حولَ اللباسِ في الصَّلاةِ


1-لبسُالسَّاعةِ في الصَّلاةِ لا يجوزُ إذا كانتْ مصنوعةً منَ الحديدِ أو منْ أيِّ نوعٍ منْ أنواعِ المعادنِ؛ لنَهيِ النَّبِيِّ rعنِ الصلاةِ بالآنكِ والشَّبَه[64]، وقِيسَتْ عليهِما بقيَّةُ المعَادنِ، فمَنْ نسيَهَا ثمَّ تذكرَها أثناءَ الصَّلاةِ فعليهِ أنْ يخلعَها مباشرةً[65].
وَهَكَذَا يُقالُ في (الإِكْسِسْوارَاتِ) المصْنوعةِ مِنَ المعَادنِ والتي اعتادَتْ بعضُ النِّساءِ لبسَها واستخدامَها للتزيُّنِ، فعليهَا أنْ تخلعَها أثناءَ تأديتِها لهذِهِ الشعيرةِ المقدَّسةِ، والعِلمُ عندَ اللهِ تعالى.
أمالبسُ النَّظَّارَةِ في الصَّلاةِ فلا مَانعَ منْهُ إنْ كانتْ غيرَ مصنوعةٍ مِنَ المعادِنِ وكانتْ لا تَشغلُ المصليْ في صَلاتِه[66].
2-الإسْبالُ منكرٌ وكبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذنوبِ سواءً كانَ ذلكَ خارجَ الصلاةِ أوْ داخلَها؛ للأحاديثِ المتواترةِ[67] عنِ النَّبِيِّ r، ومنهَا قولُهُ r :"إزرةُ المؤمِنِ إلى أنصافِ ساقيهِ ولا جناحَ عليهِ فيمَا بينَه وبينَ الكعبينِ وما أسفلَ مَنْ ذلكَ ففِي النَّارِ" قالَ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ[68]؛ وعلَى ذلكَ فتفسُدُ صلاةُ المُسبِلِ، ومَنْ صلَّى خلفَهُ إنْ كانَ إمامًا[69].
وكذا تفسُدُ صَلاةُ المصلينَ في الصفِّ الأولِّ إنْ كانَ سترةُ الإمامِ مُسبلا ولمْ يشَاركْهُ أحدٌ في الستْرةِ[70]، ومَعْ ذلكَ فإنَّ الإنسانَ غيرُ مطالبٍ بالنَّظرِ والتَّفحُّصِ للإمامِ وسترتِه بلْ يمضي على صلاتِه ما دامَ أنَّ الأصلَ السَّلامةُ.
3-لِبْسُ الجواربِ للرجالِ أثناءَ الصلاةِ لا يضرُّ بالصَّلاةِ فهيَ لا تمنعُ الأقدامَ مِنْ أنْ تصِلَ إلى الأرضِ ولا تمنعُ مِنَ السُّجودِ على سبعةِ آرابٍ، ولا تدخلُ في مسألةِ الإسبالِ[71].
أمَّا المرأةُ فقدْ علمْتَ أنها مأمورةٌ بسِتْرِ قدَمَيْها بإطالةِ الثَّوبِ أوْ بِلبْسِ الجَواربِ.
4-وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ تدُلُّ على تحريمِ تصويرِ ذواتِ الأرواحِوتحريمِ لبسِ ما فيه صورةٌ مِن ذواتِ الأرواحِ، وبناءً على قاعدةِ "النَّهيُ يدُلُّ علَى فَسَادِ المنْهيِّ عَنْهُ" فقدْ صحَّحَ إمامُ السُّنَّة والأصولِ -حفظَه الله- بطلانَ صلاةِ مَنْ لبسَ في صلاتِه لباسًا فيه صورةٌ مِنْ ذواتِ الأرواحِ كالبشرِ وسائرِ الحيواناتِ[72].
5-لا بُدَّ أنْ يكونَ الثوبُ واسعًا فضفاضًابحيثُ لا يجسِّدُ عورةَ المصلِّي كالبنطلونِ الضيِّقِ، وهكَذا يجبُ أنْ لا يكونَ شفَّافًا يشِفُّ عمَّا تحتَه[73].
6-الأصْباغُ الصِّناعيةُالتي توضعُ على الأظافرِ وتمنعُ وصولَ الماءِ إليهَا، علَى المرأةِ اجتنابُها حتَى يصحَّ وضوؤُها ثمَّ تصِحَّ عبادتُها[74].



الشَّرطُ الخامِسُ: القِبْلةُ


جاءتْ شريعةُ الإسلامِ مهيمنةً على الشرائعِ السَّابقةِ، وجامعةً لمواريثِ الرِّسالاتِ السماويةِ المتقدمةِ، وأنَّ الْأَنْبِيَاءَ كلَّهم إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، َأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ[75]، وقدْ أرادَ الله عزَّ وجلَّ أنْ يجسِّدَ ذلكَ المعنَى بأمرهِ لنبيِهِ rباستقبالِ قبلةِ أهلِ الكتابِ "بيتِ المقدسِ"[76]، فكانَ المسلمونَ يستقبلونَ بيتَ المقدسِ قبلَ الهجرةِ، وبعدَ الهجرةِ لمدةِ سبعةَ عشرَ شهرًا[77] حتى نزلَ قولُهُ تعالى: }قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ {البقرة: ١٤٤، فتوجَّهَ المسلمونَ نحوَ الكَعبةِ شرَّفَها الله ورفعَ قدْرهَا.
وقد اتفقَ المسلمونَ مِنْ حيثُ الجمْلةُ على وجُوبِ استقبالِ الكَعبةِ باعتبارِهِ شرطًا مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ[78].
}فَائِدَةٌ:{قالُ أهلُ العِلْمِ: يجبُ على مَنْ كانَ معاينًا للكعبةِ أمامَهُ أنْ يستقبلَ عينَها[79]، أما مَنْ كانَ غيرَ مُعاينٍ لها -بحيثُ يَتعذَّرُ عليهِ إصابةُ عينِهَا- كمَا هوَ حالُ السَّوادِ الأعظمِ مِنَ المسْلمِينَ فلا يجبُ عليهِمْ إلا استقبالُ جهتِهَا[80] قال تعالى: }فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ {البقرة: ١٤٤.



تحرِّيْ القِبْلَةِ


يجبُ التحري والاجتهادُ في معرفةِ جهةِ القِبْلَةِ -أيْ بذلُ المجهودِ لنيلِ المقصُودِ- وذلكَ بالدلائلِ والقرائنِ في حقِّ مَنْ كانَ عاجزًا عنْ معرفةِ القبلةِ، واشتبهتْ عليهِ جهتُها، فمَنْ وجدَ أيَّ مرشدٍ اتبعهُ (برًّا كانَ أو فاجرًا)[81]؛ لأنَّ خبرَ المرشدِ أقوَى مِنَ الاجتهادِ، وإذا اكتشفَ بعدَ الصلاةِ سواءً كانَ في الوقتِ أو بعدَه خطأَ ما كانَ عليه فلا إعادةَ عليْهِ على الصَّحيحِ المُعْتمَد عندَ الشَّيخَينِ -حفظهُما اللهُ-[82]مَا دامَ أنَّهُ لمْ يُقصِّرْ في التَّحرِّيْ؛ وفي ذلكَ -قيلَ- نزلَ قولُهُ تعالَى:} فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ {[83]البقرة: ١١٥.
}فَائِدَةٌ:{ مِنَ الوسَائلِ المعِينَةِ والدَّقيقَةِ في معْرفةِ القِبلَةِ وتحديدِ جِهتِهَا "البَوْصَلَةُ"، فعلَى المسْلمِ أنْ يصطحِبَها في أسفارِهِ لا سيَّما عندَما يسافرُ إلى بلادٍ غيرِ مُسلِمَةٍ، قُلْتُ: وقدْ اسْتخدمْناها في سَفَرِنا للولاياتِ المتَّحدةِ الإِمريكيَّةِ في صيفِ 2005م، وقد كانتْ عمليَّةً ومُجْديَةً جدًّا.



أَعْذَارُ تَرْكِ القِبْلَةِ


تعرَّفْ -يا رَعَاكَ اللهُ- أنَّه قدْ يَعرِضُ علَى المصَلِّي مِنَ العَوارِضِ مَا يمنعُهُ مِنَ اسْتقبالِ القِبلةِ في صلاتِه؛ فيمكنُهُ ترْكُ استقبالِها في الأحوالِ التَّاليةِ:
1- صلاةُ الخائفِ[84]على نفسِهِ أو مالِهِ، وصَلاةُ المطرودِ الذي يتبعُهُ عدوٌّ أو سَبُعٌ منَ السِّباعِ، وصلاةُ المسَايفةِ عندَ الاشتباكِ معَ العدوِّ، }فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً{البقرة: ٢٣٩ قالَ ابنُ عمرَ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا[85].
2- صلاةُ المريضِ والمكرَهِ والمربوطِ إذا عَجزُوا عنِ الاستقبالِ قالَ r:" إذا نهيتُكم عنْ شيءٍ فانتهوا ، وإذا أمرتُكمْ بشيءٍ فائْتُوا ما اسْتطَعتُمْ "[86].
3- صلاةُ النَّافلةِ على الراحلةِ في حالِ السفرِ، فعنِ ابنِ عمرَ بنِ الخطَّابِ { قالَ: " كانَ رسولُاللهِيصلِي على راحلتِه في السَّفرِ حيثُ ما توجهَتْ بهِ راحلتُه"[87]. قالَ الربيعُ : وذلكَ في النَّوافلِ.



تنبيهٌ مُهِمٌّ


صلاةُ النافلةِ في السَّفرِ على الراحلةِ كالسَّيارةِ والحافلةِ والطائرةِ منَ السُننِ التي غَفلَ عنْها كثيرٌ منَ الناسِ في هذهِ الأيامِ، فتجدُ الواحدَ منهُم -هدانا اللهوإياهُم- يقطَعُ المئاتِ بلِ الآلافَ مِنَ الكيلُومتراتِ بينَ نومٍ وأكلٍ وكثرةِ حديثٍ ووقعٍ في أعراضِ النَّاسِ، وينسَونَ أو يتناسَونَ هذهِ السُّنَّة الشهيرةَ الثابتةَ عنِ الأسوةِ الحسنةِ r[88].
فما أجدرَ المسلمَ وهوَ يمشِي في مناكبِ الأرضِ، ويضربُ في مشرقِها ومغربِها أنْ يُجدِّدَ العهدَ والصلةَ باللهِ -عزَ وجلَّ- فيحييَ هذهِ السُّنَّةَ ويدعُوَ الناسَ إليها لا سيَّمَا في تلكَ الأسفارِ التي يَقصدُ فيها المسافرُ بيتَ اللهالعتيقَ لأداءِ شعائرِ الحجِّ والعمرةِ، ألا وإنَّ ذلكَ مِنْ تعظيمِ شعائرِ الله}ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {الحج: ٣٢[89].



مَسْأَلةٌ


في الصَّلاةِ دَاخِلَ الكَعْبةِ


اختَلَفَ أهلُ العلمِ في الصَّلاةِ داخلَ الكَعبةِ على عدَّةِ آراءٍ، فمنهُم منْ منعَ ذلكَ مطلقًا، ومنهُم مَنْ منعَ الفرضَ وأجازَ النَّفلَ[90] وبه أفتى سماحةُ المفتي -حفظهُ اللهُ-[91]، بينَما مَالَ العلامةُ القنوبيُّ -حفظَهُ اللهُ- إلى الجوازِ مطلقًا فرضًا أو نفلاً[92]؛ لثبوتِ فعلِ ذلكَ عنِ الشارِع[93]r معَ عدمِ وجودِ ما يصرفُ هذَا الفعلَ عنْ أصلِ العمومِ إلى التخصيصِ بالنفلِ دونَ الفرضِ؛ إذِ الأصْلُ أنَّ مَا جَازَ في النَّفلِ جازَ في الفرضِ إلا إذَا دلَّ دليلٌ عَلَى خِلافِ ذلكَ.
ولا دليلَ -كذلكَ- عَلَى التَّخصِيْصِ بِهِ r دونَ غيرهِ منْ أفرادِ أُمتِهِ.



اتخَاذُ السِّترةِ


اعلمْ -وفَّقَكَ الله للعملِ بسنةِ نبيِّه الشَّريفةِ- أنَّهُ قدْ غفلَ كثيرٌ مِنَ الناسِ عنِ اتخاذِ السترةِ أثناءَ صَلاتهِم، فتجدُ الواحدَ منهمْ إذا دخلَ المسجدَ لمْ يَهتمّ أنْ يصلِيَ خلْفَ ساريةٍ أو جدارٍ يمنعُ المارَّةَ مِنَ المرورِ أمامَهُ، واتخاذُ السترةِ سنةٌ منَ السننِ النبويةِ الثابتةِ منْ قولِ النَّبِيِّ r وفعلِهِ، فقَدْ قالَ u:" إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ"[94].
وإذَا أرادَ شخصٌ المرورَ أمامَ المصلِّي فإنَّ المصَلِّيَ مأمورٌ بدفعِهِ ودَرْئِهِ ما استطاعَ، فإِنْ أبى فمَا هوَ إلا شيطانٌ منْ شياطينِ الإنسِ كمَا ثبتَ في الحديثِ " إنَّ أحدَكم إذا كانَ في الصلاةِ فلَا يدعْ أحدًا يمرُ بينَ يديهِ وليدرأهُ ما استطاعَ فإِنْ أَبى فليقاتِلْهُ فإنَّما هوَ شَيْطانٌ"[95].
وإذَا قُدِّرَ أنَّ شخصًا مرَّ بينَ المصلي وسترتِهِ فإنَّ صَلاتَه لا تتأثرُ على الرأيِ المُعْتمَد الرَّاجحِ عندَ الشَّيخَينِ الخليليِّ[96] والقنوبيِّ[97]-يحفظُهُمُالله-؛ وذلكَ لأنَّ الصَّلاةَ ليسَتْ حبلاً ممدودًا ينقطعُ بمرورِ المارَّةِ، وإنَّما هيَ صلةٌ بينَ العبدِ وربِّهِ، يصلُها برُّ القلبِ ويقطعُها فجورُه[98].



فَائِدةٌ


رخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في المرُورِ بينَ يدَيْ المصلِّي في المسْجدِ الحرامِ؛ ولعلَّ ذلكَ لوجودِ الزِّحامِ ووقوعِ الحرجِ في حالِ التَّشديدِ على النَّاسِ، والأمرُ إذا ضَاقَ اتسَعَ، وعُمومًا يَنبغِي لمنْ وجَدَ سَبيلاً إلى تَرْكِ المرورِ أنْ لا يمرَّ[99].
}تَنْبِيْهٌ مُهِمٌّ{: يكثُرُ المرُورُ بينَ يَدَيْ المصَلِّي مِنْ قِبَلِ بعضٍ مِنَ المصَلِّينَ غيرَ مُبالِينَ بنهْيِ النَّبيِّ e، وأكثرُ مَا يقعُ ذلكَ في صَلاةِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ التَّراويحِ ونحوِها مِنَ الصَّلواتِ؛ وقدْ نهى النَّبيُّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْ ذلكَ مُشَدِّدًا ومُغلِظًا قولَهُ: " لوْ يعْلَمُ المارُّ بينَ يدَيْ المصَلِّيْ مَاذَا عليهِ لَوَقَفَ أربعينَ خيرًا لهُ مِنْ أنْ يمرُّ بينَ يَدَيْهِ". قالَ جابرٌ: قالَ بعضُ الناسِ: يعني أربعينَ خريفًا، وقالَ آخرونَ: أربعينَ شَهْرًا، وقالَ آخرونَ: أربعينَ يومًا[100].



خَاتمةٌ


في أحْكَامِ القِبْلَةِ


وإليكَ ما قالَهُ النورُ السَّالِمِيُّ -رَحمَهُ اللهُ- فاحفظْهَا واشدُدْ بها يدًا[101]:

و يجبُ اسْتقبالُ عَينِ الكَعبةِ***إنْ كنتَ في المسجدِ أو للجِهةِ


إنْ لمْ تكنْ فِيهِ وَلكِنْ بعْدمَا***أنْ تتحرَّى فالتحرِي لزمَا


و جائزٌ تقليدُ أهلِ الدَّارِ***فيهَا وإِنْ كانُوا مِنَ الفجَّارِ


ويَترُكُ القبلةَ مَنْ خَافَ علَى***نفسٍ و مالٍ مِنْ عدوٍّ أقْبلا


أوْ كانَ مربوطًا علَى نحوِ خشبْ***ولا يُطيقُ نحوَهَا أنْ يَنتصِبْ


أوْ كانَ أعمَى لمْ يجدْ دَلِيلا***أو حائرًا لمْ يهتدِ السَّبيلا


أوْ كانَ ذا تنفُّلٍ في الحالِ***علَى الطريقِ وعلَى الرِّحالِ


لكنَّهُ يحرمُ نحوهَا فقطْ***
ويمضِ حيثُ شاءَ مِنْ غيرِ شَطَطْ

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
ملف , من , المتعلقة , المواضيع , الصلاة , بــ , يتضمن , شامل , عدي , والمسائل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فتاوى الصلاة للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي عابر الفيافي نور الفتاوى الإسلامية 30 08-26-2013 03:24 PM
اسرار الشفاء بالصلاة.. نزوانية وافتخر.. الـنور الإسلامي العــام 4 01-15-2012 12:18 PM
كتاب : الفتاوى كتاب الصلاة ج1 لسماحة الشيخ أحمد الخليلي عابر الفيافي نور الفتاوى الإسلامية 8 10-26-2011 10:29 PM
القبــائـــل العمـــانيــة عابر الفيافي نور عُماننا الحبيبة 1 04-29-2011 05:33 PM
سؤال أهل الذكر 6من محرم1424هـ ،9/3/2003م- الموضوع : الخشوع في الصلاة عابر الفيافي حلقات سؤال أهل الذكر 0 02-18-2011 01:55 AM


الساعة الآن 07:59 PM.