تقرير بعنوان منهج تصنيف العلوم بين التقليد والتأصيل - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات


العودة   منتديات نور الاستقامة > الـنـور الـثـقـافـي والطلابي > نور البحوث العلمية

نور البحوث العلمية [يحوث علمية] [بحوث طلابية] [بحوث لجميع الموادالعلمية] [بحوث لجميع المواد الأدبية] [تقارير علمية] [تقارير طلابية] [تقارير لجميع الموادالعلمية] [تقارير لجميع المواد الأدبية]


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
افتراضي  تقرير بعنوان منهج تصنيف العلوم بين التقليد والتأصيل
كُتبَ بتاريخ: [ 10-18-2011 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية الامير المجهول
 
::الـمـشـرف العـام::
::مستشار المنتدى::
الامير المجهول غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 8
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : عمان
عدد المشاركات : 7,603
عدد النقاط : 913
قوة التقييم : الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع الامير المجهول محبوب الجميع




تمهيد :
ليس علم تصنيف العلوم علماً وصفياً صرفاً . يكتفي بإحصاء ما هو كائن من المعرفة البشرية ، ويعقبها بالترتيب بعديا ليقدمها تقريرا للناس يصف ما كان ليبني عليها ما يكون في نطاق التدرج المعرفي الإنساني العام ، بل إن هذا العلم يحمل في ظاهره الوصفي التقريري غاية معيارية تتمثل في اتخاذه من وصف ما كان في واقع العلوم بناء لما ينبغي أن يكون في توجهات العقل إلي مواضيع المعرفة سواء على مستوى تربوي بالإرشاد إلي كيفية‌ استيعاب العلوم وتمثلها ، أو على مستوى إبداعي بالتوجيه إلي المستجد من مناطات الاستكشاف العقلي بحسب ما يقتضيه تقدم الحياة الإنسانية .
ولذلك فإن هذا العلم أشبه التاريخ في مظهره الوصفي لما هو واقع في حقل المعرفة الإنسانية ‌من جهة ، وأشبه المنطق في تحديده لما ينبغي أن يجري عليه العقل فيها من جهة أخري ، حتى إنه سمي « بمنطق العلوم » فكان علما وصفيا معياريا في نفس الآن .
إلا أن هذه الوصفية التي أشبه بها التاريخ ، وهذه المعيارية التي أشبه بها المنطق لم تكونا لتجعلا منه علما موضوعيا مثل علم التاريخ وعلم المنطق ؛ ذلك لأن غايته المعيارية ليست بقضايا العقل الفطرية كما هو الحال في المنطق وسائر العلوم الموضوعية الأخرى ، بل هي متقومة‌ بالموقف الوجودي للإنسان فيما يراه من حقيقة الوجود وموقعه هو ذاته من تلك الحقيقة ، ليصوغ من تصنيف العلوم منهاجا يتناسب مع ذلك الموقف ،‌ويخدم المآل الذي يرسمه الإنسان لنفسه فيه .
ولذلك فإن هذا العلم يحمل عبر تاريخه في طيات مسحته الإحصائية‌ الوصفية أبعادا أيديولوجية عقدية ، كما ظل يعكس الخصائص الفكرية والثقافية للبيئات التي تحتضنه ، والأعلام الذي عرفوا بالتأليف فيه ، خاصة عندما يتعلق الأمر بطور من أطوار التجديد [1] ؟ بل إن الصفة المنطقية التي يتصف بها هذا العلم ترشحه لأن يكون في مضمار الكشف عن الخصائص الفكرية الثقافية لمن تعاطي البحث والتأليف فيه مادة ممتازة‌ لتبين تلك الخصائص والميزات وشرحها وتحليلها ،‌وذلك بما ممتازة لتبين تلك الخصائص والميزات وشرحها وتحليلها ،‌وذلك بما هو رسم منهجي لما ينبغي أن تؤول إليه المعرفة ‌الإنسانية ، الأمر الذي يجعله تعبيرا شبه مباشر عن خصائص فكرية ثقافية‌ باعتبار أن الثقافة تعني منهجية الإنسان تحقيق حياته العقلية والعملية [2] ، والفكر يعني حركة العقل في عملية المعرفة للوصول إلي الحقيقة [3] .
إنه هذه المعاني تبدو واضحة في ذلك التصنيف للعلوم المأثور عن أرسطو ، والذي يعتبر أنضج تفسير في الفكر الفلسفي القديم ، كما أنه يعتبر التصنيف الذي ظل موجها للفكر التصنيفي بعده قرونا طويلة ‌من الزمن في ظل التوجيه العام الذي كان للفكر الأرسطي على وجه العموم .
لقد قسم أرسطو العلوم إلي قسمين رئيسيين . يندرج تحت كل منهما جملة من العلوم الفرعية على النحو التالي :

(أ) علم ما بعد الطبيعة أو الفلسفة الأولي ، أو العلم الإلهي ، وهو بحث في الوجود المطلق .
(ب) العلم الرياضي ، وهو البحث في الوجود من حيث هو مقدار وعدد .
(جـ) العلم الطبيعي ، وهو البحث في الوجود من حيث هو محسوس متحرك .

(أ‌) (أ‌) علم الأخلاق
(ب‌) (ب‌) علم تدبير
(ت‌) (ت‌) علم السياسية
(ث‌) (ث‌) الفن والشعر
أما المنطق فإنه غير داخل في هذا التقسيم ، لأن موضوعة ذهني ، ‌وهو آلة للعلو كلها [4] .
إن هذا التقسيم الأرسطي يمتزج فيه وصف العلوم التي كانت على عهد أرسطو الذاتي لما ينبغي أن تنتهجه المعرفة الإنسانية ‌بناء على فلسفته في بنية الوجود التي تترتب فيها الموجودات ترتيبا شرقيا متنازلا من أكثرها تجريدا إلي أكثرها اتصالا بالمادة ، وهو ما يحكي تلك الصورة المأثورة عن أرسطو في تدريجه للموجودات الكونية درجات : أعلاها المحرك الأول الواجب الوجود ، وأدناها الكائنات التي لا أعضاء لها الشبيهة بالهيولي ، مرورا بعالم ما فوق فلك القمر الذي يشمل الكواكب التي لا ينالها الكون والفساد ، ثم بعالم ما تحته الذي يشمل ما يناله الكون والفساد لاختلاطه بالمادة [5] .
كما أنه يعكس خاصية البنية الفكرية التي ميزت العقلية اليونانية على وجه العموم ، وهي خاصية التجريد كما تبدو في الفصل بين العلوم على أساس نسبتها من التجريد وإناطة الشرف والإجلال بها على ذلك الاعتبار . وكما تبدو أيضا في انبناء‌ هيكلية التقسيم بحسب تصور نظري مجرد تابع لصورة الوجود في الذهن ، أكثر من انبنائها على لواقع المعرفة الإنسانية وما أثمرته من علوم .
كما أن هذا التقسيم يعكس أيضا خاصية المفاضلة والمباعدة في الفكر الأرسطي . فالعلم النظري كأنما هو مفاصل تماما للعلوم النظرية ، فإن غايته هي المعرفة فحسب ، وليس له من مدخل في العمل السلوكي ،‌إذ المعرفة بالتعقل غاية في حد ذاتها بل هي أشرف غايات الإنسان ، وكأنما الإنسان يعيش ثنائية ذات طرفين متدابرين متقاطعين : التعقل الذي يشده إلي عالم المجردات ،‌والعمل الذي يشده إلي عالم المحسوسات . ولعل هذه الخاصية تعتبر هي بدورها تظهيرا للتصور الوجودي لأرسطو حيث واجب الوجود عنده حرك العالم ثم تركه يتحرك وأصبح عنه بعيدا لا يتدخل في شؤونه حتى على سبيل العلم به إلا أن يكون علما بالكليات .
على هذا النحو من التفاعل بين علم تصنيف العلوم وبين مقومات التصور الوجودي ، والخصائص الثقافية للمصنفين نجد سائر التصنيفات التي وصلتنا من نتائج أزمنة مختلفة وأعلام متعددين ، فماذا كان الأمر بالنسبة لتصنيف العلوم عند المسلمين من حيث علاقة ذلك التصنيف بما أحدثه لتصنيف العلوم عند المسلمين من حيث علاقة ذلك التصنيف بما أحدثه عنصر التدين بالإسلام في عقول المسلمين من تصور للوجود ولدور الإنسان فيه ، وماذا أبرز من خصائص فكرية ثقافية متميزة ؟

لم يحظ علم تصنيف العلوم عند المسلمين بما يليق به من الدراسة والتحليل ،‌سواء من قبل الدراسين المسلمين أنفسهم ، أو من قبل الدراسين عامة ،‌فالمسلمون يندرج ضعف اهتمامهم بدراسة هذا العلم ضمن ضعف اهتمامهم بالعلوم المنهجية عامة . وأما عامة الدراسين فإن أغلب دراساتهم في تصنيف لتنقل من التقسيم القديم المتأثر بتقسيم أرسطو إلي تصنيف روجر بيكون ( 1214-1268 )Roger Bacon وفرانسيس بيكون ( (1625-1561) Francis Bacon .
1- 1- أهم المؤلفات في هذا العلم :
ويقابل هذا الضعف العلوم عند المسلمين وفرة في الإنتاج من قبلهم فيه ، وثراء في المحتوي ، وجدة وابتكارا في البناء التصنيفي ، مما يخرج من أن يكون مشاركة عابرة في هذا العلم ، ويمثل بحق مدرسة إسلامية في تصنيف العلوم ، وهو ما تضمنته مجموعة واسعة من المؤلفات عبر أزمة متتالية تمحض بعضها لتصنيف العلوم خاصة ، واشتمل البعض الآخر على عادة المسلمين القديمة في التأليف الموسوعي . وإذا كان تتبع ما ألفه المسلمون في هذا الغرض تتبعا إحصائيا كاملا غير ميسور في هذا المقام فإننا نعرض فيما يلي لائحة بأهم ما وصلنا من مؤلفات إسلامية في تصنيف العلوم منفردة أو مشتركة ، مما نقدر أنه كان له إسهام في إنضاج هذا الفن من فنون المعرفة ، وأنه يمكن الدارس من تبين خصائص الفكر الإسلامي في التصنيف ،‌وأنه يمكن الدارس من تبين خصائص الفكر الإسلامي في التصنيف ، وميزاته فيه . وسنورد هذه اللائحة في نسق تاريخي على النحو التالي :












وليست هذه المؤلفات متساوية‌ في قيمتها التصنيفية ، ولا في تمثيلها لخصائص الفكر الإسلامي الأصلية كما سيظهر بعد حين ،‌ولكنها تبين العناية المستمرة من قبل المسلمين بهذا العلم ،‌والإنضاج المطرد لشكله ومحتواه تمشيا في ذلك مع واقع العلوم الإسلامية في تناميها وتوسعها وتفرعها .
وإذا ما تجاوزنا ما أثر عن أبي يوسف يعقوب الكندي ( ت 252 هـ / 868 م ) من محاولة متواضعة لتصنيف العلوم [7] ، فإننا نجد الفارابي ينهض بعمل تصنيفي رائد في نطاق الفكر الإسلامي حتى ليعتبر عمله ذاك أقرب إلي الفطرة منه إلي التدرج الطبيعي المتنامي إذا ما نظرنا إليه في نطاق ذلك الفكر ، وإذا ما وجدنا لهذه الطفرة تفسيرا في تأثر الفارابي في تصنيفه بالحصيلة التصنيفية الموروثة عن أرسطو ،‌والتي بلغ عمرها ما ينيف عن الألف عام ، فإننا نجد في نفس الآن تصنيفات أخرى متأثرة بالموروث الأرسطي ، وهي متأخرة زمنيا على الفارابي ، ولكنها من حيث قيمتها التصنيفية تنقص كثيرا عن تصنيف الفارابي ، وهو ما يصح في حق كل من تصنيف ابن سينا وإخوان صفا .
وإذا ما انتقلنا إلي ابن النديم فإننا نجد بداية المحاولة ‌التصنيفية النابعة من واقع الفكر الإسلامي في غير تأثر يذكر بثقافات أخرى . ثم تنمو هذه المحاولة نموا طبيعيا متدرجا في النضج عند ابن حزم والأبيوري لتبلغ مستوى رفيعا عند ابن خلدون ابن خلدون حيث تظهر في تصنيفه خصائص الفكر الإسلامي في التصنيف واضحة المعالم .
ثم يأتي طاش كبرى زاده ليكون تصنيفه تتويجا مستوفيا للفكر التصنيفي الإسلامي ،‌بل خلاصة عميقة الدلالة للتراث العلمي الإسلامي وقد أخذ وضع الاستقرار وكف عن النمو أو كاد ، فجاء‌‌« مفتاح السعادة » يسجل في نسق تصنيفي منهجي العلوم الموجودة في دائرة الثقافة الإسلامية بأوسع وأشمل ما عرف في الفكر الإسلامي من تصنيف . وكل من جاء بعد ابن خلدون وطاش كبرى زاده من مصنفين إنما هم مقتبسون منهما سائرون على خطاهما في الأكثر .

حملت أغلب هذه المؤلفات في مقدماتها تعريفا بعلم تصنيف العلوم أو علم تقاسيم العلوم كما يسمى أحيانا ، فوضحت طبيعته كما وضحت غايته بما يبين الإطار العام الذي يندرج فيه هذا العلم ، وهو ما قصده الفارابي في فاتحة كتابه حينما قال : « قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علما علما ، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها ،‌وأجزاء كل ما له منها أجزاء ، وجمل ما في كل واحد من أجزائه » [8] . وهذا المعني هو نفسه الذي عبر عنه طاش كبرى زاده في تعريفه لعلم التصنيف إذ يقول : « هو علم باحث عن التدرج من أعم الموضوعات إلي أخصها ليحصل بذلك موضوع العلوم المندرجة تحت ذلك الأعم » [9] .
ومن البين أن هذين التعريفين صيغا بما يدل على أن هذا العلم بني بحيث يكون إحصاء منهجيا للمعارف بغاية التسهيل في استيعابها ،‌وهو ما يفسر انبناء التعريفين على معني التجزئة في العلوم وإدراج الأخص في الأعم . وهو معني ذو غاية تعليمية ‌واضحة عبر عنها الفارابي بدقة في بيانه لمنافع كتابه « إحصاء العلوم » إذ يقول : « وينتفع بما في هذا الكتاب لأن الإنسان إذا أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه علم على ماذا يقدم ،‌وفي ماذا ينظر ،‌وأي شيء سيفيد بنظره ، وما غناء ذلك ، وأي فضيلة تنال به ، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة لا عن مي وغرور . وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقايس بين العلوم ، فيعلم أيها أفضل ،‌وأيها أنفع ، وأيها أتقن وأوثق وأقوى ، وأيها أوهن وأوهي » [10] ، وهذا المعني ذاته هو الذي أشار إليه طاش كبرى زاده في قوله : « إن الفنون كثيرة ، وتحصيل كلها بل جلها يسيرة، مع أن مدة العمر قصيرة ، وتحصيل آلات التحصيل عسيرة ،‌فكيف الطريق إلي الخلاص من هذا المضيق ؟ فتأمل فيما قدمت إليك من العلوم اسما ورسما وموضوعيا ونفعا وفيما اخترعت من التفصيل في طريق التحصيل » [11] .
ويتبين مما تقدم أن هذا العلم استحدثه المسلمون في إطار منهجي معرفي تربي ، وليس لاستحداثه في هذا الإطار من قبل مسلمين وفي مجال ثقافي إسلامي من غاية سوى أن يكون عاملا على بناء فكر إسلامي متقوم بحقيقة العقيدة الإسلامية الشاملة كما شرحتها العلوم الكثيرة التي هي مادة التصنيف في علم تصنيف العلوم ، وليس هذا بمتناقض مع تكوين الفكر على خصائص منهجية ثقافية في المعرفة بوجه عام بل هو تدعيم لذلك التكوين مع توجيهه الوجهة التي تبرز فيها صفات فكرية ثقافية متأتية بالداعي العقائدي الإسلامي ،‌وكفيلة في نفس الوقت بأن تمكن من استيعاب الحقيقة الإسلامية التي جاءت العلوم لشرحها .
وإذا كنا لا نظفر في مقدمات التآليف التصنيفية موضوع دراستنا ببيانات مباشرة في هذا المعني الذي قررناه آنفا ، فإننا نحسب أن سببه قيام ذلك المعني في الأذهان على ‌وجه يقارب البداهة مما يجعله أصبح تكوين الفكر على أساس استيعاب الحقيقة الدينية محل جدل بين قابل مؤيد وبين رافض منكر . ويكفي في بيان ذلك أن نرجع إلي ما قاله الإسلاميون على اختلاف وجهاتهم في بيان حقيقة العلم بصفة عامة – وليس تصنيف العلوم إلا جزءا منه – وفي غايته وثمرته ، فإننا حينئذ نجد أن العلم ليس إلا طريقا لتحصيل الحقيقة الدينية والسعادة بها تفكرا وتطبيقا ، وهو ما عناه الفارابي ، بقوله : إن العلم كنز مدفون يفوز من سهل الله طريقه إليه [12] .
وإذا كان الأمر على ما بينا في استحداث هذا العلم في البيئة الثقافية الإسلامية م حيث الغاية التي استحدث لأجلها . وما تقومت به بنيته هيكلا وصفات من خصائص وميزات تبلغ إلي ذلك الهدف ، فما هو واقع الفكر التصنيفي الإسلامي في مسعاه إلي أن يشكل ذاته على البنية المطلوبة الكفيلة بتحقيق الغاية المرسومة ؟ وما هي الأساليب التي اتخذها ، والاتجاهات التي اتجهها في سبيل ذلك ؟
إن المتأمل في التصانيف التي قدمنا ذكرها من جهة هيكلها وخصائصها التصنيفية ، ومن جهة بنيتها الداخلية ، وعلاقتها بواقع العلوم في البيئة الثقافية الإسلامية تبينا في كل ذلك لنسبتها مما ينبغي أن تحقق من غاية في تكوين فكر إسلامي قادر على استيعاب الحقيقة الدينية الإسلامية في مختلف مظاهرها ، إن المتأمل في تلك التصانيف يلاحظ بسهولة وجهتين مختلفتين في التصنيف ، تتمايزان في الهيكلة العامة ، كما تتمايزان في الخصائص التصنيفية‌ والبنية الداخلية ، وهو ما ينتهي باختلاف بينهما في النسبة من الغاية‌ التي رامت كل التصانيف تحقيقها : أما الوجهة الأولي ، فهي وجهة يظهر بوضوح التأثر بالتصنيف الأرسطي للعلوم ، ولذلك فإننا سنسميها الوجهة التقليدية . وأما الثانية فهي وجهة حاولت أن تشتق أصولا للتصنيف من خصائص البيئة الثقافية ‌الإسلامية المتأتية بالداعي العقائدي الإسلامي ، ولذلك فإننا سنسميها بالوجهة التأصيلية ، وسنحاول فيما يلي أن نتبين واقع وخصائص كل من الوجهتين من خلال تحليل نماذج من التصانيف نقدر أنها أكثر من غيرها للوجهة التي تنتمي إليها .

لا نجد صعوبة في تعيين المنصفات التي تندرج ضمن هذه الوجهة ، إذ أن نظرة متأنية على هيكل التصنيف تحدد ما إذا كان له صلة بتصنيف أرسطو أو هو متحرر منه .
ومن الناحية التاريخية فإن هذه الوجهة التقليدية كانت أسبق ظهورا من الوجهة التأصيلية ، كما أنها كانت مواكبة لظهور النزعة الفلسفية اليونانية في الفكر الإسلامي التي كانت بدايتها على يد الكندي ، ثم تدعمت بالفارابي وابن سينا من بعده .
ولما كانت هذه النزعة تقليدية فإننا نلاحظ في المؤلفات التي سنعرضها بعد حين أن التصنيف فيها كان على درجة من النضج تبين أنه يشبه أن يكون مرحلة متلونة بلون جديد إلا أن هيكلها يعتبر امتدادا لهيكل قديم . ويمكن أن نتبين هذا المعني من عرض موجز لبعض المؤلفات في تصنيف العلوم في هذه الوجهة.

نرشح في عرض واقع التصنيف في هذه الوجهة ثلاثة من التصانيف نراها كفيلة بأن تعطينا صورة كاملة لهيكل التصنيف وخصائصه ، وقد راعينا في هذا الترشيح شمول ونضج هذه التصانيف ، كما راعينا أيضا تمثيلها لمختلف المنازع في التأثر والتقليد ، كما راعينا أيضا ما ورد فيها من بيانات وتعاليق تنظيرية من شأنها أن تساعدنا في البحث حينما نأتي إلي تقويم هذه الوجهة بعد عرض واقعها . وهذه الآثار الثلاثة هي : إحصاء العلوم للفارابي ، ورسائل إخوان الصفا ، وأقسام العقلية لا بن سينا .
( أ ) تصنيف العلوم عند الفارابي [13] : ألف الفارابي كتابا مفردا في تصنيف العلوم سماه « إحصاء العلوم » . وقد بين الفارابي نفسه في مقدمة كتابه الهيكل التصنيفي للعلوم كما بسطه وجزأه في أثناء الكتاب حيث قال :
« قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علما علما ، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها ، وأجزاء كل ما له منها أجزاء ، وجمل ما في كل واحد من أجزائه ونجعله في خمسة فصول :
ـ الأول في علم اللسان وأجزائه .
ـ والثاني في علم المنطق وأجزائه .
ـ والثالث في علوم التعاليم : وهي العدد والهندسة وعلم المناظر ، وعلم النجوم التعليم ، وعلم الموسيقي ، وعلم الأثقال ، وعلم الحيل .
ـ والرابع في العلم الطبيعي وأجزائه ، وفي العلم الإلهي وأجزائه .
ـ والخامس في العلم المدني وأجزائه ، وفي علم الفقه وعلم الكلام » [14] .
وفي نطاق هذا التقسيم يعرف الفارابي العلم الطبيعي بقوله : « العلم الطبيعي ينظر في الأجسام الطبيعية ، وفي الأعراض التي قوامها في هذه الأجسام ويعرف الأشياء التي عنها والتي بها ، والتي لها توجد هذه الأجسام والأعراض التي قوامها فيها » [15] .
ويقول في العلم المدني : « إنه يفحص عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية ، وعن الملكات والأخلاق والسجايا والشيم التي تكون عنها الأفعال والسنن . وعن الغايات التي لأجلها تفعل » [16] .
ويعرف علم الفقه بأنه : « الصناعة التي بها يقتدر الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده عن الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير ،‌وأن يتحرى تصحيح ذلك على غرض واضع الشريعة بالملة التي شرعها في الأمة التي لها شرع » [17] .
أما علم الكلام فهو : « صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خلفها بالأقاويل » [18] .
(ب) تصنيف العلم عند إخوان الصفا [19] : من خلال التوزيع الذي وزع به إخوان الصفا رسائلهم الاثنتين والخمسين على العلوم ، ومن خلال ما تناولته بعض تلك الرسائل مباشرة من تصنيف للعلوم وخاصة « رسالة الصنائع العلمية » نتبين صورة متكاملة العلوم عندهم ، وتتمثل هذه الصورة فيما يلي :
تنقسم العلوم إلي ثلاثة أقسام رئيسية ، ويشتمل كل قسم على أجزاء وفروع على النحو التالي :
أولا : العلوم الرياضية أو علم الآداب وقد وضع أكثرها لطلب المعاش : ويشتمل على علم القراءة والكتابة ، وعلم النحو واللغة ، وعلم الشعر والعروض ،‌وعلم الحساب والمعاملات ، وعلم الزجر والأول ، وعلم العزائم والكيمياء والحيل ، وعلم الحرف والصنائع ، وعلم الحرث والنسل ، وعلم السير والأخبار .
ثانيا : العلوم الشرعية الوضعية ، وقد وضعت لطب النفوس وطب الآخرة . وتشتمل على علم التنزيل ، وعلم التأويل ،‌وعلم الروايات والأخبار ، وعلم الفقه والسنن والأحكام ، وعلم المواعظ وعلم تأويل المنامات .
ثالثا : العلوم الفلسفية الحقيقية : وتشتمل على أربعة أنواع :
ـ الرياضيات : وهي علم العدد والهندسة والنجوم والموسيقي .
ـ المنطقيات : وهي علوم صناعة الشعر ، والخطب والجدل ، والبرهان ، المغالطة .
ـ الطبيعيات :‌وهي علوم المبادئ الجسمانية ، والسماء والعالم والكون والفساد ، وحوادث الجو ، والمعادن والنبات والطب والبيطرة .
ـ الإلهيات : وهي خمسة أنواع : معرفة الباري ،‌وعلم الروحانيات ،‌على السياسة النبوية ، والسياسة الملوكية ، والسياسة العامة ، والسياسة الخاصة‌، والسياسة الذاتية [20] .
( جـ ) تصنيف العلوم عند ابن سينا [21] : أورد ابن سينا تقسيما للعلوم في العديد من مؤلفاته ، إلا أن أو في تصنيف له وأوضحه هو ذلك الذي أفرد له رسالة سماها « رسالة في أقسام العلوم العقلية » ولذلك فإننا سنعتمدها في توضيح تصنيف العلوم عنده .
قسم ابن سينا علوم الحكمة إلي قسمين رئيسيين : كل قسم منها يتفرع إلي فروع وأجزاء .
الأول : علوم نظرية مجردة ، وغايتها حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان ، وإنما يكون المقصود منها حصول رأي فقط مثل : علم التوحيد ، وعلم الهيأة ، وتنقسم هذه العلوم إلي ثلاثة أقسام :
ـ العلم الأسفل ، ويسمى العلم الطبيعي .
ـ العلم الأوسط ، ويسمى العلم الرياضي .
ـ والعلم الأعلى ، ويسمى العلم الإلهي .
ولكل علم من هذه العلوم أقسام أصلية . وأقسام فرعية ، ومما يندرج في العلم لأعلى ( العلم الإلهي ) :
- - النظر في معرفة المعاني العامة لجيمع الموجودات .
- - النظر في الأصول والمبادئ مثل علم الطبيعيين والرياضيين وعلم المنطق .
- - النظر في إثبات الحق الأول وتوحيده .
- - النظر في إثبات الجواهر الروحانية وهي الملائكة .
- - النظر في تسخير الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية‌.
- - معرفة كيفية نزول الوحي .
- - علم المعاد ، وهو الذي يبحث في أحوال البعث من السعادة والشقاوة الروحانيتين اللتين تعرفان بالعقل ،‌والبدنيتين اللتين تعرفان بالشرع .
الثاني : علوم عملية : والمقصود منها ليس حصول رأي فقط ، بل حصول رأي لأجل عمل ،‌وهي ثلاثة أقسام ك
- - علم الأخلاق : وهو الذي يعرف به الإنسان كيف تكون أخلاقه وأفعاله ، ويشتمل عليه كتاب أرسطو طاليس في الأخلاق .
- - علم تدبير المنزل : ويشتمل عليه كتاب « أرونس » في تدبير المنزل .
- - علم السياسة المدنية : ويشتمل عليه أفلاطون وأرسطو في السياسة ، ويلحق به ما يتعلق بالنبوة والشريعة . وهو ما يعرف به وجود النبوة وحاجة نوع الإنسان في وجوده وبقائه إلي الشريعة . وتعرف به بعض الحكمة في الحدود الكلية المشتركة في الصنائع ، والتي تخص شريعة شريعة بحسب قوم قوم وزمان زمان . ويعرف به الفرق بين النبوة الإلهية وبين الدعاوى الباطلة كلها [22] .

إن هذه المؤلفات عرف أصحابها بتأثرهم الثقافي بالفلسفة اليونانية .
أما الفارابي وابن سينا فهما متأثران بالفلسفة الأرسطية . وأما إخوان الصفا فبأمشاج من الفلسفة الأفلاطونية . وهذا التأثر بالثقافة الفلسفية اليونانية كان ضمنه تأثر في تصنيف العلوم كان سائدا في الفكر اليوناني ومناطق نفوذه من تصنيف يعود إلي التصنيف الأرسطي .
وإذا كانت هذه التصانيف الثلاثة تختلف فيما بينها في نسبة التقليد فيها ، وفي مقدار ما تميزت به من عنصر الجدة ، فإننا نجدها تشترك في بعض الخصائص المشتقة في أغلبها من تأثرها بالتصنيف اليوناني مع اختلاف فيما بينها في درجة تحقق تلك الخصائص فيها ، وهو ما سنبينه فيما يلي :
( أ ) محاكاة الهيكلية الأرسطية : إذا تأملنا في الهيكل العام الذي أقيمت عليه التصانيف الآنفة الذكر ألفيناها كلها أخذت من الهيكلية الأرسطية في التصنيف ،‌مع تفاوت بينها في ذلك الأخذ بين استفادة ما وقع إدراجه ضمن هيكلة تبدو جديدة ، وبين محاكاته برمته .
فابن سينا يكاد في تصنيفه يقلد تماما أرسطو العلوم إلي نظرية وعملية ، وتقسيم النظرية إلي إلهية ورياضية وطبيعية ، وتقسيم العلمية إلي الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة .
ورغم أن الفارابي بني هيكل تصنيفه على خمسة أقسام فإننا إذا تجاوزنا القسمين الأولين ( علم اللسان وعلم المنطق ) باعتبار هما لا يدخلان في تصميم هيكل العلوم لأنهما من علوم الآلة ، فإن الأقسام الثلاثة الباقية تتوزع فيما بينها العلم والإلهيات ، والعلم العملي حيث خصص له القسم الخامس . وبهذا يكون الفارابي كأنما وزع القسم النظري عند أرسطو إلي قسمين هما الثالث والرابع في تصنيفه .
أما إخوان الصفا فكأنما فعلوا عكس ما فعله الفارابي ، حيث خصصوا القسم الأول والثاني للعلوم العملية في فصل بين علوم الآداب وعلوم الشريعة ، وخصصوا الثالث للعلوم النظرية فيما يشبه تماما العلوم النظرية عند أرسطو مع زيادة المنطقيات إذ جعلها أرسطو خارج الهيكل لأنه من علوم الآلة .
لقد اجتمعت هذه التصانيف في هيكلها على مبدأ الفصل بين العلوم النظرية والعلوم العملية ، وجعل النظرية تدور على الإلهيات والرياضيات والطبيعيات العملية تدور على الأخلاق والسياسة المدنية والمنزلية ،‌وهو ما يجعل هيكلها العام يحاكي الهيكلية الأرسطية .
إن العلوم الإسلامية العديدة التي نشأت بخاصة الدعوة الإسلامية لم يكن لها مدخل في تعديل ذي بال في الهيكلية التي اعتمدتها هذه التصانيف ،‌ بل كان مصير ما أخذ بعين الاعتبار من هذه العلوم أن أدرج ضمن الهيكل الجاهز مسبقا ،‌فأصبح علم الفقه وعلم الكلام عند الفارابي مضمومين إلي العلم المدني في قسم العلوم العملية . وعند إخوان الصفا خصص قسم من قسمي العلوم العملية لبعض العلوم الإسلامية المستجدة مثل علم التأويل وعلم الروايات وعلم الفقه والسنن ، وعلم المواعظ . أما ابن سينا فقد تجاهل العلوم الإسلامية‌ تماما ولم يدرجها ضمن تصنيفه .
( ب ) صيغة التجريد : تبدو هذه التصانيف مصطبغة بصيغة التجريد سواء على مستوى المنطلق المعرفي الذي صدرت عنه ، أو على مستوى البنية التي انتهت إليها ، والمادة التي أقيمت عليها تلك البنية .
فمن حيث المنطلق يبدو واضحا ‹أن هذه التصانيف لم تصدر عن إحصاء عملي لما هو واقع من العلوم بالفعل في العهد الذي أنجزت فيه ، بل تشبه أن تكون صدرت عن تصور ذهني مجرد لما يمكن أن تكون عليه المعرفة البشرية . لقد وضع الإطار الهيكلي للمعرفة ألوا بناء على تصور للوجود : موجودات لا تعلق لها بالأجسام ، وموجودات لها تعلق بالأجسام ، وأجسام طبيعة ، وإنسان له حياة اجتماعية ، ثم أدرجت في ذلك الهيكل أصناف العلوم بحسب مظاهر الوجود .
ولا نعني بما تقدم أن العلوم المدرجة في هذه التصانيف هي العلوم باعتبار إمكانها فحسب ، إذ وقع الإدراج لعلوم واقعة بالفعل ، ولكن نعني أن هذا التصور الذهني لهيكل العلوم السابق على العلوم والواقعة نفسها كان سببا في منهج انتقائي نتج عن إدراج لبعض العلوم التي تناسب الهيكل القبلي ، وإسقاط للكثير مما لا يناسبه من تلك العلوم الناشئة في الثقافة الإسلامية اللاحقة بالنسبة لذلك الهيكل الأرسطي النزعة .
ورغم أن الفارابي أشعر بأنه سيقوم في كتابه بإحصاء العلوم كما تفيده ترجمة كتابه « إحصاء العلوم » ، وكما وعد به في المقدمة حينما قال : « قصدنا في هذا الكتاب أن نحصى العلوم المشهورة علما علما » [23] . إلا أنه في واقع تصنيه أورد العلوم في مورد العموم من حيث تشترك فيها سائر الأمم مقتصرا على ذكر أجناس العلوم دون أن يوردها بأعيانها كما هي واقعة في عهده . في حديثه عن علم اللسان مثلا لم يذكر العلوم المندرجة فيه من نحو وصرف ولغة ، بل عمم القول في هذا العلم ، وجعل منطلقه « إن علم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمى ، علم الألفاظ المفردة . وعلم الألفاظ المركبة ، وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة ، وقوانين الألفاظ عندما تركب ، وقوانين تصحيح الكتابة ، وقوانين تصحيح القراءة ، وقوانين الأشعار » [24] . ثم جعل يتحدث عن كل علم بمثل هذا التعميم . وكذلك في علم الفقه فإنه تحدث كعلم عام في الأمم دون أن يخص بالبيان الفقه الإسلامي بأجزائه وفروعه .
على هذا النسق الذي سار عليه الفارابي سار أيضا إخوان الصفا ، فقد قدموا للحديث على أصناف العلوم بقولهم : « أعلم يا أخي بأن العلوم التي يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس : فمنا الرياضية ، ومنها الشرعية الوضعية . ومنا الفلسفية الحقيقية » [25] وهو ما يوحي بأن التصنيف ينطلق من منطلق تجريدي لا من إحصاء واقعي ،‌ أما ابن سينا فقد كان في هذا الإسلامية‌ الواقعة‌ على‌ عهده و لو في المعرفة‌ الإنسانية‌ العامة .
إن الانتقائية‌ في إدراج لعلوم المؤدية إلى إهمال الكثير من العلوم الإسلامية التي فرضها المنطلق النظري لهذه التصانيف أفضت إلى‌ قصورها عن أن تكون متناولة للعلوم الواقعة مبينة لواقعيتها في نشوئها ومادتها وأغراضها و تفاصيل فروعها و أجزائها وصلاتها ببعضها . ولو وقع الانطلاق من واقع المعرفة ‌الإنسانية ‌في البيئة التي على عهدهم مع التوسع إلى غيرها لأدى إلى أن تفرض تلك العلوم الواقعة ‌هيكلاً قابلاً لأن يتسع لها جميعاً . فيفرض حينئذ الواقع منطقه في الاستقراء‌، وهو المنطق الإسلامي الأصيل بديلاً للمنطق الصوري القياسي القائم على التجريد ، وهو منطق اليونان .
( جـ ‌)‌ صبغة التفريق : إن المتتبع لوضع العلوم في هذه التصانيف الثلاثة من حيث صلتها ببعضها ، وعلاقتها الداخلية فيما بينها يقف على شيء من التنافر و الافتراق بين هذه العلوم حتى ‌لتبدو أحياناً‌ كأنها الشتات الذي لا تربطه رابطة جلية ، وتظهر كأنها المعارف المتحاذية ‌التي ليس بينها حركة يمتد فيها بعضها إلى بعض ، ويأخذ فيها بعضها من بعض .
ولعل أبرز مظهر لهذه الصبغة ذلك الفصل القاطع الذي ورد في هذه التصانيف بين ما هو نظري وبين ما هو عملي ، وهو ما صوره ابن سينا بجلاء حينما جعل المقصود مت العلم النظري حصول رأي فقط ، ومثل لذلك بعلم التوحيد ، وجعل المقصود من العلم العملي حصول رأي لأجل عمل ، وهو بهذا يكون قد فرق بين علوم شديدة الصلة ببعضها حتى لا يتصور بينها افتراق ؛ إذ العلوم العملية ‌في المفهوم الإسلامي ليست إلا وجهاً تطبيقياً للعلوم النظرية على نحو ما يتضح من صلة علم الفقه بعلم التوحيد ، فهو ليس إلا امتداداً له في مستوى التطبيق .
وقد فرق إخوان الصفا في العلوم العملية بين نوع وضع لطلب المعاش ، ونوع وضع لطلب الآخرة ، وهي تفرقة يأباها واقع العلوم الإسلامية . فعلم الفقه مثلاً وقد وضعوه في العلوم التي تطلب بها الآخرة ، هو علم وضع لتنظيم الحياة الدنيا ابتداءً ، وعلى ذلك الأساس تطلب به الآخرة. وعلم اللغة‌ و النحو وقد وضع في العلوم التي يطلب بها المعاش إنما وضع في الحقيقة في واقع الثقافة‌ الإسلامية ليمكن من فهم القرآن وتحري مقاصده حتى تكون تلك المقاصد سبباً للمعاش و للمعاد في آن واحد . أما الفارابي فرغم تفرقته بين العلوم النظرية التي خصص لها الفصلين الثالث والرابع ، وبين العلوم العملية التي خصص لها الفصل الخامس ، فإنه كان أكثر إدراكا للتواصل بين العلوم وللحركة الداخلية بينها ، ويعتبر إدراجه لعلم الكلام ضمن العلوم العملية أبرز شاهد على ذلك ، فهو يدل على وعي بالغاية العملية لعلم الكلام . ويبدو ذلك الوعي جليا في تعريفه لهذا العلم حينما جعله يتجاوز نصرة الآراء العقائدية‌ المجردة ليمتد إلي نصرة الأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة وتزييف ما نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة‌ وتزييف ما خالفها بالأقاويل » [26] . وهذا تعريف فيه من البعد العملي لعلم الكلام ما لم نجده عند غيره من الإسلاميين ،‌فأين منه ما ذهب إليه ابن سينا من أن علم التوحيد يقصد منه تحصيل رأي فقط كما تقدم ذكره ؟
ومن مظاهر هذه الصبغة التفريقية ما يلاحظ من هوة بين العلوم الناشئة في البيئة الإسلامية ابتداء ، وبين العلوم المأخوذة من الثقافات الأخرى ،‌فقد بنيت هذه التصانيف على أساس هذه الأخيرة ، ثم أدرجت فيها بعض العلوم الإسلامية النشأة على وجه لم يخل من التكلف ، ودونما إدراك لما آلت إليه جملة كبيرة من علوم الأوائل لما دخلت إلي دائرة الثقافة الإسلامية من وضع جديد أصبحت فيه متواصلة شديدة التواصل مع العلوم الإسلامية على نحو ما نراه من التقاء بين الفقه والحساب نشأ منه علم الفرائض ، وعلى نحو ما وقع من الالتقاء بين علم الهيئة‌ وبني الفقه لتحديد مواقيت العبادات خاصة . إن ذلك الحوار الواسع الذي قام بين العلوم الإسلامية النشأة وبين العلوم المقتبسة ، والذي أسفر عن تواصل بين النوعين وحركة‌ أخذ وعطاء بينهما [27] لا نجد له صدي واضحا في هذه التقاسيم . ومن الغريب أن يكون هؤلاء المصنفون جامعين في ذواتهم بين العلوم في نوعيها ، فقد كان الفارابي مثلا قاضيا وفيلسوفا في نفس الآن ، فكيف لم تتفاعل العلوم في تصانيفهم كما انعقدت عليها أذهانهم ؟
ويبدو أن هذه الصبغة التفريقية بين العلوم ناشئة في أساسها من أن النظر في العلوم بقصد تصنيفها لم يكن من داخل دائرة الثقافة الإسلامية ، حيث تبدو هذه العلوم في واقعها خادمة لهدف واحد هو تأكيد الحقيقة الدينية سواء ما كان منها ناشئا بالخاصية الإسلامية كالفقه والتفسير والحديث وغيرها ، وما كان منها مقتبسا من الثقافات الأخرى ، فانتظمت كلها على نسق من التواصل والتلاقي لتحقيق الهدف المشترك بينها . ولكن هؤلاء المصنفين نظروا إلي العلوم من خارج دائرة الثقافة الإسلامية تأثرا بالثقافة المصنفين نظروا إلي العلوم من خارج دائرة الثقافة الإسلامية تأثرا بالثقافة اليونانية والإشراقية مما أدى إلي اضطراب في إدراج العلوم ، وتردد في إثباتها في التصنيف بين ما هو موجود في الثقافات الأخرى بحسب واقعه في تلك الثقافات ووضعه في المأثور من تصانيفها ، وبين ما هو واقع من العلوم الإسلامية بالفعل ، وكانت نتيجة هذه الازدواجية تصوير العلوم على هيئة يبدو فيه التباعد والتنافر بينها .
ومن المؤكد أن من أسباب هذه الصبغة أيضا ما أشرنا إليه سابقا من أن هذه التصانيف يشبه أن تكون منطلقة من تصور للإمكان العقلي للعلوم لا مما هو واقع منها فعلا وذلك ما أدى إلي القصور عن تصوير نشأة العلوم الواقعة وتطورها إذ تبين النشأة والتطور عن الصلة الشديدة بين العلوم ، فهي ليست في أغلبها إلا ناشئة بعضها من بعض عبر التوسع المعرفي في البيئة الإسلامية . وهو ما يبدو واضحا أشد الوضوح في انطلاق العلوم الإسلامية من النظر في القرآن الكريم والحديث الشريف ، ثم نشأتها بعد ذلك بعضها من بعض في حركة التطور العلمي التي اجتذبت أيضا في مراحل مختلفة العلوم الناشئة في ثقافات أخرى من طب ومنطق وهيئة وغيرها ، فانتظمت هذه العلوم المقتبسة في نسق العلوم الإسلامية النشأة.
أما المنطلق الإمكاني الذي انطلقت منه هذه التصانيف فإنه جعل العلوم تندرج فيها متحاذية متجاوزة غير مندرج بعضها في بعض ولا متصل بعضها ببعض ، خضوعا في ذلك للتقنين العقلي الجاف الذي يعتمد الانطلاق من موضوع العلم نفسه كما ذكره ابن سينا حينما جعل أساس التقسيم أن الأمور المبحوث فيها إما أن تكون المادة من حيث ذاتها أو من حيث عوارضها ، أو تكون لا علاقة لها بالمادة أصلا ، وينشأ من البحث على هذا الأساس العلم الطبيعي والعلم الرياضي والعلم الإلهي [28] . إن هذا الإنطلاق من مواضيع العلوم في التصنيف لا من حركة نشوئها الواقعية أدى إلي وضع من التشتت والافتراق بينها ، وحجب واقع التواصل والتلاقي الذي كانت عليه في البيئة الإسلامية .
( د ) صبغة التعميم : قد عمد أصحاب هذه التصانيف إلي محاولة وضع تصنيف للمعرفة الإنسانية‌ العامة ، فجاء الحديث عن العلوم في غالبه منوطا بأجناس العلوم في عمومها مما تشترك فيه الأقوام . لا بأعيانها مما تظهر فيه خصائص كل أمة ، وقد عبر عن هذا المعني إخوان الصفا حينما قالوا في مقدمة تصنيفهم : « نريد أن نذكر أجناس العلوم ، وأنواع تلك الأجناس ليكون دليلا لطالبي العلم إلي أغراضهم » [29] .
وإذا كان هذا الغرض التعميمي في تصنيف المعرفة البشرية يفيد في تمثل منطق العلوم عامة ، وفلسفة المعرفة البشرية في علاقة الإدراك بالموضوع المدرك ، وفي ترتب الإدراكات فيما بينها ، فإنه أدى في موضوع الحال إلي خلل واضح في وصف العلوم الإسلامية وترتيبها وملاحظة خصائصها .
فزيادة على أن العلوم الإسلامية كانت غائبة في معظمها باعتبار أعيانها في هذه التصانيف وخاصة في تصنيف ابن سينا ، فإنه وقع قصور في إدراك الخاصية الإسلامية في نشأة العلوم المنشأة ، وفي اقتباس العلوم المقتبسة ، فذكرت العلوم على وجه العموم خلوا من تلك الخصائص ، منبتة عن نسقها المعرفي في البيئة الثقافية الإسلامية .
ولعل من أهم الخصائص التي أهمل شأنها في هذه التصانيف خاصية الالتزام بخدمة الحقيقة الدينية في العلوم المنشأة والمقتبسة على حد سواء ، في حين لم ينشئ المسلمون علما ، ولم يقتبسوا علما إلا لغرض خدمة حقيقة دينية عقدية أو شرعية بصفة مباشرة أو غير مباشرة .
فالفارابي نجده يفرق بين العلم المدني وبين علم الفقه ، وإذا كان يسوق علم الفقه على أنه علم يخدم حقائق الشريعة ، فإنه يسوق العلم المدني في سياق خرج عن هذا المعني ، ويجعل مسائل هذا العلم ( وهي السياسة الملكية ) تجري على مقتضى ما يراه العقل بعيدا عن تعاليم الشرع ، والحال أن هذه المسائل مندرجة في الثقافة الإسلامية في صلب علم الفقه فيما يعرف بالسياسة الشرعية ، فليس إذا من مبرر للفصل بين العلم المدني وعلم الفقه بحسب واقع العلوم الإسلامية ‌إلا أن يكون الاقتناع بأن الحكم وشؤونه لا مدخل للشرع فيه بالبيان ،‌وإنما هو جار على مقتضى العقل ،‌وذلك خلل واضح في فهم حقيقة الإسلام وما اتصف به من شمول البيان لكل مناحي التصرف الإنساني .
أما ابن سينا فإنه كان أكثر وضوحا في سوق عاما ، وإغفال العلوم الإسلامية في غايتها الملتزمة حتى إنه يجعل مرجع التحديد لما ينبغي أن تكون عليه حياة‌ الإنسان في أخلاقه فرعا من فروع العلم العملي اشتمل عليه كتاب أسطو في الأخلاق . ويجعل مرجع التحديد لما ينبغي أن تكون عليه حياته في تدبير منزله فرعا آخر اشتمل عليه كتاب أرونس في تدبير المنزل دون التفات في كل ذلك إلي أي علم من العلوم الإسلامية التي تضبط التحديدات الشرعية لحياة الإنسان في هذين المجالين .
وقد سلك إخوان الصفا نفس المسلك حينما أثبتوا في القسم الأول علوما رياضية هي علوم الآداب ، ومن ضمنها علم البيع والشراء والتجارات ،‌وأثبتوا في القسم الثاني العلوم الشرعية ومن بينها علم الفقه ،‌وفي هذا إيذان بأن البيع والشراء والتجارات منها ما يكون على مقتضى الشرع ومنها ما يكون على مقتضى العقل .
إن هذا التعميم في إيراد العلوم عند هؤلاء المصنفين لم يكن على سبيل الوصف و التقرير للعلوم الإنسانية عموماً من حيث إنها علوم تحدد مسالك حياة الإنسان بحسب ما رأته الأقوام الذين نشأت فيهم بل كان تعميماً تقديرياً اقتضى كما عبر عنه ابن سينا بوضوح أن تكون بعض العلوم اليونانية مصدراً لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان حتى في البيئة الإسلامية التي نشأت فيها علوم شرعية ملتزمة بإخضاع الحياة الإنسانية لحقيقة الدين في المجال السلوكي ، وفي هذا قصور بين عن إدراك البيئة المعرفية الإسلامية الملتزمة بتأكيد الحقيقة الدينية كما بدا في سائر ما نشأ فيها وما اقتبس من علوم .

إذا ما عدنا إلى هذه الوجهة التقليدية الإسلامية في تصنيف العلوم لنتبين ما قامت به من دور في بناء الفكر الإسلامي ، وما قصرت عنه في ذلك ، فإننا نلفيها قامت بدور لا ينكر أثره تمثل أساسا في إدخال الفكر التصنيفي في دائرة الثقافة الإسلامية كمنهج لتنظيم المعرفة في نسق منطقي تترتب فيه العلوم على نحو من الترتيب قدر أنه يوفي بغرض التحصيل الأقوم للعلم . وبالإضافة إلي هذه الإفادة على المستوى المنهجي الفلسفي فإن هذه الوجهة أفادت أيضا في نقل تجربة اليونان في التصنيف وهي التجربة التي تقوم في مبدئها وبصرف النظر عن محتواها عن منطق عقلي يفضي لا محالة إلي مران الذهن على تبين مسالك المعرفة التي تقوم على القواعد العقلية دون مسالك الإشراق ، وفي ذلك كله لا محالة دفع للفكر الإسلامي إلي أن تتكون لديه ملكة التصنيف كمنهج لترتيب المعرفة ، ولهذا الفكر بعد ذلك أن يصرف ذلك المنهج فيما يناسب البيئة الثقافية الإسلامية الخاصة .
إلا أننا إذا نظرنا إلي هذه الوجهة من ناحية أخرى مقارنة بين ما اتصفت به من خصائص التجريد والتفريق والتعميم ، وبين ما يتطلبه وضع الثقافة الإسلامية من نمط الفكر يستجيب لغرض الحقيقة الدينية التي كانت محورا يحرك الحياة الإسلامية ‌كلها ، ألفيناها قصرت عن الإيفاء بما هو مطلوب من أغراض .
إن البيئة الثقافية الإسلامية نشأت العلوم العديدة ، وأدخلت إلي دائرتها اقتباسا العلوم الكثيرة ، وكان ذلك بداعي خدمة الحقيقة الدينية في مختلف مظاهرها ، ولذلك كانت تلك العلوم كلها مستقرة في مجال الثقافة الإسلامية على وضع من التناسق والتواصل بينها . وعلى وضع من اندراج بعضها في بعض ، وامتداد بعضها إلي بعض بحيث تؤدي في كل وضع من تلك الأوضاع إلي تأكيد الحقيقة الدينية التي من أجلها وضعت .
والفكر الإسلامي لكي يجد سبيله الصحيح في رحلته عبر تلك العلوم إلي تمثل الحقيقة الدينية – وتلك هي غاية العمل كما مر بيانه – يحتاج إلي منهج تصنيفي لتلك العلوم يقوم على محاكاة واقعها في التواصل والتناسق والالتزام فيما أنشئ انشاء وفيما اقتبس من المعرفة الإنسانية العامة ، وذلك ما لم تستطع هذه الوجهة التقليدية أن توفي به لجنوحها إلي التفريق والتجريد والتعميم في منهجية التصنيف ، ولعل ذلك يرجع فيما يرجع إلي أن تلك الوجهة تمثل المرحلة الأولى في التصنيف لدى المسلمين ، حيث لم تكن على عهدها قد اكتملت العلوم الإسلامية ووضحت صورة مستقرها ،‌بل كانت لا زالت في طور التوالد والتكامل والتنامي ، فربما كان التقليد خطوة لازمة نحو التأصيل ،‌فهل استطاعت وجهة التأصيل أن توفي بالغرض المطلوب ؟

كانت هذه الوجهة متأخرة في الزمن بالنسبة لسابقتها ؛ إذ لا نجد لها ظهورا إلا في أواخر القرن الرابع ، وإنه لمما يلفت الانتباه ألا يكون للمتكلمين محاولة في هذا الصدد ،‌وهم الذين مثلوا الظهور المبكر للنزعة الفلسفية العقدية في البيئة الإسلامية ، وذلك منذ ظهر المعتزلة أوائل القرن الثاني ، فهم بذلك المرشحون لأن يكونوا روادا للنزعة التأصيلية في تصنيف العلوم باعتبار الطبيعة العقلية الفلسفية للتصنيف . ولعل تخلف المتكلمين عن القيام بهذا الدور يعود إلي أن التصنيف لم يكن يمس محورا عقديا بحيث يمثل تحديا المواجهة التصحيحية وهو ما ندب المتكلمون أنفسهم للاضطلاع به .
وسنعتمد في إدراج المؤلفات ضمن هذه الوجهة مدى ما تكون عليه هذه المؤلفات من تحرر من التصنيف اليوناني للعلوم ،‌ومن محاولة ذاتية في التصنيف تقوم على استجلاء خصائص العلوم في واقع البيئة الثقافية الإسلامية لتشتق منها أسسا للتصنيف تعود في طبيعتها إلي الأصول العقدية التي كانت البيئة الثقافية الإسلامية امتدادا لها وبعدا من أبعادها .
بهذا المقياس تندرج ضمن هذه الوجهة التأصيلية جملة من التصانيف التي أوردناها في اللائحة المتقدمة ، وأخرى أقل منها شأنا لم نوردها [30] .
وتختلف هذه التصانيف في درجة نضجها وتأصيلها واستيعابها ، وعلى وجه العموم فإن مرور الزمن أتى عليها بالإنضاج ومزيد من الشمول والاستيعاب .
وفيما يلي نورد عرضا لواقع التصنيف في هذه الوجهة ثم نبين خصائصها التأصيلية :

نرشح فيما يلي أربعة من التصانيف المندرجة من هذه الوجهة نقدر أنها تمثل الخصائص العامة لوجهة التأصيل ، مع مراعاة للتطور الزمني أيضا ، وهي الفهرست لابن نديم ، ورسالة ابن حزم ،‌ومقدمة ابن خلدون ،‌ومفتاح السعادة لطاش كبرى زادة .
(أ ) تصنيف العلوم عند ابن النديم [31] : لم يكن كتاب الفهرست لابن النديم كتابا متمحضا لتصنيف العلوم ،‌بل هو كتاب يؤرخ للمعرفة المنتشرة في المجتمع الإسلامي متمثلة في العلوم والمذاهب ، وفي العلماء والمؤلفات ، إلا أن الهيكل الذي بني عليه ابن النديم كتباه والملاحظات المتعددة المبثوثة فيه بالمعرفة من حيث تصنيفها ترشح هذا الكتاب لأن يكون وثيقة مهمة في تصور البناء المعرفي للعلوم ، ويمكن أن نتبين هذه الأهمية فيما وصف به ابن النديم كتابه حينما قال : « هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم . الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم ،‌وأخبار مصنفيها ، وطبقات مؤلفيها وأنسابهم … منذ ابتداء كل علم اخترع إلي عصرنا هذا » [32] .
بني الفهرست على عشر مقالات ، كل مقالة اختص بعلم أساسي من العلوم : شرحا لنشأته ، أو ترجمته واقتباسه ، وبيانا لأهم ما ألف فيه ؛ وقد رتبت هذه المقالات على النحو التالي :
ـ المقالة الأولي : في لغات الأمم وكتب الشرائع ، والقرآن وعلومه .
ـ المقالة الثانية : في النحو والنحويين .
ـ المقالة الثالثة : في الأخبار والآداب والسير والأنساب .
ـ المقالة الرابعة : في الشعر والشعراء .
ـ المقالة‌ الخامسة : في الكلام والمتكلمين .
ـ المقالة‌ السادسة : في الفقه والفقهاء والحديث والمحدثين .
ـ المقالة السابعة : في الفلسفة والعلوم القديمة .
ـ المقالة‌ الثامنة : في الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعوذة .
ـ المقالة التاسعة : في مقالات الفرق .
ـ المقالة العاشرة : في أخبار الكيمائيين وأهل الصنائع .
( ب ) تصنيف العلوم عند ابن حزم [33] : خصص ابن حزم رسالتين لتصنيف العلوم هما : « رسالة التوقيف » و« رسالة‌ مراتب العلوم » . وقد أقام تصنيفه على أساس التفرقة ‌بين صنفين رئيسين : صنف نافع محمود يدخل في دائرة‌ العقل و الشرع . وصنف مذموم خارج عن دائرة‌ العقل والشرع .
أما الصنف المحمود فهو ينقسم إلى قسمين أساسيين :
ـ قسم يختص بالشرعية‌ الإسلامية ، ويشتمل على
( 1 ) علم القرآن . ( 4 )‌ علم النحو .
( 2 )‌ علم الحديث . (‌ 5 ) علم اللغة‌ .
( 3 )‌علم الفقه . ( 6 )‌ علم الأخبار .
ـ وقسم مشترك بين سائر الأمم ،‌ويشتمل على :‌
( 1 )‌ علم الهيئة . ( 4 ) الطب .
( 2 ) علم اللغة . ( 5 ) الشعر و الخطابة و علم العبارة .
( 3 ) الفلسفة .
وهذان القسمان ليسا منفصلين عن بعضهما عن بعضهما بل هما يمثلان وحدة متكاملة منتظمة في سبعة أنواع من العلوم هي :
( 1 ) علم الشريعة‌ ( 5 ) علم العدد .
( 2 ) علم اللغة . (‌ 6 ) علم الطب .
( 3 ) ‌علم الأخبار . ( 7 )‌ علم الفلسفة .
( 4 ) علم النجوم .
وأما الصنف المذموم فهو يشتمل على أربعة علوم :
( 1 ) السحر . ( 3 ) الكيمياء‌ .
( 2 ) الطلسمات . ( 4 )‌ الكواكب و الفضاء‌ و النجوم [34] .
( جـ ) تصنيف العلوم عند ابن خلدون [35] :‌خصص ابن خلدون فصلاً من مقدمته لتصنيف العلوم و رجم له بقوله :‌ « فصل في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد » . وقد قسم العلوم في هذا الفصل إلى صنفين اثنين :
الصنف الأول : هو صنف يهتدي إليه الإنسان بفكره ولا يختص به أهل ملة بل يستوي فيه أهل الملل كلهم ويشتمل على العلوم الحكمية الفلسطينية ، وهي أربعة الأساسية‌ هي :‌
ـ علم المنطق :
ـ‌ العلم الطبيعي :‌ومن فروعه علم الطب و الفلاحة و السحر و الطلسمات و الكيمياء .
ـ العلم الإلهي .
ـ علم التعاليم : ومن فروعه علم العدد ،‌ وعلم الهندسة ،‌وعلم الهيئة ، وعلم الإلهي ، و علم الموسيقي .
الصف الثاني : هو صنف نقلي وضعي ، يستند إلي الواضع الشرعي ، ولا مجال فيه للعقل إلا في إلحاق الفروع بالأصول ، وأصل هذا الصنف الكتاب والسنة ،‌ويشتمل على جملة من العلوم وهي : علم التفسير ، وعلم القراءات ، وعلوم الحديث ، وعلم أصول الفقه ، وعلم الخلافيات . وعلم الجدل وعلم الفقه ، وعلم الكلام ، وعلم التصوف ، وعلم تفسير الرؤيا ، ويلحق بهذه العلوم على سبيل التمهيد لها : علوم اللسان العربي كالنحو واللغة والبيان والأدب [36] .
وقد عقب ابن خلدون على هذا التصنيف بفصول تناول فيها بعض العلوم بالنقد والإبطال وخصصها لإبطال الفلسفة وصناعة النجوم وصناعة الكيمياء . ومن الملاحظ أن كلا من التصنيف والتعقيب وردا ضمن باب خصص في المقدمة لبحث تربوي في التعليم وأسسه وطرقه .
( د ) تصنيف العلوم عند طاش كبرى زاده [37] : يعد « كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم » لأحمد بن مصطفي المعروف بطاش كبرى زاده ، أكبر موسوعة إسلامية‌ في تصنيف العلوم .
أقام أحمد بن مصطفي تصنيفه بحسب مراتب الوجود للأشياء . فوجود الأشياء يكون في أربع مراتب : في الكتابة ، والعبارة ،‌والأذهان ، والأعيان . والعلوم كلها متعلقة بهذه المراتب ، أما الثلاثة الأولي فالعلوم بها علوم آلية . أما الرابعة فالعلم المتعلق بها : إما عملي أو نظري ، وكل منهما إما أن يكون على مقتضى الشرع أو على مقتضى العقل ، وهكذا تنتهي أقسام العلوم إلي سبعة سمى كل واحد منها « دوحة » وقسمها إلي شعب على النحو التالي :
ـ الدوحة الأولي : في العلوم الخطية وتشتمل على شعبتين :
• • الشعبة الأولي : في العلوم المتعلقة بكيفية الصناعة الخطية .
• • الشعبة الثانية : في العلوم المتعلقة بالحروف المفردة .
ـ الدوحة الثانية : في العلوم المتعلقة بالألفاظ ، وتشتمل على ثلاث شعب :
• • الشعبة الأولي : في العلوم المتعلقة بالمفردات .
• • الشعبة الثانية : في العلوم المتعلقة بالمركبات .
• • الشعبة الثالثة : في فروع العلوم العربية .
ـ الدوحة الثالثة : في العلوم الباحثة عما في الأذهان من المعقولات الثانية ، وتشتمل على شعبتين :
• • الشعبة الأولي : في علوم آلية تعصم عن الخطأ في الكسب ( المنطلق ) .
• • الشعبة الثانية : في علوم تعصم عن الخطأ في المناظرة والدرس كعلم النظر وعلم الجدل وعلم الخلاف .
ـ الدوحة الرابعة : في العلوم العقلية ومن أهم شعبها :
• • الشعبة الأولي : العلوم الإلهية .
• • الشعبة الثانية : العلوم الطبيعية .
• • الشعبة الثالثة : العلوم الرياضية .
ـ الدوحة الخامسة : في العلوم العملية ومن أهم شعبها :
• • الشعبة الأولي : في علوم الأخلاق .
• • الشعبة الثانية : في علوم تدبير المنزل .
• • الشعبة الثالثة : في علوم السياسة .
ـ الدوحة السادسة : في العلوم الشرعية ، ومن أهم شعبها :
• • الشعبة الأولي : علم القراءة .
• • الشعبة الثانية : علم رواية الحديث .
• • الشعبة الثالثة : علم تفسير القرآن .
• • الشعبة الرابعة : علم دراية الحديث .
• • الشعبة الخامسة : علم أصول الدين .
• • الشعبة السادسة : علم أصول الفقه .
• • الشعبة السابعة : علم الفقه .
ـ الدوحة السابعة : في علوم الباطن والأخلاق والتصوف ، ومن أهم شعبها :
• • الشعبة الأولي : في العبادات .
• • الشعبة الثانية : في العادات .
• • الشعبة الثالثة : في المهلكات .
• • الشعبة الرابعة : في المنجيات .

إن المتأمل في هذه التصنيفات يتبين بيسر أنها متحررة في بنيتها العامة ، وفي روابطها الداخلية من الهيكلة اليونانية المأثورة عن أرسطو بمواصفاتها الآنفة الذكر ، فقد اختفى من هذه التصانيف التقسيم الثنائي إلي نظري وعملي كما اختلف الترتيب التفاضلي بتقديم ما كان أكثر إيغالا في التجريد .
وقد اعتمدت في هذه التصانيف أسس أخرى تقوم على تشابه العلوم وتقاربها كما هو عند ابن النديم وطاش كبرى زادة ، وعلى ثنائية المحمود والمذموم كما جاء في تقسيم ابن حزم ، أو على ثنائية المعقول والمنقول مثلما اعتمده ابن خلدون ، مهما اختلفت هذه الصلة في ظاهرها فإنها أفضت إلي تميز هذه التصانيف بجملة من الخصائص التي تظهر فيها محاولة التأصيل لمنهج تصنيفي إسلامي وسنحاول فيما يلي تبين هذه الخصائص من خلال تحليل الهيكل التصنيفي والاستعانة ببعض ما جاء في التصانيف من بيانات وملاحظات تنظريه تنيز سبيلنا في هذا المجال .
( أ ) الصبغة الواقعية : تبدو الصبغة واضحة جلية في هذه التصانيف ، سواء من منطلقها ، أو في كيفية بنائها ، أو في الغاية التي وضعت لأجلها .
وأول ما يبدو من مظاهر الواقعية فيها أن مادتها ( أي العلوم المدرجة فيها ) جمعت من الواقع الثقافي والعلمي في البيئة الإسلامية على أساس من إحصاء للعلوم التي كانت قائمة بين الناس سواء كانت معتمدة في النظام التربوي العام ، أو متدارسة الخاصة من المسلمين وغير المسلمين أو محفوظة في الكتب والرسائل .
لقد كان ابن النديم وراقا ينطلق في ترتيب العلوم من واقع ما يقف عليه في الكتب التي تقع بين يديه من العلوم والمعارف كما يفهم من مقدمة كتابه الفهرست حيث قال كما تقدم ذكره « هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم ، الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم » وقد عبر ابن خلدون بوضوح عن هذا المنطلق الواقعي لتصنيفه في ترجمته للفصل الذي خصصه لتصنيف العلوم حيث قال : « فصل في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد » . ونفس المسلك سلكه أحمد بن مصطفى حيث تناهي إلي تركيا مركز الخلافة العثمانية تراث الأمة الإسلامية في مختلف الأقطار من المؤلفات في شتى العلوم والمعارف فكانت أساسا لإحصائه للعلوم كما يبدو في تعقيبه على كل علم يورده بذكر أهم ما ألف فيه مما يدل على أنه اتخذ من تلك المؤلفات منطلقا للتصنيف .
كما تبدو الواقعية في هذه التصانيف في أن العلوم فيها لم يقع ترتيبها بحسب الترتيب الوجودي لمواضيع بحثها ( عناصر المادة . وأحوال المادة . والموجودات غير المادية ) ،‌بل كان الترتيب محكوما بواقع العلوم في نشوئها وتطورها وتولد بعضها من بعض و بواقعها في وضعها الذي استقرت عليه في الوعي المعرفي الإسلامي .
ويظهر هذا المعني واضحا فيما سلكت فيه العلوم في هذه التصانيف من دوائر متوازية يظهر توازيها أحيانا بصفة مباشرة وأخرى بصفة غير مباشرة ، كما نراه عند ابن النديم في تخصيصه لست مقالات للعلوم الشرعية ، وأربع للعلوم القديمة ، وأشباهها ، وكما نراه عند ابن حزم وابن خلدون فيما أفرداه من دائرة للعلوم الشرعية وأخرى للعقلية ،‌ وفيما أفرداه أيضا من مجال للعلوم المحمودة وآخر للعلوم المذمومة وكما نراه أيضا عند أحمد بن مصطفي في تخصيصه للدوحات الثلاث الأولي لعلوم الوسائل ، والدوحات الأربع الأخيرة لعلوم المقاصد .
وفي نطاق هذه الدوائر رتبت العلوم بحسب تقاربها وتواصلها وتفرع بعضها من بعض ، وهو ما بدا واضحا في تصدير العلوم الشرعية بالقرآن وعلومه والحديث وعلومه ، ثم إتباع ذلك بعلوم الفقه والعقيدة وعلوم اللغة ، وذلك ما يطابق واقع العلوم في نشأتها من النظر في القرآن والحديث ، وفي استخدامها لتجلية ما جاء فيهما بما يتعلق بالمبني والمعني .
وتبدو واقعية هذه التصانيف أيضا في ترتيب علومها بحسب واقع المسلمين في مطالبهم الثقافية ، وبناء ذلك الترتيب بناء تربويا يهدف إلي تسهيل طلب العلم على المسلم وتثقيفه بما يتناسب مع الأهداف العليا لحياته كما رسمتها عقيدته ، ولذلك جاءت هذه التصانيف أقرب إلي أن تكون برنامجا تعليميا لعموم الأمة الإسلامية في واقع احتياجاتها منها إلي التصنيف الفلسفي للمعرفة الإنسانية عامة .
ومن الشواهد على هذا المعني ما ورد في هذه التصانيف من جعل القرآن والحديث محورا لسائر العلوم الشرعية . إشارة إلي أن هذه العلوم ينبغي أن يكون البحث فيها مرتبطا بالقرآن والحديث محورا لسائر العلوم الشرعية ، إشارة إلي أن هذه العلوم ينبغي أن يكون البحث فيها مرتبطا والحديث على سبيل الأصلية المرجعية ، أو على سبيل الإعانة على الفهم والتدبر كما هو الشأن في علوم اللغة .
ويبدو ذلك أيضا فيما بينت عليه هذه التصانيف من تفرقة بين المحمود من العلوم والمذموم ، وكذلك بين النافع منها والضار ، كما جاء في تصنيف ابن بحزم بصفة مباشرة ، وفي تصنيف ابن النديم ، وابن خلدون بصفة ضمنية فهذه التفرقة إنما هي إرشاد تربوي يهدف إلي تعلم النافع المحمود، واجتناب المذموم الضار .
كما يبدو في تلك البيانات الإضافية التي تخللت التصانيف متعلقة بنشأة العلوم وتطورها ، منبهة إلي أهم المؤلفات التي ألفت فيها عبر الزمن ، وهو ما بدا واضحا عند ابن النديم وابن خلدون وأحمد بن مصطفي ،‌والقصد منه تسهيل الطلب على طالب العلوم بالإرشاد إلي أطوارها التاريخية ، ومصادرها الأساسية .
(ب ) صيغة التوحيد والمؤالفة : إذا أخرجنا من هذه التصانيف ما هو مصنف في دائرة المذموم من العلوم فإن سائر العلوم الأخرى على اختلافها بنيت على نسق ظهرت فيه موحدة متآلفة فيما يشبه العقد الذي لا تتفاوت وحداته إلا في مواقعها وأحجامها ،‌وذلك سواء بالنظر إلي الهيكل التصنيفي العام ، أو بالنظر إلي علاقة العلوم ببعضها المنشأة منها والمقتبسة .
فإذا ما نظرنا إلي الهيكل العام وجدنا الأقسام الأساسية أقيمت بحسب واقع التفكير الذي من خصائصه التواصل والتتابع ، ولم تقم على أساس واقع مواضيع العلم التي هي مفصولة عن بعضها وجوديا كانفصال المادة عما وراء المادة ، ولذلك اختفت من هذه التصانيف التقسيمات الحادة المعتمدة على مفاصل بين الأقسام على نحو ما تقدم في التقاسيم المتأثرة بأرسطو .
ويبدو هذا المعني جليا ابن النديم حينما صدر مقالاته بالقرآن وعلومه ، ثم تابع ذلك بالمقالات التي تشتمل على علوم هي كالوسائل لفهم القرآن من نحو وآداب وشعر ، ثم تابع ذلك بالعلوم التي تستروح ما في القرآن من المعاني وتقننها وتفصلها من كلام وفقه وحديث ، ثم تابع ذلك بالعلوم الفلسفية مبرزا في مقدمتها أسباب ترجمتها إلي اللسان العربي بما يفيد أن المأمون إنما قام بترجمة الأوائل خدمة للتوحيد ،‌أي خدمة للقرآن [38] ، وهكذا سلك ابن النديم كل الأقسام في خيط واحد فظهرت متآلفة موحدة .
وما ورد عند ابن حزم وابن خلدون من تقسيم إلي علم عقلي وعلم شرعي لم يكن تقسيما على أساس التناقض بينهما موضوعيا أو غاية ، بل هو تقسيم على أساس وسيلة المعرفة ومنهجها كما تدل عليه نفس العبارة ، ولذلك فإننا نجد كلا منهما كما سنراه بعد حين يبين في مواطن متعددة مظاهر التواصل والتكامل بين ما هو عقلي وما هو شرعي من العلوم ،‌وإلي جانب ذلك فإن ابن حزم سلك العلوم العقلية في تقسم آخر موحد انتهي به إلي سبعة أقسام متوازية متكاملة كما مر بيانه ، إلا أن ابن خلدون في تفرقته بين العلوم الشرعية التي لا دخل للعقل فيها . وبين العلوم العقلية بدا في الظاهر شديد المفاصلة بين القسمين ، ولكن ذلك ليس إلا على مستوى التعبير فحسب .
وإذا ما انتقلنا من الهيكل العام إلي وضع العلوم بدا لنا جليا مظهر التواصل والوحدة بين سائر العلوم ما كان منها شرعيا وما كان منها مقتبسا ، بل إن ذلك التواصل الذي اعتمد قانونا في إدراج العلوم في إطار الهيكل العام كما أفصح عنه ابن حزم في قوله : « العلوم كلها متعلق بعضها ببعض … محتاج بعضها إلي بعض ولا غرض لها إلا معرفة ما أدى إلي الفوز في الآخرة » [39] .
وقد بين كل من ابن خلدون وأحمد بن مصطفي حقيقة التواصل بين العلوم الشرعية تمهيدا لإيرادها مرتبة في التصنيف ، حيث يقول ابن خلدون : « أصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالي المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه ، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق ، فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا ، وهذا هو علم التفسير ، ثم بإسناد نقله وروايته إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) الذي جاء به من عند الله ، واختلاف روايات القراء في قراءته ، وهذا هو علم القراءات . ثم بإسناد السنة إلي صاحبها ،‌والكلام في الرواة الناقلين لها ، ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارها بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك ، وهذه هي علوم الحديث . ثم لا بد استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالي في أفعال المكلفين ، وهذا هو الفقه . ثم إن التكاليف منها بدني ،‌ومنها قلبي ،‌وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد مما لا يعتقد ، وهذه هي العقائد الإيمانية‌ في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر ، والحجاج والقدر ، والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام . ثم النظر في القرآن والحديث لا بد ن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها ، وهي أصناف فمنها علم اللغة ، وعلم النحو ، وعلم الأدب حسبما نتكلم عليها كلها » [40] .
ويقول أحمد بن مصطفي في نفس السياق : « اعلم أن العلوم الاعتقادية : إما متعلقة بالنقل ، أو فهم المنقول ، أو تقريره وتشييده بالأدلة ، أو استخراج الأحكام المستنبطة . فالنقل :‌إن كان بما أتى به الرسول بواسطة الوحي فهو علم القراءات ، أو بما صدر عن نفسه المؤيدة بالعصمة فعلم رواية‌ الحديث . وفهم المنقول : إن كان من كلام الله تعالي فعلم تفسير القرآن ، وإن كان من كلام الرسول فعلم دراية الحديث ، والتقرير : إما الآراء ، فعلم أصول الدين أو الأفعال فعلم أصول الفقه ، واستخراج الأحكام من أدلتها فعلم الفقه » [41] .
أما العلوم العقلية المقتبسة فإنها وضعت أيضا في نطاق الهيكل العام في سياق كانت فيه متواصلة مع العلوم الشرعية متكاملة معها ، حتى إن ابن خلدون لا يتردد في أن يضع علم الفرائض وهو فرع من الفقه ضمن العلوم العددية – وهي من العلوم المقتبسة – كمظهر للقاء بين الفقه والحساب مبينا ذلك بقوله : « فتشتمل حينئذ هذه الصناعة ( أي الفرائض ) على جزء من الفقه ، وهو أحكام الوراثة من الفروض والعقول والإقرار والإنكار ، والوصايا والتدبير وغير ذلك من مسائلها، وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السهمان » [42] .
وفي نفس هذا السياق يجعل أحمد بن مصطفي جميع العلوم العقلية فروعا لعلم الكلام وهو علم شرعي إذ أنه يستعمل مسائلها مقدمات في الاستدلال على مسائل العقيدة فيقول في هذا المعني « قد تقرر في موضعه أن الأصالة و الفرعية‌ بين العلوم العقلية أن يكون موضوع الفرع من أنواع موضوع الأصل ، فعلى هذا يكون جميع العلوم من فروع علم الكلام ، لأن موضوعه أعم الموضوعات كلها [43] » .
لا شك أن ذا التأليف بين العلوم كما بدا في هذه التصانيف ناشي ء عن وحدة‌ الهدف بينها ،‌ فلما كان الهدف هو خدمة الحقيقة ‌الدينية‌ سلكت العلوم كلها في سياق واحد كانت فيه متكاملة‌ متعاضدة‌ لتحقيق هذا الهدف ، وأبعدت في قسم منفصل العلوم المناقضة ‌للعقل و الشرع باعتبار أنا لا تحقق الهدف بل تعارضه ، و أتبعت بتعليقات نقدية تبين خطأها ، فجاء تصنيفها هي أيضاً في هذا السياق النقدي متواصلاً في الغاية مع التصنيف العام ،‌باعتبار أن المحمود من العلوم يدفع هذا التصنيف إلى الأخذ به لتحقيق الدين ، و المذموم منها يدفع إلى التوقي منه واجتناب ضرره .
( جـ ) صبغة الالتزام : لقد أشرنا سابقاً إلى أن هذه التصانيف تشبه أن تكون صيغت صياغة تربوية‌ تعليمية‌ ، ولم تكن تصنيفاً مجرداً للمعرفة ‌الإنسانية العامة‌ ،‌ومعنى ذلك أنها كانت تصانيف ملتزمة بتحقيق غرض معين ، وليس هذا الغرض إلا تحقيق الدين سواء على مستوى الاقتناع به ذهناً أو على مستوى العمل به سلوكاً .
إن هذه الغاية هي التي كانت الأساس الفلسفي الذي انبثقت عنه هذه التصانيف سواء في بنيتها العامة ، أو في انتظام العلوم المختلفة في تلك البنية .
ولعل أوضح مظهر لهذا الالتزام فيما يتعلق بالبنية العامة التفريق الذي أشرنا إليه آنفا بين العلوم المحمودة والعلوم المذمومة‌، والذي ظهر بوضوح عند ابن حزم كما ظهر بصفة غير مباشرة عن ابن النديم وابن خلدون . وليست العلوم المذمومة إلا تلك التي لا تستقيم مع ميزان العقل والشرع وهي بالتالي تؤدي إلي عرقلة أغراض الدين كالسحر والشعوذة والتنجيم ، ولذلك فإن هذه العلوم تليت في إيرادها ضمن هذه التصانيف بنقد يبين زيفها ، ويكشف عن ضررها ، وقد ورد هذا البيان النقدي في وضوح وتأكيد في التصانيف الأربعة التي نحن بصدد دراستها بما يكشف عن وعي عميق بخصوصية الالتزام في التصنيف ، وقد عبر عن هذا الالتزام ابن حزم في تعليقه على التنجيم والكيمياء إذ يقول : « ليعلم كل ذي علم ينصح نفسه بأنه لا سبيل إلي قلب الأنواع وإحالة الطبائع فمن اشتغل بهذين العلمين فإنما هو إنسان محروم مخذول يطلب ما لا يحل أبدا » [44] . كما عبر عنه أيضا ابن خلدون في قوله : « جعلت الشريعة باب السحر والطلسمات والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر ، وخصته بالحظر والتحريم » [45] . إلا أن التنجيم وغيره من العلوم المذمومة لئن كان مذموما في ذاته لمنافاته للدين « فلا ينبغي لطالب الحقائق أن يخلو من النظر فيه ليعرف أغراضهم { أي المنجمين } ويريح نفسه من تطلعها إلي الوقوف عليها ،‌وليفيق من دعاويهم ومخرقتهم ،‌ويزيل عن نفسه الهم إذا عرف أن لا فائدة منه » [46] ، وبهذا يتحول النظر في هذه العلوم من مظنة الضرر إلي الحيلولة دون وقوعه .
وكما يظهر الالتزام في الهيكل التصنيفي العام ، فإنه يظهر أيضا بصفة مستمرة في وضع العلوم التفصيلية في محالها من التصنيف حيث كثيرا ما يصدر العلم ببيان أغراضه وغاياته ، وهو ما التزمه أحمد بن مصطفي في كامل تصنيفه ، واعتمده ابن حزم وابن خلدون في مواطن متعددة .
على أن هذه الصيغة تبدو أكثر وضوحا في تصنيف العقلية ، والمقتبسة من الأوائل ، حيث عمد هؤلاء المصنفون إلي إكسابها ضمن تصانيفهم وضعا جديدا مخالفا لوضعا في دائرتها الثقافية الأصلية ، ويتمثل ذلك الوضع في توجيهها لتتآلف مع سائر العلوم الشرعية من جهة ، ولتكون مؤدية‌ إلي تحقيق الغرض العام من التصنيف وهو خدمة الحقيقة الدينية من جهة أخرى ، وقد وردت هذا الشأن بيانات وافية تهدف كلها إلي تأكيد الوضع الجديد الذي أصبحت عليه العلوم العقلية .
إن الفلسفة في تصنيف ابن حزم « إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه بتعلمها ليس هو شيئا غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلي سلامتها في المعاد وحسن السياسة للمنزل والرعية . وذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة » [47] . وكذلك الأمر بالنسبة لعلم الحساب فإنه « لا بد أن يعرف من السحاب ما يعرف به القبلة والزوال إلي أوقات الصلوات ، لا يوقف على حقيقة ذلك إلا بمعرفة الهيئة ، لا يعرف حقيقة البرهان في ذلك إلا من وقف على حدود الكلام ،‌ولا بد أن يعرف من الحساب أيضا كيفية قسمة المواريث والغنائم ،‌فإن تحقيق ذلك فرض لا بد منه » [48] .
وفي نفس هذا السياق علق ابن خلدون على علم الفلاحة بقوله : « كان النظر فيها عندهم { الأوائل } عاما في النبات من جهة غرسه وتنميته ، ومن جهة خواصه وروحانيه ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كله في باب السحر . ولما نظر أهل الملة فيما اشتمل عليه هذا الكتاب كتاب { الفلاحة النبطية } وكان باب السحر مسدودا والنظر فيه محظورا ، فاقتصروا منه على الكلام في النبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك وحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة » [49] .
إن هذه الملاحظة تبين موقع الالتزام الذي وضع فيه ابن خلدون هذه العلم وصفا لواقعه لما دخل إلي دائرة الثقافة الإسلامية ، وهي إشارة إلي أن العلوم المقتبسة في سياق التصنيف المعرفي الإسلامي ينبغي أن تكوم مؤدية إلي الغرض العام الذي من أجله وجدت العلوم الإسلامية وهو خدمة الحقيقة الدينية .

يلاحظ المتتبع لدور هذه الوجهة أنها شهدت تناميا عبر الزمن نحو الشمول والنضج التصنيفي . فابن النديم كان مؤلفه ضربا من الإحصاء للعلوم الذي ضمت فيه المتشابهات إلي بعضها على غير قانون تصنيفي واضح ، ولكن ذلك الإحصاء‌ كان مادة مهمة لمن جاء بعده ليتخذ منها هيكلا تصنيفيا يقوم على أساس منطقي ، فإذا بابن حزم يتخذ من المحمود والمذموم أساسا للتقسيم ، وابن خلدون يتخذ من المعقول والنقول قاعدة للتصنيف ، حتى إذا ما جاء أحمد بن مصطفي اتخذ من الاعتبارات الوجودية للأشياء منطلقا تصنيفيا فكان أشمل من كل سابقيه .
إن هذه الأسس التصنيفية التي اعتمدها هؤلاء يبدو التأصيل فيها فيما صيغت به من تخدم الحقيقة الدينية كما تمثل بصفة مباشرة في اعتماد المحمود والمذموم عند ابن حزم ، وبصفة غير مباشرة في اعتماد المعقول المحمود والمذموم عند ابن حزم ،‌وبصفة غير مباشرة في اعتماد المعقول والمنقول عند ابن خلدون إشعارا بأن العلوم النقلية هي التي تكشف عن الحقيقة الدينية أساسا ، وأن العلوم العقلية عرضة للانزلاق في خلاف ذلك ، ولذلك ينبغي تصويبها ونقدها حتى تؤدي إلي نفس الغرض ، كما تمثل أيضا جلية‌ في تلك التعاليق الكثيرة التي وردت خاصة عند ابن خلدون وأحمد بن مصطفي منبهة إلي ما ينبغي أن تتجه فيه العلوم لتؤدي إلي خدمة الدين .
وفي إطار هذا المعني أيضا وقع في هذه التصانيف المعرفة الإنسانية متمثلة في مختلف العلوم المقتبسة من الثقافات ، وذلك بملاحظة الوضع الجديد الذي آلت إليه وينبغي ان تؤول إليه في دائرة الثقافة الإسلامية فتكون في ذلك الوضع متناسقة مع سائر العلوم الأخرى في تأكيد الحقيقة الدينية . وفي هذا الصدد نذكر ملاحظات ابن خلدون القيمة‌ المتعلقة بما طرأ على المنطق مثلا والفلاحة من تغير في بنيتهما لما دخلا إلي البيئة الإسلامية ، حيث حذف منهما أغراض الخطابة والسفسطة والسحر المناقضة للإسلام ، كما نذكر أيضا الملاحظات النقدية ‌التي أوردها ابن حزم فيما سماه بالعلوم المذمومة ، والملاحظات التي أوردها ابن النديم في الفلسفة‌ والعلوم القديمة ، وفي الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعوذة.
إننا بما تقدم نلاحظ أن هذه التصانيف أسست على وعي بما هو من العلوم في تأكيد العقيدة ، وبما هي في نقضها ، فكانت واضحة فيها صبغة التفرقة بين هذا وذاك سواء بتمايز الأبواب ،‌أو بالملاحظات النقدية‌ التوجيهية وذلك كله يجعل التصنيف يحمل معني ترشيديا للمعرفة ‌كي تساق في سبيل الغرض المقصود .
وهذه المعاني جعلت هذه التصانيف تعكس بعدا عقديا إسلاميا واضحا صارت به تشبه أن تكون منهجا تربويا عاما يؤدي استيعابه – لو أمكن استيعابه – إلي استجلاء الحقيقة التي جاء بها الدين في مختلف مظاهرها أخذا بما يؤدي إليها واجتنابا لما يبعد عنها ، وذلك عبر ترتيب للعلوم تبدو فيه الواقعية وصفا للعلوم الواقعة في علاقتها ببعضها مما يشكل إرشادا تعليميا يهدف إلي المساعدة على العلوم وتثملها .
إن هذا التصنيف بمواصفاته السالفة الذكر كان له قطعا بسريانه في الثقافة الإسلامية أثر في الفكر الإسلامي لعل من مظاهره ذلك الشمول في التكوين العلمي الذي اتصف به الفكر الإسلامي عموما واتصف به في حدود معينة الكثير من أعلام الفكر الإسلامي الذين كانوا موسوعات علمية جامعة تفاعلت في أذهانهم العلوم عقليها ونقليها ، وتواصلت فيه المعارف ما تعلق منها بالمعاد بصفة مباشرة‌ أو بطريق المعاش ،‌على نحو ما تحقق عند ابن رشد في جمعه بين الفقه والطب والحكمة ، وما تحقق عند ما تحقق عند ابن رشد في جمعه بين الفقه والطب والحكمة ، وما تحقق عند الإمام الرازي حينما استخدم جل معارف عصره لاستجلاء المراد الإلهي في تفسيره الكبير ، وما تحقق عند السيوطي في تصرفه المهيمن المؤلف على ما وصل إليه الإنسان من العلم في عهده حتى نيف على مئات المصنفات من جل العلوم . فما استخدمه هؤلاء الأعلام وغيرهم من معارف وعلوم متواصلة‌ متدانية متناسقة للكشف عن العقيدة في أبعادها المختلفة إنما هو صورة حقيقية لهذه التصانيف التأصيلية التي كانت لهم بصفة مباشرة أو عبر سريانها في واقع الثقافة‌ الإسلامية منهاجا للتكوين والاستيعاب .
وإذا كانت هذه التصانيف أو بعضها يبدو فيها أحيانا اضطراب ظاهري في إدراج العلوم في محالها اللائقة بها ، فذلك مرده إلي أنها كانت خاضعة لسلطان الواقع الذي جرت عليه العلوم في نشأتها وتفاعلها ، ولم تكن خاضعة لسلطان الواقع الذي جرت العلوم في نشأتها وتفاعلها ، ولم تكن خاضعة لسلطان العقل المجرد في تقنينه المنطقي لما ينبغي أن يكون ، كما جرت عليه في الغالب الوجهة التقليدية فجاءت التصانيف فيها أنصع تقسيما وإدراجا في الظاهر ، وفرق بين العقل الذي يقرر ما ينبغي أن يكون والعقل الذي يصنف ويرتب ما هو كائن .
إلا أن الاضطراب الذي يبدو أحيانا في الإدراج والترتيب الذي يفقد هذه التصانيف صبغتها المنطقية الظاهرية الناصعة يعوضه منطق داخلي متماسك كثيرا ما توضحه وتنظر له ملاحظات قيمة وتعقيبات رشيقة ترد أثناء التصنيف ، وتلك الملاحظات والتعقيبات هي عينها التي يفهم في إطارها ما جاء أحيانا من فصل في ظاهر التصنيف بين المعارف كما فصل ابن خلدون بين العلوم العقلية وبني العلوم النقلية ، وكما فصل أحمد بن مصطفي بين العلوم العقلية والعلوم العملية والعلوم الشرعية ، فإن ذلك الفصل الظاهري لا يصدقه البيان الداخلي الذي يولد التواصل والتلاقي بين العلوم ، ولكنه على أية حال يعد عيبا في التصنيف وإن يكن ظاهريا .
وإذا كان تصنيف العلوم في الفكر الإسلامي في المرحلة الأولي ( الوجهة التقليدية ) أكثر منطقة في هيكله العام ،‌ ترابطا واندراجا ،‌فإنه في المرحلة الثانية‌ ( الوجهة التأصيلية ) كان أكثر منطقية في نسقه الداخلي :‌تواصلا بين العلوم وربطا لها بواقعها ، وتوجيها لها في خدمة الحقيقة الدينية الإسلامية التي ظلت الغاية الدائمة لمنشإ العلوم وتطورها .
قائمة‌ المصادر والمراجع
ـ أحمد نكري ( القاضي عبد النبي بن عبد الرسول ) .

ـ إخوان الصفا .

ـ آل ياسين ( جعفر ) .

ـ ابن تومرت ( أبو عبد الله محمد بن عبد الله ، المهدي ت 524 هـ ) .

ـ الجرجاني ( السيد الشريف علي بن محمد ، ت 816 هـ ) .

ـ جلال الدين موسى .

ـ جميل صليبا .

ـ ابن حزم ( أبو محمد علي بن سعيد ت 456 هـ ) .

ـ حسام الألوسي .

ـ طاش كبري زاده ( أحمد بن مصطفي ت 968 هـ ) .

ـ عبده الشمالي .

ـ الغزالي ( أبو حامد محمد بن محمد 505 هـ ) .

ـ الفارابي ( أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان ت 339 هـ ) .


ـ سالم يفوت .

ـ القاضي عبد الجبار ( أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني ، ت 415 هـ ) .

ـ ابن سينا ( أبو على الحسن بن عبد الله ،‌ت 428 هـ ) .


ـ كامل كامل بكري وعبد الوهاب أبو النور .

ـ الكندي ( أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ، ت 252 هـ ) .

ـ لويس غرديه وجورج قنواتي .

ـ مالك بن نبي .

ـ ابن النديم ( أبو الفرج محمد بن إسحاق ،‌ق 438 هـ ) .

ـ يوسف كرم .

ـ وقيدي محمد .
1- 1- علم نظري . غايته مجرد المعرفة ، وينقسم إلي ثلاثة أقسام وهي : 2- 2- علم عملي ، وغايته المعرفة لأجل تدبير الأفعال الإنسانية . وهو أربع شعب : I- I- علم تصنيف العلوم عند المسلمين : 1- 1- « إحصاء العلوم » للفارابي ( أبي نصر محمد بن محمد ، ت 339 هـ ) . 2- 2- « رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا » ( منتصف القرن 4 هـ ) . 3- 3- « مفاتيح العلوم » للخوارزمي ( محمد بن أحمد بن يوسف ،‌ت 386 هـ ) . 4- 4- « الفهرست » لا بن النديم ( محمد بن إسحاق ،‌ت 438 هـ ) . 5- 5- رسالة « أقسام العلوم العقلية » لا بن سينا ( ت 428 هـ ) . 6- 6- رسالة « مراتب العلوم » لا بن حزم ( ت 456 هـ ) . 7- 7- « طبقات العلوم » للأبيوري ( أبي المظفر محمد بن أحمد ، ت 507 هـ ) . 8- 8- « المقدمة » لا بن خلدون ( ت 808 هـ ) . 9- 9- « مفتاح السعادة‌ ومصباح السيادة في موضوعات العلوم » لطاش كبرى زاده ،‌( ت 968 هـ ) . 10-« كشف الظنون عن أسامي الكبت والفنون » لحاجي خليفة ، ( ت 1067 هـ ) . 10- 10- « كشاف اصطلاحات العلوم » للتهانوي ( محمد بن علي ، ت بعد 1158 هـ ) . 11- 11- « أبجد العلوم » لصديق بن حسن القنوجي ( ت 1307 هـ / 1889 م ) [6]. 2- 2- غاية تصنيف العلوم : II- II- الوجهة التقليدية في تصنيف العلوم : 1- 1- وقاع التصنيف في الوجهة التقليدية : 2- 2- خصائص الوجهة التقليدية : 3 – دور الوجهة التقليدية في بناء الفكر الإسلامي : III- الوجهة التأصيلية في تصنيف العلوم : 1- 1- واقع التصنيف في الوجهة التأصيلية : 2- 2- خصائص الوجهة التأصيلية : 3-دور الوجهة التأصيلية في خدمة الفكر الإسلامي : 1- 1- جامع العلوم في اصطلاحات الفنون – دستور العلماء ( ط 2 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، لبنان 1975 ) . 2- 2- رسائل إخوان الصفا ( ط دار بيروت للطباعة والنشر ،1983 ) . 3- 3- فيلسوفان رائدان: الكندي والفارابي ( ط دار الأندلس ، لبنان 1980 ) . 4- 4- رسالة في العلم ( ضمن مجموع « أعز ما يطلب » نشر لوسياني ، ط فونتان ، الجزائر 1903 . 5- 5- التعريفات . 6- 6- تصنيف العلوم عند العلماء المسلمين ( مقال في مجلة « المسلم المعاصر » عدد 41 السنة 11 ،‌محرم صفر ربيع الأول 1405 ) . 7- 7- المعجم الفلسفي ( ط دار الكتاب اللبناني – لبنان 1971 ) . 8- 8- رسائل ابن حزم ( تح . إحساس عباس ، ط . مطبعة الخانجي – القاهرة ) . 9- 9- دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي . 10- 10- مفتاح السعادة ( ط دار الكتب الحديثة ، القاهرة ) . 11 11 - دراسات في تاريخ العربية الإسلامية ( ط 4 دار صادر بيروت 1965 9 . 12-إحياء علوم الدين ( ط دار الكتاب العربي ، دون تاريخ ) . 13-إحصاء العلوم ( تحـ . عثمان أمين ط 2 الأنجلو المصرية 1968 ) . 14- تحصيل السعادة ( ط حيدر آباد الدكن ، 1346 هـ ) . 15 – تصنيف العلوم عند ابن حزم (‌بحث في مجلة « دراسات عربية عدد 5 السنة 19 ، آذار ،‌مارس 1983 ) . 16 – المغني في أبواب التوحيد والعدل ج 12 « النظر والمعارف » ،‌تحقيق إبراهيم مدكور وطه حسين ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر القاهرة ، د . ت . ) . 17 – أقسام العلوم العقلية ( ضمن : « تسع رسائل في الحكمة الطبيعيات ، ط 1 مطبعة الجوائب ، القسطنطينية ، 1289 هـ ) . 18- الإشارات والتنبيهات ( تح . سليمان دنيا ، ط . الحلبي ، القاهرة 1947 ) . 19- مقدمة تحقيق كتاب « مفتاح السعادة » لطاش كبري زاده ( ط . دار الكتب الحديثة ، القاهرة ،‌1968 ) . 20 – رسائل الكندي الفلسفية ( تح . محمد عبد الهادي أبو ريدة ط . القاهرة 1952 ) . 21 – فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية ( تر . صبحي الصالح وفريد جبر ، ط . دار العلم للملايين ،‌ بيروت 1967 ) . 22- مشكلة الثقافة ( ط دار الفكر ) . 23- الفهرست ( ط فلوجل ) . 24 – تاريخ الفلسفة اليونانية ( ط . مطبعة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة 1938 ) .

jrvdv fuk,hk lki[ jwkdt hgug,l fdk hgjrgd] ,hgjHwdg hgjrgd] hgug,l fdk jwkdt fuk,hk fuk,hklki[ jrvdv





توقيع :

إنا لأهل العدل والتقدم ::: إنا لأصحاب الصراط القيم
الدين ما دنّا بلا توهم ::: الحق فينا الحق غير أطسم
يا جاهلا بأمرنا لا تغشم ::: توسمن أو سل أولي التوسم


]

رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج , التقليد , العلوم , بين , تصنيف , بعنوان , بعنوانمنهج , تقرير , والتأصيل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل مشروع منهج البحث جاهز للصف 12 شغال 100% عابر الفيافي نور البحوث العلمية 4 10-19-2011 01:40 AM
تقرير بعنوان العنف في المجتمع الامير المجهول نور البحوث العلمية 0 10-18-2011 02:54 PM
تقرير بعنوان أسباب الإنتحار الامير المجهول نور البحوث العلمية 0 10-15-2011 09:10 AM
تقرير بعنوان أسباب الأمراض الامير المجهول نور البحوث العلمية 0 10-15-2011 09:07 AM
تقرير بعنوان إدغام المتقاربين الامير المجهول نور البحوث العلمية 0 10-15-2011 09:01 AM


الساعة الآن 09:07 AM.