الجزء السادس-فتاوى أصول الفقه - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات



جوابات الإمام السالمي جوابات الإمام السالمي رحمه الله,جوابات الإمام السالمي رحمه الله,جوابات الإمام السالمي رحمه الله,جوابات الإمام السالمي رحمه الله,جوابات الإمام السالمي رحمه الله,


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
افتراضي  الجزء السادس-فتاوى أصول الفقه
كُتبَ بتاريخ: [ 03-23-2011 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية عابر الفيافي
 
عابر الفيافي غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,907
عدد النقاط : 363
قوة التقييم : عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز عابر الفيافي قمة التميز


أصول الفقه

العطف بين جملتين مع كمال الاتصال

السؤال :
إتيان حرف العطف بين الجملتين إذا كان بينهما كمال الاتصال بكون الثانية مؤكدة للأولى لفظاً فكيف يصح توسط العاطف بينهما ومع كمال الاتصال يجب الفصل عند أهل البيان، والذي فيه توسط العاطف { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون }([1]) وكقوله " " إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا فتاتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن " ونحوها كثير لا يحضرنا جميعه فما قولك فيه ؟
الجواب :
قد اشترطوا في الجملة الواجب فصلها عما قبلها أن يكون تأكيدها معنوياً لا لفظياً فهم يجوّزون الوصل فيما إذا كانت الجملة المؤكدة مثل الجملة المؤكدة لفظاً .
ولقد استغرب السبكى هذا الاشتراط فقال ما نصه : " ومن الغريب أن أهل هذا الفن لم يعدوا من أقسام كمال الاتصال أن تكون الثانية صريحة في توكيد الأولى بإعادتها بلفظها مثل قام زيد قام زيد فهي تأكيد بنفسها فهي أجدر أن يحكم عليها بكمال الاتصال مما هو فرع عنها ويلحق بها - قال - ولعلهم إنما تركوا ذلك لأن الصريح هو نفس المؤكد فكأنهما جملة واحدة فلا تعدّد " انتهى كلام السبكي والله أعلم .

تفاوت معنى النية بحسب أصحابها

السؤال :
ما معنى قول بعضهم : نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفاعل ؟
الجواب :
إن عوام الناس يقصدون بأعمالهم ما يترتب عليها من المنافع العاجلة والآجلة فمنهم من يعبدون الله تعالى لأجل أن يدخلهم جنته وينفذهم من ناره ونحو ذلك والله أعلم .
قال السائل :
ما معنى قول بعضهم أيضاً : ونية الجهال التخلص عن سوء القضاء ونزول البلاء ؟
الجواب :
المراد أن الجاهلين بالشرائع إنما يقصدون بأعمالهم دفع البلايا عنهم ويطلبون بها صرف سوء القضاء فهم يتصدقون ليرتفع عنهم البلاء ويزكون لئلا تذهب أموالهم ويتجنبون الأيمان الفاجرة لئلا تهلكهم وهكذا سائر أعمالهم والله أعلم .
قال السائل :
ما معنى قوله أيضا : ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس ؟
الجواب :
إن المنافقين يقصدون بأعمالهم أن يكونوا مرضيين عند الله وعند الناس فهم يراؤون بالعبادات رضاء الجميع وهؤلاء طائفة من المنافقين ومنهم من يقصد بعمله رضا الناس فقط وهو أغلب المرائين والله أعلم .
قال السائل :
ما معنى قوله ونية العلماء لحرمة ناصبها لا لحرمتها ؟
الجواب :
المعنى أن العلماء يقصدون في أعمالهم تعظيم من جعلهم في ذلك المنصب العالي فهم يراعون بأعمالهم حرمة ناصبهم وهو الله سبحانه وتعالى لا حرمتهم بأنفسهم . فإذا أقيمت شرائع الله ونفذت أحكامه كان ذلك غاية مقصودهم سواء نالهم من ذلك حظ في العاجلة أم لم ينلهم والله أعلم .

قال السائل :
ما معنى قوله أيضا ونية أهل التصوف الترك على ما يظهر منهم من الطاعات ؟
الجواب :
إن معنى مقصد الصوفية إخفاء طاعتهم فهم يراعون سترها وعدم ظهورها والله أعلم .
قال السائل :
ما معنى قوله أيضا ونية أهل الحقيقة في ربوبيّة تولدت عن عبودية ؟
الجواب :
الله اعلم بمراد هذا !

مفهوم الأمر

السؤال :
تفضل بين لنا معرفة الأمر لغة وشرعاً وقد يوجد " : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " يدل هذا للوجوب أم للندب أم للإباحة ؟ بين لنا ذلك يرحمك الله .

الجواب :
والله الهادي، الأمر لغة يطلق على القول المخصوص كلفظ قم وسر، ومنه قوله تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر }(1)
وتارة على الفعل كما في قوله " لأبي بكر حين أشار إليه أن يتقدم بالناس فأبى : " فما منعك أن تتقدم إذ أمرتك " ولم يكن ثمة قول إلا فعل بإشارة .
ويطلق أواناً على الشأن { فيها يفرق كل أمر حكيم }([2]) وتمثل للأمر بمعنى الشان بقوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ { يا أيها الملأ افتوني في أمري }([3]) أي في شأني .
وأما شرعاً فهو طلب إيقاع الفعل جزماً وعرفه البدر رحمه الله تعالى بقوله طلب فعل غير كف على جهه الاستعلاء، فيدخل في تعريف البدر الوجوب والندب ويخرج الندب على التعريف الأول بقوله جزماً فان الندب وإن طلب ايقاعه لكن لا على جهة الجزم أي القطع في الطلب وعلى نحو ما رأيت جرى خلاف الأصوليين فيما بينهم هل الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في الندب أم حقيقة فيهما معاً .
والعجب من البدر رحمه الله تعالى حيث عرفه بتعريف شامل للوجوب والندب ثم قال بعد وهي حقيقة في الوجوب وعلى هذا فيكون تعريفه غير مانع، عفا الله عنه اللهم إلا أن يقال أراد أن الأمر الذي هو الطلب على جهة الاستعلاء حقيقة في الوجوب والندب وأن الصيغة التي هي افعل حقيقة في الوجوب مجاز في غيره فعلى هذا فلا إشكال فإذا عرفت هذا فارجع بنظرك إلى الأمر في الحديث المسئول عنه تجده بمعنى الفعل في اللغة وبمعنى الفعل في الاصطلاح ولا يشكل عليك قوله : " فأتوا منه ما استطعتم " فان الله لم يفرض علينا فوق طاقتنا { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }(1)، { ما جعل عليكم في الدين من
حَرَجْ }
(2)، { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها }(3) فمن فرضت عليه الصلاة مثلا بأركانها وشروطها فعجز عن إتيان شيء منها كالقيام مثلا كان عليه أن يأتي ما استطاع منها وقد رفع عنه ماعدا ذلك هذا ما ظهر لي والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله .



إجزاء الأخذ بقول من أقوال المسلمين


السؤال :
رجل مات بأرض السواحل وعنده أقارب في أرض عمان وفي حياته قد عوَّد أقاربَه الذين في عمان بالمعروف وقد أوصى لأقاربه بمال كثير ووصيه في زنجبار فأراد أقاربه الذين في عمان نصيبهم فقال الوصي أنا سألت سيف بن ناصر الخروصي وقال : المسألة فيها اختلاف فأخذت بقول من يقول أن البحر قاطع . ونحن سابقاً عرَّفناه بجوابك وما اخترته أنت من الرأي في ذلك، فالآن رجع الأمر على ما تقوله أنت وتختاره ونرقب الجواب .
الجواب :
إذا أخذ الوصي بقول من أقوال المسلمين وعمل به في انفاذ الوصية فليس لغيره أن يعارضه في ذلك لأنه متعبَّد في ذلك بخاصة نفسه وهو أمين على دينه فاتركوه وما عمل وكفُّوا عنه خصمه والعلم عند الله .

القول بالرأي لمن ليس له أهلية الاجتهاد

السؤال :
قول محمد بن شيخان في تعريفه الذي كتبه لشيخنا عيسى ابن شيخنا الصالح ونصه وقد قرأت مسألة الفتوى عن الامام القطب رضي الله عنه ونحن لن نشك أولاً في أن من ليس أهلاً للفتوى والرأى ليس له أن يدعيه وليس له أن يفتى بلا علم فكيف نشك فيه آخِراً وقد اعترفنا منذ قديم أنا لسنا أهلا للرأى ولم نفت إلا بما علمنا مع أن مسألة من لم يبلغ درجة الاجتهاد الخلاف فيها شهير كالشمس رابعة النهار ولا حجة لكم في ذلك انتهى ما أردنا نقله من تعريف ابن شيخان .
ما وجه الجمع بين هذا الكلام وبين كلام أمامنا القطب في المسألة التي قرأها ابن شيخان وذلك أن القطب قال في تلك المسألة ما نصه إنه لا يجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقول برأيه فإن قال به ضل وكفر نفاقاً وضل متبعه وهلكا ولو وافق الحق بل يجب عليه أن يسأل إلى آخر كلامه أترى كلام ابن شيخان يمكن جمعه مع كلام هذا الامام أم ترى ابن شيخان قد رد على القطب كلامه في ذلك ؟ وهل يوجد الخلاف في جواز القول بالرأي لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أم لا ؟ وإن كان الخلاف في ذلك موجودا فما وجه تضليل أمامنا القطب وتكفيره لمن فعله ؟ أيجوز لمثل هذا الامام أن يكفر مسائل الرأى والاجتهاد ؟ وهل يكون ذلك من باب جعل الرأي دينا أم لا ؟ فضلا منك ببيان هذا كله مأجوراً إن شاء الله تعالى .
الجواب :
أرى أن ابن شيخان رد على إمامنا القطب رضوان الله عليه قوله بذلك حيث حكى الخلاف في عين المسألة التي حكم الإمام القطب فيها بالتكفير فلو صح الخلاف الذي زعمه ابن شيخان في تلك المسألة لوجب تضليل إمامنا القطب عافاه الله حيث إنه حكم بالتكفير والتضليل في موضع الاجتهاد والرأى فيستلزم من ذلك جعل الرأى دينا لكن الخلاف الذي زعمه هذا المتعاطى غير موجود أصلا فضلا من أن يكون شهيراً كالشمس في رابعة النهار وبيان ذلك أنه لم يجوز أحد من الأمة القول بالرأى في شيء من الشرعيات لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد في ذلك الشيء بعينه فمن قال في شيء من الشرعيات برأيه وهو لم يبلغ فيه درجة الاجتهاد فهو مخطئ هالك وهذا هو معنى كلام إمامنا القطب أبقاه الله .
ولعل ابن شيخان وقف على وجود الاختلاف في تجزؤ الاجتهاد فظن أن ذلك هو محط كلام إمامنا القطب ولم يتهم نفسه بسوء الفهم بل جزم لنفسه بالعلم فتعاطى رد كلام إمامنا القطب في قوله ذلك، وليته اكتفى بمعارضة من هو دون هذا الامام، واقتصر على مكابرة من حوله من الاعلام، ولم يتعاط رد كلام ذلك الامام، لكن أعماه جهله، وأضله سوء فهمه، فظن أنه أوتي الحكمة وظفر بما لم يظفر به القطب من الاطلاع على وجود النزاع، فساء ظنه بإمامنا رحمة الله عليه حتى لم يجعل كلامه حجة لنا في انكارنا عليه القول بالرأى مع اعترافه بأنه ليس من أهل الرأى فكأنه قال في كلامه أنا لست من أهل الرأى وأني لأقول بالرأى مع أني لست من أهله وليس لكم أن تمنعوني من ذلك بفتوى القطب وحكمه بالتفكير في المسألة لأن الخلاف فيها موجود فتكفيره وتضليله لمن قال بالرأى وهو ليس من أهل الاجتهاد غير مستقيم .
هذا معنى كلامه ونعوذ بالله من الوقوع في مثل هذه الورطات ونسأل الله أن يرزقنا العصمة بالكتابُ والسنة وأن يوقفنا على الاقتداء بعلماء الدعوة وصلحاء الأمة ونسأله أن يعيننا على طاعته وأن يرزقنا مباعدة أهل معصيته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأحكام الأخروية وعلاقتها بالإجتهاد

السؤال :
مسائل الاجتهاد التي اختلف العلماء فيها كصورة قال بعضهم فيها بالهلاك، وبعضهم بعدمه، وكصورة قال بعضهم في فعلها كبيرة، وبعضهم صغيرة، وما أشبه ذلك . ما حكم هذه المسائل عند الله ؟ أيجازى فاعلها عنده بالهلاك أو بعدمه ويعاقب أو يعفى عنه ؟ وهل لأحد أن يقول بالتهليك في مسائل الإجتهاد ؟
الجواب :
القول بهلاكه وبأنه كبيرة لايستلزم الهلاك دينا، ولا الحكم بالفسق، لأن القائل بالتهليك لا يُخطِّئ القائل بالنجاة، والقائل بأنه كبيرة لا يُخطِّئ القائل بأنه صغيرة، فظهر لك أن التهليك والقول بأنه كبيرة إنما كان في رأي القائل بذلك دون غيره ؟ والمعنى في ذلك أنه إذا رأى أحد مثل ما رأى هذا القائل ثم فعله انتهاكاً حكم عليه بالهلاك، لأنه خالف حكم الله في حقه، وذلك أن حكم الله عليه هو ما رآه من القول، فإذا خالف حكم الله استوجب الهلاك . وكذا القول بأنه كبيرة لأنه إنما يكون كبيرة في حق من رأى ذلك، فإذا رأى أنه كبيرة ثم فعله عوقب على فعله، إلا أن يتوب . بخلاف من رأى أنه صغيرة فإن الله تعالى يعامله في ذلك بحكم الصغائر لأنه في رأيه صغيرة وذلك حكمُ الله عليه ؟
هذا وجه قولهم في مسائل الرأي بالتهليك والظلم والعصيان وما أشبه ذلك . فلا يُشكل عليك، فإنه واضح إن شاء الله تعالى . والله
أعلم .

قَالَ السَّائِلُ :
أرأيت إن كان الفاعل ليس من أهل الرأي ففعل ذلك ما القول فيه ؟
الجواب :
أماالهلاك ديناً فلا يحكم عليه به . ومن قواعدهم أنّ من أخذ بقول من أقوال المسلمين لا يهلك، وأما في الرأي فإن كان مُقَلِّداً لمن يرى الهلاكَ والكبيرةَ فقد قيل إن حكمه حكم من قلده، وذلك إنه التزم اتّباعه فخالفه هاهنا، وقد قيل إنه لا يجوز له أن يقلده في شيء ويخالفه في
شيء . وإن كان مُقَلِّداً امن يرى الرخصة فحكمه حكمه . والله أعلم .



نفاذ حكم الحكم ظاهراً وباطناً

السؤال :
الخصمان المجتهدان إذا ترافعا عند الحاكم في حق فحكم به لأحدهما وهو لا يرى أنه له، هل يَحِلُّ له أخذه بحكم الحاكم ؟ فإن كان لا يحل فهل للثاني أن يأخذه إذا ردَّه عليه ؟ أرأيت إذا كان الثاني يرى أن الحق عليه هل المسأله واحدة أو بينهما فرق ؟ وإذا كان لا يحلُّ لكلٍّ أخذه فأين يضعانه ؟
الجواب :
ليس للمجتهد أن يطلب حقا في رأيه أنه ليس له، فإن طلب ذلك فقد ادّعى ما ليس له بحق . وليس للآخر أن ينكر حقًّا يرى أنه عليه لازم فإن أنكره كان منكِراً لحقٍّ عليه .
فإن صورنا أن المجتهدين اختفي عليهما الحق لمن يكون حتى ترافعا وحكم الحاكم، فحينئذٍ رأى من عليه الحق أن الحق لصاحبه لو لم يحكم الحاكم ورأى الآخر مثل ذلك فها هنا يتصور سؤالك .
وجوابه حينئذ أن الحق للمحكوم له في حكم الظاهر وأنه ليس للمحكوم عليه أخذه، وكذلك المحكوم له فيما بينه وبين الله ليس له أن يأخذه لكن يرده إلى الأول عن طيب نفس وتَحَالٍّ، فإن فعل ذلك جاز لصاحبه أخذه من هذا الباب، وإن تمسك بحكم الظاهر وأخذه وهو يرى أنه ليس له فهو مُتَسَتِّرٌ في الظاهر خائن في الباطن، وإن لم يقبله لاهذا ولاهذا فإن جعل في بيت مال المسلمين جاز، وإن انفق في الفقراء جاز . والله أعلم .

العمل بعبارة المعبّر إن أخطأ

السؤال :
المكلف إذا عبر له أحد شيئاً من الأعمال البدنية الواجبة عليه، فأخطأ المعبِّر الحق وظن السامع أنه عين الحق، أو أصاب المعبِّر وظن السامع أنه لم يُصِب، هل له أن يعمل بعبارة المعبر أو بما ظنه في عقله كان ذلك خطأ أو
صواباً ؟

الجواب :
عليه أن يعمل بعبارة المعبر إذا وافقت الحق، عرف أنها حق أو جَهِلَ لأن الحجة لا تتغير بجهل الجاهل، والحق لا يختلف باختلاف الأوهام، وليس له أن يترك ذلك لأجل ما وقع في ذهنه أنه غير صواب. وإن لم توافق العبارة الحق فليس عليه ولا له أن يأخذ الباطل، لأن الباطل مردود على قائله وليس الباطل بحجة على أحد أصلاً، سواء علم السامع ببطلانه أو جهل .
فإن قيل فما السبيل لهذا الضّعيف في تمييز حق العبارة من باطلها مع أنه جاهل لا يعرف كيف يفعل ؟
قلنا : لاسبيل إلى ذلك إلاَّ توفيق الله سبحانه وتعالى وإعانته وتسديده ولا يقال : لم يكلف ذلك وهو لا يعرفه، لأنا نقول إنه تعالى لا يُسأل عما يفعل وإن المسألة من باب القدر فالواجب التسليم والإذعان وترك البحث والاعتراض والله أعلم .
فإن قيل : أرأيت إذا أخطأت العبارة وهو يظن أنها حق فعمل بها هل يكون هالكاً أو ناجياً ؟
قلنا : لا يهلك على رأي من أوجب عليه العمل بما حَسُن في عقله، فإن هذا قد حسن في عقله ذلك وأكَّده عبارةُ المعبر وإن كانت خطأ ليس له أن يُعَوِّل عليها فقط بل عليه أن يعتقد مع ذلك السُؤال عمَّا يلزمه من أمر تلك العبارة . والله أعلم .

عذر المجتهد المخطئ، وهل كل مجتهد مصيب ؟

السؤال :
قول المعتبَر فيمَنْ قال بالرأي - وهو من أهله - عُذِر وإن أخطأ الصواب، ما وجهه ؟ مع أن المسألة اجتهادية، أليس جميع أقوال العلماء فيها صواب ؟

الجواب :
الله أعلم، ولعله مبني على قول من يقول : إن الصواب في المسائل الاجتهادية عند الله في واحد من الأقوال، فمن أصابه كان له أجران، ومن أخطأه كان له أجر الاجتهاد .
وقيل : إن الصواب في جميع الأقوال : ففي حق هذا الصواب في كذا، وفي حق هذا الصواب في كذا، وعليه المشارقة رحمهم الله . والأول قول المغاربة .
ويحتمل أن يريد بالخطأ الخطأ في طريق الاجتهاد، كأن أراد الاستدلال بشيء على شيء فأخطأ فاستدل به على غير ذلك الشيء أو استدل بالعام على عمومه مع وجود التخصيص ولم يجتهد في البحث عنه أو يحفظه فنسيه، أو استدل بالمطلق مع وجود التقييد فنسيه، أو قاس شيئاً على شيءٍ مع تخلف بعض الشروط التي يريد أن يراعيها فأغفلها . وكثيراً ما يقع للمجتهدين مثلُ ذلك . والله أعلم .



تحريم القول بغير علم ومجاله

السؤال :
القول بغير علم، هل هو محرَّم بالإجماع ؟ فإن كان ذلك فما وجه قول بعضهم فيمن أفتى بغير علم فوافق الحَقَّ وهو قاصده أنه لا ضمان ولا إثم ؟ وما يقول في قوله تعالى : { ولا تقفُ ما ليس لك به علم }(1) ؟
الجواب :
نعم، أجمعت الأمة، لا نعلم من أحد منهم خلافاً، تحريم القول بغير علم ويدل عليه قوله تعالى : { قل إنما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر فيها وما بطن والإثمَ والبغيَ بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم يُنَزِّل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }(2) وقوله تعالى : { ولا تتَّبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عَدُوُّ مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }(3) وقوله تعالى : { ولا تَقفُ ما ليس لك به علم }، الآية .
وأما القائل بأنه لا إثم ولا ضمان على من قصد الحق فوافقه وإن كان غير عالم به، فإن كان أراد بذلك أنه لا إثم عليه في الموافقة للحق فظاهر، إذ لا يقول أحد بأنه يأثم بذلك، وإنما يقولون بإثمه بالتقدم على القول بغير علم . وإن أراد أنه لا يأثم حتى في التقدم فلا وجه له إذ لو عُذر القائلُ فيما لا يعلم لَمَا كان لتحريم القول بغير علم معنىً .
بيان ذلك أن التحريم إنما كان في القول بغير علم، فلو عُذِر القائلُ - إذا وافقَ - بعذرِ القائلِ غير الموافق في نفس القول، وإنما يكون هلاكُه بنفس المخالفة للحق، وعلى هذا فيكون التحريمُ للمخالفة دون القول بغير علم، وليس كذلك، بل التحريم للقول بغير علم وافقَ أو خالفَ، لكن إن خالف كان أشدَّ في الإثم وأغلظ في العقوبة . والله أعلم .
قَال السَّائل :
هذا التحريم في القول بغير علم شامل لمسائل الدين والرأي أو خاص بمسائل الدين دون الرأي .
الجواب :
نعم، شامل لجميع ذلك، لأن الجميع قولٌ بغير علم : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام }(1) وقد أمر الله تعالى بالرجوع إلى العلماء في المسائل الاستنباطية فقال : { ولو ردُّوه إلى الله والرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }(2) وليس للجاهل أن يقول في شيء من الأحكام الشرعية بشيء.
فإن قيل : أليس مسائل الرأي من الأمور الظنّية فإن كان هذا الجاهل ألمعيَّ الظن واقدَ الفطنة ذكيَّ الفهم يظن الأمر فيصيبه، ما يمنعه أن يقول في ذلك ؟ قلنا : ليس ظن الجاهل في الأحكام الشرعية بشيء، ولئن أصاب مرة أخطأ عشراً .
ثم إنه ليس نفس الظن هو المعتبر في ثبوت الأحكام الشرعية، وإنما المعتبر الدليل الذي تستنبط منه الأحكام، لكن لما كان ذلك الدليل غير قاطع بالمراد، إما لعدم النص في المعنى، أو لارتفاع القطع بصدق راويه، ظننا أن المراد من ذلك الدليل الظاهر من الأحكام وأن ذلك الراوي صادق الرواية، فالحكم الشرعي مأخوذ من الدليل الشرعيّ لا من تخريص الخارص، وإنما سُمّي ظنّياً باعتبار ارتفاع القطع عن أصله، فأين للجاهل مثل هذا الاستنباط ؟ لا ولا نعمة عين ! فلا عذر لقائل على الله بغير علم { ولو تقوَّل علينا بعضَ الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين }(1) . والله أعلم .


نفي الضمان عن خطأ العالم

السؤال :
قول بعضهم : إن العالم يضمن إذا خالف الحق في فتواه فعمل بها غيره، لأنه في حكم الدالّ، ما وجهه ؟
الجواب :
لا أعرف له وجهاً إلا ما ذكر من القياس على الدالّ، وليس هذا القياس بصحيح، لأن الدالّ إنما يَدُلُّ على عين المال ولولا دلالته مثلا لم يُهتدَ إليه، فحصل بدلالته الاطلاع على المال، وخطأ هذا العالم ليس كذلك، لأن السائل يعرف المال وموضعه وإنما يسأل عن الحكم فيه، فإذا قال له خطأً : هو لك، مع أنه لغيره، فليس قوله بذلك دلالة على المال وإنما هو إشارة إلى الجواز، لكنها إشارة غير صائبة .
وهب أنه في خطئه أغراه بأخذ المال أليس هو دون من أمر غيره بالأخذ، مع أنه لا سلطان له عليه . وقد قالوا أنه لا يضمن بل يأثم وأما الضمان فعلى الآخذ .
والصحيح القول المشهور، وهو أن خطأ العـالم فيما علَّم مرفوع
عنه . والله أعلم .



حكم العام قبل ورود التخصيص

السؤال :
حكم العام قبل ورود المخصص على رأي من أجاز تأخير المخصص إلى وقت الحاجة، هل يجوز العمل بعمومه قبل المخصص أو لا ؟
الجواب :
حكمه البقاء على عمومه إلا إن قال الشارع إن هذا العموم مخَصَّص ولم يبين جهة التخصِيص ولا صفته، فإنه يكون حينئذ مجملا وحكمه الوقوف حتى يَرِدَ البيان .
واعلم أن وقت العمل بالعموم هو وقت الحاجة إليه فإذا عمل عامل بمقتضاه فقد علمنا أن مراد الله عمومه وإن ورد المخصص بعد ذلك فهو ناسخ لبعض حكم العام وإن أطلق عليه اسم التخصيص باعتبار آخر . والله أعلم .

حكم الأمر بعد الحظر

السؤال :
قول من قال إن الأمر إذا ورد بعد حظر فهو حقيقة في الإباحة، كما في قـوله تعالى : { وإذا حللتـم فاصطـادوا }(1) { فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا }
(
1) { فإذا تطهرن فأتوهن }(2) هل يكون الأمر عندهم ناسخاً للحظر السابق أو لا ؟
الجواب :
الله أعلم بما عندهم في ذلك، والذي يظهر لي أنهم لا يسمونه ناسخاً، وذلك أن الشرط في الناسخ أن يتأخر عن زمان المنسوخ مقدارَ ما يمكن العمل بالأول، وقيل مقدار ما يمكن العمل به أو اعتقاد الامتثال . فإن لم يكن بينهما هذا القدر فليس بناسخ اتفاقا وإنما هو مبدأ حكم .
وأيضاً أن التحريم الأول مستقل بزمانه والإباحة الثانية مستقلة بزمانها فالتحريم في ذلك الزمان باق على مرّ الأزمنة، والإباحة في الزمان الآخر باقية أيضاً بيانه أن تحريم الوطء في الحيض ثابت إلى آخر الأبد وإباحة الوطء بعد التطهر ثابتة كذلك فأين موضع النسخ حينئذ وكذا القول في منع الاصطياد وإباحته ومنع الانتشار وإباحته . والله أعلم .


معنى تأخير البيان عن وقت العمل

السؤال :
قول المحلّي : " يجوز تأخير البيان عن وقت العمل بالظاهر الذي لم يرد ظاهره " هل هو مبني على القول بجواز التكليف بما لا يطاق؟ وهل على المكلف الامتثال بالظاهر حتى يَرِد ما يخالفه ؟
الجواب :
هو مبني على ذلك وهو قول الأشاعرة . والمذهب عندنا وعند المعتزلة المنع، لأنه إذا كان المراد غير الظاهر فالعمل بالمراد مع عدم البيان تكليف بما لا يطاق، وإن قلنا بجواز العمل بظاهره مع تقدير أن المراد غير ظاهره استلزم ذلك تخلفَ مراد الله تعالى، حيث إنه أراد غير الظاهر فعمل هذا بالظاهر .
وعلى كل حال فلا يجوز عندنا تأخير البيان عن وقت العمل، وهو وقت الحاجة إليه . فإن أُخِّر وحضر الوقت علمنا أن المراد الظاهر، إذ لو أراد الله غير ظاهره لبيَّنن . والله أعلم .


مناقشة مانعي النسخ في القرآن

السؤال :
قول من منع النسخ في القرآن ما وجهه ؟ وما يقول في الآيات الناسخِ بعضُها لبعض ؟ وأيضاً ما يقول في قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها }(1) ؟
الجواب :
قائلُ كذلك أحقرُ من أن يُلتفت إليه، فكيف يُلتمس له الحجة ؟!
ولعله يحتج بقوله تعالى : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه }(2) وذلك أن النسخ إبطال . وقد دلّت الآية على نفي الباطل عنه لا الإبطال والفرق بين الإبطال والباطل ظاهر، وذلك إن الإبطال الإضراب عن الشيء، والبطلان كونه باطلاً في نفسه وهو مخالفة الحق.
ولعله يقول في الآيات الناسخ بعضها لبعض أنها مخصصة للسابقة بالزمان الماضي كما نقل عنه أنه يقول بذلك وعليه فيكون قد أنكر التَّسميةَ لا المعنى فإنه يوافق في نقل الحكم الأول إلى حكم غيره لكن لا يسميه منسوخاً بل مُخصَّصاً بالزمان الأول، وذلك إن الأحكام المنسوخة مخصوصة بأوقات معلومة، وبانقضاء تلك الأوقات يكون النسخ . كتخصيص بقاء شريعة عيسى عليه السلام بالزمان الذي بينه وبين بعثة نبينا " .
وهذا المعنى أهون من انكار نفس النسخ وإن كان قوله تعالى :
{ ما ننسخ من آية }
(1) يعارضه، فليس الخلاف في التسمية كالخلاف في المعاني والأحكام . والله أعلم .

وجه القول بنسخ المتواتر بالآحاد

السؤال :
قول من قال يجوز نسخ المتواتر بالآحاد ما وجهه ؟ وهل هذا القول يصح في الرأي أو لا ؟ وكيف ينسخ العلم بالظنّ ؟
الجواب :
ذلك قول لأهل الظاهر، وفي كلام ابن بركة ميل إليه .
وحجتهم على ذلك استدارة أهل قباء في الصلاة حين سمعوا المنادي بتحويل القبلة، وأن النبيّ " كان يرسل الآحاد من الرجال بالأحكام مبتدأة وناسخة إلى أطراف البلدان وسائر النواحي ولو لم يَجُز لهم قبول ذلك منهم لما بعثهم إليهم، وأيضاً لم ينكر على أهل قباء تركهم القاطع لأجل خير الواحد بتحويلها .هذا احتجاجهم على قولهم .
وأقول : إن الظن لا يعارض القطع فضلاً من أن ينسخه، وكيف يبقى الظن مع العلم ؟ وكيف يترك العلم للظن ؟ أما مااحتجوا به فكله خارج عن مـوضع النـزاع وذلك أن النـاسخ في آية القـبلة قولـه تعالى : { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولُّوا وجوهكم شطره }(1) والمنادى مبلغ لهذا الحكم لا ناسخ له، وكذلك الآحاد المرسلون إلى النواحي فإنهم مبلغون للأحكام الناسخة وليس خيرهم هو الناسخ، بل الناسخ ما ثبت به النسخ من كتاب أو سنة وهو قاطع قطعاً فما خبر المبلغين إلا كتعبير المعبرين للفرض اللازم، ولما في القرآن من الأحكام وقد عرفت أن الواحد فيما لا يسع جهلُه حجة، فلا تغفله ها هنا، فإنّ مَنْ عليه فرض لا يعلم وقته أخبره رجل بالوقت كان حجة عليه ولزمه قبول قوله، وليس خبره هو الملزم بل الملزم كذلك ما ثبت من الدليل عن الله تعالى أو عن رسول الله "، وهذا مبلغ لذلك الحكم فكذلك أحوال المبلغين في زمانه " . والله أعلم .

وجه القول بالنسخ بالقياس

السؤال :
قول من قال : " يجوز النسخ بالقياس " ما وجهه مع أن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي ؟ ولم لا يكون النسخ بأصل القياس ؟
الجواب :
الله أعلم بوجهه، وهو قول ضعيف جدًّا، والحق منع النسخ به، والقائل به يحتمل أن يكون أراد أنه يَنسخ النص، لقوله : كما يجوز التخصيص بالقياس يجوز النسخ به، ويحتمل أنه أراد نسخ القياس قياساً آخر، بأن يَظهر للمجتهد قياسٌ يخالف مقتضى قياسه الأول . وكلا الوجهين باطل .
أما الأول فإنا نفرق بين التخصيص والنسخ، وذلك أن التخصيص قصر على بعض أفراده، ودلالة العام على أفراده ظنية، والظنيّ يُخَصَّص بالظن . وأما النسخ فهو إبطال للحكم الأول وذلك يكون بالقاطع وغير القاطع، ولا يصحّ إبطال القاطع بالظنيّ، ولا الظنيّ بظنيّ آخَرَ إلاّ إذا كان أقوى منه أو مساوياً له في الدلالة .
وأيضاً فإن الصحابة كانوا يُقدِّمون العمل بكتاب الله، فإن لم يجدوا فيه حكمَ القضية التمسوه من سنة رسول الله "، فإن لم يجدوه اجتهدوا فيه رأيَهم، كما يدلّ على ذلك خبرُ معاذ وأحوالُ عمر في سؤاله الصحابة عن حفظهم ورجوعه في مواطن عن رأيه إلى المنقول عن رسول الله "
وأما منع الوجه الثاني فلأن القياسَ الثانيَ كاشفٌ لبطلان القياس الأول [وعلته] موجودة من أول مرة لكنها لم تظهر للمجتهد وإنما ظهرت عند ظهور القياس الثاني، وشأن المنسوخ بقاؤه على حكمه حتى يرد الناسخ، فالإبطال في المنسوخ حادث مع ورود الناسخ لا قبله، بخلاف صفة القياس . والله أعلم .

نسخ الفحوى وأصلها

السؤال :
قول من قال : " إن الفحوى لا تُنسخ بنسخ أصلها " ما وجهه ؟ مع أن حكمها لم يثبت إلا من أصلها، وهل تسمى بعد نسخ أصلها (فحوى) على رأيه أو لا ؟ وكذا القول بثبوت (مفهوم المخالفة) مع نسخ أصله ما وجهه ؟ وهل يسمى (مفهومَ مخالفة) أو لا ؟
الجواب :
كل منهما يُسمَّى بذلك قبل النسخ وبعده : أما قبله فظاهر، وأما بعده فباعتبار ما كان، وإن حكمهما باقٍ عند القائل ببقائهما، إذ لا معنى للقول بذلك إلا بقاء الحكم .
ووجهه قوله إن أصل المفهوم من فحوى وغيره دليلٌ على المراد، ولا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء الدلالة بعد ثبوتها . مثال ذلك رجل دَلّ آخر على طريق حتى عرفها، ثم مات الدليل، فإن الدلالة التي حصلت لا ترتفع بموت الدالّ، فكذلك أصل المفهوم من فحوى وغيرها .
على أن الفحوى أشد في الحكم من المنطوق فيمكن نسخ المنطوق لكونه أخف، وبقاء الفحوى لكونها أشد، وذلك كما في قولـه تعـالى : { ولا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما }(1) فإن الفحوى من ذلك تحريم الإيذاء بالضرب والقتل ونحو ذلك، فيصح أن يُنسخ أصلها وهو التأفيف ويبقى الأذاء الشديد على التحريم، إذ لا مانع من ذلك . وإذا ثبت الحكم فلا يرتفع إلا بناسخٍ ينصُّ عليه .
هذا وجه قولهم وهو في الفحوى ظاهر وأما في غيرها فخفى وذلك أنه لم يثبت ذلك الحكم إلا من ذلك الأصل فإذا انتفى انتفى ولا يصح قياسه على الثابت في ذهن المدلول مع ارتفاع الدليل، لأن الثابت في ذهن المدلول علم الدلالة ولا يزول ذلك العلم بزوال المعلم . أما الدلالة المشتملة على الدالّ فإنها تذهب بذهابه، بمعنى أنه لا تتصور دلالة منه بعد موته، فكذلك دلالة الأصل بعد نسخه . والله أعلم .

معنى ايجاب واحد لا بعينه في الأمر التخييري

السؤال :
قول المعتزلة في منعهم ايجاب واحد لا بعينه في مسألة الأمر بأشياء متعددة، كما في كفارة اليمين، قالوا : الواجب جميعُه، مامعنى قولهم بذلك ؟ وكذلك ما معنى قولهم بمنع تحريم واحدٍ لا بعينه ؟
الجواب :
أمَّا الأول فإنهم قالوا فيه : إن الجميع واجب على التخيير، ومعنى وجوبها جميعاً على التخيير أنه لا يجوز للمكلف الإخلال بها جميعاً، ولا يلزمه الإتيان بها جميعاً وإنَّ فعلَ كلِّ واحدة منها موكول إلى اختياره لتساويها في وجه الوجوب .
ودليلهم على ذلك ما قالوه : إن المعلوم استواؤها في تعلق الأمرِ والمصلحةِ بها، بدليل أنه يُعَدُّ ممتثلاً بفعل أحدها، فاستوت في الوجوب على التخيير .
وأوردوا على القول بأن الواجب منها واحد لا بعينه بأن ذلك الواحد لا يخلو : إمَّا أن يكون متعينا في مراد الله تعالى أو غيرَ متعين، فإذا كان متعينا في مراده تعالى كان تكليفُ العبد به تكليفا بما لا يُعلم، وذلك لا يجوز . وإن كان غير متعين في مراده تعالى بل يتعين باختيار العبد لم يخل :
إما أن تكون المصلحة إنما حصلت فيه باختيار العبد إياه فيلزم في كل ما اختاره العبد أن يجزئ عن الكفارة، حتى في الظهار والقتل، لأن المصلحة تحصل فيه عند اختيار العبد . والاجماعُ على خلاف ذلك .
وأما إذا لم تحصل المصلحة فيه باختيار العبد إياه، بل وافق اختياره ما فيه المصلحة، لزم كون المصلحة حاصلة في الثلاث الكفَّارات من قبل اختيار العبد واحداً منها، لأنا علمنا بالشرع إن أيها اختار فقد وافق المصلحة، وأنه لو اختار غيرها لم يوافق ما فيه تلك المصلحة . وهذا واضح كما ترى .
وأما الثاني فإنهم قالوا فيه إن النهي عن أشياء متعددة على التخيير يمكن تصوُّره، ولا يتأتَّى في الامتثال إلا بترك جميع المنهيات، بخلاف الأمر بأشياء متعددة، فإن الامتثال يحصل بفعل واحد منها . مثاله قول القائل : لا تكلم زيداً أو تضرب عمراً أو تكرم خالداً، أو نحو: لا تضرب زيداً أو عمراً أو خالداً، فإن المنهي هاهنا لا يعد ممتثلاً مهما ترك واحداً ولم يترك الآخرَيْن، بل يمتثل بترك الثلاثة جميعاً .
والعلة في ذلك أن النهي عندهم يقتضي قبح المنهيّ عنه، فإذا تعلق بأشياء متعددة تعلقَ القبحُ بجميعها، كان ذلك التعلق بعبارة الجمع أو التخيير، لأن الحكم فيه واحد، وليس التخيير في المعنى وإنما هو تخيير في العبارة، بمعنى أن العبارة تقتضي التخيير لكنه في هذا الموضع لا يمكن، فهو تخيير في الصورة دون المعنى . والله أعلم .


أثر الشروع في فرض الكفاية

السؤال :
قول بعضهم : " إن فرض الكفاية يصير فرض عين بالشروع فيه" ما وجهه ؟ وهل تلزم الإعادة إن شرع فيه ففسد عليه، إن بقي غيره قائماً به ؟ وهل يقدح ذلك في اتفاقهم فيه باجتراء البعض ؟
الجواب :
نعم، يلزمه - على قوله - أن يعيده إذا فسد عليه بعد الدخول فيه، إذ لا معنى لمصيره فرض عين إلا ذلك، ولا يقدح في اتفاقهم المذكور، فإن هؤلاء الشارعين بعضُ الناس، وقد سقط عن غيرهم بفعلهم . والله أعلم .

معنى اثبات القياس للحكم الشرعي

السؤال :
قولهم : " إن القياس مثبت للحكم الشرعي " ما وجهه مع قولهم : " إن الحكم أثر خطاب الله تعالى المتعلق بفعل العباد بالاقتضاء أو التخيير" ؟ ومن المعلوم أن القياس ليس من خطاب الله .

الجواب :
نعم الحكم أثر خطاب الله المذكور، والقياس مثبِت له، لأنه ناشئ عن خطاب الله . وذلك أن القياس على القضية المنصوصة فرع على دليلها النَّاصِّ على حكمها، كقياس الأرز على البُرّ في الربا، فإنه فرع عن قوله صلّى الله عليه وسلّم : " البُرّ بالبُرّ " فالحكم الذي هو الربوية في البُرّ أثر لخطاب الله، وفي الأرز أثر القياسِ على خطاب الله تعالى .
غاية الأمر أنهم لم يريدوا بخطاب الله تعالى نفسَ الدليل المنزَل وإنما أرادوا به كل خطاب صدر من جناب الحق، سواء كان منَزلاً أو غير منزَل، كالسنة والإجماع والقياس، فإن هذه الأشياء قد ثبت اعتبارها من جناب الشارع تصريحاً في مواضع، وتلويحاً في أخرى .
ويمكن أن يقال إن تعريفهم للحكم بخطاب الله تعالى المذكور خاص بخطاب الله المنزل دون غيره على جهة التبيين والتوضيح، ثم يكون حكم غيره من الخطاب الذي اعتبره الشرع حكمه . وهذا الإمكان ينافيه تقسيمهم للحكم المذكور إلى سنة وواجب ظنيّ ومستحب وغير ذلك، فإنهم أدخلوا كثيراً من أحكام السنة والإجماع والقياس تحت تقسيم الحكم .
ويمكن جواب آخر وهو أن يقال إن الحكم ثابت بخطاب الله تعالى في أصله، وإن السنة والإجماع والقياس مظهِرة لذلك الحكم يَدُلُّ على ذلك قولـه تعالى :{ لِتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم }(1) وقولـه تعالى :
{ لَتُبَيِّنَنَّه للناس ولا تكتمونه }
(2) فمعنى قولنا : إن القياس مثبِت للحكم، أي بحسب الظاهر وإلا فالإثبـات بالدليل الأول، والقيـاس مبيِّن له . والله أعلم .

تخصيص نص القرآن بخبر الآحاد

السؤال :
قولهم : " يجوز تخصيص الكتاب بالآحاد " هل هذا القول مطلقاً في صورة السبب التي نزل فيها العموم وغيرها أو خاص بما عدا الصورة
المذكورة ؟

الجواب :
بل هو خاص بما عدا تلك الصورة، لأن دخول صورة السبب تحت العموم مقطوع بها . وخبر الآحاد ظنيّ، والقطعي لا يخرج بالظني . وقد خُطِّئ أبو حنيفة في اخراجه المستفرشة من قوله " : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " مع أن سبب الحديث ابن أَمَةٍ متسرّاة تُنوزع فيه . والله أعلم .

الوجوب عند الحنفية ومقتضى تركه

السؤال :
مذهب أبي حنيفة أن ما ثبت بدليل ظنيّ يسمى واجباً، كخبر الواحد، ومثّله بقوله " : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " قال : فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة . كيف جعله آثماً بتركها والصلاة لم تفسد ؟
الجواب :
الله أعلم بما أراد من ذلك، والذي يظهر لي من مقتضى مذهبه المذكور ها هنا أن الفساد عنده لا يكون إلا بترك المقطوع به دون الثابت بالدليل الظّني، وإن الإثم يترتب على ترك الثابت بالظنيّ، وهو في غاية الفساد، لأن الصَّحيح من الأعمال لا يؤثَّم فاعله وإنما يؤثَّم على الفاسد المتعمَّد لفساده، وعلى ترك إعادته وقضائه إذا لم يتعمد، والناسي معذور بنسيانه .
فإن قال قائل : إن الإثم عند أبي حنيفة لا يترتب على فعل الصلاة وإنما يترتب على ترك (الحمد) فيها فهما شيئان : يثاب على أحدهما، ويؤثَّم على الآخر .
قلنا : إن قراءة الحمد بعض الصلاة، ولا تصح الصلاة بترك بعضها، فما به الإثم بعض ما به الثواب، فثبت التناقض، وبطل مذهبه. والله
أعلم .

أثر الشروع في المندوب

السؤال :
قول من جوّز ترك المندوب بعد الشروع فيه، ما يقول في قوله تعالى :
{ ولا تُبطلوا أعمالكم }
(
1) ؟ ومن لم يجوّز تركه بعد الشروع فيه ما يقول في قوله " : " الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر " ؟
الجواب :
لعل المجوِّز يقول في معنى الآية أن الإبطالُ فعلُ ما يُبطل الأعمال، من الشرك وكبائر الذنوب، لأنها ليست نصّاً في ترك العمل بعد الدخول فيه وإن تناولته معنى .
ولعل القائل بالمنع يتأول الحديث فيمن عزم أن يصوم شهراً أو أياماً معلومة تطوعاً أنه ليس عليه أن يتم ذلك بل هو أمير نفسهِ إن شاء صام ما نوى وإن شاء أفطرَ لأنه ليس قصاًّ في فطر اليوم الذي شرعَ في صيامهِ . والله أعلم .


خطاب ولي الصبي والمجنون فيما يجب عليهما من حقوق

السؤال :
قولهم : إن وليّ الصبيّ والمجنون مخاطب في حقهما فيما يتعلق من الأحكام بأموالهما، كأداء الزكاة عنهما وإخراج الحقوق إلى أهلها من النفقات وغيرها من اللازمات، أيكون الوليُّ على هذا مخاطَباً بخطابين : أحدهما يخصّه، والآخر يخصّ صبيه أو مجنونه حتى لو ضيع فيهما يكون مستحقا للعذاب من الجهتين ؟ وما بالُهم لم يجعلوا الخطاب متوجهاً إلى الصبيّ حتى إذا بلغ أخرج ذلك من ماله فيكون كالنائم إذا استيقظ، وكالساهي إذا ذكر ؟
الجواب :
هو مخاطَب بخطاب واحد لهذا ولهذا، وليس هو بأشد من تعدد الفروض على الشخص الواحد . نعم، هو نوع منها، والتكليف بالجميع واحد . فلو ضَيَّع فيه استحق العذاب على ذلك وإن ضيَّع في فرضين فأكثر استحق العذاب على تضييع كل فرض من الفروض فهو معذب على تضييع فروضه لا على تضييع فرض صبيه أو مجنونه .
وإنما لم يجعلوا الخطاب متعلقا بالصبيّ لكونه لا أهليةَ له فيخاطَب بذلك، لأن عقله غير تام، وليس هو كالنائم والساهي فإنهما من العقلاء لولا العارضُ فهما داخلان في جملة المخاطبين لوفور عقولهما حال الانتبـاه . والله أعلم .

معنى تعلق الخطاب في الأزل بالمعدومين

السؤال :
قول الأشعرية : " إن الخطاب في الأزل يتعلق بالمعدومين تعلقاً معنوياً " هل يناقضه قولُهم أن لا خطاب قبل البعثة، وكذلك تقسيمهم الخطاب في الأزل إلى أمر ونهي وخبر وغيرها، فما فائدته عندهم قبل وجود الخطاب ؟ وهل يناقضه قول بعضهم : " إن الأمر للفور " ولا مخاطَب حينئذٍ ؟
الجواب :
قد وقعت الأشاعرة من أمر الكلام في عَسْف عظيم وتخبّط هائل، وذلك أنهم لما أثبتوا للكلامِ النفسي معانيَ حقيقةً لزمهم من ذلك ثبوت لوازم الكلام، فلم يجدوا بدّاً من وصفه بالخطاب، وتقسيمه إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، إلى غير ذلك من لوازم الكلام . ثمّ سُقط في أيديهم وقالوا : لابد من مخاطَب يتوجه إليه، فجعلوه متعلقا بالمعدوم حال عدمه . ثم عارضتْهم، في استحالة تكليف المعدوم والصبي والمجنون وأشباه ذلك، وصادمتهم البراهين في حدوث القرآن ونزوله في زمانه " فاضطرّوا إلى أن قسموا الكلام قسمين : لفظيا وغير لفظي، وجعلوا اللفظيّ عبارة عن الكلام الآخر الموجود في الأزل على زعمهم، ثم وصفوا هذا اللفظي بأوصاف تناقض أوصاف الأزلية . منها : قولهم إنه لم يتعلق بأهل الفترة وإن الأمر للفور إلى غير ذلك من الأحكام، فتستروا بهذا التقسيم عن ذلك التناقض .
وهو كما ترى ظاهر البطلان لأنه إذا كان المتلو عبارة عن ذلك الأزليّ لزم أن يتفق العبارة والمعبَّر في المعاني وإلاّ لما كان عبارة عنه بل يكون مستقلا بذاته، ويلزمهم أيضا أن يكون قرآن غير هذا القرآن وهو باطل، وأيضاً يلزم أن يكون نبينا " لم ينزل عليه نفس القرآن، بل العبارة عنه والله تعالى يقول : { إنا أنزلناه في ليلة القدر }(1)،
{ وأنزلنا إليك الكتاب أنزلَه بعلمه والملائكةُ يشهدون وكفى بالله
شهيداً }
(2)، { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }(3) . والله أعلم .

ادراج القياس في الأدلة مع ظنيته

السؤال :
قالوا عن القياس : تكون دلالته ظنية، وقد جعلوه رابع الأدلة، فما وجه قرنه بالأدلة القطعية مع أنه ظنيّ ؟
الجواب :
مراد الأصوليين بالأدلة ما يشمل القطعي والظني، وليس ذلك مقصوراً على القاطع، وناهيك أن في الكتاب العزيز والسنة النبوية والإجماع أشياءَ لا تفيد إلا الظن، كالأخذ بالظاهر في العموم والإطلاق وخبر الآحاد والإجماع السكوتي، فإن هذه الأشياء لا تفيد إلا قوة الظن بالمراد، ولم تبلغ درجة القطعي، وقد جعلوها أدلة معتبرة وأوجبوا الرجوع إليها عند الحاجة فكذلك القياس . والله أعلم .

ظنية القياس وقطعيته

السؤال :
القياس أيضاً هل هو ظنيّ في جميع الصور أو يكون في بعضها قطعياً ؟ كما إذا كانت العلة منصوصاً عليها وقطعنا بوجودها في الفـــرع ؟
الجواب :
إذا كانت العلة منصوصاً عليها بقاطع ووحدت في الفرع قطعاً، فإن القياس يكون في هذا الموضع قطعياًّ، لإجماعهم أن ما أشبه الشيء فهو مثله، ولم يخالف في هذا أحد فيما علمنا، حتى مانعو القياس لأنهم لا يمنعونه في مثل هذه الصورة، بل يقولون به، غير أنهم يسمونه نصاًّ .
وأما إن ثبت بدليل ظنيّ كالعموم وخبر الآحاد، وظننا وجودها في الفرع دون القطع بذلك، فالقياس لاشك ظنيّ، لأنه تابع لأصله، وأصله ظنيّ فهو ظنيّ . والله أعلم .


اشتراط موافقة العوام في الإجماع

السؤال :
قول من اشترط في صحة الإجماع موافقة العوام للعلماء . ما دليله ؟
الجواب :
دليله قوله " : " لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ولفظ (الأمة) يشمل العلماء والعوام .
ومن اعتبر العلماء فقط خصص الحديث بالرأي إذ من المعلوم أن العلماء هم الحجة في هذا الشأن، وليس للعوام يد فيه، فلا معنى لاعتبارهم، وإنما اعتبره أرباب القول الأول لاحتمال أن يكون في موافقتهم سرُّ لا يوجد عند نفورهم، وذلك أن الله تعالى يجمع قلوب الناس على ما يشاء، ففي ائتلافهم جميعاً سرٌّ خفي . والله أعلم .

اجتهاده صلى الله عليه وسلم

السؤال :
اجتهاده " هل هو مخالف لاجتهاد العلماء لأنه لا يصحّ أن يخالَف فيه ؟ أو اجتهاده كاجتهادهم ؟ وما وجه قول بعضهم لا أسلّم أنّ فعل الرسول عليه السلام واجتهاده ليسا بوحي ؟

الجواب :
ليس اجتهاده كاجتهاد غيره، فإن اجتهاده " لا يجوز أن يخالَف فيه، لوجوب اتّباعه على كل أحد، وليس كذلك غيره من العلماء .
وأيضا فقد قال تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }(1) وفي ذلك إخبار عن عصمته وليس لغيره مثل ذلك .
وهو معنى قول ذلك البعض : إن اجتهاده وفعله وحي، غير أنهم قالوا : إنّ الإجتهاد وحي باطن أي شيء يلقيه الله في ذهنه من إرسال مَلَك إليه في الظاهر . والله أعلم .

مفاد (متى) من حيث العموم

السؤال :
من قال : " إن (متى) من صيغ العموم " ما يقول فيمن قال لامرأته : متى دخلتِ الدار فأنت طالق ؟ هل تعم عنده كل زمن أو يقصرها على زمن واحد تطلق المرأة فيه ؟

الجواب :
لعله يقول إنها خاصة بزمان الدخول، فلا تتناول الزمان الذي قيل قبله ولا الذي بعده، فهي بهذا الاعتبار خاصة في زمان واحد لكنه مبهم لا يدرى إلا بعد وقوع الدخول .
وأما القائل بعمومها لكل زمان فإنه إنما أطلق عليها اسم العموم باعتبار صلاحيتها لكل وقت يقبل الدخول، سواء في ذلك الوقت الذي دخلت فيه وغيره، غير أن الطلاق لا يقع إلا بالدخول . والله أعلم .

الفرق بين النسخ بالاجماع والتخصيص به

السؤال :
قولهم لا يجوز النسخ بالإجماع وإن كان بعد وفاته " . ما وجهه مع قولهم بثبوت التخصيص به مطلقاً وما الفرق بين الصورتين ؟
الجواب :
النسخ تغيير للحكم بعد استقراره، ولا يكون ذلك إلا بدليل عن الله ورسوله " .
وأما التخصيص فهو تبيين للمراد من اللفظ، وذلك يقع حتى بقرائن الأحوال . ألا ترى أنه لو قال قائل : " جاء المسلمون " والناس ينتظرون مجيء أعيان مخصوصين فإن السامع العارف بالحال يقضي بأن الجائين هم المنتظرون مع أنهم بعض المسلمين، واللفظ عام كما ترى، فإذا أجمعت الأمة على تخصيص لفظ علمنا أنها عملت بالمراد، سواء نقل إلينا المخصِّص أو لم ينقل . ومن ها هنا أيضا ثبت التخصيص بالمراد . والله أعلم .

تكليف الكفار بالفروع من المنهيات

السؤال :
قول بعضهم : " إن الكافر مكلف بالنواهي الفروعية دون الأوامر " هل عنده أن الإمتثال في النواهي يشترط فيه الإيمان أو لا ؟ وهل بعض النواهي تتوقف على النية التي اشترطها للإيمان ؟ وهل يثاب عنده إذا نوى الامتثال عما نُهي عنه كما أنه يعاقب إذا لم ينتهِ ؟
الجواب :
لا يشترط في ترك المناهي حصول الإيمان، لأن الترك محض وكف وإمساك عن الشيء، وهو حال عدمية لا وجودية، والإيمان يشترط في حصول الأحوال الشرعية فإن انتهى المشرك عن المحرمات لا ثواب له إلا إذا أسلم، فعسى أن يثاب على قولِ مَنْ يقول : إن المصِرَّ إذا فعل الطاعة في حال إصراره يثاب عليها إذا تاب، وأما في حال الإصرار فلا، لأن الله إنما يتقبل من المتقين . والله أعلم .
تكليف المرتد بالفروع

السؤال :
قول بعضهم : " إن المرتد عن الإسلام إلى الكفر مكلف بالفروع لاستمرار التكليف بالإسلام " لِمَ خُصَّ المرتد بذلك من بين سائر الكفرة ؟ وهل عنده أنه لما ارتد انقطع عنه التكليف ؟ فإن كان لا فَلِمَ لم يأمره بإتيانها ؟
الجواب :
عنده أنه لما أسلم أدخل نفسه في الإسلام اختياراً جُبر على الاستمرار على الإسلام وأُخذ بجميع أحكامه، والفروع من جملة أحكام الإسلام فيعاقب على تركها فوق عقاب الارتداد، ولم يأمره هذا القائل بفعلها حال الارتداد لأنها لا تصح في حال المشرك وإنما يأمرونه بالرجوع إلى الإيمان ثم أداء سائر الواجبات .
مثال ذلك تارك الوضوء لا يجبر على الصلاة بغير وضوء بل يؤخذ أولاً بالوضوء ثم بالصلاة لأنها لا تتم بدون وضوء . والله أعلم .

معنى وجوب ما لا يتم الواجب إلا به

السؤال :
قول من قال : " إن الذي لا يَتمّ الواجب إلا به لا يجب مطلقاً " فما يقول في الصلاة إن لم يلتزم المكلف الوضوء عنده، تامَّةٌ أو لا ؟ وهل يلزمه أن يقول : إن الوضوء غير واجب ؟ وما يقول - مثلاً - إذا قال الشارع : اصعد إلى السطح وهو متوقف على السلم، هل يجب عنده نصب السلم ؟ وما يقول في الصعود ؟
الجواب :
أما الوضوء فهو واجب اتفاقا بدليل غير القاعدة التي اختلفوا فيها، وذلك الدليل هو قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا }(1)
الآية . فالوضوء فرض إجماعاً، وهو شرط لصحة الصلاة عند إمكانه شرعاً إجماعاً .

وأما سائر أمثلة السؤال فهي محل النزاع، هل تجب بوجوب المشروط أو لا ؟
واعلم أن ثمرة الخلاف تظهر فيمن ترك الشرط حتى ضاع المشروط، فمن قال : إن الشرط لا يتم بدونه لزم على قوله أن يكون المُضَيِّع للشرط معذباً على تضييع واجبين هما الشرط والمشروط، ومن أنكر وجوبه يلزمه على قوله أن يكون معذباً على تضييع واجب واحد هو المشروط . والله أعلم .

ما لا يتم الواجب إلا به في الشرط الشرعي والعادي

السؤال :
قول بعضهم : " إن الذي لا يتم الواجب إلا به لا يجب إلا إن كان شرطاً شرعياً فإن كان عاديا لا يجب " فهل يصح عنده غسل الوجه بدون غسل جزء من الرأس أو لا ؟
الجواب :
نعم، يصح عنده وعند غيره أيضاً إذا أمكن ذلك، لكنهم متفقون على عدم إمكانه، ومختلفون في وصف غسل ذلك الجزء بالواجب . فالقائل بوجوب الذي لا يتم الواجب إلا به يصفه بالوا جب، والقائل بغير ذلك لا يصفه، فظاهر الخلاف على هذا لفظي لا ثمرة فيه . والله أعلم .

تعارض الخيرين

السؤال :
في جامع الشيخ أبي محمد ما نصه روى عن النبي " أنه نهى عن اختناث الأسقية وروي أنه خنث سقاء وشرب منه وإذا تعارض الخبران ولم يعلم الناسخ منهما من االمنسوخ ولا المتقدم من المتأخر وجب اتفاقهما وكان المرجوع من الاباحة وقوله تعالى : { كلوا واشربوا }(1) اهـ أو ليس ها هنا تعارض القول والفعل وكان الرجوع إلى القول كما قال البدر وان اختلفا فالمختار القول مطلقاً خلافاً لأبي الحسن فقد أشكلت عليّ عبارة الشيخ أبي محمد لقلة فهمي، فضلاً منك بين لنا ذلك .
الجواب :
والله الهادي أن كلام هذا الامام ليس من باب بيان المجمل وإنما هو في الخبرين إذا تعارضا ولم يرجح أحدهما على الآخر وقد جهل التاريخ فيتساقطان على حسب ما صرح به هذا الامام والفرق بين ما إذا تعارضا في بيان مجمل وبين ما إذا تعارضا في غير بيان أنه يجب في البيان ثبوت أحدهما إظهاراً للمراد من المجمل فلو تساقطا لبقي على اجماله فلا يظهر المراد منه والحال أنه قد احتيج إلى العمل به ولا يلزم ذلك في غير بيانه لأن الأصل في الأشياء الإباحة فهي مستصحبة إلا بدليل ينقل عنها ولا دليل عند التساقط .
لا يقال أن كلام هذا الامام في بيان كيفية الشرب من قوله تعالى : { كلوا واشربوا }(1) فيكون من ذلك الباب لأنا نقول ليس الشراب مجملاً فيبين لكنه مطلق فهو على اطلاقه حتى يصح القيد هذا تحرير المقام فيه وبالجملة فتساقطهما مذهب له .
وعندي أن الفعل لا يعارض القول سواء كان في بيان مجمل أو غيره فمتى ما تعارض رجح القول مطلقا هذا ما ظهر لي فتأمله ولا تأخذه إلا بعدله . والسلام .

القياس بين حرمان القاتل من الارث وتوريث المطلقة

السؤال :
توريث المطلقة ضراراً على ما بها من أقوال فإنهم قالوا أنها مقيسة على عدم توريث قاتل من يرثه فالظاهر أن هذا القياس لا يتمشى على جميع الأقوال الموجودة في الأثر في هذه المسألة ثم المتبادر أن بين المسألتين أعني مسألة المطلقة ضراراً ومسألة القاتل مناقضة لأن في الأولى اثبات إرث لغير وارث وفي الثانية عكس ذلك وإن كان القياس فيهما صحيحاً فهل هو من باب تأثير عين العلة في عين الحكم أو تأثير في جنسه فمن أي هذه الأقسام الأربعة ؟ فضلاً منك بايضاح ذلك بكمال التأصيل والتفصيل .
الجواب :
اللهم الملهم للصواب لا يلزم من ثبوت قول بقياس صحيح جريان ذلك القياس في نقيضه من الأقوال لأن لكل قول أصلاً يستنبط منه ويرجع إليه عند الاستدلال المستدل له فلو كان جاريا في جميع الأقوال الموجودة فيها لزم التناقض ولزم أيضا تأثير العلة معلومات متعددة من جهة واحدة وكلا اللزومين باطل ولا مناقضة بين الفرع . والأصل في هذه الصورة في كل منهما تفويت المطلوب للفاعل بيانه أن مطلوب القاتل أخذ الميراث فحرم إياه ومطلوب المطلّق ابقاء المال لورثته فحرم إياه أيضا كذلك فالمقيس على القاتل هو المطلق لا المطلقة فافهم .
وإذا عرفت ثبوت هذا قلنا إن في هذا القياس تأثير جنس العلة في جنس الحكم وذلك أن العلة هنا هي فعل محرم لغرض فاسد كما صرح به البدر عفا الله عنه والحكم حرمان المطلوب للقاتل والمطلّق فالأول وهو الفعل المذكور جنس للعلة لأنه شامل لأنواع منها، والثاني وهو حرمان المطلوب جنس للحكم لأنه شامل لأنواع منه أيضاً لاختلاف المطالب وتنوعها . هذا ما ظهر لي والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله .

حصر وظائف المعترض في المناظرة

السؤال :
حصر علماء الآداب النظرية وظائف المعترض في ثلاثة أشياء المناقضة والنقض الاجمالي والمعارضة أهذا الحصر عقلي أم لا ؟ فإنه قد يتصور له وظائف أخر كبيان فساد مقدمة معينة بدليل أو تنبيه فينتقض الحصر وما الفرق عندهم بين السند والشاهد ؟

الجواب :
ذلك الحصر استقرائي لا عقلي ومع ذلك فهو غير منتقد بما ذكر لدخول التنبيه تحت المناقضة عند من أثبت عليه المناظرة وكذلك فساد مقدمة معينة بدليل كيف لا والجمهور اشترطوا التعيين في المقدمة المنقوضة
وأما السند والشاهد فهما مترادفان عندهم وكذا المستند كما أشار إليه شارح رسالة الكلنوبي لكنه قال في الشاهد أنه أضعف استعمالا أي من الآخرين .
هذا وإذا استقريت كلامهم رأيت بينهما فرقا فانهم يطلقون الشاهد على دليل الأبطال والسند على ما بني عليه المنع سواء كان في نفس الأمر كذلك أو في زعم السائل هذا ما ظهر لي والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله والسلام .

تفسير العلة والسبب والشرط

السؤال :
العلة والسبب والشرط والملزوم هل هي مترادفة أو مشتركة أو متواطئة أو مشككة فإنها ربما تواردت على شيء واحد كقولهم كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً فطلوع الشمس بالظاهر يصح أن يكون سبباً وعلة وشرطاً وملزوماً لوجود النهار .
الجواب :
إن العلة والملزوم قد يتحدان في الماصدق ويختلفان في الاعتبار كطلوع الشمس لوجود النهار فإنه إنما سمّي ملزوماً باعتبار لزوم غيره له وعلة باعتبار تأثيره في لازمه وقد يختلفان ذاتا واعتباراً كالدليل فإنه ملزوم للمدلول وليس بعلة له في اصطلاحهم فتلخص من هذا أن بين العلة والملزوم عموماً وخصوصاً مطلقاً فكل علة ملزوم ولا عكس وأما العلة والسبب والشرط فلا ترادف بينها ولا تواطؤ بينها ولا تشكك ولا اشتراك .
نعم إن النحاة والحكماء لا يفرقون بين العلة والسبب فهما عندهم مترادفان والفرق بينهما في الشرع من وجهين أحدهما أن السبب ما يحصل الشيء عنده لا به والعلة ما يحصل به . والثاني المعلول يتأثر عن علته بلا واسطة بينهما ولا شرط يتوقف الحكم على وجوده والسبب إنما يفضي إلى الحكم بواسطة أو بوسائط ولذا يتراخى الحكم عنه حتى توجد الشرائط وتنتقي الموانع وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها إذ لا شرط لها بل متى وجدت أوجبنا معلولها بالاتفاق وما يفضي إلى الشيء إن كان إفضاؤه داعياً سمي علة وإلا سمي سببا محضاً كذا قال أبو البقاء وهو موافق لأصول الحنفية .
وإذا تأملت أصول أصحابنا والشافعية رأيت أن بين السبب والعلة عموماً وخصوصاً مطلقاً لأنهم لا يشترطون في العلة التأثير كما اشترطته الحنفية فكل علة عندنا سبب ولا عكس .
وأما الفرق بين السبب والشرط فالسبب ما يكون وجود الشيء موقوفا عليه كالوقت للصلاة والشرط ما يتوقف وجود الشيء عليه كالوضوء للصلاة فطلوع الشمس علة لوجود النهار وملزوم له ولا يسمى سببا ولا شرطا إلا من حيث اللفظ فإن اللفظ في المثال المذكور شرط نحويّ ومنطقي وسبب لغوي هذا ما ظهر لي وفيه زيادة تفصيل لا يليق بالمقام والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله والسلام .

القسمة بين نسب الكليات

السؤال :
القسمة بين نسب الكليات أعني النسبة بين كل كليتين عينين أو نقيضين إذ بين نقيض كل وعين كل وهل لتلك القسمة حصر ؟ وما وجهها ؟ وما الفرق بين التباين الجزئي وبين التباين الكلي ؟ وما النسبة أيضا بين عينيهما وبين نقيضيهما وبين عين كل منهما ونقيض الآخر ؟ فضلاً بالتقسيم التام والتفصيل الكامل مأجوراً مشكوراً .

الجواب :
أقول : أما قوله ما تقوله في القسمة بين نسب الكليات إلى قوله إذ بين نقيض كل وعين كل فهو كلام مضطرب والسؤال المضطرب ساقط الايجاب عنه كما قيل :

أسقط سؤالا إن أتى خمس : به


تناقض، أو جاء باضطرابه

اثـبات، أو جمع ســؤالين معـا،


أو كـونه من المحال وقعــا

ووجه اضطرابه أن السائل سأل فيه أولا عن قسمة نسب الكليات ثم فسره بقوله أعني النسبة الخ فهو إما أن يكون تفسيراً للقسمة فيلزم عليه تفسير الشيء بمباينه وإما أن يكون تفسيراً للنسب فيلزم عليه ادخال الأعم وهو الجمع في الأخص وهو الإفراد وكلا اللزومين باطل اللهم إلا أن يقال أنه اعتبر اضافة النسبة إلى ما بعدها فتعدد بتعداد المضاف إليه فيكون تفسيراً للشيء بإزائه وعليه فلا أعرف هذه القسمة المطلوبة ما هي .
ثم إنه إن أراد بالكليات القضايا الكليات فتحتاج إلى بيان يدل على أنها المراد وإن أراد به الكليات الخمس ينافيه قوله كل كليتين فإنه يقال في التنبيه منهما كليين لا كليتين وكذلك قوله إذ بين عين كل ونقيض كل لأنه إما أن تكون إذ للتعليل فتحتاج إلى معلل وهو هنا غير مذكور وإما أن تكون ظرفية وبين ماض مبني للمفعول فلا فائدة في ذكره .
هذا ما ظهر لي فيه بعد تأمل وقد طالما حاولت توجيهه على وجه مستقيم فنبني الجواب عليه فأبى علينا إلا الاضطراب فإن شئت له جوابا فأصلحه حتى يخرج من حيز السواقط وصرح فيه بالمقصود .
وأما قوله وهل لتلك القسمة من حصر وما وجهها فهو مبني على ما تقدم يصلح بصلاحه ويفسد بفساده .
وأما قوله وما الفرق بين التباين الجزئي وبين التباين الكلي فجوابه أن التباين هو ما إذا نسب أحد المتباينين إلى الآخر لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر أصلا كالإنسان والفرس ومرجعهما إلى سالبتين كليتين والتباين الجزئي وهو ما إذا نسب أحد الشيئين إلى الآخر صدق على ما يصدق عليه في الجملة وبينهما العموم والخصوص من وجه كالحيوان والأبيض ومرجعهما إلى سالبتين جزئيتين وأما النسبة بين عينيهما الخ فالله أعلم به والسلام .

معارضة القياس للخبر الآحادي

السؤال :
هل يصح معارضة الحديث بالقياس فإن كانت تصح فاهدنا حيثية
صحتها ؟ وإلا فما توجيه كلام الإمام صاحب الايضاح حيث قال وقد ذكر الخلاف في أكل لحوم الجلالة وسؤرها وسبب الخلاف معارضة الحديث والقياس وذلك أنه روى عنه
" نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها وأن يحج عليها والقياس هو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى ذلك الحيوان وسائر أجزائه الخ اهـ كلامه بين لنا مأجوراً إن شاء الله .

الجواب :
تصح معارضة القياس للخبر الآحادي دون المتواتر والمستفيض المتلقى بالقبول، لأن كل واحد من القياس وخبر الآحاد ظني الدلالة والظني، يعارض الظني فهذه حيثية معارضة القياس للخبر وإذا وقعت المعارضة بينهما فهنا وقع الخلاف في ترجيح أيهما على صاحبه فرجح قوم الخبر على القياس وآخرون القياس على الخبر .
وفصل قوم بين ما إذا كانت العلة مقطوعاً بوجودها في الفرع وبين ما إذا كانت مظنونة الوجود فرجح القياس في الصورة الأولى وتوقف في الثانية والله أعلم .

تحقيق مقولة عدم التكليف بما لا يطاق

السؤال :
هل يصح أن يعد ما قالته المعتزلة من أن الله لا يكلف العباد ما لا يطيقونه وليس هو في وسعهم لقبح ذلك في العقل رأياً حسناً فلا يخطىء من قال به لا على سبيل الدينونة أم لا ؟
الجواب :
إن ما قالته المعتزلة من التعليل لمنع تكليف الله العباد ما لا يطيقونه مبني على قاعدة لهم فاسدة خرجوا بها عن الوفاء بالاسلام هي تحكيم العقل على الشرع فلا يرد الشرع عندهم بما يخالف العقل أصلاً فجعلوا العقل قاضياً على الشرع يقبلون منه ما خالفه .
وقد فرعوا على هذه القاعدة فروعاً منها ما ذكرته في قولهم أن الله لا يكلف الناس ما لا يطيقون لقبح ذلك في العقل والرب تعالى منزه عن القبيح فوجب أن لا يفعل ما هو قبيح ونحن نقول أنه ليس شيء من أفعاله تعالى قبيحاً لأنه لا معارض له في فعله ولا مناد فجميع أفعاله تصرف في ملكه والمتصرف في ملكه مع عدم المعارض له لا يقال أنه فعل قبيحاً لأن القبح والحسن إنما هما باعتبار مخالفة الأمر والنهي وموافقتهما والرب تعالى لا يصح أن يكون مأموراً ولا منهياً .
وعلى هذا فلا يجوز أن يكون ذلك التعليل اجتهادياً لما ترى من فساد أصله الذي بني عليه نعم لو قال به محق يخالف المعتزلة في اعتقادهم أن الحكم للعقل لا للشرع وأن الشرع مؤكد لما في العقل ومبين لما خفي عليه فلا يخطى لذلك التعليل ما لم يعتقده دينا والله أعلم .

تكليف العباد ما لا يطاق

السؤال :
هل يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يطيقونه أم لا .
الجواب :
إن ما لا يطاق أنواع :
منه ما يخرج عن طوق البشر لاستحالة وجوده لذاته كالتكليف بجمع الضدين .
ومنه ما يكون ممكنا في ذاته لكن للعبد فيه مشقة عظيمة كازالة الجبل والصعود إلى السماء .
وكلا النوعين يجوز التكليف به في حكمة الله عند الأشاعرة وبعض متأخري أصحابنا ومنعته المعتزلة وجمهور أصحابنا لأن التكليف بما لا يطاق عندهم من العبث والرب تعالى يستحيل عليه العبث فلا يجوز في حكمته وأجيب باحتمال أن يكون كلفهم بذلك اختباراً فيثيب الممثل على تهيئه للامتثال ويعاقب من لم يتهيأ منهم لذلك ولاحتمال أن يخرق لهم العادة في فعل بعض ذلك فلا عبث ولا استحالة .
ومنه ما يكون ممكنا في ذاته وليس في تحصيله مشقة للمكلف لكن علم الله تعالى أنه لا يقع منه فوجوده منه مستحيل . ومثلوا لذلك بتكليف من علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان فهذا النوع جائز التكليف به باجماع الأمة إذ ليس علمه تعالى هو المانع من تحصيل ذلك الفعل من المكلف به لكن علم الله تعالى متعلق بالأشياء كلها فليس علة ما وجد منها علمه بوجوده ولا علة لما لم يوجد منها علمه بعدم وجوده فتفطن لهذا المعنى فإنه دقيق والله أعلم .

تعلق التكليف بكل عاقل

السؤال :
هل يتعلق التكليف بكل عاقل أم لا ؟ فإن قلت نعم لزم عليه لازمان أحدهما تكليف الصبي العاقل وهو خلاف المذهب لحديث " رفع القلم عن
ثلاثة " منهم الصبي وثانيهما كون العقل حاكماً إذ به ثبت التكليف فكأنه هو الذي أثبته وأنتم لا تقولون به وإنما هو مذهب المعتزلة .

الجواب :
كل عاقل مكلف باجماع الأمة لكن لا يكون العقل عقلاً صالحاً لأن يناط التكليف به إلا إذا بلغ حداً يعلمه الله تعالى وقد خفى علينا غاية ذلك الحد فنصب لنا ربنا عز وجل علامة تدل عليه هي البلوغ فالصبي وإن كان له من العقل ما يظن معه أنه بلغ الرتبة القصوى من رتبة العقلاء لا يكون عقله صالحاً لاناطة التكليف لما علم الله .
وفيه خلاف لجماعة من الماتريدية قالوا بتكليف الصبيّ بمعرفة الله إذا عقل ولا يلزم من جعل العقل علة للتكليف كونه حاكما به وإلا للزم أن يكون كل علة لشيء حاكما به وهو باطل لأن الحاكم بالشيء هو غير علته والله أعلم .

معنى العلة ومعنى الحاكم

السؤال :
ما معنى العلة وما معنى الحاكم ؟
الجواب :
إن العلة هي ما يوجد بوجوده الموجود وينعدم بانعدامه كالشمس علة للنهار يوجد بوجودها وينعدم بانعدامها والحاكم هو فاعل الحكم للشيء أي هو الذي أثبت للأشياء الأحكام وهو الرب عز وجل لأنه هو الذي حكم في الأشياء بما أراد منها فلا حكم لسواه خلافا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل حتى غَلَوا في ذلك وجعلوا العقل حاكما على الله عز وجل حيث أوجبوا عليه مراعاة الصلاحية والأصلحية والله أعلم .
قال السائل :
قلت هذه العلة العقلية فما العلة الأصولية ؟
الجواب :
إن العلة الأصولية هي وصف ظاهر منضبط مناط للحكم كالاسكار لتحريم الخمر فالأسكار وصف ظاهر أن تأثيره ظاهر في معلولاته منضبط أي غير مضطرب وقد علق به حكم التحريم فحيثما وجد الاسكار وجد التحريم .
وبين العلة العقلية والعلة الأصولية فرق من وجوه تعلم بالاطلاع على الكتب الأصولية والله أعلم .

hg[.x hgsh]s-tjh,n Hw,g hgtri Hs,H hg[.x hgsh]stjh,n hgtri





توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس

كُتبَ بتاريخ : [ 03-23-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,907
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



معنى قطعية دلالة الإجماع

السؤال :
ما معنى أن اجماع الأمة والعلماء منها قطعي مع أنك أتيت بأدلة من الكتاب وعورضت فيها وظاهرك أنك لم تجد مَخلصا عنها حتى أن أقوى ما استدللت به على ذلك قوله تعالى { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين }(1) الخ وجملة أحاديث واجماع الصحابة على تخطئة من خالفهم ولم تجد مخلصا عن احتجاج صاحب المنهاج من أنها ظنية لا قطعية وسلمت أن دلالة قوله تعالى { ويتبع غير سبيل المؤمنين } الخ ظنية لا قطعية لأنها عامة لكنك قلت ذلك وسلمته إذ لم يسعدها علىالقطع دليل ثم سقت الأحاديث والاجماع دالة على قطعية الآية فنقضت عليك ولم تجد مخلصاً حتى قلت بعد كلام صورة صاحب المنهاج أن كلام ابن الخطيب الرازى والآمدى أن دلالة الاجماع ظنية مطلقا غير خارج عن الصواب .
وهذا نص كلامك " وقد أورَدت كلامه في هذا المقام على هذا الحال لينظر فيه من كانت له ملكة يقتدر بها بيان الحق أما أنا فلم أجد مخلصاً مما أورده والله ولى التوفيق " انتهى كلامك .
وأنا في غاية الاشكال من ذلك أهو مما يختلف فيه أم لا ؟ وإن كان ظاهر كلامك أنه حجة قطعية لكنك توقفت في قطعية الأدلة لأنها ظنية ومدلول الآية ظني والظني لا يفيد القطع أم أفاده اجماع العلماء ؟ وكيف إفادة الاجماع القطع ومستندهم ظنى ؟ افتنى مأجورا إن شاء الله .
الجواب :
نعم لم أجد مخلصاً من الإيرادات التي أوردها صاحب المنهاج وذلك لا يستلزم نقض القول بقطعية الاجماع بل غاية ما فيه أن فهمي لم يصل إلى دفع تلك الايرادات فإنى لم أستطع الخروج مما ذكره وذلك لا يستلزم نفي وجود الدافع رأساً لاحتمال أن يكون عند غيري من دفع اعتراضه مالم يكن عندي فلذلك نبهت عليه بقولي لينظر فيه من كانت له ملكة يقتدر الخ .
وأنا أقول بقطعية الاجماع القولي إذا أكملت شروطه واجتح على قطعيته باجماع الأمة على ذلك ويكفي في مستند الاجماع الدليل الظني لأن الاجماع يصيّر الظني قطعياً ولا بدع في ذلك فإن حكم الإمام في المسائل الظنية يصيرها قطعية ولذا لا يجوز لأحد خلافه اجماعا حتى ولو كان في المسألة التى حكم فيها قول بنقيض ذلك الحكم وبذلك تعرف أنه لا يلزم أن يكون الاجماع ظنيا إذا كان دليله ظنيا والله أعلم .
فإن قيل : إن حكم الإمام لا يجوز خلافه من حيث وجوب اتباعه لا من حيث رفع الخلاف عن تلك المسألة بيانه أن الخلاف في المسألة باق عند من لم يجب عليه حكم الإمام قلنا نعم ومع ذلك فالتمثيل مستقيم لأن الغرض منه صيرورة الظن قطعياً لعارض عرض عليه فإذا حصلت هذه الصورة في بعض الأشياء استقام التمثيل .
وأيضا فكما أن المحكوم عليه يجب عليه قبول حكم الإمام لوجوب الطاعة كذلك يجب على الناس قبول ما جاء به الاجماع لوجوب اتباع سبيل المؤمنين والله أعلم .

نسخ المتواتر بالآحاد

السؤال :
أهل الظاهر لما جوزوا نسخ المتواتر بالآحاد احتجوا لذلك بحجج منها استدارة أهل قباء لما سمعوا أن القبلة قد تحولت ولم ينكر النبى " عليهم ومنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل الآحاد بتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة ومنها قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما }(1) إلى آخر الآية نسخ بما ورد عنه عليه السلام من النهى عن كل ذي ناب من السباع والمانعون أجابوا عن ذلك الاحتجاج بما قد علمت من أن أهل قباء علموا ذلك بالقرائن وأن الحديث مخصص لا ناسخ وبتسليم ذلك فيما إذا قامت القرائن وتوفرت الشواهد على صدق ذلك المبلغ وقد ضعّفت هذا الجواب أنت جداً حيث قلت " وهذا الجواب لا يقاوم ذلك الاحتجاج " فبم يجابون فإنك لم تذكر جوابا غيره دافعاً لذلك الاحتجاج لا عنك ولا عن غيرك علمنا الجواب عن حجتهم هذه وهي إرساله " بتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة وإن لم يكن له جواب أما يكون احتجاجهم حجة ودليلاً على جواز نسخ المتواتر بالآحاد .
والبدر عفا الله عنه يشير إلى أن ذلك ظاهر كلام ابن بركة اى جواز نسخ المتواتر بالآحاد فإن صح عنه فانه ناصر لمقال أهل الظاهر وهل أحد من الأصحاب أو المخالفين جوز نسخ المتواتر بالآحاد غير ما استظهره البدر من كلام ابن بركة وما نقل عن أهل الظاهر ؟ أفدنا جزيت .
الجواب :
لا أعلم أن أحداً من الأصحاب صرح بجواز ذلك وكذلك أيضا المخالفون إلا ما ينقل عن أهل الظاهر واحتجاجهم المشار إليه قوى والأجوبة لا تقاومه والمسألة اجتهادية لكن بشرط تجويز النسخ بذلك في زمان النبوة لا بعده فإن زمان النبوة قابل لثبوت النسخ وبعد ذلك قد استقرت الشريعة في اقرارها وانسدّ باب النسخ فمهما نقل خبر آحاد معارض للقطعي طرح ولم يقبل إذ ليس لأحد أن يترك القاطع للمظنون كما ليس له أن يترك اليقين لنفس الظن .
وأيضا فإن العمل في زمان النبوة وبعده إنما يكون صحيحا إن وافق الحق وقد وافق فعل أهل قباء في استدارتهم وجه الحق فلا معنى لتعنيفهم لأن ما لا يسع جهله تقوم فيه الحجة بجميع من عبره للمكلف وتحويل القبلة مما لا يسع جهله فتبليغ المبلغ إلى أهل قباء إنما هو حجة عليهم حيث أخبرهم بأمر لا يسعهم جهله .
وبالجملة فما وافق الحق من الأفعال لا وجه للتعنيف عليه وما كان في موضع الحجة فلا يقاس عليه غيره مما ليس هو بحجة غاية الأمر أن النسخ قد ثبت زمان النبوة وبلّغته الآحاد ولم يعنف القائل له لموافقة الحق وأما بعد زمان النبوة فيطرح إذ قد استقرت الشريعة فلا وجه للآخذ به مع معارضته للقاطع وإذا كان الدليل الظنى يطرح لأجل ظن أرجح منه فما ظنك بمعارضة القاطع له والله أعلم .

تعارض القطعي والظني

السؤال :
وجه ما روى عن بعض قومنا بزيادة التغريب على حد البكر والحكم بالشاهد واليمين أليس القطعى ثابتا على حد البكر والحكم بالشاهدين بنص الكتاب العزيز والقطعى لا يعارض بالظنى أم عنده يجوز الأخذ تارة بالقطعى وأخرى بالظني ولا يوجب الأخذ بالقطعى والاقتصار عليه دون الظني ويكون كالأخذ بشهادة الاثنين جائزة وبالثلاثة فما فوق أقوى وآكد، وليس السؤال جارياً على مذهب من يجعلهما ناسخين فإن الذي يجعلهما ناسخين لا يقبل خبر الآحاد فيهما ولا يجيز العمل بهما ولكن جار على مذهب من يجعلهما ناسخين فإنه يقبل فيهما خبرا الاحاد ويجيز العمل بهما والقطعى كما ترى ثابت بنص الكتاب .
الجواب :
ليس هذا من معارضة القطع بالظن لأن القطعى إنما اثبت الحكم بالشاهدين ومائة جلدة في حد الزانى البكر فالقول بالحكم بالشاهد واليمين وزيادة التغريب شيء غير ما أثبته القاطع فهو أمر زائد على القاطع فاثبات من أثبتهما في ذلك مبنى على دليل ظنى عندهم وقد يثبت الدليل الظني أمرا لم يكن في الكتاب والسنة المتواترة على مذهب من لم يجعل الزيادة الناسخة فهذا الوجه الذي عولوا عليه فيما عندى والله
أعلم .



حمل المطلق على المقيد في مسألة الربا

السؤال :
لم أعرف السبب الموجب لحمل المطلق على المقيد من حديثى " أينقص الرطب إذا جف " و" إنما الربا في النسيئة " أهو زيادة التمر أم نقصان الرطب من الأول والربا أم غيره من الثاني ؟ ولعل اتحاد الحكم بينهما التحريم إليه هو وذكرت سيدي أن مخالفينا أخذوا من الحديث ظاهره وهو كون الزيادة في أحد الجنسين المبيعين مطلقا من الربا وأن أصحابنا يخصون ذلك بالنسيئة ويجيزونه فيما إذا كان البيع يدا بيد وقلت ولعلهم يقيدون ذلك أى اطلاق الحديث بقوله تعالى { وإن كان ذو عسرة } الآية(1) وبما روى عنه عليه الصلاة والسلام إنما الربا في النسيئة ثم قلت وشدد الامام الكدمى في المسألة حتى عدها من أصولهم الفاسدة إلى أن قلت والمسألة اجتهادية أشار إلى ذلك صاحب الايضاح .
أقول ما وجه كونها اجتهادية أهو من حيث الخلاف في أنه هل يحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا حكما واختلفا سببا أم من وجه غيره ؟ فإن كان منه فما وجه تشديد الإمام الكدمى حتى عدها من أصولهم الفاسدة ؟ أليس الخلاف موجودا مع الأصحاب فهذا الإمام ابن محبوب أحاز فيما نقل عنه في كفارة الظهار عتق الرقبة غير المؤمنة كالنصرانية واليهودية ولم يشترط كونها مؤمنة ومن هنا قال الشيخ ابن النظر :

وعتق اعور عين في الظهار


فقد أجيز والعيد ذى الاشراك والدغل


فالخصم حينئذ يكتفى عن جواب بما وجد عن ابن محبوب اللهم إلا أن يكون من وجه غيره فلا أدرى ما يقول الخصم فضلا منك أن تبين لى معنى كلام الشيخين الكدمى في تشديده والسماص في كونها اجتهادية ولك الاجر من الله وكلامك الذي نقلته لك من كتابك خذه بالمعنى فانى عبرت عنه بالمعنى حسب مافهمته لأن الكتاب أخذه سليمان هذه الأيام وخادمك أخذ الثانية نسأل الله الإعانة والتوفيق ..
الجواب :
ليس ذلك من باب حمل المطلق على المقيد كما توهمته فلا حاجة لطلبك الموجب لذلك وإنما هو من باب تقييد الحكم ببعض قيوده مثاله أن تقول الصلاة على الهيئة المخصوصة صحيحة فيقول المعترض لا تكفى الهيئة في كونها صحيحة بل لا بد لهذا الاطلاق من قيود وهو وجود الطهارة المخصوصة وستر العورة إلى غير ذلك من القيود فالمنع من بيع الرطب بالتمر حكم مطلق وثبوت ذلك في النسيئة دون غيرها قيد للمنع فهذا وجه ما أشكل عليك من الاطلاق والتقييد .
وأما عدّ الشيخ أبي سعيد المسألة من أصولهم الفاسدة فذلك لما صح عنده من ثبوت القيد بالنسيئة حتى أنه لم يخطر بباله أن أحدا يجهل ذلك .
وليس المراد بالأصول التى ذكرها الشيخ ابوسعيد في هذا الموضع أصول الدين التى يكفر المخالف فيها وإنما المراد بالأصول في كلامه القواعد أي فالقول بذلك من قواعدهم الفاسدة وهذا المعنى هو المعنى الجامع بين كلامه وكلام صاحب الايضاح .
فالمسألة على كل حال اجتهادية وكلام أبى سعيد يشعر بتضعيف قولهم بل يصرح بفساده فاستبعادي لكلام أبى سعيد من حيث هذا التصريح لا غير والله أعلم .

الترجيح بين الأخذ بالمجاز أو الاضمار

السؤال :
اختلافهم في اللفظ الواحد إذا احتمل أن يكون مجازا وأن يكون فيه إضمار رجح الأخذ بالمجاز لأنه أكثر استعمالا ورجح بعض الأخذ بالإضمار لأن قرينته متصلة فما معنى اتصال قرينة الاضمار من هذا الكلام ؟
الجواب :
معنى ذلك أن احتياج الكلام إلى المقدر المحذوف هو نفس القرينة الدالة على المحذوف فإن قوله تعالى واسأل القرية كلام بنفسه يقتضى تقدير المحذوف أي اسأل أهل القرية وهذا الاحتياج كما ترى معنى متصل بالكلام المذكور بل هو من صفاته اللازمة والله أعلم .

الإستثناء من النفي إثبات

السؤال :
المنقول من لب الأصول وشرحه ونصه والأصح أن الإستثناء من النفي إثبات وبالعكس وقيل لا بل المستثنى من حيث الحكم مسكوت عنه وهو منقول عن الحنفية فنحو : ما قام أحد إلا زيد مسكوت عنه من حيث القيام وعدمه ومبنى الخلاف على ان المستثنى من حيث الحكم نخرج منه المحكوم به فيدخل في نقيضه أى لا حكم إذ القاعدة أن ما خرج من شيء دخل في نقيضه وجعلوا الاثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع وفي الاستثناء المفرغ نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام تفضل بين لنا معنى هذا الكلام إذا قلنا ما قام القوم إلا زيد أيكون زيد قائما أم غير قائم على هذا المعنى .
الجواب :
هو قائم على مذهبنا ومذهب المعتزلة والشافعية وغيرهم، لأن الاسثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات عندنا خلاف للمنقول عن أبي حنيفة فإنه على المنقول عن أبي حنيفة لا يَثبت في مثالك لزيد قيام ولا عدمه .
بيان ذلك أن أبا حنيفة ومن تبعه في ذلك يجعلون المستثنى في حكم المسكوت عنه فقول القائل جاء الناس إلا زيدا نص عندهم في إثبات حكم المجىء للناس دون زيد وأما زيد فعنده أنه مسكوت عن إثبات الحكم له وعن نفيه عنه فهم يقولون في مثل ذلك إن المتكلم لم يتعرض للمستثنى بشيء من اثبات الحكم ولا من نفيه وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا كان المتكلم عالما بمجيء أهل البلد مثلا لكنه جاهلا هل زيد في الجائين أم لا فعلى مذهبنا لا يصح لهذا الجاهل أن يقول جاء أهل البلد إلا زيدا لأن في قوله هذا حكم بنفى المجيء عن زيد وهو لم يعلم بذلك ويصح على مذهب الحنفية لأنه عندهم في حكم المسكوت عنه أي لم يثبت له مجيئا ولا عدمه .
والأصح ما عليه أصحابنا وغيرهم من أن الاستثناء من الاثبات نفي وبالعكس لأن كلمة الاخلاص وهى لا إله إلا الله توحيد باجماع الأمة ولو لم يكن فيه إثبات الألوهية لله تعالى لما كانت توحيدا بالاجماع وكذلك الاستثناء المفرغ نحو ما قام إلا زيد فيه اثبات الحكم للمستثنى بالاجماع .
فأما ما قاله الحنفية في الجواب عن هذين الاحتجاجين بأن الأول مخصوص بعرف الشرع وأن الثاني بالعرف العام فليس بشيء .
أما أولا فإن الدعوة إلى التوحيد في زمانه " كانت عامة للعرب وغيرهم وقد أنِف العرب من الاقرار بها لزعمهم تعدد الالهة فلو لم يكن ذلك عندهم في أصل لغتهم مثبتا للالوهية لله تعالى وحده لما أنفوا من الاقرار بها بل قالوا : اجعل الالهة الها واحدا .
وأما ثانيا فإن عرف الشرع طارئ بعد الوحى والمشركون من العرب لا يسلمون أصل الشرع فكيف يخاطبون باصطلاحاته الطارئة .
وأما الجواب عن قولهم في الاسثتناء المفرغ أن ذلك ثبت فيه بالعرف العام فإن كانوا أرادوا بالعرف العام عرف العرب الأوائل منهم والأواخر فذلك حجة لنا وتسليم منهم لفرضنا وإن كانوا أرادوا به عرفا طارئا بعد استقرار وضع اللغة مخالفا لما وضعت له في الأصل فلا نسلم لهم ذلك لأن تجدد الأوضاع محتاج إلى نقل ولا نقل ها هنا فزعم تجدده بغير دليل تحكم لأن الاصل عدمه فهذا العرف العام دليل على ما قلناه في حكم المستثنى والله أعلم .

تسمية الفائت بالنوم أو النسيان قضاء

السؤال :
هل يسمى ما فات بنوم أو نسيان من العبادات بالقضاء أم لا فإن كان نعم فأي معنى لذكر الوقت في قوله عليه السلام " من نام عن صلاة أو نسيها " إلى أن قال " فذلك وقتها " وما ضرب له وقت فهو أداء القضاء في ما عدا هذين فإن كان نعم فما معنى من استشهد بالحديث إن القضاء بأمر ثان ؟ فضلا منك بالبيان .

الجواب :
اختلف في ذلك فقيل إن فعله يسمى أداء وقيل قضاء فمن قال أنه أداء احتج بظاهر الحديث فإن ظاهرة أن ذلك أداء في حق النائم والناسى ومن سماه قضاء نظرا إلى أن الوقت المشروع للأداء هو الوقت الذي لا يجوز تأخير الفعل عنه اختيارا وذلك الوقت المضروب للفعل أولا فعلى فقول من جعله قضاء فالاحتجاج به في باب القضاء ظاهر وأما على القول الآخر فلا يظهر الاحتجاب به اللهم إلا أن يقال أن الاختلاف لفظى لأنه عائد إلى نفس التسمية لا غير .
ثم ظهر لى أن هذا الوجه وعليه فيكون الاحتجاج مستقيما على المذهبين والله أعلم وقد ذكر صاحب القناطر الاختلاف في مكحلة الفضة فمن أخذ بقول المسلمين فلا بأس عليه والله أعلم .

الذمة واشتغالها بالأحكام

السؤال :
قوله في " المدارج " وهو :

ما شغل الذمة فهو الحق


لله أو للخلق، أما الخلق


قال السائل : ما معنى هذا الاشتغال، والذمة ؟
الجواب :
عُرّفت الذمة بأنها " وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه "، وعرفها آخرون بأنها " نفس لها عهد فإن الانسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه عند جميع الفقهاء بخلاف سائر الحيوانات " انتهى فعلى التعريف الأول تكون الذمة من أعراض الذات لأنها وصف من أوصافها وعلى التعريف الثانى تكون الذمة هى الذات الموصوفة بالعهد الذي أخذه الله عليها والمعنى متقارب .
ومعنى اشتغال الذمة بالحقوق هو كون النفس ملزمة بذلك الحق فإذا افترض الله على أحد فريضة فقد ألزمه ذلك واشتغلت ذمته بذلك الفرض حتى يؤديه فالنفس قبل الفرائض اللازمة لها غير مشتغلة بشيء وتسمى هذه الحالة ( براءة الذمة ) فإذا توجهت إليها الفرائض وألزمت إياها سميت حالتها حينئذ بـ( اشتغال الذمة ) تشبيها لها بحال من يشتغل بالشيء .
والأحوال التى تشغل الذمة هى الحقوق سواء كان حقا لله وهى العبادات الخالصة أو حقا للعباد وهى الحقوق التى أوجبها الله على الناس لبعضهم بعضاً كحق الوالدين والرحم والجار والضيف وغير ذلك والله أعلم .

تأخير تبليغ الأصل وتأخير البيان

السؤال :
لم جاز تبليغ الرسول، البناني في حاشيته، أي تبليغ الأصل لا البيان كما قد يتوهم انتهى إلى وقت الحاجة مع قوله تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }(1) والأمر المطلق عن القيد يوجب الفورية على قول .
فإن قلت : نعم يجوز تأخير إلى آخره فيحتاج صرف الأمر عن وجوبه فورا على من قال بذلك إلى دليل وإلا فليوضح .
سلمنا فما الفائدة في إنزاله عليه " قبل وقت الحاجة وأيضا لم خص بالجواز تأخير الأصل لا البيان والبيان يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة فإن قلت أن البيان لا ينزل إلا وقت الحاجة فمنقول كذلك الأصل فما الفرق في جواز تأخير أحدهما عن الآخر للرسول عند هذا القائل ؟ فضلا منك بالجواب .
الجواب :
تأخير تبليغ الأصل وتأخير تبليغ البيان سواء، فما جاز في أحدهما جاز في الآخر إلى وقت الحاجة إليه لا فرق بينهما في شيء من ذلك، بناء على القول بأن الامر في نفسه لا يدل على فورية ولا تراخ وهو القول الصحيح .
فأما القائل بمنع تأخير التبليغ للبيان إلى وقت الحاجة فظاهر مذهبه مبنى على القول بمنع تأخير البيان إلى وقت الحاجة كأنه يرى أن أصل الخطاب لايصح أن يـبقى مجملا لأن المقصود من الخطاب الإفهام وليس في المجمل ما يفهم المراد فقال بمنع تأخير البيان دون الأصل لهذه العلة وأما من قال أن الأمر للفور فيلزم على مذهبه منع تأخير التبليغ كان في أصل الخطاب أو في بيانه .
والفائدة في انزال البيان قبل الحاجة إليه بيان الحكم فيحصل للسامع الفقه في الدين فيتهيأ للعمل عند وجوبه فيجوز ثواب العلم وفضيلة التهيؤ والله أعلم .

قرآنية المنسوخ تلاوة

السؤال :
عرفت أن المنسوخ من القرآن تلاوة وحكما لا يسمى قرآنا لكن لم أعرف حكم المنسوخ تلاوة دون الحكم وعكسه، وظاهر كلام صاحب المنهاج أن المنسوخ تلاوة لا حكما لا يسمى قرآنا حيث قال والأشبه جواز من المحدث للمنسوخ لفظه اهـ ومفهومه أن العكس يسمى قرآنا فإن كان كذلك فما الفرق ؟
الجواب :
ما نسخت تلاوته فليس بقرآن، كيف يستحق اسم القرآن ويعطى حكمه والله تعالى سلبه أحكام القرآنية وسماه منسوخاً ؟ وأما المنسوخ حكمه دون تلاوته فهو قرآن لأن بقاء التعبد بتلاوته أثبت له حكم القرآنية وناهيك أن آية السيف قد نسخت لأحكام آيات كثيرة من القرآن المكتوب المنقول تواترا والاجماع منعقد على أن تلك آيات من القرآن وكذلك قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير اخراج }(1) فإنه منسوخ اجماعاً بقوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }(2) ومن المعلوم يقينا أن هذه الآية من القرآن ونظائرها كثير فلا يصح أن يشك في كونها من القرآن والله أعلم .

الافتاء ممن حفظ مسألة من العلماء

السؤال :
من حفظ مسألة من أثر المسلمين أو من سؤاله للعلماء أيجوز أن يفتى بها من جاء يسأله عنها وهو محتاج إليها .
الجواب :
إن كان في الدار مضت أعرف منه وأبصر بأمر الدين فلا يفتى مخافة الحظر وإن كان الناس محتاجين إليه ولا يجدون من هو أعرف منه فلا بأس أن يعلمهم بما وحده في الاثر أو أخذه عن الأشياخ والله أعلم .

هل الرسول متعبد بشريعة قبله

السؤال :
قول البدر رحمة الله تعالى في باب الأمر ما نصه " وبعد النبوة الصحيح أن النبى " ليس بمتعبد بشريعة أحد انتهى وعند الكلام على استصحاب الحال ما نصه وهل بعد البعث كان متعبداً والمختار أنه كان متعبداً إلا ما نسخ فما الجمع بين قوليه ؟
الجواب :
لا جامع بينهما إلا أن يكون قد اختار في الموضع الثانى عكس ما صححه في الموضع الأول قصداً منه أو أنه نسى تصحيحه الأول فاختار غيره لما رجح عنده في ذلك الحال .
والصحيح عندي أن شريعته " مستقلة ولولا ذلك لكان مأموراً بمراجعة الكتب السابقة ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مراجعتها فلا وجه للقول بتعبده بما فيها والله أعلم .

مجال الاجتهاد

السؤال :
قول الشيخ سليمان بن يخلف بان الاجتهاد مخصوص بالنازلة التي لم تكن في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النازلة كيف الوجه في ذلك ؟ وكيف الذين لم يكونوا قبلها لا يجوز لهم الاجتهاد ؟ وهى مسألة رأى مع أن المسلمين يضربون صفحا عن بعض الآراء إلى ما رأوا .
الجواب :
لا وجه لما قاله إلا على رأى من جوز للمجتهد أن يقلد غيره وهو قول ضعيف جدا بل الحق عليه أن يستعمل اجتهاده ويأخذ بما رأى في ذلك وهو أكثر القول والله أعلم .

معنى الجوهر والعرض والشكل

السؤال :
عن معنى الجوهر والجوهر البسيط ومعنى العرض في قوله الفعل عرض يوجد مع الاستطاعة ؟ وما معنى الشكل المفسر بالهيئة الحاصلة للجسم بسبب حد واحد بالمقدار كما في الكرة أو حدود كما في المضلعات من المربع والمسدس ؟ والكرة ما هي ؟
الجواب :
الجوهر عبارة عن الشيء القائم بنفسه كالحصى والجدار والنخلة والماء والظلمة والنور، وهو نوعان بسيط ومركب، فالبسيط هو ما لم يجتمع من جملة أشياء كالماء والنور والظلمة، والمركب ما اجتمع من أشياء كالحيوان فإنه من لحم ودم وعظم وكالجدار فإنه من حصى وصلن .
وأما العرض فهو ما قام بغيره وهو مجتمع في شيئين الحركة والسكون فالأفعال كلها داخلة تحت الحركة وهي اعراض وأنواع الكف داخلة تحت السكون وهي اعراض أيضاً .
وأما الشكل فهو الهيئة المخصوصة التي يكون عليها الجسم من طول وقصر وضخامة ودقة ونحو ذلك . والله أعلم .

ثبوت القياس في الحسي أو المعنوي

السؤال :
القياس قال البدر " شرطه أن لا يكون حسيا، كقولك : شراب مسكر يوجب الحد كما يوجب الاسكار كان باطلاً من القول " اهـ قلت إذا شاهد العقل مرة بعد أخرى أن هذا شراب مسكر لـمَ لمْ يجز لنا أن نرده إلى أصل موافق في علته ونعطيه حكمه كمثل أن جعلنا الخمر أصلا لكل مسكر فإن فيه الحد فنجعل فروعه مثله لـمَ عده باطلاً ؟
الجواب :
ليس المراد ما فهمت، وإنما المراد أن الحد لا يثبت بالقياس على الاسكار لأن الحد حسى والاسكار معنوى فلا يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر .
وهذا مع قطع النظر عن حكم الشرع وذلك أن الشرع رتب على الاسكار حكم الحد ولو لم يكن لما ثبت الحد بنفس العلة فهذا معنى قوله والله أعلم .

اشتراط اتحاد العلة لصحة القياس

السؤال :
بطلان القياس قال البدر أيضاً : إن لم تتحد العلة أن العلة المعتبرة المذكورة ثانيا في اثبات حكم الأصل غير ثابتة في الفرع والمذكورة أولا وإن ثبتت في الفرع فغير معتبرة فلا مساواة في العلة المعتبرة فلا تعديه، مثاله الجذام يرد به النكاح كالرتق والقرن ينفسخ بأحدهما البيع فإذا قال الخصم لا فيقول لا المستدل هما كالجب يفوت به الاستمتاع اهـ قال السائل فالجذام ليس يفوت الاستمتاع في النكاح لأجل الضرر فما المانع من جعل الجب أصلا للجذام إذا كانت متحدة بينهما وهو عدم الاستمتاع أم بطل القياس لعلة عدم اتحاد الحكم لأن هنا للنكاح وهنا للبيع فتكون علة الجذام معتبرة بنفسها أم لا ؟
الجواب :
الجذام لا يمنع الاستمتاع لامكان الايلاج، بخلاف الرتق والقرن فإنه لا يمكن معهما الايلاج، وكذلك الجب وهو قطع الذكر فليست العلة في الجذام والرتق والقرن متحدة وإن اتحدت في القرن والرتق والجب .
وحاصل المعنى أن العلة إذا لم تتحد في الأصل والفرع فالقياس باطل ولو اتحدت بين أصل وفرع ثم شابه الفرع فرعاً آخر من جهة أخرى كما اتحدت في الجذام والقرن والرتق فإن الكل عيب يرد به البيع ثم صار الجب مشابهاً للقرن والرتق لكن لا من الجهة الأولى بل من جهة أخرى وهي فوات الاستمتاع فلا يمكن أن يجعل الكل في حكم واحد . والله أعلم .

مقتضى الأمر والنهي

السؤال :
الأمر حيث اختار أن لا يدل على نهي الضد لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالاستلزام، وعرّفتَه بأنه طلب الكف عن الشيء، وقلت الأمر بالشيء يستلزم الكف عن ضده فقط دون الطلب، أليس على هذا يستلزم الأمر بالقيام النهي عن ضده وهو القعود على طريق الالتزام في المعنى ؟ والأمر بفعل المباح والمندوب قد خرجا عن هذا الحكم للقرائن الدالة منها قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا }(1)، { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا }(2) لأنا لم ينقل إلينا أن رسول الله " عاب على من لم ينتشر ؟

الجواب :
ينكشف لك الغطاء بمقدمة، وهي أن تعرف معنى النهي عن الشيء ومعنى الكف عنه فإذا عرفت ذلك ظهر لك وجه ما اخترته وبيانه أن معنى النهي عن الشيء هو الطلب لتركه فإذا قلت لا تقعد فقد طلبت منه ترك القعود، وأما الكف عن الشيء فهو ترك له فقط دون طلب فقولنا الأمر بالشيء يستلزم الكف عن ضده أي إذا أمرنا بالقعود استلزم هذا الأمر ترك القيام من غير أن يطلب تركه فافهم ففي النهي عن الشيء زيادة طلب .
وقولهم ان الأمر بالشيء نهي عن ضده محتاج إلى دليل فإنه لم يثبت عن طريق اللغة ولا من طريق الشرع وإنما قالوا ذلك حيث رأوا أن الأمر لا يتصور امتثاله في الشيء إلا بترك ضده وأنت خبير أن الضد لا مدخل له تحت الأمر فلا يتناوله بشيء من وجوه الدلالة على جهة الطلب لتركه، لكن لا يتصور الامتثال إلا بتركه، فظهر أن المستلزم ترك الضد دون طلب تركه . والله أعلم .

الفرق بين المتضادين والنقيضين

السؤال :
الفرق بين المتضادين والنقيضين ؟
الجواب :
الفرق بينهما أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالعدم والوجود، والضدين لا يجتمعان ولكن يرتفعان كالسواد والبياض . والله أعلم .

معنى ‘‘ المناظرة بكتاب الله ‘‘

السؤال :
كلام الزهرى لا نناظر بكتاب الله ولا بكلام رسوله فما معنى المناظرة ؟
الجواب :
المناظرة هي المشابهة ولو في بعض الوجوه، ومعنى كلامه : لا نجعل لكتاب الله تعالى ولا لكلام رسول الله " نظيرا في الاستدلال، وهو حث على التمسك بالكتاب والسنة والترك لما سواهما من قال وقيل . والله أعلم .


اشتراط المناسبة لعلة الإيماء في القياس

السؤال :
علل الإيماء قيل يشترط المناسبة بينها وبين الحكم وقيل لا قلت فما المناسبة هنا أهي حكمة داخلة بينها كقولنا أكرم العالم لما بين الكرم والعلم من مشابهة في كون كل واحد منهما يقتضي العلو والأفضلية أم لا ؟ فإن كان كذلك فما وجه القول من أنها لا يشترط ظهورها وأما نفسها فلا بد منها ؟ وما الفرق بين ظهورها ونفسها هنا ؟ ثم قيل يشترط المناسبة من يجعلها بمعنى الباعث أما من يجعلها أمارة فلا . قلت : فعلى المعنى الأول هل قيل بأن الوصف يوجب الحكم فلم لم يشترطوا ظهورها على هذا، وكذا على الوجه الثاني كيف لم يشترطوا مع أننا نرى ظهور المناسبة في العلل المنصوصة كقوله تعالى
{ زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج }
(1) وأمثالها من الآيات كما لا يخفى ولا شك أن المنصوصة أقوى دلالة من غيرها ما معنى قولهم في هذا كله ؟

الجواب :
المناسبة بمعنى الملائمة والموافقة فإن كان الوصف ملائما للحكم وموافقاً له سمي مناسبا ولا يكون مناسبا حتى يشتمل على نوع حكمة، وهي إما حصول مصلحة أو دفع مضرة .
فإن ظهر اشتماله على ذلك قيل أن وجه المناسبة فيه ظاهر وإن خفى حتى لا يظهر إلا لمتأمل قيل فيه مناسبة غير ظاهرة والمناسبة بين الإكرام والعلم وبين الإهانة والجهد وبين الطاعة والثواب وبين المعصية والعقاب ظاهرة كما ترى .
فإذا عرفت هذا اتضح لك الخلاف المذكور في اشتراط ظهور المناسبة لعلة الإيماء وبيانه أنه الإيماء وهو الإشارة إلى اثبات االوصف علة للحكم طريق من الطرق التي يعرف بها الوصف أنه علمه .
فمنهم من لم يشترط في ثبوت هذا الطريق إلا الإيماء نفسه ظهر وجه المناسبة أو خفى، لأن الإيماء نوع من النص وإذا نص الشارع على جعل الوصف علة لزم قبوله ظهرت المناسبة أو خفيت فكذلك إذا أومأ عليها مع علمنا أنه لا بد من مناسبة لأن أفعال الحكيم جارية على وفق الحكمة .
ومنهم من اشترط ظهور المناسبة بمعنى أنهم لا يثبتون العلة من طريق الإيماء إلا إذا ظهرت مناسبتها للحكم، وعلى هذا القول يتعطل طريق الإيماء إلا من وجه واحد وهو ما كان على طريق " لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان " .
ثم إن من الأصوليين من لا يشترط في العلة مطلقا ظهور المناسبة لأنها عندهم معرف للحكم بمعنى أن الشارع شرع ذلك الحكم وجعل الوصف دالا عليه، ولا يشترط في الدال أن يكون مناسباً للمدلول بل قد يكون مضادا له كالجبل والرمل فإنا لو جعلنا الجبل دالا على موضع الرمل أو علمنا دجلة نار توقد حولها كانت دلالة صادقة فكذلك العلة الدالة على الحكم عند هؤلاء . والله أعلم .

معنى النسيان والذهول

السؤال :
قوله في المشارق " فأما النسيان فهو إما نسيان ذهول وهو ما يتنبه بأدنى منبه كنسيان الرجل بعض أعضائه " قال السائل ما معنى نسيان الذهول ؟ وما معنى بعض أعضائه ؟ ولفظة الأعضاء لأي شيء تطلق هنا ؟ أهو إذا سها في حالة الوضوء أم كيف ذلك ؟
الجواب :
معنى الذهول الغفلة، والأعضاء الجوارح، والمراد بنسيانها الذهول عنها حالة الاشتغال بغيرها ومن المعلوم أن أحدنا إذا التفت إلى شيء ذهل عن غيره فإذا فرغ منه صرف ذهنه إلى غيره ولا تحضره جميع الأشياء في حالة واحدة وليس المراد نسيان الأعضاء في الوضوء لأنه يقسم النسيان في أصل الأمر إلى خفيف وثقيل . والله أعلم .


الافتاء والاجتهاد والقضاء

السؤال :
ما يوجد في كتاب بيان الشرع الأحكام : يقضى بها ولا يفتى بها وعن شريح كان يقول إنما أقضي ولا أفتي، كيف شيخي في حال المجتهد الطالب للحكمة ودقائق غوامض معانيها إذا طلب ذلك اجتهادا من هذا القبيل أم يكون مستحقا للفتوى من وجه طالب الحكمة لا يمنع، قال الشاعر :

ومن منح الجهال علما أضاعه


ومن منع المستوجبين فقد ظلم


الجواب :
المتفقه في الدين غير المستفتى فإن المستفتى من يطلب البيان في مسألة بعينها لكونها عانية ولا حاجة له في غيرها إذ ليس من شأنه التفقه فمثل هذا لا يفتى في قضايا الأحكام لئلا يأكل بها مال الغير ولئلا يكون سيفا على خصمه ولئلا تخالف الفتوى حكم القاضي في مسائل النزاع مع أن الواجب فيها الرجوع إلى حكم الحاكم لا إلى فتوى المفتى .
وأما مسائل الدين فلا تمنع من أحد إلا من سأل عانتا أو متعنتا أو طلب الرخصة قبل الوقوع فيها فهولاء كلهم لا يجابون .
أما المتفقه في الدين طالباً بذلك وجه الله فلا يمنع من شيء والناس محمولون على السلامة ما لم تظهر من أحد منهم حالة منكرة أو أمارة سوء، فثوب الرياء يشف عما تحته . والله أعلم .

التخصيص المستفاد من الأمر والنهي

السؤال :
التخصيص المستفاد من الأمر والنهي من قوله تعالى { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }(1) وقوله { يا أيها الناس اتقوا ربكم }(2) ومثل ذلك كثير في القرآن وهو لفظ للعموم كيف يكون التخصيص ؟ أم هذا التخصيص مراد به البلغ دون غيرهم ؟ وكذلك قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة }(3) إلى آخر الآية، ومثل ذلك في القرآن للعموم، وقالوا الخاص ما دل لمعنى مفرد أين هذا الخصوص في نفس اللفظ أم في المعنى ؟ فإذا كان هذا الخصوص للمكلفين دون غيرهم فكذلك العموم لا يرد إلا للمكلف .
الجواب :
الخاص ما دل على معنى مفرد، وهو في الأمر المعني الذي طلب فعله، وفي النهي المعنى الذي طلب تركه فهو في قوله تعالى { فأقيموا الصلاة }(1) نفس الإقامة وفي قوله تعالى { وآتوا الزكاة }(2) نفس الايتاء وفي قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة }(3) نفس التحريم وفي قوله تعالى { لا تقربوا الزنى }([4]) نفس القربان فكل واحد من هذه المعاني معنى دال على مفرد .
أما الواو في أقيموا الصلاة وآتوا والضمير في عليكم ليس من الأمر في شيء وإنما هو ضمير المخاطبين بالأمر والنهي فمحل الخصوصية نفس المخاطب به، ومحل الجمع العام المكلفون المخاطبون بالأمر فلا اشكال والله أعلم .

نسخ آية السيف لما يعارضها

السؤال :
عن قوله في " طلعة الشمس " ما نصه كآية السيف نسخت آيات كثيرة وهي باقية فيها والمنسوخ بها ؟

الجواب :
المراد بآية السيف كل آية فيها الأمر بالجهاد كقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }(1) وبيان ذلك أنه " كان قبل الهجرة مأمورا بالصفح عن المشركين وبالإعراض عنهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن لتكون لله عليهم الحجة سياسة الهية وحكمة بالغة وبعد الهجرة أمر بقتالهم حيث لم تنفعهم الموعظة ولا الذكرى فنزل في الإعراض والصفح آيات كثيرة منها لكم دينكم ولي دين ومنها واعرض عن المشركين ومنها وجادلهم بالتي هي أحسن وغير ذلك من الآيات وجميعها دال على ترك القتال ثم نزل الأمر بالقتال فنسخ جميع الآيات الدالة على تركه . والله أعلم .

الفرق بين النسخ وبين ابتداء الشرع

السؤال :
إزالة الحكم العقلي بالحكم الشرعي كما قال في شرح البيت من
" الطلعة " وصح نسخ الحكم قبل الفعل، فأما الشروط المتفق عليها كون الناسخ والمنسوخ حكمين شرعيين، فإن العجز والموت كل منهما يزيل التعبد الشرعي مع أنه لا يسمى ذلك نسخا وكذلك إزالة الحكم العقلي بالحكم الشرعي لا يسمى نسخا .

الجواب :
اعلم أن للعقل أحكاما، فإنه يحكم على المعدوم ببقائه في حكم العدم حتى يصح وجوده، وعلى الموجود ببقائه في حكم الموجود حتى يصح عدمه وإن جوز التغير في الطرفين، وذلك هو الذي يسمى عندهم باستصحاب الأصل فإذا حكم العقل بثبوت شيء أو عدمه ثم نزل الشرع بخلافه فلا يسمى ذلك نسخا بل ابتداء شرع، لأن النسخ إزالة حكم شرعي بحكم شرعي، وهذا إزالة حكم عقلي بحكم شرعي، فقد خالف حد النسخ .
مثال ذلك أن العقل يحكم بعدم وجوب الزكاة لأن المال لمالكه ثم نزل الشرع بوجوبها، وكذلك يحكم العقل بتساوى الأيام في الإفطار والصيام ثم نزل الشرع بوجوب صوم شهر مخصوص فهذا وما أشبهه ابتداء شريعة لا نسخ والله أعلم .

ارتكاب المحرم على جهل منه بتحريمه

السؤال :
من ارتكب المحرم على جهل منه بتحريمه كأن أكل لحم خنزير على جهل منه بتحريمه، وإن أكله على جهل منه بذاته مع الجهل بتحريمه أو العلم ولم يهتد للسؤال عنه بعينه والتوبه منه بعينه، وإنما هو معتقد للسؤال عن كل ما لزمه السؤال عنه والتوبة من كل ما لزمه التوبة منه، ولم تكن توبته على الشريطة منه بعينه ولكن تلك نيته وعقيدته، ثم مات على هذا يهلك أم لا ؟ وهل فرق بين أن يكون واجدا للمعبرين أو لا فرق في ذلك أم لا ؟
الجواب :
في هذا اختلاف فمنهم من قال تجزئه التوبة في الجملة إذ لا طاقة له بعلم ما لم يعلم والله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، والحجة في المحرمات عند هؤلاء كالحجة في الأعمال سواء بسواء وكما لا تلزمه الصلاة إلا بعد قيام الحجة بها وهى العلم الخاص كذلك لا يلزمه ترك المحرم بعينه إلا بعد قيام الحجة بتحريمه، ومنهم من ألزمه التوبة عنه بعينه ولم يعذره يجهله، وفرق بين الترك والعمل وقال إن الترك مقدور عليه مع الجهل دون العمل فإنه لا يمكن فعله إلا مع العلم به، ثم أنه تعالى لم يعذر الجاهل وإنما وجب عليه السؤال بقوله عز من قائل { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }(1) ومنهم من عذره عند عدم المعبر وشدد عليه عند وجوده لأنه يكون عند وجوده قادراً على العلم والترك بخلافه عند عدمه حيث انسد عليه باب العلم وطلب المجهول محال، فهذه ثلاثة أقوال :
والأول هو الموافق لظاهر الكتاب والسنة واللائق بسعة الرحمة والمطابق لمقتضى الحكمة فإنه سبحانه وتعالى مدح المؤمنين بقوله :
{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم
يعلمون }
(1) فيؤخذ من آخر الآية العفو عنه عند عدم العلم وفي الحديث عن أنس سمعت رسول الله " يقول : " قال الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى، يا ابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " وعن ابن مسعود قال رسول الله " " من قال استغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف "ففى هذا ما يدل على ثبوت التوبه الإجمالية وكذلك الحديث الأول، ولا يشكل عليك قوله ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا...الخ فإن التوبة الإجمالية لا تجزئ مع الشرك وإنما تجزئ عند الإسلام والمغفور بها ذنوب المسلمين لا ذنوب المشركين والله أعلم .
تسمية الفرض واجباً

السؤال :
عما يوجد في شرح النونية والفرض ما ثبت بدليل نطقى كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن }(2) أو بدليل ظنى كخبر الواحد فهو الواجب كقراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث الصحيحين " لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب " فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة بخلاف ترك القراءة ثم قال وهذا الخلاف لفظى أهـ .
الجواب :
ليس هذا من مذهبنا ولا مذهب الشافعية وإنما هو مذهب الحنفية فلعل الكلام في شرح النونية منسوبا إلى الحنفية في أوله ثم عطف عليه ما ذكرت، راجع الكتاب فإنه لم يحضرنى عند كتابة الجواب، وأنا لا أشك أنه من مذهب الحنفية وإنما ألتمس العذر للشارح فقط والخلاف في تسمية الواجب فرضا هو اللفظى دون فساد الصلاة بترك الفاتحة .
وقد ذكرت الخلاف في تسمية الواجب فرضا في الركن الأول من القسم الثانى من طلعة الشمس فراجعه، وبسطته كل البسط في الجزء الثالث من المعارج .
وقوله الفرض ما ثبت بدليل نطقى المعروف عندهم ان الفرض ما ثبت بدليل قطعى وهو أخص من النطقى إذ قد يكون نطقيا غير قطعي كخبر الواحد والعموم والمطلق فإن مدلولهما على العموم والإطلاق ظنى عندنا .
وقوله فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة بخلاف ترك القراءة هذا غير مسلم حتى على قاعدة الحنفية في الفرق بين الفرض والواجب فإن الخلاف في هذا الفرق لفظى كما قال فلا معنى لتفريع المعانى عليه .
ثم إن الإثم إنما يلحق العاصى لعصيانه ولا شك أن الصلاة طاعة فمن عصى فيها فقد سلك بها غير وجهها فليست حينئذ بصلاة ولكنها معصية أيكون مطيعا عاصيا متقربا إلى الله تعالى بفعل ما نهاه عنه على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام كلا ليس هذا بمطيع، ومن الله التوفيق والعلم عند الله .

الأخذ بأقوال العلماء في المختلف فيه

السؤال :
هل يجوز للضعيف الأخذ بقول من أقوال العلماء بشيء اختلف فيه إذا لم يدر الأعدل منها ؟ وهل يجوز أن يعمل حينا بقول ويعمل تارة بقول آخر ؟ وهل إذا كانت من حقوق الله وحقوق عباده فرق ؟ علمنا مما علمك الله .
الجواب :
في ذلك اختلاف قيل عليه أن يسأل عالم زمانه فيأخذ بقوله لأنه هو دليله وهاديه ولكل قوم هاد وقيل له أن يختار قولا من الأقوال فيعمل به ويتحرى في ذلك رضا الله لا شهوة نفسه وهواه وإذا أخذ بقول اختاره للعمل فليس له أن يتركه عملا بضده إلا إذا ظهر له ضعفه ورأى أن الأرجح غيره فحينئذ يلزمه الانتقال عن الأضعف إلى الأرجح ولا بأس عليه فيما مضى من أمره فإن كان على هدى وانتقل على هدى .
وجميع أقوال المسلمين صواب وإنما وجب طلب الأعدل والأرجح التماسا للأقرب إلى الحق والأشبه بمعنى النص، ولا فرق في هذا بين حقوق الله وحقوق عباده إلا إذا كان لحق العباد مطالب أو مخاصم فإنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه على غيره برأيه بل يرتفعون إلى الحاكم ويأخذون بقوله وبالحكم في مسائل الاجتهاد ينقطع النزاع والعلم عند الله تعالى وبه التوفيق .

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 03-23-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,907
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



الفرق بين مسائل الدين ومسائل الرأي الخلافية

السؤال :
المسائل التى يجوز فيها الاختلاف والتى لا يجوز فيها الاختلاف كما قيل مسائل الرأى يجوز فيها الاختلاف، فبين لنا الفرق بين مسائل الدين ومسائل الرأى بتوضيح صريح، وكما قيل اختلاف المسلمين في الرأى رحمه واختلافهم في الدين بلاء ونقمة تفضل اشرح لى ذلك ويا شيخى إن وردت الآثار بأقوال في مسألة هل يكون أولى بالعمل ما تقدم من الأقوال في ذلك وما بعده من الأقوال أو هن سواء ؟ كما يقال قيل كذ وكذا إلى غير ذلك من ترتيب الآثار المشرقية والمغربية إذا كنت لا أبصر أي الأقول أحسن لقلة علمى بالأصول .
الجواب :
مسائل الدين عبارة عن الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة والإجماع، فإذا جاء النص من واحد من هذه الثلاثة نصا متفقا عليه وجب قبوله وحرم خلافه وكان ذلك دينا يدان الله به فمن خالف خرج عن الدين إلى الفسق والعياذ بالله ويكون ذلك في الاعتقاد كالقول برؤية البارى عز وجل وثبوت زيادة الصفات على الذات والقول بالخروج من النار وولاية من حرم الله كاليهود والنصارى والمخالفين لأهل الحق من فرق الاسلام وولاية من شهر بالأحداث في الإسلام ويكون في العلميات والتركيات كالوقوف بعرفة للحج في غيرنا مع إن لو صح ذلك من أحد وكزيادة صلاة فوق الخمس يعتقدها فرضا مثلها وكأكل الميتة في غير الضرورة والدم ولحم الخنزير ومثل هذا كثير يعرف على النصوص .
وأما مسائل الرأي فهى التى ليس فيها قاطع نصى من كتاب ولا سنة ولا اجماع واحترزنا بالقاطع عن النصوص المحتملة للتأويل وأخبار الآحاد فإن الخلاف بين العلماء وقع في مواطن جاءت فيها نصوص إما عامة فيأخذ البعض بعمومها والبعض يخصص بدليل آخر، وإما أن يكون النقل غير متفق عليه فيصح بعض دون بعض، أو يعارضه بدليل أقوى
منه .

وللخلاف أسباب كثيره ولعدم القاطع بواحد من الوجوه كان الخلاف رحمة بمعنى أنه سعة للأمة والقاطع يضيق على الناس خلافه فكان الخلاف فيه نقمة والعياذ بالله والعلم عند الله .

هلاك العامل بفتوى غير محقة

السؤال :
الدليل على أن الجاهل السائل إذا عمل بفتوى العالم وأفتاه بغير الحق خطأ من العالم يصير العامل بفتواه هالكا، فإن كان بالحديث الذي يحتجون به وهو قتلوه قتلهم الله، أليس شفاء العى السؤال فالوعيد متوجه فيه للمفتين بقوله قتلهم الله لا للمفتَى، بين لنا وجه ذلك وأنت المأجور .
الجواب :
إنما هلك السائل لأخذه بالباطل الذي خالف الكتاب أو السنة والإجماع، والعامل بالباطل هالك ولا يكون فتوى العالم له بالباطل عذرا عند الله تعالى لأن فتواه إنما تكون حجة في الحق لا في الباطل، ولولا ذلك لوجب القول بسلامة عوام المخالفين التابعين لأشياخهم فيما خالفوا فيه الحق على أنهم إنما اتبعوهم لكونهم علماء أئمة في دينهم والحال أنه لا عذر لهم بذلك، فمن فعل الحرام لظنه الجواز كان هالكا ولا يغني عنه ظنه شيئا لأنه محض جهل فالخلاص بالتوبة لا بفتوى المبطل، وهذا إنما يتصور في مسائل الدين التى لا يصح الخلاف فيها، أما مسائل الخلاف فالرحمة فيها واسعة .
وأما الاستدلال بالحديث فوجهه إن ظن الجواز لا يكفي عذرا في ارتكاب الباطل، فإنهم لم يفتوه بالغسل إلا لظنهم وجوبه مع أنه قد تقدم عندهم دليل قاطع بوجوب الغسل على الجنب لكنهم غلطوا فوضعوا الوجوب في غير موضعه فلم يكن هذا الغلط مغنيا عنهم شيئا، فلذلك من أخذ بفتوى الباطل لا تغني عنه تلك الفتوى شيئا مع أن الفتوى حجة في الحق، وفي الحديث أيضا تحريم الفتوى بغير علم والله أعلم .

المانع للحكم عند وجود مقتضيه

السؤال :
قد ذكر صاحب حصول المأمول كلاما على أثر المثال الذي أطبق عليه أهل الأصول عند ذكر وجود المانع الموجب وجوده سقوط الحكم، وهو سقوط القصاص عن الأب بابنه، ما نصه : وفي الذي أطبق عليه جمهور أهل الأصول نظر، لأن السبب المقتضي للقصاص هو فعله لا وجود الابن ولا عدمه، ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص ولكنه ورد الشرع بعد ثبوت القصاص لفرع من أصل، والأولى أن يمثل لذلك بالنجاسة المجمع عليها في بدن المصلي أو ثوبه فإنه سبب لعدم صحة الصلاة عند من يجعل الطهارة شرطا فها هنا قد عدم الشرط وهو الطهارة ووجد مانع وهو النجاسة ا.هـ قال السائل ففضلا منك أن تنظر في كلامه لأنه قد وقع فيه البحث وفي تمثيله بوجود النجاسة المجمع عليها في بدن المصلي أو ثوبه، فهل تمثيله بذلك مسلَّم له أم لا ؟ وهل نظرة في المثال المشهور مسلم أم لا ؟ ففضلا منك أن تحقق القول في ذلك وتفضل بين المتناظرين .

الجواب :
تمثيل أرباب الأصول مستقيم كما ينبغى لا عوج فيه، وغرضهم التمثيل للمانع الذي يمنع الحكم عند وجود مقتضيه، فالمقتضي للقصاص القتل العمد العدواني وقد وجد من الأب في ابنه لكن منع إمضائه فيه كونه أبا لمقتوله، فالأبوة هي المانعة للحكم بعد حصول سببه المقتضى لوجوده وهو معنى قول المعترض : ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل، فإنه كلام يصحح قول الجمهور ويشهد على المعترض بالغلط في قوله لا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص .
وجوابه أن الشرع قد جعله حكمة مانعة للقصاص فقولك أنه لا يصح اعتراض لما جاء عن الشرع الشريف .
أما التمثيل بالنجاسة المجمع عليها في بدن المصلي الخ فغير مطابق لغرض الأصوليين لأن غاية ما فيه أن صلاته لم تصح لاختلال شرط وذلك شيء غير المانع الذي حاول أهل الأصول التمثيل له على أنه ليس في مثاله موجب يقتضى صحة الصلاة حتى تجعل ذلك مانعا مع وجود المقتضى، وجعله وجود النجاسة مانعا لفظ لا معنى له لأن الفساد إنما كان باختلال الشرط وهو عدم الطهارة وذلك بسبب وجود النجاسة فمؤداهما واحد ولكنه قلب العبارة فسماه مرة اختلال شرط وأخرى وجود مانع وهما كذلك من حيث الاعتبار لكن الحقيقة واحدة .
وليس الغرض في هذا الموضع اختلاف العبارات وتنويع العبارات وإنما الغرض بيان المعاني الحقيقية المقتضية للحكم والمانعة له وكأني بك تكثر المطاوعة في حصول المأمول فلا يغرنك ما تجده فيه فإن للرجل تعاطيا فوق رتبته والله أعلم .

دخول العموم في الألفاظ والمعاني

السؤال :
فائدة الخلاف بين الأصوليين في تصور دخول العموم في الألفاظ والعموم في المعاني وأين تظهر ثمرته فضلا بالجواب .
الجواب :
اختلف الأصوليون في العموم فقال بعضهم إن من خواص الألفاظ فقط فعند هؤلاء أن المعاني توصف بالعموم فلا عموم لمفهوم المخالفة ولا للمقتضى ولا للإشارة ولا للعلة أي لا يوصف جميع ذلك بأنه عام إذ العموم من خواص اللفظ دون المعنى ومنهم من قال لا يختص باللفظ بل يكون فيه وفي المعنى أيضا فوصف العلة والمفاهيم بالعموم والخلاف لفظي لأنه يرجع إلى نفس التسمية فلا ثمرة له والله أعلم .

تعارض مفهومي الصفة واللقب

السؤال :
ما قولك إذا تعارض مفهوم الصفة ومفهوم اللقب أيهما المقدم على صاحبه إن لم يكن ثم دليل يعضد أحدهما ولم يمكن الجمع بينهما بوجه ما .
الجواب :
مفهوم الصفة أقوى من مفهوم اللقب وقد أنكر قوم مفهوم اللقب وهم يقولون بمفهوم الصفة . والله أعلم .

وجوه تقييد المطلق

السؤال :
في المقيد هل يكون التقييد بالصفة فقط أم بالصفة وغيرها ؟ فإذا كان بالصفة هل يكون بالصفة الصريحة والمؤولة أم بالصريحة فقط ؟ بين لنا ذلك ولك الأجر إن شاء الله .
الجواب :
يكون التقييد بالوصف الصريح كالرجل الكريم، والمؤول كالحال من نحو قولك جاء زيد راكبا فإنه تقييد لهيئة المجئ، ويكون بالذات كالتمييز من نحو قولك عندي عشرون رجلا، ويكون بالظرف الزماني والمكاني كجئت يوم الجمعة وجلست خلف الأمير، ويكون بالجار والمجرور كقولك جلست في المسجد، ويكون بالشرط نحو إن قام زيد قمت وإن دخلت الدار فأنت حر ونحو ذلك . والله أعلم .

ثمرة الخلاف للتفريق بين الفرض والواجب

السؤال :
من أين تظهر ثمرة الخلاف بين الفقهاء في الفرق بين الفرض والواجب عند من قال به ؟ ومن قال بعدم الفرق في ذلك ؟ تفضل بالبيان .
الجواب :
الخلاف في هذا لفظي لا ثمرة له، وإنما هو راجع إلى نفس التسمية فمنهم من يسمى الثابت بالدليل الظني فرضا، ومنهم من لا يسميه بذلك ويخصه باسم الواجب، والأولون يعترفون أنه ظني ويقسمون الفرض إلى قطعي وظني، والمانعون يخصون الفرض بالقطعي والله أعلم .

لا يعذر بالجهل بالأحكام

السؤال :
من أكل محرما جاهلا به ثم علم بعد ذلك هل تلزمه التوبة بعد ذلك من ذلك ؟ وهل فرق بين أن كان حراما بذاته أو حراما لعارض كنجاسة اصابته أو غصب من غيره أي من غير الأكل دون علم ؟ وهل عليه ضمان في هذه المسألة أعنى الأكل إذا علم بعد الأكل أنه مغصوب، أم الضمان على الغاصب فقط ؟ وهل من فرق بين أن كان جاهلا بالعين عالما بالحكم أو بالعكس أو بهما ؟ تفضل بالجواب .
الجواب :
نعم، بين ذلك فرق بيّن، فإن جهل الحكم فلا يعذر فيه مع علمه بصفة الشيء فإذا علم أنه مغصوب أو نجس فأكله فسق بذلك ولزمه الضمان لأهل المغصوب، وأما إن جهل الوصف فلا إثم عليه ولو صح معه بعد ذلك أنه مغصوب أو نجس لأنه لم يكلف الغيب، وأما الضمان للمغصوب فيلزمه إذا صح معه الغصب ولو بعد الأكل فإنه خطأ في الأموال والله أعلم .

الجهل البسيط والمركب وأثرهما في العذر

السؤال :
ما القول في الجهل البسيط حيث عرفته بقولك : الجهل بالشيء مما من شأنه أن يعلم بحيث لم يتصور أصلا ليس يتخرج فيمن علم أن لله محللا ومحرما ثم فعل أشياء يظن أنها جائزة فإذا هي من المحرمات شرعا وذلك كأكله الخنزير أو شربه الخمر أو صلى بدم مسفوح ولم يدر بحرمتها ولا بنجاسة الدم كذلك من أكل المسكرات كالتتين والأفيون أوكتب شيئا من الصكوك غير الجائزة ومع هذا دان لله تعالى بجميع ما يلزمه تأديته وينتهى عن جميع ما نهى الله عنه إن علم به ويعتقد التوبة من جميع ما خالف الحق مجملا، وإن علم بشىء محرم تاب منه بعينه، وهذا حاله أيكون هذا الجهل بسيطا معذوراً به حتى يعلم بباطله أم هذا من الكبائر غير معذور صاحبه ويكون هالكا بفعله ذلك ؟ وهل يتصور البسيط فيمن علم أن الله حلل أشياء وحرم أشياء أم ليس إلا المركب ؟
الجواب :
آكل المحرم لا يخرج من إحدى حالتين أما منتهك أو مستحل والمستحل لا يخرج من إحدى حالتين : إما أن يتمسك بشبهة أو جهل أو كلاهما جهل مركب، أما الأول فظاهر، وأما الثانى فإنه اعتقد حل المحرم بجهله .
والجهل البسيط في هذا إنما لم يتصور فيمن لم يخطر بباله تحليل ولا تحريم فهذا هو عدم العلم بالشيء وهو من شأنه أن يعلم فإذا انتهى الإنسان في شيء من الأشياء بهذه المنزلة فإنه معذور لأن الحجة لم تقم عليه والله أكرم وأرحم أن يعذب بغير حجة والله أعلم .


الفرق بين المجمل والمتشابه وحكمهما

السؤال :
ما نصه قد ثبت في الكتاب العزيز أن الله ذم أقواما باتباعهم المتشابه فإن قوله تعالى { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه }(1) الآية وجعلت في " المشارق " المجمل نوعا منه ولا شك أن المجمل نتبع الأمر ونترك النهي منه بعد ما بين لنا . وأيضا فالظاهر نوع منه باعتبار المعنى الخفي وقد نعمل بما يتضح لنا من الأدلة فالمجمل قوله تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان }(2) الآية فقد فسر بقوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم }(3) الآية فجعلنا كل نصيب لمستحقه مراعين الآية الأولى وكذا آية القرء فيقول لو كان المجمل نوعا من المتشابه لما صح لنا اتباعه وكذا الظاهر، عرفنا بما تراه موافقا لنا مأجورا إن شاء الله .
الجواب :
المجمل نوع من المتشابه والعمل بمقتضاه بعد البيان إنما هو عمل بالمحكم لا بالمتشابه، لأن المجمل يصير مبينا والمبين محكم فالمتشابه وصف له قبل البيان، والذم على الأخذ بالمتشابه إنما هو ذم على الحالة التى لم يرد بيانها فهم يتمسكون بالمتشابهات ويصرفونها لاعتقاداتهم الفاسدة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله وذلك قبل البيان فإذا أورد البيان فقد علمه الناس وخرج عن الاشتباه والله أعلم .

تعليل كون المحق العالم والمبطل الضعيف بمنزلة العالمين

السؤال :
ما معنى قولك في " المشارق " في مسألة المختلفين في الدين ما نصه :
" فإن كان المحق عالما والمبطل ضعيفا فهما بمنزلة أن لوكانا عالمين، وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة أن لوكانا ضعيفين " فلم لم يكونا بمنزلة العالمين في الحالين أو بمنزلة الضعيفين فيهما ؟ ولم لم ينزل كل واحد منهما منزلته في الموضعين ؟ تفضل بالبيان .

الجواب :
العالم إنما يكون حجة إذا كان الحق في يده، وإن لم يكن الحق في يده مع علمه فليس بحجة فشرط الحجة عند الاختلاف شيئان حصول العلم ووجود الحق، فإن اختل أحد الشرطين ارتفعت الحجة عن السامع وحسبك بهذا بيانا والله أعلم .

خاطر البال ليس دليلا في السمعيات

السؤال :
ما ورد به الأثر في المضطر إذا وجد الميتة مثلا أو خنزيرا أو دما أو ما يحل أكله له حال الاضطرار فترك ذلك جهلا منه بالرخصة حتى مات أهو يموت هالكا، أقول كيف يهلك ها هنا وهو قبل الوقوع في الضرورة غير مخاطب بذلك بل جهله بذلك واسع له قطعا ما لم تقم عليه الحجة من طريقها فيما يسع جهله فحين وقوعه في ذلك الاضطرار واقع في أمر لا يسعه جهله، فقصارى أمره أنه لا يلزمه علم الرخصة ووجوب التناول من الميتة ونحوها إلا بقيام الحجة بمعبر يعبر له ذلك مهما كان ولو طائرا مثلا أفهمه ذلك بكرامة ربانية أو ألقى له كتابا ففهم منه وجوب ذلك أو وجده منقوشا فيما وجده فيه أو خطر ذلك بباله إن قلنا بقيام الحجة بخاطر البال فما وجه هلاكه ؟ فالمتبادر إلى فهم الضعيف أنه لا يهلك إن دان بالسؤال عما لزمه فيه السؤال فالله أكرم من أن يؤاخذ عبدا بما لم يكلفه به فالتكليف متوقف على قيام الحجة قال تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }(1) وليس من وسعها علم ما لم تقم الحجة
بوجوبه .

فإن قيل أن الله أوجب على كل مكلف حفظ نفسه قال جل شأنه { ولا تقتلوا أنفسكم }(2) وقال { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }(3) فعلمنا أن تنجية النفس بأي وجه كان واجبة عليه قلنا أن الدينونة بشيء لا يوجب الدينونة بشيء آخر فدينونة تنجية النفس وحفظها من العطب لقيام الحجة عليه بذلك هو المكلف به والواجب عليه لا تناوله الميتة ونحوها لعدم قيام الحجة عليه بذلك بل هو مكلف قبل الاضطرار بالدينونة بحرمة ذلك فهو دائن بذلك وملتزم ما ألزمه إياه مولاه جل جلاله فوقوعه في الاضطرار قبل العلم بتحليل ما حرم عليه له ووجوب الأكل منه لا يوجب هلاكه مع الدينونة بما يجب عليه إجمالا في موضع الإجمال وتفصيلا في موضع التفصيل هذا ما تبادر إلى فهمي القاصر ففضلا منك أن تبين لي حقيقة القول في ذلك وهل من دليل يدل على هلاكه لا عدمناك .
الجواب :
خاطر البال لا يكون حجة في السمعيات، والترخيص بأكل الميتة عند الضرورة واجب كسائر الواجبات، والتكليف بذلك كالتكليف بغيره سواء بسواء، فهم يطلقون القول في مسائل التكليف اتكالا على ما وضحوه مبينا في شروط التكليف ولا يذكرون شروط التكليف في كل مسألة والذي فهمته أنت هو مرادهم وفقت إلى الصواب في فهم الخطاب والله أعلم .

صفة علم المكاشفة

السؤال :
الموجود في الأثر من علم المكاشفة عند أهله ما هو ؟ وما صفته ؟ لأنّي سمعت أحداً من الأصحاب أنه يتصرف في الكائنات بقدرة الله بما يريده من الأشياء في أسرع حال يكون عنده وأنه يعلم الأشياء الممكنة بقدرة الله تعالى عند إرادته أهكذا كما قيل أم غيره فيما عثرت عليه من الكتب ؟ فضلاً منك تعرفنا إياه لأنا نجد أن رسول الله " يقف في الأشياء الممكنة حتى يأتيه وحي من الله وهو أفضل الخلق وأكرمهم عند الله، فإن كان رسول الله يقف عن الأشياء الممكنة حتى يأتيه الوحي فكيف لغيره من الناس أن لهم التصرف في الكائنات وهم دونه في المنزلة، فضلاً منك أن تشرح لنا ذلك وتبيِّنه لنا ما وصفته كما قيل أم هو علم غيره ؟
الجواب :
لا أعرف علم الكشف ولا انتهيت إليه فكيف أصف ما لا أعرف، والموجود في بعض الكتب أن الكشف أن يكون الإنسان دائم الفكرة في أثر صفات الله تعالى فلا يلتفت إلى شيء من الموجودات إلا وهو يرى لله فيه أثراً، فيلاحظ في ذلك أثر القدرة وأثر الرحمة وأثر المنة إلى غير ذلك من آثار الصفات فيزداد بذلك خشية { إنما يخشى الله من عباده
العلماء }
(1) وهو العلم الذي أجمعت العلماء على تفضيله .
وأما الكشف بالمعنى الذي ذكرت فلا أعرفه، والله ما أحسن مناقشتك فيه ! وأعلم أن لأهل الكشف بالمعنى الذي وصفته لك كرامات عظيمة تخطر لهم منة من الله وفضلاً ككرامة مريم في الرزق الذي وجده عندها زكريا، وفي تساقط الرطب عليها من الجذع، إلى غير ذلك من الكرامات فإن عنى هؤلاء بعلم الكشف هذه الكرامات فلا بأس لأنهم أطلقوا اسم السَّبَبِ على المُسَبِّبِ ولا مشاحة في الاصطلاح . والله أعلم .

المستحل إن تاب ليس عليه غرم

السؤال :
ما قيل أن المُستَحِلّ إذا أراد الرُّجوع عن مذهبه إلى طريق الحق ليس عليه رجوع ما أتلفه من أموال الناس إلا إذا كان باقي العين . ما الحجة في ذلك أهذا مثل المشرك ليس عليه شيء مما اكتسبه إذا أسلم . عرفنا فيه وجه الحق
والسلام .

الجواب :
هو كالمشرك لأن كل واحد منهُما مستحل بالجهل لما كان حراماً في دين الله تعالى، والحجة في ذلك في حق المشرك قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }(1) والنبي " قدقبل الإسلام منهم من غير رد ما أتلفوا، والحجة في المستحل قوله تعالى :
{ كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم }
(2)، وكذلك إعراضه " عن أسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي كان كافِراً فأسلم عند معاينة السيف فقتله أسامة ظاناً أنه إنما أسلم تعوذا من السيف وهو بذلك مستحل لقتله فأغلظ عليه رسول الله " في الإنكار ولم يلزمه دية المقتول، وقد وقعت الفتنة بين الصحابة وكان بعضهم مستحلاً فلم يلزموا الراجع منهم إلى الحق ضمان ما أتلف باستحلاله ومنهم عائشة رضي الله عنها فإنها كانت مستحلة يوم الجمل فتابت وقبل المسلمون منها ذلك دون غرم وكذلك قالوا في عَليّ لو تاب من دماء أهل النهروان يقبل منه من غير غُرم لدياتهم لأنه كان مستحلا لذلك، قاتلهم وهو يرى وجوب طاعته عليهم، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة لأنه لا غرم على مستحل فيما أتلف إذا رجع إلى الحق، وقد بسطت القول في المسألة في آخر المشارق فراجعه ينفعك إن شاء الله والسلام . والله أعلم .

الأخذ بأحد الأقوال الفقهية في القسمة

السؤال :
من سأل رجلا في قسمة ميراث فقسم يقول ليس عليه المعتمد فأخذوا في القسمة على قوله، ثم علموا بالقول الأرجح مع عالم عصرهم، هل لهم أن يرجعوا إلى قوله والمال لم يُقسم كله ؟ وإن كره بعض الورثة الرجوع . هل يسمعون أم لا ؟
الجواب :
إذا تراضوا أولا باستفتاء ذلك الرجل وأفتاهم بقول من أقوال المسلمين وأخذوا في القسمة فليس لأحد منهم بعد ذلك الرجوع ولو لم يأخذ نصيبه لأن البعض قد أخذ نصيبه وقد أصاب وجها من الحق فكيف ينزع منه باختلاف الآراء، أما إذا لم يتفقوا على استفتائه وإنما سأله بعضهم والباقون كرهوا ذلك وقالوا لا نرضى حتى نعلم ما عند غيره فها هنا لا تلزمهم فتواه، وليس لأحد أن يأخذ شيئا من المال والحالة هذه حتى يتفقوا على فتوى أو يحكم بينهم حاكم يلزمهم قبول قوله، وهذا هو السبيل في قطع النزاع في مسائل الخلاف والله أعلم .

تصرف العاصي عند اختلاف العالمين في الفتوى

السؤال :
قول الشيخ أبي محمد ومن وافقه في العالمين إذا اختلفا في التحليل والتحريم عند الجاهل بحكم المحرم والمحلل إلا من قولهما، أظن أن الشيخ أبا محمد أجاز له الوقوف عنهما حتى يسأل غيرهما وعليه السؤال عن ذلك، والشيخ أبو سعيد أجاز له عدم البراءة من المبطل على رأى وعلى المشهور عليه البراءة منه لأن العالم أقام عليه الحجة ولم يجز له الوقوف عن العالم المحق برأي ولا بدين . أترى اختلافهما هذا اختلاف دين أم اختلاف رأى ؟ تفضل بَيِّن لنا
ذلك .

الجواب :
ذلك اختلاف رأي لا دين، ويدلك على هذا اختلاف من قبلهم في جعل العالم الواحد حجة فيما يسع جهله من الأحكام، فمنهم من جعله حجة وهو اختيار أبي سعيد واحتج عليه في الاستقامة بما يطول ذكره، فقوله في صورة السؤال مبني على قوله في هذه المسألة، وبنى أبو محمد ومن تابعه على القول الثاني وهو أنه غير حجة بنفسه حتى يكون معه غيره وكان مذهب من قبلهما الوقوف عند اختلاف الناس وهو الأسلم للعوام وأقرب إلى سهولة الحنيفية السمحة { ما جعل عليكم في الدين من حرج }(1)، { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }(2) والمشقة تجلب التيسير وليس للعالم أن يقول للجاهل : اعلم كعلمي، ولا هو من الأثر المجمع عليه والعلم عند الله والسلام . والله أعلم .

حكم ما نهي عنه في القرآن

السؤال :
هل في القرآن نهى تكريه أم كل نواهيه للتحريم، فإن كان كل نواهيه للتحريم فما معنى الخلاف في أن مَن فعل بعض ما نهى عنه القرآن هل هو صغير أو كبير ؟
الجواب :
قد قيل أن مناهى القرآن للتحريم فقط، وذلك لا يستلزم الكبيرة لأن الصغيرة محرمة أيضا لكن وقع العفو عنها اجتناب الكبائر فلا عفو له إلا إن تاب والله أعلم .

دلالة الاسم ودلالة المسمى

السؤال :
الفرق بين حقيقة المدلول للاسم ومعنى الاسم، وإذا كان المدلول عين المُسَمّى كيف المعنى والمُسَمّي ؟ وإن كان بينهما فرق فهل يكون للمعنى حقيقة غير حقيقة المسمى ؟
الجواب :
مدلول الاسم هو المسمى وهو الذي وضع له ذلك الاسم، فإذا قلت زيد فإن مدلوله الشخصى المسمى بهذا الاسم، وهنالك شيء آخر يرتسم في الذهن عند سماع هذا اللفظ وهو معنى اللفظ .
وتحرير المقام أن المسمى الذات الموضوع لها الاسم وهي خارج عن الذهن وأن المعنى الصورة المرتسمة في الذهن وهو ما يفهم من هذا اللفظ والله أعلم .

الفرق بين الواجب والفرض

السؤال :
الواجب والفرض امتحدان في المعنى أم مختلفان أم الغرض العمل بمقتضى الحكم الواجب وهل فرق بين الإيجاب والإلزام ؟

الجواب :
الفرض والواجب شيء واحد وهو ما يأثم تاركه وذلك قولنا وقول الشافعية، وفرقت الحنفية بينهما فقالوا الفرض ما وجب بدليل قاطع وهو الذي ليس للرأى فيه موضع، قالوا والواجب ما ثبت بدليل ظنّي وهو الذي يقبل الخلاف بين العلماء وتفرقتهم هذه إنما كانت عن اصطلاح عندهم وبها قال بعض الأصحاب، والخلاف لفظى لأنه يرجع إلى التسمية، وأما الإيجاب والإلزام فلا فرق بينهما في عُرف الشرع والله أعلم .

الحجة العقل والسمع أو البيان بهما

السؤال :
الحجة أهى بيان النظر بالعقل إذا كانت عقلية وبيان السمع إذا كانت سمعية، أم العقل والسمع أنفسهما حجة ؟
الجواب :
وجود العقل الصحيح حجة بنفسه وكذلك السماع يكون حجة بنفسه فمن أعطاه الله عقلا صحيحا فقد أقام الحجة عليه بمعرفته فإن أنكر وجود الصانع أو عبد غير الله فهو إنما ضل عن بينة وكذلك من بلغه السماع فيما لا يسع جهله فإن ذلك يكون عليه حجة عرف أنه حجة أو لم يعرف فإن الحجة لا يضرها جهل الجاهل بها، ومثله لو شهد عدلان على أحد بحق لآخر فإن العدلين حجة عليه ويلزمه أداء الحق عرف أنهما حجة أو جهل والله أعلم .

معنى نفي الصفات الفعلية في الأزل عنه تعالى

السؤال :
معنى نفي صفات الله تعالى الفعلية عنه تعالى في الأزل إذا كان الله تعالى قادرا في الأزل أليس من قدرته الخلق والإمانة وغير ذلك من صفات الفعل، وإذا كانت من صفته كيف لا يكون متصفا بها في الأزل ؟ أم معنى عدم الاتصاف بها عدم ايجادها، وإذا كان الله متصفا بالصفات الكاملة كيف لا تكون صفات الأفعال منها ؟
الجواب :
المعنى أنه سبحانه وتعالى لم يتصف بفعل ذلك في الأزل أي لم يفعله في الأزل وإنما فعله بعد ذلك، فهو تعالى أوجد الأشياء بعد عدم وأحيا وأفنى وكلف العباد وأرسل اليهم الرسل ووفق وخذل وأعطى ومنع وأثاب وعاقب، فهذه ونحوها كلها أفعال له تعالى حادثة بعد عدم ولم يكن في الأزل شيء منها والله تعالى قادر على فعلها وفعل غيرها، فالقدرة وسائر صفات الذات أزلية ثابتة له تعالى في الأزل وفيما لا نزال، وأما صفات الأفعال فهي ثابته له تعالى فيما لا يزال فقط ولا يشارك الله في الأزل شيء . والله أعلم .

قيمة الحجة بالعلم فيما لا يسعه جهله وإن جهل العالم

السؤال :
يوجد عن أبى سعيد : قلت ولا تقوم الحجة من المعبرين على الجاهل بهم كانوا ثقات أو غير ثقات، كانوا علماء أو غير علماء، قال بين لي أن يكون عليه أن يشهد كشهادة الحجة ولا يعلم كعلم الحجة إلا بعلم يؤديه هو إلى ذلك من غير لزوم الشهادة لأني ألزمته علم ذلك فأجزت له ذلك جاز له، وعليه أن لو شهدوا بغير نبي أنه نبي كان له أن يشهد كشهادتهم وإن شك فيه كان مشركا، وهذا لا يستقيم عندى والله أعلم نسأل عن معناه وكأن ما يخرج عندى مخرج الشهادة لا مخرج نقل الشريعة كان بمنزلة الشهادة، هذا من تمام كلامه أو ضح لنا .
الجواب :
هذا واضح المعنى ومراده أن الحجة لا تقوم بمن كان مجهولا فالعلماء حجة فيما يسع جهله وما لا يسع جهله، وإنما يكونون حجة في ذلك عند من عرفهم بالعلم والثقة وأنهم الموصوفون بذلك دون من جهلهم فإن من جهلهم ليس عليه أن يقبل قولهم وذلك مثل رجل يسمع بالعالم الفلاني والعالم الفلاني ولم يرهما بأعيانهما ثم رأى رجلا عبر له حقا فيما يسعه جهله وقال له إن العالم الفلانى وهو لا يعرفه فهذا لا يلزمه أن يقبل ما قاله الرجل المجهول عنده وهذا فيما يسعه جهله .
أما الذي لا يسعه جهله فعليه أن يقبله من كل معبر فهم عبارته، وقيل لا يلزمه قبول ذلك إلا من الثقات إذا كانت المسألة من مسائل العمل ويلزمه في التوحيد قول كل من عبر له الحق هذا معناه، وليس المراد أن جاهل الحجة يكون معذورا فلو شهد لعالم في المصر بالعلم والفضل وعرفه الخاص والعام، فليس لمن عرفه بذلك أن يرد عليه قوله معتلا بأنه لا يعرف كيفية ما عنده من العلم وأنه الجاهل بذلك فإن هذا ليس معذورا برده الحق على أهله وجهله الحجة بعد قيامها عليه،
ثم هناك أمران يمكن حمل كلام الشيخ عليهما : أحدهما : أن يكون العالم فيه شاهدا . والثاني : يكون فيه مفتيا، فما خرج مخرج الشهادة فالعالم أو غيره فيه سواء إنما هو في ذلك كواحد من المسلمين والذي يخرج مخرج الفتوى وهو التعبير عن الأحكام الشرعيّة يكون العالم فيه حجة على غيره فتفطن لهذا المعنى واحمل عليه آخر كلام أبى سعيد، وأما أوله فلا يظهر توجيهه إلا على المعنى السابق في أول الجواب والله أعلم .



تعارض الخبرين

السؤال :
وجدت في جامع الشيخ أبي محمد ما نصه رُوي عن النبي " أنه نهى عن اختناث الأسقية، وروى أنه خنث سقاء وشرب منه وإذا تعارض الخبران ولم يعلم الناسخ منهما من المنسوخ ولا المتقدم من المتأخر وجب اتفاقهما وكان الرجوع إلى الإباحة، وهو قوله تعالى { كلوا واشربوا }(1) انتهى أوليس ها هنا تعارض القول والفعل وكان الرجوع إلى القول كما قال البدر، وإن اختلفا فالمختار القول مطلقا خلافاً لأبي الحسين فقد اجملت عليّ عبارة الشيخ أبي محمد لقلة فهمى فضلاً منك بين لنا ذلك .
الجواب :
والله الهادى، إن كلام هذا الإمام ليس من باب بيان المجمل وإنما هو في الخبرين إذا تعارضا ولم يرجح أحدهما على الآخر وقد جهل التاريخ فيتساقطان على حسب ما صرح به هذا الإمام، والفرق بينهما إذا تعارضا في بيان مجمل وبينهما إذا تعارضا في غير بيان أن الله يحب في البيان ثبوت أحدهما إظهارا للمراد من المجمل، فلو تساقطا لبقى على إجماله فلا يظهر المراد منه والحال أنه قد احتيج للعمل به ولا يلزم ذلك في غير بيانه لأن الأصل في الأشياء الإباحة فهى مستصحبة إلا بدليل ينقل عنها ولا دليل عند المتساقط .
لا يقال إن كلام هذا الإمام في بيان كيفية الشرب من قوله تعالى : { كلوا واشربوا }(1) فيكون من ذلك الباب، لأنا نقول ليس الشرب مجملا فيبين لكنه مطلق فهو على إطلاقه حتى يصح القيد . هذا تحرير المقام فيه وبالجملة فتساقطهما مذهب له، وعندى أن الفعل لا يعارض القول سواء كان في بيان مجمل أو غيره، فمتى ما تعارض رجح القول مطلقا هذا ما ظهر لي فيه فتأمله، ولا تأخذه إلا بعدله والسلام والله
أعلم .


حصر وظائف المعترض

السؤال :
ومنه ماذا ترى في حصر علماء الآداب النظرية وظائف المعترض في ثلاثة أشياء المناقضة والنقض الإجمالى والمعارضة، أهذا الحصر عقلي أم لا ؟ فإنه قد يتصور له وظائف أُخر كبيان فساد مقدمة معينة بدليل أو تنبيه فينتقض الحصر، وما الفرق عندهم بين السند والشاهد ؟
الجواب :
ذلك الحصر استقرائي لا عقلى، ومع ذلك فهو غير منتقض بما ذكر لدخول التنبيه تحت المناقضة عند من أثبت عليه المناظرة، وكذلك فساد مقدمة معينة بدليل، كيف لا والجمهور اشترطوا التعيين في المقدمة المنقوضة .
وأما السند والشاهد فهما مترادفان عندهم وكذا المستند كما أشار إليه شارح رسالة الكلتوني، لكنه قال في الشاهد أنه أضعف استعمالاً أي من الآخرين . هذا وإذا استقريت كلامهم رأيت بينهما فرقا فإنهم يطلقون ( الشاهد ) على دليل الإبطال و( السند ) على ما بني عليه المنع سواء كان في نفس الأمر كذلك أو في زعم السائل هذا ما ظهر لي والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله والسلام والله أعلم .

الفرق بين العلة والسبب والشرط والملزوم

السؤال :
ما قولك في العلة والسبب والشرط والملزوم، هل هي مترادفة أو مشتركة أو متواطئة أو مشكلة، فإنها ربما تواردت على شيء واحد كقولهم كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا فطلوع الشمس بالظاهر يصح أن يكون سببا وعلة وشرطا وملزوماً لوجود النهار .
الجواب :
إن العلة والملزوم يتحدان في الماصدق ويختلفان في الاعتبار، كطلوع الشمس لوجود النهار فإنه إنما سمى ملزوما باعتبار لزوم غيره وعلة باعتبار تأثيره في لازمه، وقد يختلفان ذاتا واعتبارا كالدليل فإنه ملزوم للمدلول وليس بعلة له فى اصطلاحهم، فتلخّص من هذا أن بين العلة والملزوم عموما وخصوصا مطلقا فكل علة ملزوم ولا عكس .
وأما العلة والسبب والشرط فلا ترادف بينهما ولا تواطؤ ولا مشكلة ولا اشتراك، نعم إن النحاة والحكماء لا يفرقون بين العلة والسبب فهما عندهم مترادفان والفرق بينهما في الشرع من وجهين : أحدهما أن السبب ما يحصل الشيء عنده لا به، والعلة ما يحصل به . والثاني المعلول يتأثر عن علة بلا واسطة بينهما والشرط يتوقف الحكم على وجوده، والسبب إنما يفضي إلى الحكم بواسطة أو بوسائط ولذا يتراخى الحكم عنه حتى توجد الشرائط وتنتفى الموانع . وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها إذا شرط لها بل متى وجدت أوجبت معلولها بالاتفاق، وما يفضي إلى الشيء إن كان إفضاؤه داعيا سمي علة وإلا سمي سببا محضا . كله قاله أبو البقاء وهو موافق لأصول الحنفية .
وإذا تأملت أصول أصحابنا والشافعية رأيت أن بين السبب والعلة عموما وخصوصا مطلقا لأنهم لا يشترطون في العلة التأثير كما اشترطته الحنفية فكل علة عندنا سبب ولا عكس، وأما الفرق بين السبب والشرط فالسبب ما يكون وجود الشيء موقوفا عليه كالوقت للصلاة، والشرط ما يتوقف وجود الشيء عليه كالوضوء للصلاة، فطلوع الشمس علة لوجود النهار وملزوم له ولا يسمى سببا ولا شرطا إلا من حيث اللفظ فإن اللفظ في المثال المذكور شرط نحوي ومنطقى وسبب لغوي هذا ما ظهر لي وفيه زيادة تفصيل لا يليق بالمقام والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله والسلام والله أعلم .

تفصيل نسب الكليات

السؤال :
ما القسمة بين نسب الكليات أعني النسبة بين كل كليتين عينين أو نقيضين إذ بين نقيض كل وعين كل ؟ وهل لتلك القسمة حصر ؟ وما وجهها ؟ وما الفرق بين التباين الجزئي وبين التباين الكلي ؟ وما النسبة أيضا بين عينيهما وبين نقيضيهما ؟ وبين عين كل منهما ونقيض الآخر ؟ فضلا بالتقسيم التام والتفصيل الكامل مأجوراً مشكوراً .
الجواب :
أقول أمَّا قوله ما تقول في القسمة بين نسب الكليات إلى قوله إذ بين نقيض كل وعين كل فهو كلام مضطرب والسؤال المضطرب ساقط لا يجاب عنه كما قيل :

اسقط سؤالا ان أتى خمس به


تناقض أو جاء باضطرابه


إثبات أو جمع سؤالين معا


أو كونه من المحال وقعا


ثم فسره بقوله أعني النسبة إلى آخره فهو إما أن يكون تفسيرا للقسمة فيلزم عليه تفسير الشيء بمباينة، وإما أن يكون تفسيراً للنسب فيلزم عليه إدخال الأعم وهو يجمع في الأخص وهو الافراد، وكلا اللزومين باطل اللهم إلا أن يقال إنه اعتبر إضافة النسبة إلى ما بعدها فتتعدد بتعدد المضاف إليه فيكون تفسيراً للشيء بازائه، وعليه فلا أعرف هذه القسمة المطلوبة ما هي .
ثم إنه إن أراد بالكليات القضايا الكليات فتحتاج إلى بيان يدل على أنها المراد، وإن أراد به الكليات الخمس ينافيه قوله كل كليتين فإنه يقال في التثنية منها كليين لا كليتين، وكذلك قوله ( إذ ) بين عين كل ونقيض كل لأنه إما أن تكون ( إذ ) للتعليل فتحتاج إلى معلل وهو هنا غير مذكور وإما أن تكون ظرفية وبين ماض مبنى للمفعول فلا فائدة في ذكره هذا ما ظهر لي فيه بعد تأمل وقد طالما حاولت توجيهه على وجه مستقيم فنبا الجواب عليه فأبى علينا إلا الاضطراب فإن شئت له جوابا فأصلحه حتى يخرج من حيز السواقط وصرح فيه بالمقصود .
وأما قوله وهل لتلك القسمة من حصر وما وجهها فهو مبنى على ما تقدم يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، وأما قوله وما الفرق بين التباين الجزئى والتباين الكلي فجوابه أن التباين الكلي هو ما إذا نسب أحد المتباينين إلى الآخر لم يصدق على شيء ما صدق عليه الآخر أصلا كالانسان والفرس ومرجعهما إلى سالبتين كليتين، والتباين الجزئى هو ما إذا نسب أحد الشيئين إلى الآخر صدق على ما يصدق عليه في الجملة وبينهما العموم والخصوص من وجه كالحيوان الأبيض ومرجعهما إلى سالبتين جزئيتين وأما النسبة بين عينيهما إلى آخره فالله أعلم والسلام .

معنى الشريعة والحقيقة

السؤال :
ما معنى قولهم حقيقة بلا شريعة باطلة، وشريعة بلا حقيقة عاطلة تفضل بين لنا ذلك .
الجواب :
اعلم أن علوم التكليف ثلاثة : علم العقائد، وعلم الأخلاق، وعلم الأعمال، فالأول يسمى علم الكلام وتعريفه هو معرفة النفس ما لها وما عليها اعتقادا، والثاني يسمى علم الحقيقة وتعريفه هو معرفة النفس ما لها وما عليها خلقا وإنما يسمى هذا العلم علم الحقيقة لأنه يبحث عن محبطات الأعمال ومصلحاتها في المآل، ويسمى علم الأخلاق لأنه يبحث عن أخلاق النفس الذميمة كالعجب والكبر والرياء والحسد والحسنة كاخلاص العمل ، وأما الثالث فيسمى علم الفقه وتعريفه هو معرفة النفس ما لها وما عليها . ولا بد للمكلف من هذه العلوم الثلاثة فيجب عليه أن يأخذ من كل منها مقدار ما لزمه من ذلك ويندب للاستعداد لما يلزمه بعد .
وهذا معنى قولهم حقيقة بلا شريعة باطلة أي إذا تركت الأعمال الواجبة عليك فتهذيبك لنفسك بعلم الحقيقة باطل، وقولهم شريعة بلا حقيقة عاطلة أي لا حليّ لها فلا يقبلها من أهديت إليه، والمراد أن الاعمال بلا تهذيب النفس عن المحبطات غير مقبولة عند الله عز وجل .
وإنما وصف الحقيقة عند خلوها من الشريعة بالبطلان لأن فسادها ظاهر للخلق ووصف الشريعة العارية من الحقيقة بالعطالة لكون خللها مستوراً عن أعين الناس فهي حينئذ كأنها صورة تامة لكن بلا حلي فإذا أهديت إلى السيد ردها لعطالتها ولأن السيد غني لا يقبل إلا ما كان كاملاً ولو كان محتاجا لأخذ جميع ما يهدى إليه وإن زيفا . هذا ما ظهر لي والحمد لله رب العالمين والله أعلم .

معارضة القياس للخبر

السؤال :
هل يصح معارضة الحديث بالقياس فإن كانت تصح فاهدنا حيثية صحتها وإلا فما توجيه كلام الإمام صاحب الايضاح حيث قال : وقد ذكر الخلاف في أكل لحوم الجلالة وسؤرها وسبب الخلاف معارضة الحديث والقياس وذلك أنه روى عنه " أنه نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها وأن يحج عليها والقياس هو أن ما يرد في جوف الحيوان ينقلب إلى ذلك الحيوان وسائر أجزائه إلى آخره انتهى كلامه بين لنا مأجورا إن شاء الله .
الجواب :
تصح معارضة القياس للخبر الأحادي دون المتواتر والمستفيض المتلقي بالقبول، لأن كل واحد من القياس وخبر الآحاد ظني الدلالة والظني يعارض الظني فهى حيثية معارضة القياس للخبر وإذا وقعت المعارضة بينهما فهنا وقع الخلاف في ترجيح أيهما على صاحبه فرجح قوم الخبر على القياس وآخرون القياس على الخبر، وفصل قوم بين ما إذا كانت العلة مقطوعا بوجودها في الفرع وبين ما إذا كانت مظنونة الوجود فرجح القياس في الصورة الأولى وتوقفت في الثانية والله أعلم .

الأخذ بأقوال المسلمين في مسائل الرأي

السؤال :
هل يسع من لم يبصر الترجيح أن يأخذ بقول من أقوال المسلمين في مسائل الرأي مع وجود من يبصر ذلك ؟ وهل يدل قوله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }(1) على وجوب السؤال في مسائل الرأى المختلف فيها أم ذلك خاص بالدين دون الرأى ؟ وما معنى قول الأثر أن من أخذ بقول من أقوال المسلمين في مسائل الرأي فواسع له ذلك ؟ فضلا منك بين لي معاني ذلك .
الجواب :
قيل في هذا بالتشديد والترخيص والآية محتملة للمعنيين وظاهرها الإطلاق والأثر إنما جاء على طريق الترخيص . ومن المعلوم أن الآخذ بقول من أقوال المسلمين في مسائل الرأي لا يهلك إذ لو هلك الآخذ لهلك القائل لأن الهلاك لا يكون إلا في الأخذ بالباطل وهم إنما قالوا ذلك التماسا للهدى وطلب الصواب حيث عدم الدليل القاطع بأحد المعاني، لكن يجب على العامل أن لا يخالف المبصر للترجيح إذا أفتى بترجيح قول في الأمور العامة كالمعاملات والنكاح والطلاق والبيوع وأشباه ذلك لأنه أنظر للأمة وأبصر بمصالحها ومخالفته تقتضي تشتت الأمر واختلاف الكلمة وتساهل العامة بأقوال العلماء إلى غير ذلك من المفاسد والله
أعلم .


حكم الثابت بالقياس

السؤال :
هل المقيس على المسنون يكون مسنونا مثله أم لا ؟

الجواب :
ليس ما ثبت بالقياس كالذي يثبت بصريح السنة، وليس لنا أن نثبت السنن بالقياس ولكنا نتحرى في العمل موافقة الصواب، فنقول هذا يشبه هذه السنة فنعمله تحريا للحق، وهذا يشبه المنهي عنه فنتركه طلباً للسلامة وعلى هذا مضى عمل أسلافنا جزاهم الله عن الإسلام خيراً والله أعلم .

حجية الإلهام

السؤال :
قولُ أبي سعيد رحمه الله في الإلهام أنه حجة، هل مراده أنه حجة في الأمر والنهي والمحرمات والمحللات وأسماء الرسل أو لا ؟ وهل يقطع عذره إن ألهم ذلك ولم يقبله ؟
الجواب :
الله أعلم بمراده، وظاهر كلامه الإطلاق، وكأنه يعدّ ذلك علماً وكأنه لايعذر الراجع عنه، لأن الراجع راجع عن علم، لكن بشرط أن ينكشف له ذلك من قِبَل نفسه انكشافاً تاماًّ حتى يكون علمه فيه كعلم غيره من العالمين به .
وأنتَ خبير أن هذا المعنى متعذِّر، لأن طريقه السمع فلا يكون إلاَّ بنقل أو وحي، وقد انسد باب الوحي ولم يبق إلاَّ النقل، فإليه المرجع في هذا كله . وإنما ذكره أبو سعيد على طريق التصوير أَنْ لو وقع ذلك، ولا أراه يقع أصلاً . والله أعلم .
([1]) سورة النبأ، الآيتان 4 و 5

(1) سورة طه، الآية 132

([2]) سورة الدخان، الآية 4

([3]) سورة النمل، الآية 32

(1) سورة البقرة، الآية 185

(2) سورة الحج، الآية 78

(3) سورة البقرة، الآية 286

(1) سورة الاسراء، الآية 36

(2) سورة الأعراف، الآية 33

(3) سورة البقرة، الآية 168

(1) سورة النحل، الآية 116

(2) سورة النساء، الآية 83

(1) سورة الحاقة، الآية 47

(1) سورة المائدة، الآية 2

(1) سورة الجمعة، الآية 10

(2) سورة البقرة، الآية 222

(1) سورة البقرة، الآية 106

(2) سورة فصلت، الآية 42

(1) سورة البقرة، الآية 106

(1) سورة البقرة، الآية 144

(1) سورة الاسراء، الآية 36

(1) سورة النحل، الآية 44

(2) سورة البقرة، الآية 187

(1) سورة محمد، الآية 33

(1) سورة القدر، الآية 1

(2) سورة النساء، الآية 166

(3) سورة الصافات، الآيات 180 - 182

(1) سورة النجمة، الآيتان 2 و 3

(1) سورة المائدة، الآية 6

(1) سورة البقرة، الآية 60

(1) سورة البقرة، الآية 60

(1) سورة النساء، الآية 115

(1) سورة الأنعام، الآية 145

(1) سورة البقرة، الآية 280

(1) سورة المائدة، الآية 67

(1) سورة البقرة، الآية 240

(2) سورة البقرة، الآية 234

(1) سورة المائدة، الآية 2

(2) سورة الجمعة، الآية 10

(1) سورة الأحزاب، الآية 37

(1) سورة الحج، الآية 78

(2) سورة الحج، الآية 1

(3) سورة المائدة، الآية 3

(1) سورة الحج، الآية 78

(2) سورة الحج، الآية 78

(3) سورة المائدة، الآية 3

([4]) سورة الاسراء، الآية 32

(1) سورة التوبة، الآية 5

(1) سورة النحل، الآية 43

(1) سورة آل عمران، الآية 135

(2) سورة المزمل، الآية 20

(1) سورة آل عمران، الآية 7

(2) سورة النساء، الآية 7

(3) سورة النساء، الآية 11

(1) سورة البقرة، الآية 286

(2) سورة البقرة، الآية 29

(3) سورة البقرة، الآية 195

(1) سورة فاطر، الآية 28

(1) سورة الأنفال، الآية 39

(2) سورة الأنعام، الآية 12

(1) سورة الحج، الآية 78

(2) سورة البقرة، الآية 185

(1) سورة البقرة، الآية 60

(1) سورة البقرة، الآية 60

(1) سورة النحل، الآية 43

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أسوأ , الجزء , السادسفتاوى , الفقه


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
[كتاب إلكتروني] كتاب إلكتروني "جوابات الإمام السالمي" بأجزائه الستة عابر الفيافي الكتب الالكترونية والأعمال الأخرى 23 09-20-2015 12:18 PM
كتاب : الفتاوى كتاب الصلاة ج1 لسماحة الشيخ أحمد الخليلي عابر الفيافي نور الفتاوى الإسلامية 8 10-26-2011 10:29 PM
كثرة الحليب تزيد وزن الأطفال ومنزوع الدسم أسوأ جنون نور الصحة والعناية 0 02-11-2011 09:37 AM


الساعة الآن 10:38 PM.