فتاوى الصلاة للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي - الصفحة 2 - منتديات نور الاستقامة
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة
أخواني وأخواتي..ننبه وبشدة ضرورة عدم وضع أية صور نسائية أو مخلة بالآداب أو مخالفة للدين الإسلامي الحنيف,,,ولا أية مواضيع أو ملفات تحتوي على ملفات موسيقية أو أغاني أو ماشابهها.وننوه أيضاَ على أن الرسائل الخاصة مراقبة,فأي مراسلات بين الأعضاء بغرض فاسد سيتم حظر أصحابها,.ويرجى التعاون.وشكراً تنبيه هام


** " ( فعاليات المنتدى ) " **

حملة نور الاستقامة

حلقات سؤال أهل الذكر

مجلة مقتطفات

درس قريات المركزي

مجلات نور الاستقامة



الإهداءات


العودة   منتديات نور الاستقامة > الــنـــور الإسلامي > نور الفتاوى الإسلامية

نور الفتاوى الإسلامية [فتاوى إسلامية] [إعرف الحلال والحرام] [فتاوى معاصرة] [فتاوى منوعة]


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



ثانيا: أحكام صلاة العيد

س:
بالنسبة للخروج إلى صلاة العيد .. الذهاب إلى صلاة العيد مِن طريق والعودة مِن طريق آخَر، هل هذا مِن السنّة ؟


ج:
هذا ثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. كان يَخْرُج في طريق ثُم يرجع في طريق آخَر، وهذا الأمر مُحْتَمِل هل ذلك مِن السنن المقصودة للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أَو أنّ ذلك مِن الأمور التي ليست مِن السنّة وإنَّما هي مِن الأمور الـجِبِلية ؟ هذا الأمر مُحتمِل، ولكن الذي ذهب إليه أكثرهم بِأنَّ هذا مِنَ الأمور المقصودَة، ولكن ما العلّة في ذلك ؟
مِنْهُم مَن قال: إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَمر على الناس ومنهم الفقير فأحَبَّ صلوات الله وسلامه عليه أنْ يتصدَّق الناس الذين لديهم شيءٌ مِن المال على الفقراء يتَصَدَّقُون في ذهابِهم على الطائفة التي يَمرون عليها في الطريق الأول ويتصدَّقُون عند إيابِهم على الطائفة التي هي في الطريق الثانِي.
ومِنْهُم مَن قال: إنَّ ذلك مِن أجل إظهار شِعار المسلمين حتى يظهر في أكثر مِن موطن عندما يَمر النبي صلى الله عليه وسلم ومَن معه مِن الصحابة الكرام رضي الله-تبارك وتعالى-عنهم.
ومِنْهُم مَنْ قال: إنَّ ذلك مِنْ أجل أن يشْهَد له الطريقان .. يشْهَد له الطريق الأول في خروجه صلوات الله وسلامه عليه لِصلاة العيد ويشْهَد له الطريق الثاني عند رجوعه صلوات الله وسلامه عليه.
وقيل بغير ذلك.
ويُمكن أن يكون ذلك لِهذه المعاني كلها أو لبعضها، فإنه ليس هنالك نصٌّ صريح يدل على واحد مِن هذه الأمور ولكن مهما كان ينبغي عدم التفريط في ذلك عندما يكون ذلك مُمْكنا، أما إذا كان ذلك لا يُمكن لبعض الناس وذلك عندما يَخرجون على السيارات إذ إنَّه قد لا يتيسر لهم وجود طريقين يَخرجون في واحد ويرجعون في الطريق الثاني فلا بأس عليهم بمشيئة الله تبارك وتعالى، ثُمَّ إنَّنَا لو عَلِمْنا العِلَّة التي خرج منها النبي صلى الله عليه وسلم فعلى تقدير أنه أراد أنّ ذلك مِن أجل أن يَمر على الفقراء أو مِن أجل السلام على أصحابه أو ما شابه ذلك فإذا كان أحد الطريقين لا يوجد أحد فيه في بعض المناطق فإنَّه لا حاجة لِمثل ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الشِّعَار، ولكن-كما قلتُ-الأمر في هذه القضية مُحْتَمِل وليس هنالك دليل واضح فيها وإنَّما هي احتمالات، وما دام النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذلك ويُمكن أن يكون مِن أجل أن يشْهَد له كل واحد مِن الطريقين فالخير كل الخير في إتباعه صلوات الله وسلامه عليه.
هذا وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّه يُقَاسُ على هذه القضية الذهاب إلى صلاة الجمعة وعليه فعلى قولِهم ينبغي الذهاب في طريق والرجوع في طريق آخَر، وبعضُهم قاس عليه الصلوات الخمس فقال: " عندما يَخرج الإنسان الذي يريد الذهاب إلى المسجد ينبغي له أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخر "، ومنهم مَنْ طَرَدَ ذَلك في كل أعمال الخير والبِر فقال: " إذا ذهب لزيارة قريب أو عِيَادَةِ مريض أو ما شابه ذلك مِنْ أعمال الخير ينبغي له أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخر "، ولعلَّ هذا مبني على أنّ ذلك مِنْ أجل أن يشهد له الطريقان، ولكن مهما كان لا ينبغي القياس في مثل هذه القضية .. ينبغي أن نَقْتَصِرَ على ما ورد عليه النص وبعد ذلك إن شاء الإنسان أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخَر أو يرجع في الطريق الذي ذهب فيه فلا بأس فيه بالنسبة لغير العيد إلا إذا كانت هنالك مصلحة كأن يَمُر على بعض أصحابه أو ما شابه ذلك، وأما بالنسبة إلى ذهابه صلوات الله وسلامه عليه إلى مكة المكرمة حيث إنَّه دخل مِن طريق وخرج مِن طريق آخَر فعلى تقدير أنّ ذلك مِن السنن-كما ذهب إليه بعضُ أهل العلم-فذلك-أيضا-يُحْمَل على هذه القضية، وأما بالنسبة إلى رجوعه-أيضا-مِنْ عرفة في غير الطريق الذي ذهب إليه فبعضُ العلماء قال: " إنّ ذلك كان أَيْسَر عليه "، و-على كُل-لا ينبغي طَرْدُ القياس في مثل هذه القضايا حتى يَحكم الإنسان بسُنِّيَّةِ أمرٍ وهو ليس بِمَسْنُون وإنَّما يُقْتَصَر على ما ثبت به الدليل .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.


س:
هل مِن السنَّة أن يكون الذهاب إلى صلاة العيد مَشْيا ؟ وإذا كان ذلك، فماذا على مَن رَكِب ؟


ج:
نعم، السنَّة أن يَخرج الإنسان إلى صلاة العيد كما فَعَلَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-حيثُ إنَّه خرج يَمْشِي على قَدَمَيْه ولكن عندما يكون ذلك مُتَيَسِّرا أما إذا كان المكان بعيدا يَشُقّ على الإنسان أن يَخرج وهو يَمشي فلا بأس عليه بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-في الركوب، وكذلك إذا كان الإنسان ضعيفا أو مريضا أو ما شابه ذلك أو أراد أن يأخذ معه بعض نسائِهِ وأولادِه الذين يَشُقّ عليهم الذهاب وهم يَمشون أو لا يُسْتَحْسَن منهم ذلك أو ما شابه ذلك فلا بأس بِذلك بِمشيئة الله أما عندما يكون المشي مُتَيَسِّرا فلا ينبغي أن يُعْدَل إلى غيره.


س:
وماذا عن المرأة أيضا .. هل تَخرُج لِصلاة العيد ؟


ج:
نعم، هكذا ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في الحديث الصحيح الثابت عنه، فقد أَمَرَ صلوات الله وسلامه عليه النساء أن يَخرُجن لصلاة العيد حتى أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر الحُيَّض بِأن يَخرُجن إلى صلاة العيد مع أنَّهن لا يُصَلِّين في ذلك الوقت مِنْ أجْل أن يَشهَدْنَ دعوة الخير مع المسلمين وأن يُكَبِّرْنَ بتكبيرهم، فالنساء ينبغي لَهن ذلك، وقد اختلَف العلماء في هذا الخروج:
منهم مَن قال: إنه واجب. ومنهم مَن قال: إنه مستحب. ومنهم مَن قال: إنه مباح.
ومنهم مَن قال: إنه مكروه .. قالوا: " إنَّ ذلك منسوخ "، ولا دليل على النسخ أبدا .. مَن ادَّعَى النَّسْخ فعليه أن يَأتِيَ بالدليل ولا سبيل له إليه البتّة.
ومنهم مَن قال: يُستحَب في حقِّ النساء الكبيرات، ومنهم مَن قال: يباح لهنّ، وهكذا بِالنسبة إلى النساء اللاتي لم يكن فيهنّ شيءٌ مِن الجمال، أما بالنسبة إلى النساء الصغيرات ولاسيما الجميلات فهذا مِمَّا لا ينبغي.
و-على كل حال-هذا مُخَاِلفٌ لِنصّ الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالحديث فيه التَّنْصِيص على خروجِ الصِّغار، فلا أدري لِمَاذا يُؤْتَى بِمثل هذه الأقوال المخالِفة لِحديثِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالقول بِالكراهة قول لا وجهَ له، والقول بالنسخ لا دليل عليه، ولا ينبغي لأحد أن يَلْتَفِتَ إليه، وهكذا بالنسبة إلى القول بالإباحة أو بالتخصيص بكبيرات السن ومَن كان حالُه كحالِهِن، فهذه الأقوال مِمَّا لا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها بل ينبغي الأمرُ بِذلك كما أَمَرَ به النبي صلى الله عليه وسلم بِشَرْط ألاّ يَخْرُجْن بزينةٍ أو بِعطرٍ أو ما شابه ذلك والزينةُ شاملة لكل شيءٍ سواءً كانت زينة بِلُبْسِ الثياب الفاخِرة أو بِاستعمال العطور أو ما شابه ذلك .. الحاصل بِشَرْطِ ألاّ يَخْرُجْنَ مُتَزَيِّنَات، أما مَن خَرجت مُتَزَيِّنَة مُتَعَطِّرَة أو ما شابه ذلك أو في حالةٍ حَسَنَة فهذا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهي، فهو مُخَالِفٌ لِلسنّة مُخالَفةً صَارِخَة، فإما أن تَخْرُج المرأة-كما أَمَرَها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-غير مُتَزَيِّنَة ولابِسَة اللباس الشرعي المعروف الذي جاءتْ شروطُه في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وأرى الوقت لا يَسمَح لي بِذِكْر تلك الشروط جَميعا فلَعَلَّنَا نَذْكُرها بِمشيئة الله في مناسبةٍ أخرى فإنّ ذلك ليس خاصّا بالعيد بَلْ هو شامل عندما تَخْرُج المرأة مِنْ بَيْتِها وقد تلتقي بشخصٍ أجنبي منها، فإذن إذا خَرَجَتْ المرأة بلباسها الشرعي الذي يَصِحّ لَها أن تَخْرُجَ به عندما تَلتقي بِأَحَد مِن الأجانب وذلك-طبعا-مع مَحَارِمها فذلك مِمَّا يُؤْمَرُ بِه في السنَّة سواءً كانت هذه المرأة في حالةِ حيضٍ أو نفاس أو كانت طاهرة لكن إذا كانت في حالة حيض أو نفاس فإنَّها لا تَشْهَد الصلاة كما ثبت ذلك في الحديثِ عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وإنَّما تَشْهَدُ الخير ودعوةَ المسلمين وتُكَبِّر بِتَكْبِيرِهِم .. تُكَبِّر-طبعا-في نفسها وَلَيْس كالرجال الذين يَرْفَعُون أصواتَهُم؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.


س:
إذا لَم تَخرُج المرأة لِصلاة العيد، هل تُصلِّيها في بيتها ؟


ج:
الأصل أن تُصَلَّى صلاة العيد في جَماعةِ المسلمين كما ثبت ذلك عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولكن إنْ لَم تَخرج كما هو الحال عند كثير من الناس في هذا الزمان .. إن صَلَّت في بيتها ركعتين (2) فلا بأس بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-لكن الأصل أنَّ الصلاة تكون في جماعة وأقصد بالصلاة صلاة العيد.


س:
ماذا على مَن لم يصل صلاة العيد ؟


ج:
على كل حال؛ صلاة العيد-كما قلتُ هي:

1- واجبة على الأعيان، على رأي طائفة مِن أهل العلم، وهو قول قوي.

2- وبعضهم يَقول: هي مِن السنن المؤكدة.

3- ومنهم مَن يَقول: هي مِن الواجبات الكفائية.
ومهما كان لا ينبغي للإنسان أن يُفرِّط في ذلك أبدا .. القول بالوجوب العيني قول قوي جدا، و-أيضا-حتى على قول مَن يَقول بِالسنّة المؤكدة فليس للمسلم أن يُفرِّط في مثل هذه الأمور .. الرسول صلى الله عليه وسلم يَخرُج إليها ويَحثُّ أصحابَه ويَأمُر حتى النساء الـحُيَّض أن يَخرُجن إلى المصلى وإن كُنّ لا يُصلِّين ومع ذلك يُمكِن أن نُرخِّص لِلقادِر في ذلك هذا مِمّا لا يمكن أن نقول به أبدا، فعلى مَن وقع في ذلك في الماضي أن يَتوب إلى الله وأن يَرجِع إليه ؛ والله ولي التوفيق.


س:
كيف يَصنَع مَن فاتته صلاة العيد .. كأن يكون شخصٌ في المناوبة مثلا وفاتته الصلاة يومَ العيد مع الجماعة، فهل له أن يصليها منفردا فيما بعد ؟ ومتى يكون قضاؤها ؟


ج:
على كل حال؛ صلاةُ العيد وقتُها بعد وقتِ النهي المعروف وذلك بعد أن ترتفع الشمس بمقدار قيد رمح وقلنا (3) : " إنّ ذلك يُقدَّر تقريبا باثنتي عشرة دقيقة أو ربع ساعة " .. مِن هذا الوقت يَدخل وقت صلاة العيد ويَنتهي قبل الزوال بِلحظة .. هذا هو وقتها، فالأصل أن يُصلي الإنسان مع جماعة المسلمين ولكن إن كان هنالك عذرٌ لابد منه مِن مرض ونحوه أو مِن الأمور التي لا يمكن أن يَخرج فيها مثلا كبعض الناس الذين يكونون في المستشفيات وهنالك ضرورة ملحة لأن يبقى الطبيب في المستشفى:
فعلى كل حال بعضُ العلماء يَقول: إنّ الإنسان إذا لم يَخرج إلى الصلاة وجاء متأخِّرا أو تأخَّر لسبب مِن الأسباب لا يُشرع في حقِّه أن يُصلِّي صلاة العيد، وذلك لأنها تُشرَع في جماعة المسلمين وإذا لم يُصلِّها في جماعة المسلمين فلا يُشرَع في حقِّه أن يَأتِيَ بها.
ومنهم مَن قال: يُصليها كصلاة العيد .. أي ركعتين بالتكبير المعروف.
ومنهم مَن قال: يُصلِّي ركعتين عاديتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يُخيَّر بين ركعتين وبين أربع ركعات.
ومنهم مَن قال بغير ذلك مِن الأقوال.
وليس هنالك دليلٌ صريح في هذه القضية، فإذا صلى ركعتين وكَبَّر فيهما فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى.


الهامش :

1- عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
2- وفي ذلك تفصيل ذَكَرَه الشيخ عند جوابه على السؤال 9.
3 - - عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( يوافقه 9 نوفمبر 2004م )..

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 12 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



(سابعا : أحكام السنن والنوافل)

س:
الناس-ربما-مسألة السنن يتهاونون فيها ويَظنون أنّ مرتبتها صغيرة جدا لا تَرقى إلى أن يُحافِظ عليها الإنسان، ما هي قيمة السنن في الإسلام ؟

ج:
إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مع أنه قد غَفَر الله-تبارك وتعالى-له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر كان يُحافِظ أشدَّ المحافظة على السّنن في ليله ونهاره، وقد أمر صلوات الله وسلامه عليه بذلك وحثّ عليه، وبيّن فضْل ذلك وعلوّ منزلته في كثير مِن الأحاديث الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه التي جاءت عن طائفة كبيرة مِن صحابته رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
فقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ( مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل مِمّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يَتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني ...(1) إلى آخر الحديث، وهو وإن كان قد تكلم فيه بعض العلماء إلا أنه قد جاء مِن طرق أخرى يَشدّ بعضها بعضا فيَرتقي بذلك الحديث إلى درجة القَبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث.وقد سأل رجل مِن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرافِقه في الجنة فقال له صلوات الله وسلامه عليه: ( أَعِنِّي على ذلك بِكثرة السجود ). وحثّ أحدَ صحابته وهو ثوبان-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-بكثرة السجود وبيّن له صلوات ...(2) سجدةً إلا رَفع الله له بها درجة وحطّ عنه بها سيئة. وهكذا شأن النفل، فإنّ الله يَرفَع به الدرجات ويَحطُّ به السيئات، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا أرى حاجة بالإطالة بذكرها. وقد جاء في بعض الأحاديث أنّ النفل يُتَمَّمُ به الفرض فإن كان هنالك نَقص وقع في بعض الفرائض فإنّ الله يُتمّها يوم القيامة بالنفل. فلا ينبغي لأحد أن يتهاون بالنوافل، ولاسيما تلك التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد سُئل بعض العلماء عمّن تهاون بالنوافل الراتبة المؤكَّدة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هو رجل سوء " وبيّن بأنه لا يَقبَل له شهادة، وسُئل بعض العلماء-أيضا-عمّن يَتهاون بالسنن المؤكَّدة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه أنّ الله-تبارك وتعالى-أعلم به وهو مات يوم مات متهاونا بهذه السنن المؤكَّدة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وأنه يُخشى عليه مِن ذلك، أو ما شابه هذا المعنى (3). فينبغي للإنسان-إذن-أن يُحافِظ على تلك السنن الراتبة ويُحافِظ على تلك السنن التي كان يُحافِظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه-كما قلتُ قد غَفَر الله له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر، بنصّ كتاب الله-تبارك وتعالى-وبنصّ سنّة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الثابتة ثبوتا لا شك فيه. وهذه السنن كثيرة ومتعدِّدة مبثوثة في كتب السنن.
وينبغي للإنسان أن يُحافِظ عليها على حسب ما كان يُحافِظ عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. هكذا ينبغي في السنن بل حتى في الواجبات .. ينبغي للإنسان أن يأتي بها على حسب ما كان يأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم .. يأتي بالواجبات وبالسنن على حسب ما كان يأتي بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. يراعيها مِن حيث السبب، ويراعيها مِن حيث الجنس، ويراعيها مِن حيث العدد، ويراعيها مِن حيث النوع، ويراعيها مِن حيث الزمان، ويراعيها مِن حيث المكان .. يراعي هذه الأمور جميعا، فيأتي بعباداته على حسب ما كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يأتي بها عليه في الأمور التي ذكرناها جميعا، وهي تحتاج إلى تفصيل طويل، فلعل الله-تبارك وتعالى-يَمنُّ علينا بأن نتكلم على هذه الأمور الستة بكلام أطول مِمّا هنا ونضرب على ذلك بعض الأمثلة التي يَتَّضِح بها المقام؛ والله-تبارك وتعالى-المستعان.


س:
نودّ منكم تعريفا للسنن المؤكدة .. ما هي السنن المؤكدة (4) ؟

ج:
السنن منها ما هو مؤكَّد، ومنها ما هو راتب، ومنها ما هو نفل مطلَق.
أما السنن المؤكَّدة-وأتكلم الآن على السنن في باب الصلاة-فهي التي كانت يأتي بها النبي e في حضره وفي سفره ولم يَثبت عنه أنه تركها ولا مرة واحدة في حياته.
وذلك كمثل صلاة سنّة الفجر، فإنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَتركها لا في حضر ولا في سفر، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه عندما نام هو وصحابته الكرام-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-وقاموا بعد طلـوع الشمس أتى بسنّة الفجر ثم أتى بالفريضة.
وهكذا بالنسبة إلى الوتر، فإنه لم يَثبت عنه أنه تَركها البتّة.
حتى أنّ بعض العلماء قال بوجوب الوتر، ومنهم مَن قال-أيضا-بوجوب سنّة الفجر.
ولكنّ القول الصحيح في الوتر بأنه سنّة مؤكَّدة، لا يَصل إلى مرتبة الوجوب.
أما بالنسبة إلى سنّة الفجر فقد نُسِب إلى الحسن البصري بأنه قال بوجوبها وكذلك جاء عن الحسن بن زياد أنّ الإمام أبا حنيفة يقول بوجوب ذلك وأنا أشكّ في ذلك كثيرا، أما بالنسبة إلى الإمام أبي حنيفة فإنّ الأكثرية الكاثِرة مِن أصحابه يَنسِبون إليه القول بأنها سنّة وليست بواجبة .. هذا هو الثابت عنه، أما بالنسبة إلى الحسن البصري فإنه لا يُريد بالوجوب هاهنا الواجب الذي يُرادِف الفرض، وإنما يُريد بذلك شِدّة التأكيد، وهذا يَرِدُ كثيرا في بعض الأدلة وفي كلام بعض السلف .. يعبِّرون بالواجب ولا يُريدون بالواجب الواجب الذي هو يُرادِف الفرض، وكما أنهم يعبِّرون بالسنّة ولا يريدون السنّة المعروفة عند الفقهاء، وإنما يريدون بأنّ ذلك ثابت بِالسنّة، أو ما هو مشابِه لذلك، فالصحيح عن الحسن البصري بِأنه يَقول: " إنّ سنّة الفجر سنّة " ولا يَقول بِوجوبِها .. هذا الذي ثبت عنه، وإنما عبّر بِالواجب وهو لا يريد بِذلك الوجوب المعروف. ونحن علينا أن نتدبر عندما نَجد شيئا مِن المصطلحات الحادِثة .. عندما نَجد هذه المصطلحات موجودة في كتاب الله أو في سنّة رسوله أو في كلام بعض السلف مِن الصحابة والتابعين .. أقول: علينا أن نتدبّر جيدا وألاّ نَحمِل تلك الآيات أو تلك الأحاديث أو ذلك الكلام المروي عن السلف على حسب هذه المصطلحات التي اصطلح عليها الفقهاء أو علماء الأصول، وذلك لأنّ هذه اصطلاحات متأخِّرة ولأولئك القوم اصطلاحات أخرى، و-كما قلتُ-حتى في الكتاب العزيز وفي السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما يُبيِّن ذلك بيانا واضحا بأنه لا يُراد بذلك هذه المصطلحات، فالله يقول: { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ ...} [ سورة البقرة، من الآية: 200 ] فهل يُراد بالقضاء هاهنا الإتيان بالعبادة بعد انتهاء وقتها كما هو المقرر عند الأصوليين ؟! وكذلك: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ...} [ سورة الجمعة، من الآية: 10 ] .. هل يُراد القضاء هاهنا القضاء الذي هو بمعنى فِعل العبادة بعد خروج وقتها المحدَّد لها شرعا ؟! كلاّ .. لا يُراد ذلك بهذا، وكذلك جاء في بعض الروايات: ( إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) وفي بعض الروايات: ( فأَتِمُّوا ) وقد احتج بعض العلماء بالإتمام على معنى واحتج بعضهم على معنى-كما هو المعروف في كتب الفقه-ولا ينبغي الاحتجاج بمثل ذلك .. على أنني أقول أنّ الحديث قد جاء بلفظ واحد واللفظ الثاني مروي بالمعنى، وهكذا في كثير مِن الأحاديث التي تأتي بألفاظ مختلِفة لا يُمكِن أن نَحتَج بها على عِدّة أحكام مع أنّ القضية واحدة .. نعم إذا اختلفت القضايا فيُمكِن ذلك إذا لم يُمكِن الجمع بينها .. فهذه أمور لابد مِن أن تُتَدبّر، وكذلك ما جاء عن السيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها: " سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفِطْر " لا تُريد بذلك أنها سنّة ويمكن أن نحتجّ بذلك ونقول: " جاء في بعض الروايات التصريح بالوجوب وفي بعضها جاء التصريح بالسنّة فإذن الأحاديث هاهنا متعارِضة منهم مَن يقول بالنسخ ومنهم مَن يُرجِّح "، إلى غير ذلك .. كلاّ، بل معنى ذلك أنها ثبتت بالسنّة وإن كانت هي واجبة في حقيقة ذاتها، إلى غير ذلك مِِِِِِِن الأمثلة الكثيرة جدا جدا التي ينبغي التنبه لها، فإذن هكذا .. عندما نَجد في كلام السلف-أيضا-الحكم بوجوب أمر والظاهِر أنّ ذلك مخالِف للسنّة الصحيحة لا ينبغي أن نَتسرّع ونَنسب إليهم المخالَفة للسنّة الصحيحة الثابتة ما أمكن أن نَحمِل ألفاظَهم على حسب ما تدل عليه تلك الأدلة. فهاهنا الأدلة واضحة تدل بأنّ هذه سنّة، ففي حديث السيدة أم حبيبة بيَّنَت بأنها مِن السنن، وهكذا في حديث السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وجاء ذلك عنها مِن أكثر مِن رواية تدل دلالة صريحة بِأنّ هذه مِن السنن وليستْ مِن الواجبات. وهكذا نَجد في كلام كثير مِن السلف الحكم بكراهة بعض الأمور مع أنّ تلك الأمور محرَّمة بنصوص واضحة جلية فهم لا يُريدون بالكراهة هاهنا الكراهة المعروفة عند الفقهاء والأصوليين، وإنما يريدون بالكراهة التحريم، إلى غير ذلك مِن المعاني التي لا يتّسع المقام لذكرها الآن كما أنه لا يتّسع لذكر الأدلة التي تدل على ما ذكرناه، وعسى أن نبيِّن ذلك في مناسبة أخرى، فالمقام يقتضي ذلك، لكثرة وقوع الخطإ في هذه المسألة مِن بعض العلماء فضلا عن غيرهم.
كما أنه عند نسبة الأقوال إلى بعض العلماء السابقين مِن الصحابة والتابعين الذين لا تُوجَد لهم مؤلفات ينبغي أن نَنظُر أوّلا وقبل كل شيء في صحّة تلك الروايات التي رُويت عن أولئك الصحابة والتابعين، فإننا نَجد كثيرا في كتب الخلاف(5) أنّ كثيرا مِن أهل العلم يَروون بعض الروايات عن بعض الصحابة أو التابعين مِن غير أن يُمحِّصوا تلك الروايات هل تلك النسبة صحيحة أو ليست بصحيحة، وهذا موجود في كتب التفسير وفي كتب الفقه، إلى غير ذلك، مع أنّ طائفة كبيرة مِن تلك الأقوال التي تُنسَب إلى أولئك الصحابة الكرام وإلى أولئك التابعين لا تَثبت عنهم، فلابد مِن معرفة الثابت عنهم، فقد كُذب عليهم، وجاء عن بعضِهم بعضُ الروايات مِن طرق لا تقوم بها الحجّة لضعف رجالها أو لتدليسهم، إلى غير ذلك مِمّا لا تقوم به الحجّة، فينبغي التَّنبُّه لذلك، وألاّ نَنسب إلى الصحابة أو غيرهم إلا ما ثبت عنهم، وعند مَن لا يستطيع ذلك إما أن يُعرِض عن ذلك على الإطلاق، وإما أن يُبيِّن ذلك بطريقة يَظهَر منها بأنه لم يَتثبَّت مِن ذلك وإنما ذَكَرَهُ على حسب ما نُسِب إليهم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
أنتم تحدثتم عن سنّة الفجر وأنها مؤكَّدَة والبعض ذهب إلى أنها واجبة .. الآن بالنسبة لسنّة الفجر، ما حكم صلاة سنّة الفجر أثناء صلاة الإمام الفريضة ؟

ج:
نعم سنّة الفجر سنّة مؤكَّدة، للأحاديث الكثيرة التي دلّت على ذلك، وقد جاء في فضْلها-أيضا-الكثير الطيب مِن سنّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يُفرِّط فيها بحال مِن الأحوال، ويكفي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: ( سنّةُ الفجر خير مِن الدنيا وما فيها ) .. هكذا ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا مِن الفضْل ما لا يَخفى على مَن أراد الفضْل. فسنّة الفجر تُشرَع بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فإنها تُشرع في ذلك الوقت .. هذا هو الوقت الذي كان يَفعلها فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما مَن قال بأنها تُشرَع قبل ذلك فلا دليل له، بل هو مصادِم للدليل أيَّما مصادَمة، فلا ينبغي لأحد أن يَأخذ بذلك .. نعم مَن أخذ بذلك في الماضي فليستغفر ربه ولا شيء عليه، أما بالنسبة إلى المستقبل فلا ينبغي لأحد أن يَأخذ بذلك مع مصادَمة ذلك-كما قلتُ-للسنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثُبُوتا لا شك فيه. وسنّة الفجر كان يُصليها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وكان يَختصِر فيها القراءة حتى أنّ السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-كانت تشكّ هل أتى بالفاتحة فيها أو لا، ومِن هنا قد اختلف العلماء هل يُشرَع للإنسان أن يَقرَأ فيها أو أنه لا تُشرَع فيها القراءة ؟

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 13 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



1 - فمنهم مَن قال: إنّه يُصليها ولا يُشرَع له فيها القراءة، وهو قول مِن الضعف بمكان.

2- وبعضهم قال: يُشرَع أن يأتي فيها بالفاتحة فقط، وهو-أيضا-مصادِم للدليل، كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى.

3- ومنهم مَن قال: إنه يُشرَع للإنسان أن يَقرأ فيها الفاتحة ويَقرأ فيها شيئا مِن السور القصيرة أو مِن الآيات القصيرة، وهذا هو الصحيح الثابت، فقد كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يأتي فيها بسورة الكافرون في الركعة الأولى وبسورة الإخلاص في الركعة الثانية .. هذا في بعض الأحوال، وكان يأتي في بعض الأحيان بقول الله تبارك وتعالى: { قُولُوا آمَنَّا ..ْ} (6) .. بالآية [ 136 ] التي في سورة البقرة، وفي الركعة الثانية كان يأتي بالآية الثانية والخمسين(7) في بعض الروايات(8) وفي بعض الروايات بالآية الرابعة والستين(9) مِن سورة آل عمران(10).. كان هكذا صلوات الله وسلامه عليه يَختصر القراءة.

4- وذهب بعض أهل العلم أنه يأتي فيها بسورة أو بآية ولا يأتي بفاتحة الكتاب.
فهذه أربعة أقوال، أصحّها أنه يأتي بفاتحة الكتاب وبسورة أو آية قصيرة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما السورة فأمرها واضح بما ذكرناه مِن السور التي كان يأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بالنسبة إلى الفاتحة فذلك واضح مِن حديث: ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )، وهو صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وبِحديث: ( كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج )، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهي داخلة في ضِمن بقية الصلوات التي دلّ هذان الحديثان وغيرهما مِن الأحاديث الكثيرة الدالة على مشروعية قراءة الفاتحة فيها.
وبقية الأقوال لا دليل عليها، ولعل الذين قالوا يأتي بسورة قصيرة أو بآية قصيرة أخذوا ذلك مما ذكرتُه عن السيدة عائشة فقالوا إذا كانت تشكّ هل أتى بفاتحة الكتاب فإنه إذا أتى بهذه السورة معنى ذلك أنه كان يَقتصِر عليها إذْ إنه إذا كانت تشكّ في الفاتحة فكيف يمكن أن يأتي بالفاتحة وبسورة أو آية بعدها، ولكننا نَحمِل قول السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-على المبالَغة في الاختصار في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصلاة.
هذا وقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يُطيل القراءة فيها ولو قرأ في كل سورة بِجزء كامل، وهو قول ضعيف مصادِم للحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قلتُ سابقا: إنه ينبغي للإنسان أن يُطبِّق السنّة على حسب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في كِمّيَتها وكيفيتها وعددها إلى غير ذلك مما ذكرتُه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يَختصِر القراءة في هذه الصلاة-على حسب ما ذَكَرَتْه السيدة عائشة، الثابت عنها بالإسناد الصحيح-فكيف ينبغي أن نقول: " إنه ينبغي للإنسان أن يُطيل القراءة "، مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان تارة يَتحدَّث مع السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-إذا كانت قائمة بعد الصلاة وتارة يَضطَجع على يَمينه، كما ثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، فالوقت واسع للقراءة ومع ذلك كان يَختصِر القراءة في هذه الصلاة، فينبغي للإنسان أن يُطبّق السنّة، فالخير كل الخير والفضْل كل الفضْل في متابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الإطالة فلها وقت آخر، وقد أحسن الإمام الخليلي-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-عندما سُئِل عن مسألة عن الراجح مِن الأقوال فيها فبيَّن رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه السنّة ثم قال: " وفيها الفضْل لِمَن أراد الفضْل "، فالفضْل في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في الاختصار في هذه الصلاة؛ والله أعلم.
أما بالنسبة إلى صلاتِها في أثناء صلاة الإمام فهذه المسألة اختلف العلماء فيها، وتحت هذه القضية مسألتان:
الأولى: أن يكون الإنسان قد شَرَع في هذه الصلاة ثم أُقيمت الجماعة .. هنا اختلف العلماء:

1- منهم مَن قال: إنه يُواصِل الصلاة إلا إذا خاف أن تَفُوتَه صلاة الإمام.

2- ومنهم مَن قال: إنه يَقطَع الصلاة .. يُسلِّم ويَدخُل مع الإمام.

3- ومنهم مَن قال: إنّ صلاته تَبطُل ولو لم يَقطَعها بل لا حاجة إلى قَطعِها.

4- ومنهم مَن قال: إن كان يَعرِف أنه سيُدرِك الركعة الأولى .. سيُدرِك الركوع مِن الركعة الأولى فإنه يُواصِل صلاته، أما إذا كان لا يُدرِك ذلك فلا، وذلك لحديث: ( مَن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ).

5- ومنهم مَن قال: إذا كان قد صلى ركعة واحدة فإنه يُكمِل الركعة الثانية، أما إذا كان لم يُصلِّ ركعة-وذلك يُقيَّد بالركوع-فإنه يَقطَع تلك الصلاة ويَدخل مع الإمام.
و-على كل حال- النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، فإذا أقيمت الصلاة فينبغي للإنسان أن يَدخُل مع الجماعة وبعد ذلك يَقضي هذه الصلاة بمشيئة الله تبارك وتعالى.
أما إذا كان لم يَدخُل في الصلاة مِن قبل ووَجد الجماعة تُصلِّي فاختلفوا:

1- منهم مَن قال: يُمنَع مِن صلاة السنّة في هذا الوقت بل عليه أن يَدخُل مع الجماعة ولا يَجوز له أن يُصلي السنّة.

2-ومنهم مَن قال: يُكرَه له ذلك ولكن إذا صَلاها فتُعتبَر صحيحة.

3- ومنهم مَن قال: له أن يُصلِّيَها إذا كان خارج المسجد أو في موضعٍ لا تَصِحُّ صلاتُه فيه مع الإمام، ومنهم مَن قَيَّد ذلك بِما إذا كان ذلك خارج المسجد.

4- ومنهم مَن قال: إذا كان يُمكِن أن يُدرِك الإمام في الركعة الأولى فله أن يُصلي، أما إذا كان لا يُمكِنه ذلك فلا.

5- ومنهم مَن قال: إنه إن كان سيُدرِك الركوع مِن الركعة الثانية فله أن يَدخُل، وإلا فلا.

6- ومنهم مَن قال: ليس له أن يُصلي مع الجماعة بل عليه أن يُصلِّي أوّلا السنّة فإن خاف أن يَفُوتَه الوقت-أي أن يَفُوتَه وقتُ صلاة الفجر-ففي هذه الحالة يُصلي الفريضة، أما إذا أَمكَنَه أن يُصلي السنّة فليَشتغِل بالسنّة ولو فاتته الجماعة.
والصحيح-ما ذكرناه سابقا، وهو-أنه عليه أن يَدخُل مع الإمام لحديث: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) .. هذا هو الصحيح عندنا، وإذا ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما قلنا أكثر مِن مرة-فلا ينبغي لأحد أن يَقول بِخلاف ما ثبت به الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه.
أما بالنسبة إلى قضاء السنّة بعد الفريضة أو بعد طلوع الشمس ففيه كلام، ولعله لم يَرِد في السؤال فلا أتعرض له الآن(11).


س:
ما هي السّنن الراتِبة ؟


ج:
قد تكلمنا بالأمس(12) على بعض السّنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن قوله وفعله صلوات الله وسلامه عليه، وبيّنَا (13) أنّ مِن السّنن المؤكَّدة سنّة الفجر وسنّة الوتر، وهنالك-أيضا-سنن مؤكَّدة أخرى، ولكنّها ليست مقيَّدة باليوم والليلة، وإنما تُفعَل لبعض الأسباب .. عندما توجد تلك الأسباب فإنه يُؤتى بها، وليس كلامنا في ذلك في هذا الوقت(14).
أمّا بالنسبة إلى السّنن الراتبة فهي السّنن التي كان يُواظِب عليها النبي صلى الله عليه وسلم في حضره، بِخلاف المؤكَّدة فإنه كان يُواظِب عليها في السفر والحضر.
و-قد قُلت(15): إنّ-النبي صلى الله عليه وسلم لم يَترك سنّة الفجر والوتر لا في سفره ولا حضره.
أمّا ما يُؤخذ مِن بعضِ الروايات أنه لم يُصلِّ الوتر في ليلة جَمْع فإنه لم يُصلِّها في ذلك الوقت، والظاهر أنه صلاها بعد ذلك، أخذا مِن الأحاديث الأخرى التي صَرَّحت بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُواظِب على الوتر في أسفاره صلوات الله وسلامه عليه، وإذا وجدنا أدلة في ظاهرها شيء مِن التعارض فإنه ينبغي أن نَجمَع بيْن شَمل تلك الأدلة ونأخذ بِما اجتمَعَتْ عليه .. هذا إذا أَمكَن ذلك، وهذا مُمكِن-بحمد الله-في هذه القضية، وللإطالة في ذلك موضع آخر.
أما بالنسبة إلى السّنن الرواتب فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُواظِب عليها في حضره، وقد أمر بها أيضا، كما جاء ذلك في حديث السيدة أم حبيبة أم المؤمنين-رضي الله تبارك وتعالى عنها-الذي ذكرَتْ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَن حافظ على اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بُني له بيت في الجنة ) وفي بعض الألفاظ: ( بنى الله له بيتا في الجنة )، والحديث صحيح، رواه مسلم، وطائفة كبيرة مِن أئمة الحديث، لا أرى داعيا لذكرهم في هذا الوقت، وقد جاءت المواظَبة على هذه السّنن-أيضا-في حديث السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، رَوَتْه جماعة كبيرة مِن أئمة الحديث، وكذلك جاء ذلك عن البراء بن عازب في بعضها، وجاء في بعضها-أيضا-عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-على اختلاف يسير في عَدَد بعض الركعات.
سنّة الفجر هي ركعتان، و-كما قلتُ هي مِن السّنن المؤكَّدة.
أما السّنن الراتبة التي هي قبل الفرائض وبعد الفرائض:
فمنها السنّة القَبْليَّة التي هي قبل فريضة الظهر، وقد اختلفتْ الأحاديث .. منها ما جاء أنّها أربع ركعات، ومنها ما جاء أنّها ركعتان، فقد جاء عن السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي أربعا، وكذلك جاء في حديث السيّدة أم حبيبة-رضي الله تعالى عنها-وهو حديث قولي أنّه ذَكَرَ منها أربعا قبل الظهر، وجاء في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله تعالى عنهما-وهما حديثان صحيحان أنه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي ركعتين قبل الظهر، وهنالك أحاديث أخرى منها ما يدّل على هذا ومنها على ذاك، ولكنّ الصحيح منها ما ذكرناه، وقد اختلفت كلمة أهل العلم في الجمع بين الرواية التي فيها الأربع والرواية التي فيها الركعتان:

1-فمِن العلماء مَن قال: إنّ السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-حكت ما شاهدَتْه وحكى ابن عمر و-كذا-أبو سعيد-رضي الله عنهما-ما شاهداه، وهذا ليس بقول مستقل في حقيقة الواقع، إذ إنّه يَرجع إلى بعض الأقوال الآتية بمشيئة الله تبارك وتعالى.

2- ومنهم مَن قال: إنّ ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-قد نسي الركعتين الأُخْرَيَيْن، وحَفِظَتْ ذلك السيّدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وليس بِعجَبٍ أن يَنسى بعض الصحابة بعض السّنن التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك أمثلة متعدِّدة لا أرى داعيا لإيرادها الآن ولكنّ هذا-في حقيقة الواقع-خلافُ الأصل لا يُصَار إليه إلاّ إذا لم يُمكِن أن يُحمَل الحديث على ما رُوي عن ذلك الصحابي، على أنّ ابن عمر-كما قلتُ لم يتفرّد بذلك، فقد رواه أبو سعيد عند الإمام الربيع رحمه الله تبارك وتعالى(16).

3- ومنهم مَن قال: إنّ مَن حكى الأربع-وهي السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وحكى ذلك أيضا غيرها مِن الصحابة-فحكى ما كان يَفعله النبي صلى الله عليه وسلم في البيت، بينما حكى مَن حكى أنّه كان يُصلي ركعتين ما كان يَفعله في المسجد، فقد كان يُصلي في البيت أربعا وكان يصلي في المسجد ركعتين.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 14 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً




4 - ومنهم مَن قال: إنّه كان يُصلي ركعتين في البيت وكان يصلي ركعتين في المسجد، فمَن حكى الأربع فقد قامت لديه الحجة بالركعتين اللتين كان يُصليهما في المسجد وما شاهده في البيت أو بما شاهده في المسجد وما علم به مِن طريق آخر أنه كان يُصليه في البيت، أما مَن حكى ما شاهده في المسجد فحكى الركعتين اللتين شاهدهما ولم يَعلم بالركعتين اللتين صلاهما في البيت.

5- ومنهم مَن قال: كان يُصلي تارة أربعا-وهو الأغلب-وكان تارة يُصلي ركعتين.

6- ومنهم مَن قال: كان يُصلي أربعا ويُصلي ركعتين تحية المسجد، فالسنّة القَبْليَّة هي الأربع، أما الركعتان فهما تحية المسجد.

7- ومنهم مَن قال: إنّ الأربع هي-في حقيقة الواقع-الصلاة التي بعد زوال الشمس، أما السنّة القَبْليَّة فهي السنّة التي حكاها ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما.
وهذه الأقوال يَحتاج أَنْ نَبسُط عليها الأدلة وأن نَذكُر ما لها وما عليها، ولكنّ المقام لا يَكفي لذلك.
وأرى أنّ الإنسان إذا كان يَتمكّن مِن الأربع فلا ينبغي له أن يُفرِّط في الأربع، لأنّ ذلك ثابت لا شك فيه عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإذا دخل المسجد إذا كان قد صلى الأربع في البيت فإنه يُصلي ركعتين تحية المسجد، أما إذا لم يكن هنالك متّسعٌ مِن الوقت في أن يأتي بالأربع فإنه يُصلي ركعتين ويُجزيه ذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى(17).
أما بالنسبة إلى السنّة البَعْدِيَة بعد الظهر فقد ثبت مِن طريق السيّدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-ومِن طريق ابن عمر وعن طائفة-أيضا- كبيرة مِن الصحابة أنه كان يُصلي ركعتين، وكذلك جاء في الحديث القولي عن أم حبيبة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وهو حديث صحيح ثابت.
وقد جاء مِن طريق أم حبيبة-أيضا-ذِكْرُ الأربع وهو حديث قولي ولكن في صحّة ذلك-وإن صحّحته طائفة مِن أهل العلم-نَظرٌ عندي، فأخشى أن تكون هذه الرواية شاذّة مِن حيث المتن وإن كان إسنادها نظيفا.
فالذي نستطيع أن نَجزم به هو الركعتان.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الركعتين مِن السّنن الراتبة، وأما ما عدا ذلك فمِن التنفّل الذي فيه خير كثير وإن لم يكن مِن السنّة الراتبة.
ولا شك بأنّ الإنسان لا يُمنع مِن الزيادة على الركعتين، إذ لا دليل هنالك على المنع، وإنما نَحكي ما كان يَفعله النبي صلى الله عليه وسلم وما حثّ عليه، أما أن يَزيد الإنسان على ذلك مِن غير أن يَحمِل ذلك على أنّه مِن الرواتب التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أو كان يَفعلها فذلك مِمّا لا إشكال فيه إن لم يكن ذلك الوقت مِن الأوقات التي يُنهى عن الصلاة فيها ولا نهي عن الصلاة في هذا الوقت.
وأما بالنسبة إلى العصر فذهب بعض أهل العلم إلى القول بالسنّة القَبْليَّة، وقد جاءت في ذلك روايات متعدِّدة تُنسَب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقواها ما جاء مِن طريق علي بن أبي طالب ومِن طريق ابن عمر، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن طريق ميمونة أم المؤمنين، وجاء-كذلك-مِن طريق أم حبيبة، وجاء ذلك-أيضا-مِن غير هذه الطرق ولكنّ هذا الحديث لا أرى أنّه يَبلغ إلى مرتبة الحُجِّيَة، وإن كانت طائفة مِن أهل العلم قد قَوَّت رواية ابن عمر ورواية علي(18)، ولكنّهما في نَقْدِي لا يَثبتان حتى بِمجموع الطريقين، ولتفصيل ذلك موضِع آخَر بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
وأمّا بعد العصر فإنه قد جاءت رواية، ولكنّ تلك الرواية لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
على أنّ هذا الوقت-في حقيقة الواقع-مِمّا يُنهى عن الصلاة فيه(19).
وإن كانتْ طائفة مِن أهل العلم لا ترى النهي، منهم مَن ذهب إلى أنّ ذلك منسوخ، إلى غير ذلك، مِمّا لا داعي للكلام عليه في هذا الوقت فيما أحسب(20).
والحاصِل أنّه ليست هنالك سنّة قبل العصر ولا بعد العصر.
إلا أنّ العلماء قد اختلفوا في المسألة:
منهم مَن قال بِالسنّة القَبْليَّة.
ومنهم مَن قال: لا بأس مِن التنفّل قبل العصر.
ومنهم مَن لا يَرى ذلك.
ونقول: إنّه لا بأس مِن التنفّل ولكنه ليس بِسنّة قَبْليَّة، وإنما هو مِن مطلَق النّفل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( بيْن كل أذانين صلاة )، فهذا حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمَن شاء أن يُصلي في هذا الوقت فليُصلّ أمّا الحكم بأنّ ذلك مِن السّنن القَبْليَّة التي واظَب عليها النبي صلى الله عليه وسلم أو حثّ عليها فذلك مِمّا لم يَثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والقول-أيضا-بكراهة ذلك أو أنّه لا ينبغي أو ما شابه ذلك فإنه لا دليل عليه.
والاستدلال بِأنه إذا دخل الوقت فيُنهى عن الصلاة إلاّ عن صلاة العصر إلى أن تَغرب الشمس لا دليل عليه، إذ إنّ النهي يكون بعد صلاة العصر، لا بعد دخول وقت العصر.
فإذن الصلاة مِمّا لا مانع منها وهي داخلة في هذا الوقت، فإذا أراد الإنسان أن يُصلي فليُصلّ وإذا أراد أن يَدعُوَ ففي الدعاء بين الأذان والإقامة خير كثير، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد حَمَل بعض أهل العلم حديث: ( بين كل أذانين صلاة ) على مَحمَل آخر ولكنه مِن البعد بمكان، فلا أرى إيرادَه في هذا الوقت.
وأما بالنسبة إلى صلاة المغرب فقد ثبتت السنّة البَعْدِيَة عن النبي صلى الله عليه وسلم .. ثبتت مِن قوله وفعله، فثَبَتت في حديث السيّدة أم حبيبة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وهي ركعتان، وثبتت-أيضا-مِن طريق السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ومِن طريق ابن عمر رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّها تأتي في المرتبة الثالثة بعد الوتر وبعد سنّة الفجر.
وذهب بعضهم إلى أنه لا فرق بين السّنن الراتبة في التفضيل فيُفَضَّل الوتر ثم سنّة الفجر وبعد ذلك هي سواء في التفضيل.
ومنهم مَن فضَّل سنّة المغرب.
ومنهم مَن فضَّل سنّة الظهر.
ومنهم مَن فضَّل سنّة الظهر القَبْليَّة على البَعْدِيَة.
والاحتجاج لكل فريق وما له وما عليه يَطول.
وأقول: إنّ الإنسان لا يَنبغي له أن يُفرِّط في هذه السّنن التي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فِعْلُها مع أنّه قد غُفِرَ له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر، ومع حثّه عليها وبيان المزية العظيمة لها، وكفى بأنّ ذلك مِن الأسباب المُوصِلة إلى الجنة لِمَن حافَظ عليها وهو الفوز الذي يسعى إليه السّاعون ويتنافس فيه المتنافسون.
وقد جاء هنالك حديث يدلّ على مشروعية الستّ بعد المغرب وهو لا يَثبت بل هو موضوع.
وكذلك ما جاء مِن مشروعية الاثنتي عشرة قبل الظهر أو الستّ فإنّ ذلك مِمّا لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فنحن نذكر الثابت والذي لم يَثبت، أمّا مَن شاء أن يَزيد فذلك له أمر آخَر، ولكنني أقول:
بالنسبة إلى السنّة القَبْليَّة قبل الظهر فالإنسان ينبغي له أن يَكتفي بِما اكتفى به النبي صلى الله عليه وسلم ثم يَشتغِل بالذكر والدعاء حتى يَنَال ذلك الفضل الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بين الأذانين.
وبالنسبة إلى العِشاء فإنّه ليس هنالك سنّة قَبْليَّة وإنما هنالك محض التنفّل الذي أشرنا عليه، فالحال فيها كالحال في صلاة العصر.
وأما بعد صلاة العِشاء فإنّه قد ثبتتْ ركعتان عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، فهي مِن السّنن الراتبة التي لا يَنبغي للإنسان أن يُفرِّط فيها.
وأما بالنسبة إلى السنّة القَبْليَّة قبل المغرب فالعلماء اختلَفوا:
منهم مَن شَدَّد في ذلك وقال: " لا يَنبغي للإنسان أن يُصلي في ذلك الوقت بل ذلك مكروه "، وأخذوا ذلك مِن النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، وظاهر كلام بعضِهم بأنّه يَمتد إلى صلاة المغرب، وليس الأمر كما ادّعوا، بل ذلك ينتهي بتحقّق غروب الشمس تَحقّقا لا شك فيه.
ولكن ليست هنالك سنّة راتبة، أما مَن شاء أن يُصلي فلا مانع، كما ذكر ذلك الإمام الخليلي رحمه الله، فقد سُئل عن الصلاة قبل المغرب في السفر فقال: " لا مانع في السفر ولا في الحضر "، والأمر كما قاله رحمه الله، فقد كانت طائفة مِن الصحابة تُصلي قبل المغرب، كما ثبت ذلك مِن طريق أنس بن مالك-رضي الله تعالى عنه-بل جاء ما يدلّ على ذلك-أيضا-مِن السنّة القولية: ( بين كل أذانين صلاة ) وقال في الثالثة: ( لِمَن شاء ) .. جاء ذلك مِن طريق عبد الله بن مغفّل، وكذلك جاء ما يدلّ على ذلك-أيضا-مِن طريق عقبة بن عامِر رضي الله-تبارك وتعالى-عنه، فليس هنالك دليل يدلّ على المنع، ولكن إذا كان الناس يصلون المغرب في أوّل وقتها فإذا دخل الإنسان وصلّى تحية المسجد .. فمخافة وقوع حرج هنالك بين الناس وقد تَنقطِع الصفوف أو ما شابه ذلك فمِن هذا الباب يَترك كثير مِن أهل العلم الصّلاةَ في هذا الوقت، ثم هي ليست بسنّة راتبة، فيُمكن للإنسان أن يَشتغِل بالذكر، أما بالنسبة إلى سنّة تحية المسجد فهي تُصَلى في هذا الوقت، كما يدلّ على ذلك الحديث، كما سنتكلّم على ذلك-بمشيئة الله-عند الكلام على سنّة تحية المسجد.
هذه هي السّنن الراتبة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنالك-أيضا-الوتر وهو سنّة مؤكَّدة، فهذا لا يَنبغي التفريط فيه بحال.
بل قد قالت طائفة كبيرة مِن أهل العلم بوجوبه.
ومنهم مَن صرّح بالفرضية.
ولكنّ الصحيح أنه سنّة مؤكَّدة.
ووقتُه يَبتدئ بعد صلاة العشاء.
بعض العلماء قال: يَبتدئ مِن وقت صلاة العشاء .. أي بِغيوب الشفق الأحمر، وذكروا أنه يُمكِن للإنسان أن يُصلي الوتر حتى قبل فريضة العِشاء، وهذا ليس بشيء.
بل وقتُه يَبتدئ بعد فريضة العِشاء، كما صرّحت بذلك السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وكذلك اختلفوا إذا صلى الإنسان جمْع تقديم، هل يُصليه بعد العِشاء مباشَرة أو لابد مِن أن يَتأخَّر حتى يَدخل وقتُ العِشاء ؟ والحقّ أنّه يُمكِن له أن يُصليه بعد الجمْع مباشَرة.
وأما وقته فإنه يَنتهي بطلوع الفجر .. لابد مِن أن يأتي به الإنسان قبل طلوع الفجر .. هذا الذي دلّت عليه السنّة.
خلافا لِمَن قال: إنّه يُمكِن للإنسان أن يُؤخِّره ولو إلى ما بعد طلوع الفجر بشرط أن يَأتي به قبل صلاة الفجر، فهذا قول مخالِف للسنّة الصحيحة.
ولِلمسألة فروع متعدِّدة، أرى أن أقتصِر في هذا الوقت على هذا؛ والله ولي التوفيق.


س:
ما هي السّنن المؤكَّدة ؟


ج:
نحن قلنا سنّة الفجر والوتر .. هذا بالنسبة إلى السّنن التي تتكرَّر كل يوم.
و-كذلك-سنّة تحية المسجد فهي مِن السّنن المؤكَّدة على الصحيح(21)، تُصلَّى حتى في وقت خطبة الإمام، كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ومِن السّنن المؤكَّدة-أيضا-سنّة الكسوف، فهي مِن السّنن المؤكَّدة.
بل بعض العلماء ذهب إلى أنّها فريضة على الكفاية.
ومنهم مَن قال: هي فريضة على العيْن.
والقول بالفرض الكفائي له وجه وجيه.
فهذه سنن لا ينبغي لأحد أن يُفرِّط فيها.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 15 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



س:
سنّة الفجر .. مَن لم يُدرِكها قبل الفريضة، متى يأتي بها ؟


ج:
هذه المسألة اختلَف فيها العلماء .. مَن صلى الفريضة ولم يَأت بِالسنّة، وذلك لا يَخلو مِن أحد أمرين اثنين:
إما أن يأتي بالفريضة في أواخر وقتها بحيث لم يَتبقّ مِن الوقت ما يَتّسِع للسنّة فهاهنا يأتي بها بعد طلوع الشمس وارتفاعها بمقدار قيد رُمح .. هذا بناءً على رأي مَن يقول بالقضاء، كما سيأتي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أما إذا كان الوقت متّسِعًا للصلاة ولكنّه صلى مع الجماعة وأراد أن يأتي بعد ذلك بِالسنّة فاختلف العلماء متى يأتي بها ؟
أوّلا اختلفوا في قضائها:
منهم مَن قال: لا تُقضى، فبِما أنّه صلى فريضة الفجر فليس عليه أن يَقضيَها أو لا يُؤمر بقضائها-لأنها هي ليست عليه-في واقع الأمر-بمعنى الوجوب-لكنّه لا يُسَنُّ له أن يَقضيَها، وهذا قول ضعيف جدا.
ومنهم مَن قال: يَقضيها بعد طلوع الشمس وارتفاعها بمقدار قيد رُمح.
ومنهم مَن قال: بعد طلوع الشمس مباشَرة، وهذا بناءً على أنّ وقت النهي يَنتهي بِمجرّد تَحقُّق طلوع الشمس تَماما.
والصحيح أنّه لابد مِن أن يَنتظِر إلى مقدار قيد رُمح، وذلك يُقدَّر بِما يَقرُب مِن اثنتي عشرة دقيقة أو ربع ساعة تقريبا.
ومنهم مَن قال: يَقضيها بعد فريضة الفجر.
ومنهم مَن قال: هي لا تُقضى بعد الفريضة بل تُؤدَّى، وإنّما تُقضى إذا أخّرها إلى ما بعد طلوع الشمس.
ومنهم مَن قال: هو مُخيَّر إمّا أن يَقضيَها بعد السنّة وإما أن يَقضيَها بعد طلوع الشمس بِمقدار قيد رُمح.
و-على كل حال-قد رُويت في ذلك أدلّة .. استدل كل فريق بأدلّة-إلا أنّ القول بعدم القضاء مِن الضعف بمكان-وأرى أنّ الأدلة التي استدل بها كل فريق-الخاصّة بهذه المسألة-لا تخلو مِن مقال، فهي إلى الضعف أقرب منها إلى الثبوت، وإن قال بثُبوت بعضٍ منها بعضُ أهل العلم.
ولكنني مع ذلك كلِّه أقول: إنها تُقضى بعد الفريضة، وذلك لأنّه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى سنّة الظهر البَعْدِيَة بعد فريضة العصر، كما جاء ذلك عن السيّدة أم سلمة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وهو حديث صحيح.
أمّا قول بعض أهل العلم أنّ ذلك خاص به فهو ضعيف، إذ إنّ الأصل أنّ الأمّة تساوي النبي e في الأحكام ما لم يأت دليل يدلّ على الفرق.
واستدلال بعضهم برواية فيها أنّ أم سلمة سألته صلوات الله وسلامه عليه عن قضائها أن لو حصل لها ذلك فقال لها: " لا " .. ذلك-في حقيقة الواقع-لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبِما أنه لا يَثبت لا يُمكِن أن يُحتَجّ به.
وقول بعضهم بأنه يَجوز القضاء بعد فريضة العصر لأنه ليس بوقت نهي ولا يَجوز بعد فريضة الفجر .. ذلك مردود، إذ لا دليل عليه، بل الدليل دالٌّ على أنه وقت للنهي.
فإذن يُؤخَذ مِن هذا الحديث ومِن غيره مِن الأحاديث الأخرى التي تدلّ على ذلك كصلاة الرجلين اللذين صليَا في منزلهما ثم أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُصليا معه فسألهما: ( ألستما بِمسلِمَيْن ؟! ) فقالا له: " بلى " فأمرهما بالصلاة مع الناس، إلى غير ذلك مِن الأحاديث الكثيرة الدّالة على هذا المعنى، وأرى الوقت لا يكفي لذكرها كلِّها .. هذه الأحاديث تدلّ على مشروعية القضاء في مثل هذه الأحيان .. أي في الأوقات التي يُنهى عن الصلاة فيها وليس النهي فيها نهي تَحريم.
فيقضيها بعد فريضة الفجر وإن أَخَّرها فلا بأس ولكن الأفضل أن يَقضيَها في ذلك الوقت .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله.


س:
ذكرتُم في جوابٍ سابِق(22) أنه مِمّا يُقرَأ في سنّةِ الفجر الآية الثانية والخمسين مِن سورة الأنعام.


ج:
فإذا كان ذلك فهو مِن بابِ سبْقِ اللِّسان .. المراد الآية التي في سورة آل عمران لكن بَقِيَ أنه يَحتاج إلى نظر هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يَقرأ هذه الآية بِكاملِها أو أنه يَقرأُ الجزءَ الأخيرَ منها ؟ حيثُ إنه جاء في الروايةِ المروية عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { آمَنَّا ... }.. مِن هذا إلى آخِرِ الآية، فهل كان يَقرأُ صلى الله عليه وسلم : {... آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ سورة آل عمران، من الآية: 52 ] هذا الجزء فقط بعد فاتحة الكتاب كما هو الظاهِرُ مِن الرواية أو أنه كان يَقرأ الآية مِن أوّلِها ؟ فهذا مُحتمِل.
فالآية مِن سورةِ آل عمران وليس مِن سورةِ الأنعام.
وهكذا الرواية الثانية الآية الرابعة والستين مِن سورة آل عمران وهذه الرواية الثانية فيما يَظهر لِي بِأنها شاذّة، فإذا كنتُ قد قلتُ بِخلاف ذلك فذلك مِن باب سبْقِ اللسان الذي أرجو أن يَكون مَعْفُوّا عنه بِإذن الله تبارك وتعالى.
وأُنبِّه-أيضا-أنّ ما ذَكَرناه(23) في مسألةِ الجمْع بيْن الصلاتيْن في الـحَضَر هل يَأتِي المصلِّي بِالرواتِب ؟ ما ذَكَرناه(24) مِن أنه عند بعض أهل العلم أوّلا يَأتِي في حالة الجمْع بيْن الظهر والعصر .. يَأتِي بِراتبةِ الظُّهرِ القبلِية ثم راتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلِية هذا بناء على رأي مَن يَقول بِالراتبة لِفريضة العصْر أما مَن لا يَقول بِذلك فلا يَقول بِهذا، وكذلك ما ذَكَرناه(25) مِن القولِ الثاني بِأنه يَأتِي أوّلا بِراتبةِ الظُّهر القبلِية ويُمكِن أن يُؤخِّرَها .. أعني بعدَ الإتيان بِالفريضتيْن معا ثم يَأتِي بِراتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلية(26).. هذا بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر، وهكذا بِالنسبة إلى القولِ الآخَر الذي فَصَّلَ فيه أصحابُه إذا جَمَعَ بيْن الظهر والعصر جَمْعَ تأخير هل يَأتِي بِهما بعد الظهر أو بعد الصلاة الأولى ؟ هذا كلُّه بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر القبلِية، وقد قلنا(27): " إنه ليستْ هنالِك راتبة وإنما هو مُجرّدُ تَنفّل-فيه خيْرٌ كثيرٌ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى-ولكن لا يُؤتَى بِها في حالةِ الجمْع "، فيَنبغي أن يُنتبَه لِهذا وإن كان واضِحا فيما أَحسب إذا جُمِعَ بيْن الدروسِ جميعا.
وهكذا يَنبغي لِلإنسان أن يَجمَعَ بيْن الكلام مِن أوّلِه إلى آخِرِه، ولا يَنظُر إلى جزئيةٍ مِن الجزئيات، كما نَسمعُه مِن كثيرٍ مِن الناس عندما يُرِيدُ الواحِدُ منهم أن يُصلِّيَ في موضعٍ تَماما يَنظر هل لِلإنسانِ أن يَتّخِذَ أكثرَ مِن وطَن ؟ فيَنظرُ في هذه المسألة ويَجِد أنّ العلماء قالوا: " يَجوز لِلإنسان أن يَتّخِذَ أكثرَ مِن وطَن " فيَعمَلُ بِذلك ولا يَنظُر متى يَصِحُّ له ذلك أو متَى يَجِب عليه فذلك مُقَيَّدٌ فلابد مِن تَقيِيدِ الكلامِ المطلَق؛ والله ولي التوفيق.


س:
هل تارك السنّة المؤكَّدة يُعتبَر خسيس المنزلة ؟


ج:
قال بذلك بعضُ أهل العلم.
ومنهم الإمام السالمي رحمه الله، فإنه سُئل عن تارك السّنن المؤكَّدة فقال: " الله أعلم به، هو مات يوم مات وهو خسيس المنزلة والجنة لا يدخلها خسيس ".
وقد سُئل بعض أهل العلم عمّن يَترُك الوتر فقال: " هو رجل خسيس "-أو ما هذا معناه-وقال: " إنه لا تُقبَل له شهادة ".
هذا فيمن كان يُواظِب على ترك هذه السّنن ولا يبالي بها .. فالحقيقة هذا يدلّ على رِقّة في الدِّين إذ لا يُمكِن لأحد أن يَسمَع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومواظَبته على هذه السّنن الثابتة ويَسمَع-أيضا-بالفضْل العظيم الذي أعدّه الله-تبارك وتعالى-للآتي بهذه السّنن ومع ذلك يتهاون .. نعم إذا تركها مرة أو مرتين، فنحن لا نقوى على القول بأنه يَصِلُ هذه المرتبة، ولا أظنّ أنّ أؤلئك العلماء-أيضا-يريدون بذلك، وإنما يريدون مَن يُواظِب على ترك هذه السّنن، والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.


س:
ما الفرق بيْن صلاة سنّة العشاء وصلاة الشفع؟


ج:
على كل حال؛ سنّة العِشاء هي السنّة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في السّنن الراتبة، في حديث أم سلمة، وهي السنّة التي كان يُواظِب عليها، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر وفي حديث السيدة عائشة رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، أما ما بعد ذلك فتلك السّنن هي تنفّل، فينبغي للإنسان أن يَتنفَّل بِما كان يَتنفَّل به النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي إحدى عشرة ركعة .. يُصلي الوتر .. يُوتِر بثلاث، وتارة بواحدة، وتارة يكون الكلّ وترا، وله كيفيات متعدِّدة، فالوتر يكون بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، ثم لبعض هذه الأعداد كيفيات متعدِّدة، ولكن الوقت كما ترى لا يُساعِد ولا يُساعِف على ذكر تلك الكيفيات وما الثابت منها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الحاصل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنه كان يُصلي إحدى عشرة ركعة، وهذا غير تلك السنّة التي كان يُصليها بعد سنّة (28) العِشاء، وجاء في بعض الروايات .. جاء ذلك مِن طريق السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ومِن طريق ابن عباس-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-ومِن طريق زيد بن خالد الجُهني-رضي الله تبارك وتعالى عنه-أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي ثلاثة عشرة ركعة، و-على كل حال-لا إشكال في هذه الروايات-وإن استشكَله مَن لا دراية له بهذا الفن-ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يَفتتِح صلاة الليل يصلي ركعتين خفيفتين ثم يصلي ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين وهكذا، كما هو وارد عنه، فالسيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-في الرواية التي جاء عنها أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة لم تذكر الركعتين الخفيفتين وفي الرواية التي ذكرت ثلاث عشرة ركعة ذكرت هاتين الركعتين، وهكذا في روايات الصحابة الذين ذكروا هذه الروايات، فهذا ليس مِن التضارب أو التناقض، كما يظنّه مَن لا دراية له بهذا، فذلك يكون عندما تتّحِد الرواية ويتّحِد المجلس ويتّحِد الراوي .. عندما يتّحِد المجلس هناك يُمكِن أن يقال بهذا، ولكن الراوي تارة يُحدِّث بهذا وتارة بهذا .. تارة يذكر فعلا وتارة يذكر فعلا آخر وتارة يذكر المقصود وتارة يذكر هو وما قبل أو ما بعد أو ما شابه ذلك، وهذا أوْلى مِن قول بعضهم بأنها ذَكَرَتْ سنّة العشاء، ومِن قول بعضهم بأنها ذَكَرَتْ سنّة الفجر .. الذي يَظهر لي-ما ذكرتُه-بأنها ذَكَرَتْ الركعتين الخفيفتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يَفتتِح بهما قيام الليل .. هذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ذلك يَحتاج إلى بيان كيفية أداء النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصلاة، وهذا أمر فرَّط فيه كثير مِن الناس في هذا الزمان .. نسأل الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّق المسلمين للعمل بسنّته صلى الله عليه وسلم على وفق ما كان يأتي بها صلوات الله وسلامه عليه، وقد ذكرتُ أنّ ذلك يتوقّف على معرفة ستّة أمور بالأمس (29)؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 16 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



س:
مَن عليه قضاء صلوات، هل له أن يَشتغِل بها عن السّنن المؤكَّدة والرواتب ؟


ج:
لا يَشتغِل عن السنن المؤكَّدة والرواتب .. يَجمَع بين الأمريْن لكن في حالة القضاء قد اختلف العلماء في قضاء السّنن .. هل يقضيها الإنسان أو لا يقضيها ؟ لِلعلماء في ذلك خلاف طويل:

1- منهم مَن يقول: يقضي الوتر وحدها.

2- ومنهم مَن يقول: يقضي الوتر وسنّة الفجر.

3- ومنهم مَن يقول: يقضي سنّة الفجر ولا يقضي سنّة الوتر وإنما يصلي في النهار اثنتي عشرة ركعة بدلا مِن قيام الليل والوتر، بناء على الرواية التي جاءت عند الإمام مسلم.

4- ومنهم مَن يقول: يقضي سنّة الفجر وسنّة الوتر والسنّة القَبْليَّة والبَعْدِيَة لصلاة الظهر، بناء على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قضى السنّة البَعْدِيَة وبناء على الرواية التي فيها أنه قضى السنّة القَبْليَّة، ولكن الرواية التي فيها أنه قضى السنّة القَبْليَّة لا تَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه-وإن صحّحها مَن صحّحها مِن أهل العلم-فهي ضعيفة على التحقيق.

5- ومنهم مَن قال: يقضي كل السّنن الراتبة.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى سنّة الفجر عندما نام صلوات الله وسلامه عليه هو وصحابته الكرام رضي الله-تعالى-عنهم .. قضى السنّة وقضى بعدها الفريضة، وهذا يدلّ على أنّ الإنسان يَقضي أوّلا السنّة ثم يقضي الفريضة، خلافا لِمَن ذهب إلى أنّه أوّلا يقضي الفريضة ثم يقضي بعد ذلك السنّة .. هذا قول ضعيف، فقضية الفورية بالفريضة لا تستدعي أن يَترك الإنسان السنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .. خير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم ، فينبغي للإنسان أن يأتي بالسنّة أوّلا ثم يأتي بالفريضة.
والقول بقضاء كل السّنن الراتبة قول قوي.
-فإذن العلماءُ منهم مَن يقول بِقضاء الكل، ومنهم مَن يقول بسنّة الفجر والوتر، ومنهم السنّة فقط، ومنهم مَن يَقول: الوتر، كما ذكرتُ.-

6- ومنهم مَن يقول: السّنن الرواتب لا تُقضى وإنما تُقضى السّنن المستقِلة كصلاة العيد وسنّة الضحى .. هذه تُقضى.

7- ومنهم مَن يقول: تُقضى السنّة القَبْليَّة قبل الظهر دون البَعْدِيَة، وهذا عجب، فالبَعْدِيَة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قضاؤها، بِخلاف السنّة القَبْليَّة، ولعل ذلك ناشئ عن عدم تَمحيصهم للروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم .. وجدوا رواية فيها أنه قضى القَبْليَّة ولم يَذكُر بأنّ ذلك خاص به ووجدوا رواية قضى السنّة البَعْدِيَة ولكنه سئل عن قضائها بالنسبة لغيره فقال: " لا " فقالوا بما قالوه، وهذا-كما قلتُ-ناشئ عن عدم التمحيص، فرواية قضاء القَبْليَّة لا تَثبت، وخصوصية السنّة البَعْدِيَة لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فينبغي للإنسان-على كل حال-أن يُمحِّص ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يَعرِف ما ثبت عنه ويأخذ بذلك، لا أن يأخد بكل ما وجد مِن الروايات مِن غير أن يَعرِف الصحيح مِن السقيم والغثّ مِن السمين إلى غير ذلك.
و-على كل حال-صلاة العيد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يُؤتى بها في اليوم الثاني-لا أنها يُؤتى بها في ذلك اليوم-إذا فات وقتها، ووقتها يَفوت بزوال الشمس .. هذا هو الصحيح، خلافا لِمَن قال بالقول الثاني-وذلك للكل، أما لو فاتت الشخص هل يقضيها أو لا يقضيها أو يأتي بركعتين ؟ فيه خلاف بيْن أهل العلم، ولي نظر في القول بِالقضاء (30)، لأنّ هذه مِن الصلوات التي تُصلى جماعة .. هذا مختصَر القول في هذه القضية؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.


س:
السنن الرواتب، هل تُصلَّى في البيت أم تُصلَّى في المسجد ؟


ج:
إنّ العلماء قد اختلَفوا في السنن الرواتب هل الأوْلى أن تُصلَّى في البيت أو في المسجد ؟ مع جواز الأمرين جميعا، خلافا لِمَن شَذّ وقال بِوجوبِ تأديةِ راتبةِ المغرِب في البيت، فهذا-إن صحَّ عن قائلِه-مِن الشذوذ بِمكان، فلا يَنبغي أن يُلتفتَ إليه ولا أن يُعوَّلَ عليه، وإنّما الخلاف في الأفضل:

1- فذهبت طائفة كبيرة مِن أهل العلم إلى أنَّّ الأفضل في السنن الرواتب جميعا سواءً كانت نَهارية أو ليلية أن تُؤدَّى في البيت.

2- وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ الأوْلى أن تُؤدَّى في المسجد.

3- وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى التفصيل فقالت: إنّ الأوْلى في النوافل الليلية أن تُصلَّى في البيت بِخلاف الرواتب النهارية فالأوْلى فيها أن تُصلَّى في المسجد.
و-على كل حال-مِن المعلوم أنّ الإنسان عندما يَجِد خلافا بيْن أهل العلم عليه أن يَرجِع إلى كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإلى سنّة رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-الصحيحة الثابتة.
ومِن المعلوم أنه ليس في هذه المسألة دليلٌ مِن كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإنَّما الدليلُ فيها مِن سنّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم ، فقد جاءتْ السنّة القولية والفعلية تَدلّ دلالةً صرِيحة واضِحة جلِيّة على أنّ السنن يَنبغي أن تُؤدَّى في البيت .. في السنن الراتِبة هذا فِعله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك جاء في الأحاديث القَوْلِية عنه صلوات الله وسلامه عليه، فعندما يَكونُ الإنسانُ مُتمكِّنا مِن أداءِ السنن الراتِبة في بيتِه فلا يَنبغي له أن يَعدِلَ إلى تَأْدِيتِها في المسجد، أمَّا إذا كانت هنالك ظروفٌ تَستدعِي منه أن يَأتِيَ بِها في المسجد فلا بأس بذلك، وكذلك إذا كان الإنسان يَرجِعُ إلى دُكَّانٍ أو ما شابه ذلك فإذا صلاَّها في موضعِه ذلك فذلك حسن، لأنّ ذلك أقرب إلى البيت، فإذن الأوْلى أن يَكونَ ذلك في البيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
سواء كانت السنن القبلية أو البعدية ؟


ج:
نعم، هذا هو الثابت مِن فِعل النبي صلى الله عليه وسلم .. كان يُصلِّي السنن في بيتِه سواءً كانت قبلية أو كانت بعدية.


س:
ويَستوِي في ذلك عندكم النهارية والليلة ؟

ج:
أي نعم، لا فرْق في ذلك، لأنّ ذلك هو الثابت مِن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم .


س:
هل تُستثنَى المؤكَّدات أم الكل يَشمَلها ؟


ج:
الكل، فالرسولُ صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي سنّةَ الفجر في بيتِه وهكذا بالنسبة إلى سنّةِ المغرب والفجرُ مؤكَّدة والمغرب راتِبة وعلى قولٍ مؤكَّدة والأوّل أقربُ إلى الصواب، والأُولَى-أعني سنّةَ الفجر-قبلية والثانية بعدية، وكذلك بالنسبة إلى سنّةِ الظهر فقد كان-صلوات الله وسلامه عليه-يُصلِّيها في بيتِه.
أمَّا مَا جاء عن ابن عمر فيُمكِن أن يُحمَلَ ذلك على بعضِ الأحوال ويُمكِن أن يَكونَ ذلك أنَّه كان يُؤدِّي في المسجد سنّةَ تحية المسجد؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
ما صِحّة ما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنّ خيرَ صلاةِ المرءِ في بيتِه إلا الـمَكتوبة ) ؟


ج:
على كل حال؛ هذا حديث، وهنالك أحاديثُ كثيرة جدا جدا تَدلّ على أنّ الأفضل في النوافل أن تَكونَ في البيت، وهذا هو الذي كان يَفعلُه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-والذي حَثَّ عليه أيضا، وفيه مِن الفوائد الدينية ما لا يَخفى.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 17 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



س:
صلاة السنن في النهار أو في الليل، هل يُسلَّم بعدَ كلِّ ركعتيْن ؟


ج:
أما في الليل فقد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم -في الحديثِ الصحيحِ الذي جاء عنه-أنه قال: ( صلاةُ الليلِ مثنى مثنى ) .. هكذا نَصَّ الحديثُ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك نقول: إنّ صلاةَ اللَّيل تَكونُ مثنى مثنى، ولا معنى لِما جاء عن بعضِهم مِن أنه يُصلِّي إن شاء أربعا أو ما شابه ذلك مِن غيرِ فصل .. هذا لا داعي إليه ولا يَنبغي أن يُؤخَذَ بِه ما دام الحديثُ قد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم .. نعم قد جاءتْ كيفياتٌ مُتعدِّدة لِصلاةِ الوتْر، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُصلِّي الوتْر ثلاث عشْرة ركعة-وفي الواقع هذا الوِتْر مع قيامِ الليل-وكان يَفصِل بيْن كلِّ ركعتيْن، و-هكذا-جاء أنه كان يُصلِّي إحدى عشْرة ركعة يُسلِّم بعد كلِّ ركعتيْن، وجاء في بعضِ الروايات أنه كان يُصلِّي ثَمَان ركعات وكان يَجلِس بعدَ الركعة الثامنة .. يَسْرد الثمان سَرْدا ويَجلِس بعدَ الركعة الثامنة، وجاء-أيضا-أنه كان يُوتِر بِسبْع ويَجلِس بعدَ السادسة، وجاءتْ فيها روايةٌ أخرى وهكذا، لكنّ الذي أَرشدَ إليه أمّتَه صلى الله عليه وسلم ما ذَكَرْناه مِن الحديث، فإذا صَلَّى شخصٌ القيام بِتلك الكيفيات التي جاءتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعضُها يَحتاجُ إلى شيءٍ مِن التّمحيصِ والنّظر فذلك نعم لكن السنّة كما ذكرت، ثم تلك الكيفيات ليس فيها الجلوس بعد كل ركعتيْن ركعتيْن وإنَّما قَبْلَ الأخيرة أو فيها السَّرْد.
أما بِالنسبةِ إلى صلاةِ النهار فقد اختلَف أهل العلم في ذلك:
منهم مَن قال: إنّ الأوْلى أن يُصَلِّيَ الأربع مِن غيرِ أن يُسلِّم .. يَجلِس بعد الركعة الثانية ويَأتِي بِالتشهّد الأوّل ثم يَقومُ إلى الركعتيْن الأخريَيْن.
ومنهم مَن قال: الأوْلى أن يَفصِلَ بِالسّلام.ومنهم مَن قال: هو مُخيَّر.
فإذن في الليل يَفصِلُ بِالسّلام وذلك هو الذي دَلَّ عليه الحديث، أما التخيِير فلا داعي إليه-كما ذَكَرْتُ-اللهم إلا إذا أَتَى بِالوِتْر على شيءٍ مِن تلك الكيفيات التي أشرتُ إليها ولكن ليْسَ فيها أن يَجلِسَ بعد كل ركعتيْن بعد كل ركعتيْن مِن غير تسلِيم.أما بِالنسبةِ إلى الصلوات النهارية ففيها الخلاف المذكور، وليس هنالك دليلٌ واضِحٌ جلِي يَدلُّ على ترجيحِ واحدٍ مِن القوليْن فلذلك ذَهَبَ مَن ذَهَبَ مِن أهل العلم إلى أنّ الإنسانَ مُخيَّر في ذلك.
وأقوى ما استَدلَّ به الذين قالوا بِالفصْل بِالتَّسلِيم كصلاةِ الليل ما جاء عن السيدة أمّ هانئ-رضي الله تعالى عنها-أنَّها ذَكَرَتْ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما صَلَّى في بيتِها في عامِ الفتح أنه كان يُسلِّمُ بعدَ كل ركعتيْن، وهذا الحديث في أصلِه صحيحٌ ثابِت .. أي مِن غيْرِ ذِكْرِ التّسلِيم .. أنه صَلّى ثماني ركعات هذا حديثٌ صحيحٌ لا شكّ فيه، وأما بِالنسبةِ إلى الفَصْلِ بِالتسليم فقد ذَكَرَ النووي في " المجموع " وبعده الحافظ ابن حجر في " التلخيص " بِأنّ إسنادَه على شرطِ " صحيحِ البخاري " وليس الأمر كما ذَكَرَاه بل هو حديثٌ فيه ضَعْف، وذلك لأنّه مِن طريقِ عياض بن عبد الله الفِهْرِي وهو مُنكَرُ الرواية في مثلِ هذه الحالة .. أي عندما يَتفرَّدُ بِمثلِ هذه الزيادة عن غيرِه.
و-أيضا-استدلّوا بِحديثِ: " صلاةُ الليلِ والنهار مثنى مثنى " أي بِالزيادةِ التي جاءتْ فيه: " والنهار " إلا أنّ هذه الرواية شاذّةٌ عندي وإن قوّتْها جماعةٌ مِن أهل العلم كالبخاري وابن خزيمة وابن حبان ومَن سار على نَهجِهم ولكنّ الصحيح أنها روايةٌ شاذّة لأنَّها مِن طريقِ البَارِقِي ولا يَقوى على مُخالَفةِ العددِ الكبير والجمِّ الغفير فقد جاءتْ هذه الرواية بِلفظِ: " الليل " فقط مِن طريقِ أكثرَ مِن خمسةَ عشر راويا لَم يَذكُروا هذه الزيادة وتَفرَّدَ بِها هذا الراوي الذي لا يُقبَلُ تَفرُّدُه في مثلِ هذه القضية .. نعم قد تُوبِعَ ولكن تلك المتابَعات لا قيمةَ لَها.
وقد جاءتْ رواياتٌ أخرى ولكنّها مِن الضَّعْف بِمكان، فرواياتُ الفصْل لا تَصِحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِحسبِ هذه الأسانيد التي وَجَدْناها.وقد جاء عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-وهو الراوي لِحديثِ: ( صلاةُ الليلِ مثنى مثنى ) الذي جاءتْ فيه هذه الزيادة أنه كان لا يَفصِل بيْن كلِّ ركعتيْن بل يَقوم بعدَ أن يَأتِيَ بِالتشهّدِ الأوّل مِن غيرِ سلام وهو الراوي لِذلك الحديث ونَحنُ نقول: إنه إذا تعارَض رأيُ الراوي مع روايتِه أنه تُقدَّمُ روايتُه على الصحيحِ الراجِح ولكن عندما يَكونُ في إسنادِ تلك الرواية شيءٌ مِن الكلام ولاسيما في مثلِ هذه الرواية التي يَتكَرَّرُ العملُ بِها فإنّ التّرجِيحَ لِروايةِ ابن عمر الموقوفَة عليه أقربُ إلى الصواب، فهذا هو الأقرب كما قلتُ (31)؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 18 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً




س:
ما حكمُ الصلاة قبلَ صلاةِ الجمعة ؟ وهل ثبتت صلاةٌ بعد صلاة الجمعة سواء في البيت أو في المسجد ؟


ج:
أما بالنسبة إلى راتبة الجمعة القبلية والبعدية .. أما البعدية .. والأوْلى كان أن أقدم القبلية ولكنني أقدم البعدية لأنَّها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف القبلية فسيأتي ما فيها
السنّة البعدية بعد صلاة الجمعة-نعم-ثابتة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإسناد الصحيح الثابت أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين .. هذا حديث صحيح ثابت لا كلام فيه.
وقد جاءت روايات تدلّ على أنه كان يصلي بعدها أربعا ولكنها لا تثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنَّما الثابت عنه الركعتان، وجاءت رواية قولية عند الإمام مسلم فيها الأمر بأربع ركعات ولها ألفاظ متعدِّدة منها: " مَن كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا " ولها ألفاظ قريبة مِن هذا اللفظ، ولذلك اختلَف العلماء في السنّة المشروعة وما هو الأوْلى فيها:
فمنهم مَن قال: إنه يصلي ركعتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يجمع بين الروايتين:
منهم مَن رجّح القولية-كما قلتُ-فقال: " يصلي أربعا، لأنّ القول مقدَّم عند التعارض ".
ومنهم مَن رجّح الفعلية لأنَّها أقوى مِن حيث الإسناد.
ومنهم مَن قال: يجمع بينهما .. يصلي ركعتين ثم يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يصلي تارة ركعتين ويصلي تارة أربعا، فيكون قد أخذ بهذه الرواية تارة وأخذ بالرواية الأخرى تارة.
ومنهم مَن قال بِالتفصيل فقال: إن صلى في المسجد فإنه يصلي أربعا وإن صلى في البيت فإنه يصلي ركعتين كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
و-كما قلتُ الثابت مِن فعلِه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين.
وما جاء أنه صلى أربعا أو ستا فإنه لا يثبت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-البتّة، والرواية القَوْلِيَة فيها نظر لأنها مِن طريق سهيل بن أبي صالح وَلَم تتّفق كلمة أهل العلم على توثيقه بل منهم المادح له ومنهم القادح فيه، فمنهم مَن لا يحتج بروايته ومنهم مَن يرى أنّ روايته ثابتة ولاسيما في مثل هذه الأمور، وهو في الحقيقة يَحتاج إلى شيء مِن النظر ولاسيما عند الـمُخَالَفة فهو وإن لَم تكن روايته هاهنا مُخالِفَة في الفعل ولكن الأصل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بالأعمال أكثر مِن غيره وما قيل بِأنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعله كان يُطيل الركعتين فهي أطول مِن حيث الكيفية أو أنه صلى الله عليه وسلم نظرا لاشتغاله بِالخطبة وما شابه ذلك كان يَخْتصر إلى الركعتين أو " هو تشريع "، نقول: أمَّا بِالنسبة إذا قيل: " هو تشريع " فلا كلام .. علينا أن نُسَلِّم لِما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ذلك حيثُ لا يكون هنالك كلامٌ في الرواية المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواية سُهَيل فيها ما فيها مِن الكلام.
فإذا اقتصَر الإنسان على الركعتين الثابتتين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا شك فيه فذلك حَسن جَميل وإن صلى في بعض الأحيان أربعا فإذا كانت نفسه تطمئن إلى تلك الرواية فلا مانع مِن ذلك وإن صلى ركعتين أوّلاً ثم زاد بعد ذلك فأيضا لا بأس بِذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ولكن الذي نستطيع أن نَجْزم بثبوته هو الركعتان وما عدا ذلك فهو مشكوك فيه لِما ذَكَرْتُه مِن الكلام في رواية سُهيل بن أبي صالح ففيها-حقيقة-مِن الكلام الذي لا تَطْمَئن النفس إلى قبولِ مثلِ هذه الرواية عنه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أمَّا بالنسبة إلى السنّة القبلية في يوم الجمعة هنالك أمران يَنبغي التفريق بينهما:
أحدهما: مُطْلَق الصلاة .. أي أنّ الإنسان إذا دخل المسجد أو كان في بيته-أيضا-أنه ينبغي له أن يُصلِّي في هذا اليوم فنعم ذلك ثابت مِن قولِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن طريق سَلْمان، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن طريق أبي هريرة وإن كان في إسنادِه سُهيل وقد أشرنا إلى ما فيه ولكنه في هذه الرواية لَم يُخالِف بل تُؤيِّدُ روايتَه الروايةُ السابِقة، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن غير هاتين الطريقين، فهذا الأمر ثابتٌ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكن ذلك لَم يُحَدَّد بِعددٍ معيّن مِن الركعات فليُصلِّ الإنسان ما شاء كما جاء ذلك في الحديثِ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .. كما جاء: ( فَليُصل ما قُدِّرَ له ) أو ما شابه ذلك مِن الألفاظ فهذا ثابِت، ولا ينبغي لِلإنسان أن يَتَكَاسَل في ذلك، فإذا جاء الإنسان قبل سَاعة أو قبل نصف ساعة أو أكثر أو أقل فليُصل ما شاء مِن الركعات حتى لو كان ذلك في وقتِ الزوال فإنّ ذلك الوقت لا يُنْهَى عن الصلاة فيه في هذا اليوم فهو مستثْنَى مِن النَّهْي على القول الصحيح وإن كان فرّق بعضُهم بيْن مَن كان في المسجد ومَن كان في غيره إلى غير ذلك ولكنني لا أرى دليلا على التفريق فليُصلّ الإنسان في ذلك ما شاء.
والثاني: كون ذلك سنّة قبلية كما هو الحال في سنّة الظهر القبلية أو في السنّة البعدية أو ما شابه ذلك فهذا قد اختلَفتْ فيه كلمة الأمّة:

1- ذهب بعضهم إلى أنّ لِلجمعة سنّة قبلية كما هو الحال في الظهر.

2- وذهبت طائفة مِن أهل العلم-ونُسِبَ إلى أكثر أهل العلم-إلى أنَّه ليست هنالك سنّة قبلية للجمعة، وهذا هو الذي أذهب إليه، إذ إنني لم أَجِد روايةً صحيحة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تدلّ على ذلك، ومِن المعلوم أنَّه عند الخلاف يَنبغي لِلإنسان أن يَرجع إلى الثابت مِن قول وفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونَحن عندما رجعنا إلى السنّة فإننا وجدنا بعضَ الروايات التي تدلّ على ذلك منها ما يدلّ على الركعتين ومنها ما يدلّ على الأربع .. جاء ذلك مِن طريق ابن عمر وجاء ذلك مِن طريق ابن عباس ومِن طريق ابن مسعود ومِن طريق علي بن أبي طالب وكلُّ ذلك لا يَصِح .. على كل حال؛ لا أرى داعيا لذكر ما في تلك الروايات مِن العِلَلِ لأنّ المقام سيطول بِه لأنّ في بعضها أربع عِلَل وفي بعضها ثلاثا وفي بعضها اثنتين وذلك يَطول بِه المقام ولكن هي مِن الضّعف بِمكان، وقد وَجَّه إليّ بعضُ الإخوان سُؤالا في ذلك ولعلّي أتفرّغ لِلإجابة عليه بِإطالة إن وفّق الله-تبارك وتعالى-إلى ذلك.
ومنهم مَن استدلّ بِحديث: ( بَيْن كل أذانين صلاة )، ولا دليلَ في ذلك البتّة، لأنّ الأذان الأوّل لِصلاة الجمعة حَادِث .. لم يَكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يُمكن أن نستدِلّ بِهذه الرواية على ذلك وأنّ هذا هو المقصود بِالأذان الأوّل، فالأذان الأوّل هو الأذان الثاني الذي يَخطب الخطيب بعدَه مباشَرَة .. هذا الأذان الأوّل والأذان الثاني هي الإقامة فإنّ الإقامة يُطلَق عليها لفظ " الأذان "، وقيل: إنّ ذلك على سبيل التَّغْلِيب، فكما يُقال " العُمَرَان " و " القَمَرَان " إلى غير ذلك.
ومنهم مَن أَوَّلَ ذلك بِتأويل فيه بُعْد-كما أشرتُ إليه بِالأمس (32)-فلا يُمكن أن نستدِل بِهذا الحديث على ذلك البتّة.
ومنهم مَن استدَلّ على ذلك بِرواية تُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن طريق ابن الزبير فيها أنّه صلى الله عليه وسلم .. على نِسْبَة ذلك وإلا فهي لا تَصِح كما ستأتي الإشارة .. فيها: " مَا مِن فريضة إلا وبين يديها ركعتان "، وهذه الرواية-في حقيقة الواقع-لا تثبت فهي مِن الروايات التي لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبيان ذلك له موضِع آخر.
ومنهم مَن استدَلّ بِأنّ النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء مِن طريق أبي أيوب-كان يُصلي سنّة الظهر القبلية حتى في السَّفر، فقد جاء عن أبي أيوب أنه سافر مع النبي صلى الله عليه وسلم في ثَمانية عشر سفرا-أو ما هذا معناه-وكان يُصلي قبل الظهر ركعتين، ولكن هذه الرواية ضعيفة لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم على تقدير ثبوتِها-وهو بعيد جدا-فهي في صلاة الظهر.
ومنهم مَن قاس ذلك على السنّة القبلية قبل الظهر، وذلك فيه مِن البعد ما لا يَخفى فالفرق بينهما أوضح مِن أن يَحتاج إلى إيضاح.
ومنهم مَن أخذ ذلك مِن بعض أفعال الصحابة، وتلك الأفعال-في حقيقة الواقع-في النفل المطلق لا في سنّة قبلية قبل فريضة الجمعة.
والحاصل أنّ الصحيح عندنا أنه ليست هنالك سنّة قبلية قبل فريضة الجمعة-كما هو الحال في فريضة الظهر-ولكن يَنبغي لِلإنسان أن يَتنفّل ما شاء قبل فريضة الجمعة وقبل خُطبتها، لكن نَرى كثيرا مِن النَّاس أنّ الواحد منهم يأتي ويصلي ركعتي تَحية المسجد ثُم يبقى إما يقرأ أو يذكر أو يبقى جالسا هكذا وعندما يؤذن المؤذن تقوم الأمّة جميعا تصلي .. تظنّ أنّ ذلك مِن السنن الواجبة التي لابد منها فهذا لا أصل له، وهذا هو الذي شدّد فيه مَن شدّد مِن أهل العلم ووصفه بالبدعة، ومع ذلك نقول: إنَّه لا ينبغي التشديد في مثل هذه القضايا فإنّ أهل العلم قد اختلَفوا في هذه المسألة وما دامت المسألة خلافية ينبغي للإنسان أن يأخذ بِالأرجَح وأن يُبَيِّن ذلك بالأسلوب الواضِح المفِيد، أما أن يَتشدّد مع الناس أو أن يَصِفَهم بِأنَّهم مِن المبتدِعة أو ما شابه ذلك مع أنَّهم يأخذون بِرأي مَن يَقول بِمشروعيةِ هاتين الركعتين بل وأنَّهما مِن السنن الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فَفَرْق بيْن المسائل القطعية وبين المسائل الظنية لكن نقول: ينبغي أن ننبه الناس أنَّ مَن أراد أن يأخذ بذلك فلا يَتَنَطَّع على غيره وأن يَصِفَه بِالتكاسل وبعدمِ حُبّ الخير أو أنه يُنَفِّر عن ذلك أو مَا شابه ذلك .. كلاّ، فإن كان هو يريد ذلك فليفعل ولكن ليس له أن يتشدّد مع غيره، كما أنّ الغير-أيضا-ينبغي له أن يُوَضِّح ذلك بِالأسلوب الواضِح الرَّزين المستنِد إلى الحجّة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبعد ذلك فلابد مِن أن يُفرّق بيْن المسائل القطعية وبيْن المسائل الظنية .. هذا ما أَوَدُّ أن أُنَبِّه عليه الآن بِاختصار وهذا ليس خاصّا بِهذه المسألة بل هو شامل لكلِّ مسألة من المسائل .. يأخذ الإنسان بالثابت الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ويُنَبِّه النَّاس عليه وبعد ذلك لابد مِن التفريق بين المسائل المختلَف فيها وبين المسائل الـمُتَّفَق عليها بين أهل العلم، وهذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى إطالة .. لا أقول مسألة الصلاة قبل الجمعة ولكن مسألة المسائل الخلافية والتَّفريق بين المسائل القطعية وبين المسائل الظنية وبين-أيضا-ما ثبت بالدليل الواضح الجلي الذي لا غموض فيه مِن المسائل وإن كانت ظنية وبين المسائل التي ليس فيها دليل واضح .. إمَّا فيها أدِلَّة مُختلَف فيها بين أهل العلم في ثبوتِها وعدم ثبوتِها أو في دلالتها أو ما شابه ذلك ولعلنا نشير إلى ذلك ولو بإشارة مُختَصَرَة في الجواب الذي قلنا لعل الله-تبارك وتعالى-يُوفِّقنا لِلكتابة عليه في المسألة المذكورة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 19 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



س:
يعني فيما تقولون الآن لِلإنسان أن يصلي النوافل قبل الخطبة لكن مِن غير أن يعتبر ذلك أنه مِن السنّة ؟


ج:
نقول هو سنّة لكن ليست بسنّة راتبة .. بِمعنى أنّ الإنسان يُمكن أن يصلي مِن الساعة التاسعة أو قبل أو العاشرة أو الحادية عشرة إلى غير ذلك .. هذا مشروع .. يُصلي ما شاء ويَذكر ما شاء وَلْيَنْظُر الأصْلح مِن حيث إذا كان نشيطا لِلصلاة أو كان غير نشيط أو كانت هنالك ضَوْضَاء و-طبعا-لا ينبغي أن تكون هنالك ضوضاء في بيوت الله-تبارك وتعالى-لأنها إنَّما بُنِيَت لعبادته لا مِن أجل القيل والقال والأخذ والرَّد والكلام الذي لا قيمة له ولا داعي إليه.
لكن بالنسبة إلى السنّة الرَّاتبة .. أي عندما تزول الشمس هَل يقال هنالك سنّة في هذا الوقت تُسمى سنّة الزوال .. يُصلي الإنسان ركعتين أو يصلي أربعا أو أنه يُخَيَّر بيْن الأمرين ؟ نقول: ليست هنالك سنّة على الصحيح عندنا.


س:
بالنسبة إلى صلاة الجمعةِ الخطيبُ، هل يُسنّ له أن يُصلي في البيت قبل أن يصعد المنبر ؟


ج:
أما السنّة الراتبة-فكما قلتُ ليست هنالك سنّة راتبة.
وما جاء أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي كما جاء في حديث ابن عمر فيُجاب عنه: إما أنه كان يصلي قبل زوال الشمس أو أنّ ذلك في الحقيقة موقوف على ابن عمر، فالرواية جاءت مُطَوَّلة .. جاءت أنّ ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-كان يصلي قبل الجمعة ثم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وَلَها ألفاظ متعددة وذَكر فيها أنّ ذلك هو الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم :
فبعضُ العلماء أخذ مِن هذا أنه كان يفعل الأمرين معا قبل الصلاة وبعد الصلاة.
وبعضهم-وهو الصحيح-حَمَل ذلك على أنّ المرفوع مِن الرواية هو ما كان يفعله بعد الجمعة أمَّا مَا قبل ذلك فهو مِن فعل ابن عمر، ولا شك بِأنّ هذا الصواب كما قلتُ.
والذين قالوا: " إنه كان يَفعل قبل ذلك " قالوا: كان يَفعل قبل زوال الشمس أمَّا بعد زوال الشمس فكان يذهب صلى الله عليه وسلم لخطبة الجمعة.
و-أيضا-هنالك روايات استدلّ بها الذين قالوا بِالمشروعية، منها: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج مِن البيت صلى ركعتين، وهذه الرواية فيها مِن الضعف ما فيها، ثم إنه لا دلالة فيها على المطلوب، والمسألة تحتاج إلى تفصيل طويل عريض .. لا أقول: " إنني سأطيل " ولكن سأجيب بِما يُقَدِّره الله-تبارك وتعالى-ولو على وجه الاختصار بِما فيه الكفاية بِمشيئة الله تبارك وتعالى.


س:
لو نزلنا إلى واقع الناس نَجد أنّ هناك عددا مِن التصرفات يقوم بها بعضُ الناس فالبعض يدخل والإمام يَخطب فمنهم مَن يجلس ومنهم مَن يصلي والبعض يجلس فإذا سكت الإمام بيْن الخطبتين قام فصلى، هل هناك ... ؟


ج:
أما إذا شرع الخطيب في الخطبة فلا يُشْرَع للإنسان أن يصلي أبدا .. هذا إذا كان في المسجد.
أمَّا إذا دخل في المسجد فإنه يُشرع له أن يصلي ركعتين، وذلك منصوصٌ عليه في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وهو صحيح ثابت، لا ينبغي لِلإنسان أن يُفَرِّط فيه حتى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قطع خُطبته وأَمَرَ ذلك الرجل الذي دَخَلَ المسجد أن يُصلي ركعتين وأن يَتَجَوَّزَ فيهما .. هذا حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
-وقد اعترض عليه بعضُ الذين لا يرون ذلك بِما يَقْرُبُ مِن عشرة اعتراضات، وذِكرُ تلك الاعتراضات مَع الرَّد عليها يطول به المقام فلا أرى داعيا لِذِكرها الآن، فالحديث صحيح واضح لا إشكال فيه.
وقول مَن يقول: " إنّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهى حتى عن الأمر بالمعروف ... " إلى آخر ذلك " وذلك واجب فكيف يقال بِمشروعية السنّة مع أنَّها ليست بواجبة ؟! " أقول: علينا أن نأخذ بِما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وألاّ نَضْرِب له الأمثال فما أَمَرَنا به فعلناه وما نهانا عنه تركناه أما أن نردّ بعض الأحاديث لِعِلّةٍ نتوهَّمُها أو ما شابه ذلك فهذا مِمّا لا ينبغي.-
ولكن ينبغي لِلإنسان أن يتجَوَّز في هاتين الركعتين وألاّ يطيل .. هذا هو الثابت.
أما مَن كان جالسا في المسجد فليس له أن يقوم وأن يصلي ركعتين لا في وقت الخطبة الأولى ولا في وقت الخطبة الثانية ولا بين الخطبتَيْنِ.
فنعم نرى كثيرا مِن الناس يقومون بعد الانتهاء مِن الخطبة الأولى ويأتون بركعتين وهذا مُخالِف للسنّة تَمام المخالَفة، فينبغي أن يُنَبَّه الناس إلى أنّ ذلك ليس مِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم بل هو مُخالِف له مُخالَفة صارِخة فعليهم أن ينتبهوا لِهذه القضية وألاّ يقعوا في مُخالَفة صارِخة وأن يَبْتَدِعوا بدعة سيئة يَظنّون أنَّهم يَأتون بِالخير وأنهم يُحسنون صُنعا وهم في الحقيقة يَأتون بِما هو مُحَرَّم عليهم لا يجوز لهم.
و-حقيقة-كثير مِن الناس يريدون الخير ولكنهم لا يعرفون أبواب الخير كهذا الشخص الذي يقوم يصلي في هذا الوقت وكبعض الناس الذين يدخلون المسجد في يوم الجمعة ويقومون بتخطي الصفوف ويُؤذون عبادَ الله-تبارك وتعالى-ويَمُرُّون أمامهم في وقتِ الصلاة، فقد شاهدتُ في الجمعة هذه شخصا دَخل المسجد وأخذ يتقدّم ويتقدّم ويَمُرُّ أمام الناس الذين يُصلّون السنّة .. مَرَّ أمام جماعةٍ مِن الناس الذين يُصلّون السنّة مِن أجل أن يَجلس في الصف الأول .. لاشك أنّ الصلاة في الصف الأول أفضل مِن غيره كما ثبت ذلك في السنّة ولكن ليس معنى ذلك أنّ الإنسان يَتخطّى رِقاب الناس ويُؤذيهم ويَمُرُّ أمامهم وَهُم يُصلّون .. يَقع في مُخالَفَات:

1- يتخطى الصفوف وهذه مخالفة.

2- ويؤذي عباد الله-تبارك وتعالى-وهذه مخالفة صارخة.

3- ويَمر أمام المصلين وهذه مُخالفة صارخة ثالثة .. إلى غير ذلك .. لماذا هذا ؟! إذا كان يريد أن يصلي في الصف الأول فَلْيَتقدم وفي ذلك خير كبير وإذا تأخر فليصل في الموضع الذي يُمكنه أن يصلي فيه مِن غير أن يؤذي عباد الله-تبارك وتعالى-ومِن غير أن يَمر أمام عباد الله-تبارك وتعالى-وهم يصلون وهذا مع أنه مُخالِف لِلسنّة-أيضا-فيه إيذاء لِعبادِ الله-تبارك وتعالى-فلا شك أنّ الإنسان إذا مَرَّ أمام غيره فقد آذاه لأنه لا يرغب في ذلك وهو مأمور بِدفعِه، فالذي يُريد الخير فليأتِه مِن بابِه وإذا كان لا يَعلَم فليسأل مَن يَعلم أما أن يَصنع شيئا وهو لا يَدريه فيريد أن يُحسِن صُنعا ويقع في المخالَفات الصارِخة فهذا-والعياذ بِالله تبارك وتعالى-ينبغي لِلمؤمِن ألاّ يقع فيه بل ولا يَحُوم حول حِماه.


س:
أحد الأشخاص قال له بعضُ الإخوة: " نصلي سنّة الفجر قبل الفريضة بِخمس دقائق "، هل هذا الكلام صحيح ؟


ج:
القضية أنه لَم يقتصر على هذا بل وصف ذلك بالوجوب (33)، و-حقيقة-ينبغي لِلإنسان أن يُفرِّق بيْن الواجِب وغيره وبين الواجِب والمندوب وبين المحرَّم والمكروه وبين هذه الأحكام وبين المباح، فهذا مِن أهم الأمور .. مِن الأمور الضرورية التي لابد مِن أن يُفَرِّق الإنسان بينها ألاَّ يَصِفَ الواجِب بعدم الوجوب أو يَصِفَ غير الواجِب بالوجوب إلى غير ذلك مِن الأحكام الشرعية، ولكن الوقت هاهنا لا يكفي لِتفصيلِ هذا حتى يَتَنَبَّه الناس، ومِن الضروري أن يُعَلّموا مثل هذه الأمور.
على كل حال؛ سنَّة الفجر ليست بواجبة ولكنها مؤكَّدة، وهي ( خيرٌ مِن الدنيا وما فيها ) كما-ذكرنا (34)-في الحديث، فلا يَنبغي التَّفْرِيط فيها وإن كانتْ ليست بواجبة.
وأمَّا بِالنسبة إلى وقتِها فَكما قلنا (35) بعدَ طلوعِ الفجر إلى صلاةِ الفجر، أمَّا هل يُقَدِّمها أو يُؤخِّرها فذلك إليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُصلي بعدَ طلوع الفجر ثُم يضطجِع أو يتحدّث مع زوجِه السيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وَثَبت عنه-أيضا-أنه كان يَضطَجِع بعدَ قيامِ الليل ثُم يُصلِّي السنَّة قبلَ فريضةِ الفجر مباشَرة .. جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه.
أما استشكال مَن استشكل بِأنّ هذه الرواية فيها شيءٌ مِن الاضطراب:

1- أما بِالنسبة إلى الروايات التي جاءتْ عن بعضِ الصحابة كذا وعن بعضِهم كذا فلا اضطراب أبدا، لأنه كان تارة يفعل كذا وتارة يفعل كذا.

2- أما الذي جاء عن صحابي واحد فهذا يَنبغي أن يُنْظَر إليه هل يُرِيد بِه مرّة واحدة أو يُرِيد تارة كذا وتارة كذا، ولِذلك موضِع آخَر.
لكن الذي يَهمّنا في هذه القضية أنه يُمكِن أن يُقدِّم وأنه يُمكن أن يُؤخِّر فالحاصل لابد مِن أن يكون ذلك بيْن طلوعِ الفجر وبيْن فريضةِ الفجر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
سنَّة السُّحور، هل الأفضل أن تُصلّى في البيت أو في المسجد ؟


ج:
الأصل في السنن-كما قلنا الأفضل أن تُصلّى في البيت إلا إذا كانتْ هنالك حاجة لِصلاتِها في المسجد أو كانت-مثلا-هنالك جَماعة وهذا الشخص لا يَحفَظ إلا النَّزْر اليسِير مِن القرآن فأراد أن يُصلّي مع الناس لِتِلك المزيَّة فذلك وإلا فالأفضل له ولو كان يَحفَظ قلِيلا أن يُصلِّي في بيتِه وفي ذلك مِن الفضْلِ ما فيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
هل الأفضل كثرة الركعات أم إطالة القراءة في النوافل ؟


ج:
الأفضل-على الصحيح-إطالةُ القراءة في النوافل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
عندما يقيم المؤذّن الصلاة، متى يبدأ الإمام في القيام إلى الصلاة ؟ عندما يصلالمقيم إلى قوله: " حي على الصلاة حي على الصلاة " أم عندما يصل إلى قوله: " قدقامت الصلاة قد قامت الصلاة " ؟


ج:
بعض العلماء قال: يقومون-أي يقومالمأمومون-عند وصول المقيم إلى قوله: " قد قامت الصلاة ".
وبعضهم يقول: يقومون عند قوله: " حي على الصلاة ".
ولم أجد في السنّة ما يدل على واحد منالقولين، بل ذلك يختلف بحسب اختلاف المساجد، فبعض المساجد الصغيرة .. وتكون الجماعةقليلة فلا يحتاج أن يقوم الجماعة قبل وقت لأنهم ليسوا بحاجة كبيرة..إلخ

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 01-30-2011 ]
 
 رقم المشاركة : ( 20 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
مكان الإقامة : في قلوب الناس
عدد المشاركات : 8,874
عدد النقاط : 363

عابر الفيافي غير متواجد حالياً



س:
مَن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأوَّل، هل فيه بأس ؟


ج:
إنَّ الصَّلاة على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مِن أَجَلِّ القُرُبات وأفضل الطاعات، وقد أَمَرَ بِها الله-تبارك وتعالى-في كتابه العظيم (36)، وحَثَّ عليها رسوله الكريم في سُنَّتِه الصحيحة الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه، وبَيَّن فَضْلَ الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولاسيما في بعضِ المواضع كما هو منصوصٌ عليه في كتبِ السنّة الصحيحة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد ألَّف بعضُ العلماء بعضَ المؤلَّفات في الصلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم وما يَتعلَّق بِها مِن أحكام، والكلامُ على ذلك يَطُول جِدا جِدا، كما هو مَبْسُوطٌ في تلك المؤلفات، وبعضُها يَحتاجُ إلى شيءٍ مِن التحرير.
وقد اختلَفتْ كلمةُ أهلِ العلم في حُكْمِ الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، خلافا لِمَن ادَّعَى إجماعَ الأمّة على أحدِ الأقوال فيها.
وقد ذكرتُ-أكثر مِن مرّة-أنَّه يَنبغي التَّرَيُّث والتَّدَبُّر عند وجودِ حكاياتِ الإجْماع في كثيرٍ مِن المسائل، فإنّ كثيرا مِن تلك الحكايات لا تَثْبُت على الصحيح عند مَنْ يتأمَّل في كتبِ أهل العلم، فإنَّ كثيرا مِن تلك الحكايات في حقيقة الواقع باطلة، وقد اختلَف العلماء في كثيرٍ مِن تلك المسائل على أقوالٍ متعدِّدَة، وقد يكون القول الحقّ خلافا لِذلك الإجماع المزْعُوم.
والصلاةُ على النبي-صلوات الله وسلامه عليه-في التشهّد الثاني ثابتة في السنّة، وقد قال بذلك جمهور الأمّة، واختلَفوا في حكمها:
منهم مَن ذهب إلى أنَّها واجبة عليه-صلوات الله وسلامه عليه-في ذلك الموضع.
ومنْهُم مَن قال بِسنيتها.
بل ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّها ركن مِن أركان الصلاة، فمَن لَم يَأْتِ بِها في التشهّد الثاني فإنَّ صلاته باطلة على هذا الرأي، وإن كنّا لا نستطيع أن نقول بذلك.
واختلَفوا-أيضا-في كيفية الصلاة في التشهد الثاني:
منهم مَن قال: إنَّه يأتِي بِالصلاة الإبراهيمية، ولاشك بِأنَّ هذا القول قولٌ واضح وهو الذي تُؤَيِّده السنّة ولكنَّنَا لا نَقول بِوجوبِ ذلك وإنَّما نقول: " إنّ ذلك مِمّا لا ينبغي أن يُفرَّط فيه ".
وقد نصّت كلمةُ الأكثرية الكاثرة مِن أصحابنا على مشروعيةِ الصلاة في هذا الموضع، ومِنْهُم مَن قال-كما قلتُ-بِرُكْنِيتِها، ومنهم مَن قال بِوجوبِها، واختلَفوا في الإتيان بِالصلاة الإبراهيمية وهل هي مِن الواجبات في هذا الموضع أو لا.
والصحيحُ أنَّ الصلاةَ مشروعةٌ في هذا الموضع، ولكن تُجْزِي بأقَل ما يَنْطَلِق عليه لفظُ " الصلاة " وإنْ كان لا يَنبغِي التّفرِيط في الإتيان بِالصلاة الإبراهيمية، لِثبوت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وأما بِالنسبةِ إلى التّشهد الأوَّل فقد اختلَف العلماء في ذلك:
منهم مَن قال: إنَّه لا يَنبغِي لِلإنسانِ أن يُصَلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم في التّشهد الأوَّل.
ومنهم مَن قال: يَأتِي بِالصلاةِ الإبراهيمية.
ومنهم مَن قال: يَأتِي بِصلاةٍ مُخْتصَرَة عليه وعلى آله صلوات الله وسلامه عليه.
ومنهم مَن قال: يقتصر على الصلاةِ عليه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لِعدمِ وجودِ دليلٍ واضِح في هذه المسألة.
ومَن صلَّى عليه صلوات الله وسلامه عليه في التّشهد الأوَّل فقد أَحسَنَ على رأي طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم .. هذا بِالنسبة إلى الفرائضِ والسُّنَنِ التي لا يَفْصِل الإنسان فِيها بِالسلام، أما بالنسبة إلى السُّنَن التي يَفْصِل فِيها بِالسلام وقد قلنا (37) إنَّ الأفضل في صلوات الليل أنْ يَفْصِل الإنسان فيها بِالسلام، أما بِالنسبة إلى الصلوات النَّهَارِيَّة فالأمر مُختلَف فيه، وكِلا الأمريْن جائز وإنَّما الخلاف في الأفضل، فإذا فَصَل فإنَّه يَأتِي بِالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنّ الصلاةَ قد انتهتْ بِذلك، لِحديث: ( تَحرِيـمُها التكبير وتَحلِيلُها التسليم )، وهو حديثٌ صحيح ثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
سَمع المشاهِدُون والمستمعون فتوى في عدم جواز تكْرارِ التحيات (38)، هل هذا يَشمل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التّشهد الثاني ؟


ج:
التّشهد الثاني .. يَأتي الإنسان بِالصلاة عليه مَرَّةً واحدة في الثاني.
ويَنبغِي أنْ يَكون ذلك بِالإتيان بِالصلاة الإبراهيمية كما ثبت ذلك في السنّة، وهو الذي نَصَّتْ عليه كتبُ طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم.
والعجب مِن طائفةٍ تَدَّعِي بِأنَّ ذلك لَم يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ ذلك لَم يَقُل بِه أحدٌ مِن أهل العلم مِن أصحابِنا السابِقين .. كلاّ بل ذلك ثابت، ونَصَّتْ على ذلك كتبُ أهل العلم وإن اختلَفوا في هل الأفضل أن يَأتي بِالصلاة الإبراهيمية أو الأفضل أن يَجتزِيَ بِلفظٍ مُخْتَصَر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


س:
اللفظة الصحيحة لِلصلاة الإبراهيمية ؟


ج:
هي جاءتْ بِألفاظٍ مُتعدِّدة .. مِن أهل العلم مَن يرى أنّ هذه الألفاظ يُمكِن أن يَكونَ النبي صلى الله عليه وسلم ذَكَر تارةً منها في هذه المناسبة وتارةً في المناسبة الأخرى، لأنَّها قد جاءتْ عن طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم، وقد ذَكَرَ بعضُ أهلِ العلم بِأنّ ذلك مِمّا تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذا قال مثلا: " اللهم صَلِّ على مُحَمدٍ وعلى آل مُحَمَّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين وبارك على مُحمد وعلى آل مُحمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حَميد مَجيد " أو أتى أيضا بقوله: " حَميد مَجيد " في الأوّل .. أي عند قوله: " اللهم صَلِّ على مُحمَّد وعلى آل مُحمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حَميد مَجيد " فذلك حسن؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.

توقيع :



لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ , مبروك , الصلاة , القنوبي , بن , سعيد , فتاوى , إباضي


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:36 PM.