عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 4  ]
قديم 02-04-2010
::الـمـشـرف العـام::
::مستشار المنتدى::
الصورة الرمزية الامير المجهول
رقم العضوية : 8
تاريخ التسجيل : Jan 2010
عدد المشاركات : 7,604
الإقامة: oman
قوة السمعة : 172
غير متواجد
 
افتراضي
قال تعالى:

‏{وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي، قَالُوا تَاللَّهِ ‏

إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ ‏

أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، ‏

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.‏

‏{وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ}‏ أي: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص ‏

يوسف فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي} قال: فوجد ريحه من مسيرة ‏

ثلاثة أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به. ‏

وقال الحسن البصري:كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.‏
‏ ‏
وقوله {لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي} الفند: وهو الخرف، وكبر السن. قال ابن عبَّاس ومجاهد ‏

‏{تُفَنِّدُونِي}أي: تسفّهون.. ‏

‏{‏‎ولما فصلت العير‎ { ‎خرجت من عريش مصر‎}"‎‏ قالَ أبوهُم } ‏‎لمن حضر من بنيه وأولادهم

‎‏{إني لأجد ريح يوسُف‎{ ‎أوصلته إليه الصبا بإذنه تعالى من ‏مسير ثلاثة أيام أو ثمانية أو

‏ أكثر‏‎ "‎لولا أن تفندون‎" ‎تسفهون لصدقتموني

‎"‎قالوا‎" ‎له‎ "‎تالله إنك في ضلالك‎" ‎خطئك‎ "‎القديم‎" ‎من إفراطك في محبته ورجاء لقائه على بعد العهد

‏ ‏
‏{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً} أي بمجرّد ما جاء ألقى القميص ‏

على وجه يعقوب، فرجع من فوره بصيراً بعد ما كان ضريراً، وقال عند ذلك ‏

‏{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي أعلم أن الله سيجمع شملي ‏

بيوسف وستقر عيني به وسِيرِيني فيه ومنه ما يسرني.‏

فعند ذلك {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} طلبوا منه أن يستغفر ‏

لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا، ونالوا منه ومن أبيه، وما كانوا عزموا عليه، ولما ‏

كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقّهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم
‏ ‏
أبوهم إلى ما سألوا قائلاً: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}أي:‏

قال{ سوفَ أستغفرُ لكم ربي إنهُ هوَ الغفورُ الرحيم‎ { ‎أخر ذلك إلى السحر ليكون ‏

أقرب إلى الإجابة أو إلى ليلة الجمعة ثم توجهوا إلى مصر وخرج يوسف ‏والأكابر لتلقيهم.‏



‏{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَرَفَعَ ‏

أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا ‏

رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ ‏

الشّيْطان بَيْنِي وَبَيْنَ اخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ ‏

آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ

‏ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. ‏


هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل: إنها ثمانون سنة،

‏ وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن. وقال قتادة:خمس وثلاثون سنة،

‏ وقال مُحَمْد بن إسحاق: ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة. ‏

وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة.‏


قال الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} رفعهما على العرش أي أجلسهما معه ‏

على سريره {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} أي سجد له الأبوان والأخوة الأحد عشر تعظيماً ‏

وتكريماً، وكان هذا مشروعاً لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع ‏

حتى حرم في ملّة الإسلام.‏‎
‏ ‏‎
‎‎‏{ورفع أبويه‎ {‎‏ أجلسهما معه { ‏‎على العرش‎{ ‎‏ السرير { ‏‎وخروا‎{ ‎‏ أبواه وإخوته{له سجداً}‏‎

‏ ‏‎سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان‎ ‎‎‎وقال يا أبتي هذا تأويل رؤياي ‏

من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي {‏‎إذ أخرَجَني مِنَ السِّجْن} ‏‎لم يقل من

‏ الجب تكرماً لئلا يخجل إخوته‏‎ ‎‏{وجاء ‏بكم من البدو‎{ ‎‏ البادية‏‎} ‎من بعد أن نزغ‎‏} أفسد
‏ ‏
‏"‏‎الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم‏‎ {‎بخلقه‎}‎الحكيم‎‏}‏

في صنعه، وأقام عنده أبوه ‏أربعاً وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة، وكانت مدة‏‎ ‎فراقه

‏ ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة.‏

‏{وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ} أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك: ‏

من رؤيتي الأحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني
‏ ‏
بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ،

‏{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ}. أي: بعد الهمِّ والضيق ‏

جعلني حاكماً، نافذَ الكلمة، في الديار المصرية حيث شئت {وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ} ‏

أي البادية {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشّيْطان بَيْنِي وَبَيْنَ اخْوَتِي}. ‏

ثم قال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} أي: إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه ويسّرها وسهلها ‏

من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدّرها وييسّرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته ‏

‏{إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي بجميع الأمور {الْحَكِيمُ} في خلقه وشرعه وقدره.‏


‏{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‎ ‎وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ‎ ‎وَالْأَرْضِ

‏ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي‏‎ ‎مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‎‏ {‏

‎"‎رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث‎" ‎تعبير الرؤيا‎ "‎فاطر‎" ‎خالق‎

‏ "‏‎السموات والأرض أنت ولي‎" ‎متولي مصالحي‎ "‎في الدنيا والآخرة ‏توفني مسلماً

‏ وألحقني بالصالحين‏‎" ‎من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون ‏

سنة وتشاح‎ ‎المصريون في قبره فجعلوه في صندوق ‏من مرمر ودفنوه في أعلى النيل ‏

لتعم‎ ‎البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه


‏{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}‏‎‏ ‏

‎"‎ذلك‎" ‎المذكور من أمر يوسف‎ "‎من أنباء‎" ‎أخبار‎ "‎الغيب‎" ‎ما غاب عنك يا محمد‏‎ "‎نوحيه ‏

إليك وما كنت لديهم‎" ‎لدى إخوة يوسف‎ "‎إذ أجمعوا أمرهم‎" ‎في ‏كيده أي عزموا عليه

‎ "‎وهم يمكرون‎" ‎به أي لم تحضرهم فتعرف قصتهم فتخبر بها وإنما حصل لك ‏

علمها من جهة الوحي
‏ ‏

وقال تعالى في كتابه العزيز: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا ‏

تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً
‏ ‏
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يوصي بنيه بالإخلاص وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء
‏ ‏
عليهم السلام. ‏

‏ وحضر يعقوب الموت فوصى يوسف أن يحمله‏‎ ‎ويدفنه ‏

عند أبيه ‏فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا‎ ‎وعشرين سنة.‏

وقد ذكر أهل الكتاب: أنه أوصى بنيه واحداً واحداً، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، ‏

وبشّر يهوذا بخروج نبيّ عظيم من نسله، تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم. ‏
‏ ‏
وحين حضرت يوسف عليه السلام الوفاة أوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من ‏

مصر فيدفن عند آبائه، فحنّطوه ووضعوه في تابوت، فكان بمصر حتى أخرجه معه ‏

موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه. ‏

قالوا: فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين. ‏


‏{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا ‏

يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا

الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَ‏

لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ‏

الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ، قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي ‏

رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا ‏

مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ ‏

اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ ‏

لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَالله أعلم ‏

بِمَا تَصِفُونَ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ ‏

الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ}.‏

‏ ‏
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم على شقيقه يوسف وإيوائه ‏

إليه وإخباره له سرّاً عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسلاّه عما كان ‏

منهم من الإساءة إليه، ثم احتال على أخذه منهم، وتركه إياه عنده دونهم، فأمر ‏

فتيانه بوضع سقايته- وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها الناس الطعام- عن غرة ‏

في متاع أخيه، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صُواع الملك، ووعدهم جعالة على ‏

ردِّه حِمْل بعير- أي من يجده له حمل بعير - وضمّنه المنادي لهم، فأقبلوا على ‏

من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجّنوه فيما قاله لهم: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا ‏

لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا له ‏

من السّرقة،{قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ، قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ ‏

جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. وهذه كانت شريعتهم أن السّارق يدفع إلى ‏

المسروق منه ولهذا قالوا: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}.‏
‏ ‏
قال الله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ}‏
‏ ‏
ليكون ذلك أبعد للتهمة، وأبلغ في الحيلة، ثم قال الله تعالى: ‏

‏{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} أي لولا اعترافهم ‏

بأنّ جزاءه {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} لما كان يقدر يوسف على أخذه ‏

منهم في سياسة ملك مصر، ‏

‏{إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} أي في العلم {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.‏
‏ ‏
وذلك لأنّ يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأياً، وأقوى عزماً وحزماً، وإنما فعل ما ‏

فعل عن أمر الله له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك

‏ من قدوم أبيه وقومه عليه، ووفودهم إليه. ‏

فلما عاينوا استخراج الصّواع من حمل أخيهم{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}‏

‏" ‏‎أي- يوسف- وكان سرق لأبي أمه صنما من ذهب فكسره لئلا يعبده‏‎ "‎فأسرها يوسف

‏ في نفسه ولم يبدها‏‎" ‎يظهرها‎ ‎‎"‎لهم‎" ‎والضمير للكلمة التي في قوله قالوا

‎ "‎قال‎" ‎في نفسه‎ "‎أنتم شر مكانا‎" ‎من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم

‏ وظلمكم له‏‎ "‎والله أعلم‎" ‎عالم‎ "‎بما ‏تصفون‎" ‎تذكرون من أمره


‏{أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَالله أعلم بِمَا تَصِفُونَ} أجابهم يوسف سرّاً لا جهراً، حلماً وكرماً ‏

وصفحاً وعفواً، فدخلوا معه في الترفق والتعطف، فقالوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً ‏

شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا ‏

مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ} أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء، هذا‏

‏ ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.‏
‏ ‏


‏{فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ ‏

مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ‏

أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ‏

وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ ‏

الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى
‏ ‏
اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى ‏

يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ ‏

حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ ‏

مَا لا تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ‏

إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}. ‏


يقول تعالى مخبراً عنهم: إنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصُوا يتناجون فيما ‏

بينهم، قال كبيرهم: {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ} ، لتأتنني
‏ ‏
به الا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف ‏

من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ} أي لا أزال مقيماً ها هنا ‏

‏{حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} في القدوم عليه {أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} بأن يقدّرني على ‏

ردِّ أخي إلى أبي {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}. ‏

‏{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} أي: أخبروه بما رأيتم من الأمر في

‏ ظاهر المشاهدة {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي
‏ ‏
كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}الأمر الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق – ‏

أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}. ‏

‏{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق‏

‏ فإنه ليس سجية له، ولا هو خلقه، وإنما {سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. ‏
‏ ‏
ثم قال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} يعني يوسف وأخوه المتهم والأخ الأكبر

الذي رفض العودة، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة، ‏

‏{الْحَكِيمُ} فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة. ‏

‏{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي أعرض عن أبناءه { وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}ذكّره حزنه ‏

الجديد بالحزن القديم، وحرّك ما كان كامناً. فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم ‏

الفراق {قَالُوا} له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه: ‏

‏{تَا للَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ}أي: لا تزال تتذكره

حتى ينحل جسدك، وتضعف قوّتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك

‏{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} يقول لبنيه: ‏

لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس، ما أنا فيه، إنما أشكو إلى الله عز وجل،
‏ ‏
واعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجاً ومخرجاً، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن
‏ ‏
تقع، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى {وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. ‏

ثم قال لهم محرضاً :{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ ‏

رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} أي: لا تيئسوا من الفرج بعد ‏

الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه ومايقدره من المخرج في الضيق إلا القوم الكافرون.‏
‏ ‏


‏{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ ‏

لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ‏

وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ‏

اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ‏

اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ‏

الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}. ‏


يخبر الله تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من ‏

الميرة والصدقة عليهم بردّ أخيهم إليهم {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا ‏

وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } أي:‏

ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنّا قيل: كانت دراهم رديئة. وقيل: قليلة،

وقيل حب الصنوبر، ونحو ذلك. وعن ابن عبَّاس: كانت خَلَقَ الغِرَائِرِ والحبال، ونحو ذلك.‏
‏ ‏
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤا به مما لم يبق عندهم سواه، من ضعيف ‏

المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلاً: لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر لهم ‏

عن جبينه الشريف وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ ‏

بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}، {قَالُوا} وتعجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مراراً ‏

عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو {أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ }.‏
‏ ‏
‏{قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي}أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم
‏ ‏
فيه ما فرطتم، {وَهذَا أَخِي} تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا اضمروا لهما من ‏

الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال،{قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} بإحسانه إلينا وصدقته ‏

علينا، وإيوائه لنا وشدّه معاقد عزّنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ‏

ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا:‏

‏ {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. ‏

‏{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي فضلك، وأعطاك ما لم يعطنا {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}‏

أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. ‏

‏{قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ} أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ‏

ثم زادهم على ذلك فقال: {الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. ‏
‏ ‏
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه، ‏

فإنه يرجع إليه بصره- بعد ما كان ذهب- بإذن الله، وهذا من خوارق العادات ودلائل ‏

النبوات وأكبر المعجزات. ‏

ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل ‏

بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.‏ ‏


‏{وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي، قَالُوا تَاللَّهِ ‏

إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ ‏

أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، ‏

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.‏

‏{وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ}‏ أي: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص ‏

يوسف فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي} قال: فوجد ريحه من مسيرة ‏

ثلاثة أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به. ‏

وقال الحسن البصري:كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.‏
‏ ‏
وقوله {لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي} الفند: وهو الخرف، وكبر السن. قال ابن عبَّاس ومجاهد ‏

‏{تُفَنِّدُونِي}أي: تسفّهون.. ‏

‏{‏‎ولما فصلت العير‎ { ‎خرجت من عريش مصر‎}"‎‏ قالَ أبوهُم } ‏‎لمن حضر من بنيه وأولادهم

‎‏{إني لأجد ريح يوسُف‎{ ‎أوصلته إليه الصبا بإذنه تعالى من ‏مسير ثلاثة أيام أو ثمانية أو

‏ أكثر‏‎ "‎لولا أن تفندون‎" ‎تسفهون لصدقتموني

‎"‎قالوا‎" ‎له‎ "‎تالله إنك في ضلالك‎" ‎خطئك‎ "‎القديم‎" ‎من إفراطك في محبته ورجاء لقائه على بعد العهد

‏ ‏
‏{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً} أي بمجرّد ما جاء ألقى القميص ‏

على وجه يعقوب، فرجع من فوره بصيراً بعد ما كان ضريراً، وقال عند ذلك ‏

‏{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي أعلم أن الله سيجمع شملي ‏

بيوسف وستقر عيني به وسِيرِيني فيه ومنه ما يسرني.‏

فعند ذلك {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} طلبوا منه أن يستغفر ‏

لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا، ونالوا منه ومن أبيه، وما كانوا عزموا عليه، ولما ‏

كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقّهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم
‏ ‏
أبوهم إلى ما سألوا قائلاً: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}أي:‏

قال{ سوفَ أستغفرُ لكم ربي إنهُ هوَ الغفورُ الرحيم‎ { ‎أخر ذلك إلى السحر ليكون ‏

أقرب إلى الإجابة أو إلى ليلة الجمعة ثم توجهوا إلى مصر وخرج يوسف ‏والأكابر لتلقيهم.‏



‏{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَرَفَعَ ‏

أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا ‏

رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ ‏

الشّيْطان بَيْنِي وَبَيْنَ اخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ ‏

آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ

‏ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. ‏


هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل: إنها ثمانون سنة،

‏ وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن. وقال قتادة:خمس وثلاثون سنة،

‏ وقال مُحَمْد بن إسحاق: ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة. ‏

وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة.‏


قال الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} رفعهما على العرش أي أجلسهما معه ‏

على سريره {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} أي سجد له الأبوان والأخوة الأحد عشر تعظيماً ‏

وتكريماً، وكان هذا مشروعاً لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع ‏

حتى حرم في ملّة الإسلام.‏‎
‏ ‏‎
‎‎‏{ورفع أبويه‎ {‎‏ أجلسهما معه { ‏‎على العرش‎{ ‎‏ السرير { ‏‎وخروا‎{ ‎‏ أبواه وإخوته{له سجداً}‏‎

‏ ‏‎سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان‎ ‎‎‎وقال يا أبتي هذا تأويل رؤياي ‏

من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي {‏‎إذ أخرَجَني مِنَ السِّجْن} ‏‎لم يقل من

‏ الجب تكرماً لئلا يخجل إخوته‏‎ ‎‏{وجاء ‏بكم من البدو‎{ ‎‏ البادية‏‎} ‎من بعد أن نزغ‎‏} أفسد
‏ ‏
‏"‏‎الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم‏‎ {‎بخلقه‎}‎الحكيم‎‏}‏

في صنعه، وأقام عنده أبوه ‏أربعاً وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة، وكانت مدة‏‎ ‎فراقه

‏ ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة.‏

‏{وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ} أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك: ‏

من رؤيتي الأحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني
‏ ‏
بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ،

‏{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ}. أي: بعد الهمِّ والضيق ‏

جعلني حاكماً، نافذَ الكلمة، في الديار المصرية حيث شئت {وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ} ‏

أي البادية {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشّيْطان بَيْنِي وَبَيْنَ اخْوَتِي}. ‏

ثم قال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} أي: إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه ويسّرها وسهلها ‏

من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدّرها وييسّرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته ‏

‏{إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي بجميع الأمور {الْحَكِيمُ} في خلقه وشرعه وقدره.‏


‏{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‎ ‎وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ‎ ‎وَالْأَرْضِ

‏ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي‏‎ ‎مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‎‏ {‏

‎"‎رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث‎" ‎تعبير الرؤيا‎ "‎فاطر‎" ‎خالق‎

‏ "‏‎السموات والأرض أنت ولي‎" ‎متولي مصالحي‎ "‎في الدنيا والآخرة ‏توفني مسلماً

‏ وألحقني بالصالحين‏‎" ‎من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون ‏

سنة وتشاح‎ ‎المصريون في قبره فجعلوه في صندوق ‏من مرمر ودفنوه في أعلى النيل ‏

لتعم‎ ‎البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه


‏{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}‏‎‏ ‏

‎"‎ذلك‎" ‎المذكور من أمر يوسف‎ "‎من أنباء‎" ‎أخبار‎ "‎الغيب‎" ‎ما غاب عنك يا محمد‏‎ "‎نوحيه ‏

إليك وما كنت لديهم‎" ‎لدى إخوة يوسف‎ "‎إذ أجمعوا أمرهم‎" ‎في ‏كيده أي عزموا عليه

‎ "‎وهم يمكرون‎" ‎به أي لم تحضرهم فتعرف قصتهم فتخبر بها وإنما حصل لك ‏

علمها من جهة الوحي
‏ ‏

وقال تعالى في كتابه العزيز: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا ‏

تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً
‏ ‏
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يوصي بنيه بالإخلاص وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء
‏ ‏
عليهم السلام. ‏

‏ وحضر يعقوب الموت فوصى يوسف أن يحمله‏‎ ‎ويدفنه ‏

عند أبيه ‏فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا‎ ‎وعشرين سنة.‏

وقد ذكر أهل الكتاب: أنه أوصى بنيه واحداً واحداً، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، ‏

وبشّر يهوذا بخروج نبيّ عظيم من نسله، تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم. ‏
‏ ‏
وحين حضرت يوسف عليه السلام الوفاة أوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من ‏

مصر فيدفن عند آبائه، فحنّطوه ووضعوه في تابوت، فكان بمصر حتى أخرجه معه ‏

موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه. ‏

قالوا: فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين. ‏

هذا نصهم وفيما حكاه ابن جرير أيضاً. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن: ‏

ألقي يوسف عليه السلام في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه

‏ ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. ‏

ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة- صلوات الله عليه وسلامه.‏