عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 02-04-2010
::الـمـشـرف العـام::
::مستشار المنتدى::
الصورة الرمزية الامير المجهول
رقم العضوية : 8
تاريخ التسجيل : Jan 2010
عدد المشاركات : 7,604
الإقامة: oman
قوة السمعة : 172
غير متواجد
 
افتراضي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ورضوانه









قصة يوسف عليه السلام












موقع القصة في القرآن الكريم:‏

ورد ذكر القصة في سورة يوسف ‏

سورة يوسف [ مكية إلا الآيات 1 و2 و3 و7 فمدنية وآياتها 111 نزلت بعد سورة هود‏ ]‎
‏ ‏











القصة










بسم الله الرحمن الرحيم

‏{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ‏

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، قَالَ يَا بُنَيَّ لا ‏

تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشّيْطان
‏ ‏
لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ ‏

تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا

‏ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ‏

‏ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. ‏


كان ليعقوب من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً،وإليهم تنسب أسباط ‏

بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام. ‏
‏ ‏
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره، ‏

وباقي اخوته لم يَوْحَ إليهم، وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم ‏

في هذه القصة يدل على هذا القول. ‏

‏ ‏
قال المفسرون وغيرهم: ‏

رأى يوسف عليه السلام وهوصغير قبل أن يحتلم،
‏ ‏
كأن أحد عشر كوكباً (وهم إشارة إلى بقية إخوته) ‏

والشمس والقمر (وهما عبارة عن أبويه)قد سجدوا له، فهاله ذلك. ‏

‏ ‏
فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال ‏

منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث ‏

يخضع له أبواه وأخوته فيها. فأمره بكتمانها وألا يقصها

‏ على أخوته؛ كي لا يحسدوه ويبغوا له الغوائل‏

‏ ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر. ‏
‏ ‏


ولهذا جاء في بعض الآثار:‏

‏ "استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود". ‏
‏ ‏

قال تعالى: ‏

‏{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك هذه الرؤية العظيمة،

فإذا كتمتها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة،
‏ ‏
‏{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي يفهمك من معاني الكلام

‏ وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك. ‏
‏ ‏
‏{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي بالوحي إليك {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي بسببك، ‏

ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. ‏

‏{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي ينعم عليك ‏

ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك اسحاق، ‏

ووالد جدك إبراهيم الخليل، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}‏
‏ ‏
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، ‏

وأبو يعلى والبزار في مسنديهما، ‏

من حديث الحكم بن ظهير - وقد ضعفه الأئمة - على السُّدِّي عن‏

‏ عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: ‏

أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود ‏

يقال له: بستانة اليهودي، فقال: يا محمد أخبرني

عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماءها؟ ‏

قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، ‏

ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها فيما بعد، ‏

قال: فبعث إليه رسول الله فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسماءها؟"‏

قال: نعم. فقال: هي جريان، والطارق، والذيال، وذو الكتفان،

وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح،

‏ والضروح، وذو الفرع. والضياء، والنور". ‏
‏ ‏
فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. ‏
‏ ‏
قال تعالى {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَاخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ، ‏

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ

‏ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ‏

‏ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ، قَالَ قَائِلٌ ‏

مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ

‏ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ}. ‏
‏ ‏
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم،

‏ والدلالات والمواعظ والبينات، ثم ذكر حسد إخوة يوسف لمحبة‏

‏ أبيهم له ولأخيه أكثر منهم، ‏

وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من

‏ هذين {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي بتقديمه حبهما علينا. ‏
‏ ‏
ثم تشاوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض ‏

لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم ‏

وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد ذلك. ‏
‏ ‏
فلما تمالأوا على ذلك وتوافقوا عليه {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} ‏

قال مجاهد: هو شمعون، وقال السُّدِّي: هو يهوذا،

‏ وقال قتادة ومُحَمْد بن إسحاق: هو أكبرهم روبيل: ‏

‏{لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ}‏

‏ أي المارة من المسافرين {إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ} ما تقولون لا محالة،

‏ فليكن هذا الذي أقول لكم، فهو أقرب حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه. ‏

فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا ‏

عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا

‏ لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ‏

وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ}.‏
‏ ‏
طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم ‏

يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليم. ‏

‏ ‏
فأجابهم أباهم عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: ‏

يا بني يشق عليَّ أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا ‏

أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئب

‏ فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه. ‏

‏ ‏
‏{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ}‏
‏ ‏
أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه

حتى وقع هذا ونحن جماعة،إنا إذن لخاسرون،أي عاجزون هالكون. ‏

‏{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا ‏

إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، وَجَاءُوا أَبَاهُمْ ‏

عِشَاءً يَبْكُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ

‏ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، وَجَاءُوا ‏

عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ

‏ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. ‏
‏ ‏
‏ ‏
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه،

‏ فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، وأجمعوا على إلقائه‏

‏ في غيابت الجب، أي في قعره على راعونته، وهي الصخرة التي ‏

تكون في وسطه يقف عليها المائح، وهو الذي ينزل ليملي الدّلاء، ‏

إذا قلَّ الماء، والذي يرفعها بالحبل يسمّى الماتح. ‏
‏ ‏
فلمّا ألقوه فيه أوحى الله إليه: أنه لا بدّ لك من فرجٍ ومخرج من

‏ هذه الشدة التي أنت فيها،ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا، ‏

في حالٍ أنت فيها عزيز، وهم محتاجون إليك

‏ خائفون منك {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}. ‏
‏ ‏
قال مجاهد وقتادة: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك. ‏

وعن ابن عبَّاس {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}، أي لتخبرنهم بأمرهم

‏ هذا في حال لا يعرفونك فيها. رواه ابن جرير عنه. ‏
‏ ‏
فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطّخوه بشيءْ ‏

من دمٍ ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون، أي على أخيهم.‏

‏ {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} أي ثيابنا ‏

‏{فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أي في غيبتنا عنه في استباقنا، ‏

وقولهم: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي وما أنت بمصدق

‏ لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له، حتى وان كنّا غير متهمين عندك،‏

‏ فكيف وأنت تتهمنا في هذا؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب، ‏

وضمّنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك ‏

فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}‏

‏ أي مكذوب مفتعل، لأنهم عمدوا إلى ماعز ذبحوه فأخذوا من دمه‏

‏ فوضعوه على قميصه ليوهموه أنه أكله الذئب، قالوا:‏

‏ ونسوا أن يخرّقوه، وآفة الكذب النسيان. ولما ظهرت عليهم ‏

علائم الريبة لم يَرُجْ صنيعهم على أبيهم، فإنه كان يفهم عداوتهم

‏ له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، ‏

لما كان يتوسّم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في

‏ صغره، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته.‏

‏ ولما راودوه عن أخذه، فبمجرد ما أخذوه أعدموه وغيبوه عن ‏

عينيه وجاؤوا وهم يتباكون، وعلى ما فعلوا يتواطؤن ولهذا ‏

‏{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. ‏

‏ ‏
‏قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى ‏

هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَشَرَوْهُ ‏

بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ، وَقَالَ

الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا ‏

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ

تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا ‏

يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}. ‏
‏ ‏
يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ‏

ينتظر فرج الله ولطفه به فجاءت سيّارة- أي مسافرون-قال ‏

أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم،من الشام ‏

قاصدين ديار مصر، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، ‏

فلما أدلى أحدُهم دلوه، تعلَّق فيه يوسف. ‏

فلما رآه ذلك الرجل: {قَالَ يَا بُشْرَى} أي يا بشارتي ‏

‏{هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي اوهموا انه معهم غلام من

‏ جملة تجارتهم، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي هو عالم بما ‏

تمالأ عليه اخوته وبما يُسِرُّهُ واجدوه، من انه بضاعةٌ لهم، ‏

ومع هذا لا يغيّره تعالى، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ‏

والقَدَر السابق، والرحمة بأهل مصر، بما سيُجري الله على يدي ‏

هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يملّكُه ‏

أزمّة الأمورِ، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يُحَدّ ولا يوصف. ‏
‏ ‏
ولما استشعر أخوة يوسف بأخذ السيارة له، لحقوهم وقالوا: ‏

هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم بثمن بخس،‏

‏ {وشروه بثمن بخس دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ}. ‏
‏ ‏
قال ابن مسعود وابن عبَّاس ونوف البكالي والسُّدِّي وقتادة ‏

وعطية العوفي: باعوه بعشرين درهماً اقتسموها درهمين.‏

‏ وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً. وقال عكرمة ‏

ومُحَمْد بن إسحاق: أربعون درهماً، فالله أعلم.‏








عزيز مصر
‏ ‏





قال تعالى:

‏{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}‏
‏ ‏
أي أحسني إليه {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} ‏

وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد ‏

أن يؤهله له، ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة. ‏
‏ ‏
قالوا: وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها، ‏

وهو الوزير بها الذي تكون الخزائن مسلمة إليه.‏

‏ قال ابن إسحاق: واسمه أطفير بن روحيب،‏

‏ قال: وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد، ‏

رجل من العماليق، قال: واسم امرأة العزيز راعيل ‏

بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها زليخة، والظاهر ‏

أنه لقبها. وقيل: "فكا" بنت ينوس، رواه الثعلبي عن

‏ ابن هشام الرفاعي.‏

وقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، قال: ‏

أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه، ‏

والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: ‏

‏{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}‏

‏ وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ‏
‏ ‏
‏ ‏
ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً. وقيل: بوزنه مسكاً،

‏ ووزنه حريراً، ووزنه وَرِقاً. فالله أعلم. ‏
‏ ‏
وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} أي كما

قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به، مكنّا له ‏

في أرض مصر {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي فهمها. ‏

وتعبير الرؤيا من ذلك {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}، أي إذا أراد

شيئاً فإنه يقيض له أسباباً وأموراً لا يهتدي إليها العباد،
‏ ‏
ولهذا قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. ‏
‏ ‏
‏{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ‏

فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد، ‏

وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده ‏

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ‏
‏ ‏
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد،

‏ فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشَّعبي: هو الحلم، ‏

وقال سعيد بن جبير، ثماني عشرة سنة، وقال الضحاك: ‏

عشرون سنة، وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة، ‏

وقال السُّدِّي: ثلاثون سنة. وقال الحسن أربعون سنة.‏

‏ ويشهد له قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}.‏









إمرأة العزيز‏










قال تعالى:

‏{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ ‏

لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، ‏

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ‏

السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ

قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ ‏

بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ ‏

نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ‏

وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ،‏

‏ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، ‏

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ}. ‏
‏ ‏

يذكر الله تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه ‏

السلام عن نفسه، وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، ‏

وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وقد غلقت ‏

الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له، وتصنعت ولبست أحسن ثيابها ‏

وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير.‏

‏ قال ابن إسحاق:و إبنة أخت ملك مصر. ‏
‏ ‏
‏ سيدنا يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، ‏

إلا انه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربُّه عن الفحشاء. ‏

وحماه عن مكر النساء. فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء. ‏

المذكورين في "الصحيحين" عن خاتم الأنبياء. في قوله عليه ‏

الصلاة والسلام: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ‏

إمام عادل ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ورجل معلق قلبه ‏

بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا ‏

عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ‏

ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله ورجل دعته امرأة ‏

ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله". ‏
‏ ‏
‏ ‏
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، ‏

فقال: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} - يعني زوجها صاحب المنزل ‏

سيدي {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي احسن إلي واكرم مقامي عنده ‏

‏{إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} وقد تكلمنا على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ‏

وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} بما فيه كفاية ومقنع في التفسير. ‏

‏ ‏
والذي يجب أن يُعتقد به أن الله تعالى عصمه وبرّأه ونزّهه عن
‏ ‏
الفاحشة وحماه عنها وصانه منها. ولهذا قال تعالى: ‏

‏{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}. ‏
‏ ‏
‏{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها ‏

فاتبعته في أثره {وَأَلْفَيَا} أي وجدا {سَيِّدَهَا} أي زوجها {لَدَا الْبَابِ}،

‏ فبادرت بالكلام وحرّضته عليه {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ‏

إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. اتهمته وهي المتهمة، وبرأت عرضها، ‏

ونزهت ساحتها، لهذا قال يوسف عليه السلام:{هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} ‏
‏ ‏
‏{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} قيل: كان صغيراً في المهد، ‏
‏ ‏
وقيل: كان رجلاً قريباً إلى بعلها. وقيل قريباً إليها. ‏

فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ}. ‏

أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدَّت مقدم قميصه ‏

‏{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ} ‏

أي لأنه يكون قد هرب منها فاتّبعته وتعلّقت فيه فانشق قميصه لذلك، ‏

وكذلك كان. ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ ‏

مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} أي هذا الذي جرى من مكركن، أنتِ ‏

راودتيه عن نفسه. ثم اتهمته بالباطل.‏
‏ ‏
‏{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} أي لا تذكره لأحد، لأنَّ كتمان مثل هذه الأمور ‏

هو الأليق والأحسن، وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها، والتوبة ‏

إلى ربِّها فإنَّ العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه. ‏

وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلاّ انهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ‏

ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك. ولهذا قال لها بعلها، وعذرها ‏

من بعض الوجوه، لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله، إلا انه عفيف نزيه ‏

برئ العرض سليم الناحية، فقال: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِين}.‏

‏ ‏
‏{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا ‏

حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ‏

وَاعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ‏

فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا ‏

إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ‏

فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ ‏

رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ ‏

إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ ‏

هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.‏
‏ ‏

يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الأمراء، وبنات ‏

الكبراء في الطعن على امرأة العزيز، وعيبها والتشنيع عليها، في ‏

مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا، لأنه مولى من ‏

الموالي، وليس مثله أهلاً لهذا، ولهذا قلن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}‏
‏ ‏
أي في وضعها الشيء في غير محله.‏
‏ ‏
‏{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ} أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها والإشارة ‏

إليها بالعيب، والمذمة بحب مولاها، وعشق فتاها، فأظهرن ذماً،وأحبت
‏ ‏
أن تبسط عذرها عندهن، وتتبيّن أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا ‏

من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، واعتدت لهن ‏

ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين،

وأتت كل واحدة منهن سكّيناً، وكانت قد هيّأت يوسف عليه السلام و

ألبسته أحسن الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج ‏

عليهن بهذه الحالة، فخرج وهو أجمل من البدر لا محالة.‏
‏ ‏
‏{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي أعظمنه وأجللنه،وما ظَنَنّ أن يكون مثل هذا ‏

في بني آدم، وبهرهن حسنه، حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن ‏

يقطعن في أيديهن بتلك السكاكين، ولا يشعرن بالجراح ‏

‏{وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ}.‏
‏ ‏
‏{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ثم مدحته بالعفة التامة فقالت:‏
‏ ‏
‏{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أي امتنع {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا ‏

آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}. ‏

وكان بقية النساء حرّضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشدّ
‏ ‏
الآباء، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء، ودعى الله رب العالمين:‏

‏{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ‏

أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ}. يعني إن وكلتني إلى نفسي ‏

فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملك لنفسي نفعاً ‏

ولا ضراً، إلا ما شاء الله، فأنا ضعيف، إلاّ إن قويتني وعصمتني وحفظتني
‏ ‏
وأحطتني بحولك وقوتك.‏
‏ ‏