عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 4  ]
قديم 11-14-2010
الصورة الرمزية عابر الفيافي
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
عدد المشاركات : 8,712
الإقامة: oman
قوة السمعة : 188
غير متواجد
 
افتراضي
قضية خلق القرآن
في فترة من فترات الترف الفكري في عهد الدولة العباسية أثير في أوساط المسلمين سؤال شغل علماء المسلمين وحكامهم سنوات طويلة واختلفوا فيه اختلافا كبيرا حتى أنهم كفروا بعضهم بعضا، وهذا السؤال هو: هل القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ والذي أثار هذا السؤال كما تقول بعض المصادر هو رجل يهودي تظاهر بالإسلام اسمه شاكر الديصاني. ونظرا لأن هذه القضية ليست من أصول الدين ولا ينبني عليها عمل فسأكتفي فيها بذكر بعض الملاحظات والتعليقات، ومن أراد مزيدا من التفصيل فيها ليعرف أقوال العلماء ووجه الخلاف فيها فليرجع إلى كتاب الحق الدامغ للشيخ أحمد الخليلي[1].
1- إنّ هذه القضية لم تكن معروفة في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم ) ولا في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى نهاية الدولة الأموية، كما أن القرآن الكريم لم يتحدث عنها وكذلك السنة النبوية وهي ليست من الأمور الاعتقادية التي لا يتم الإيمان إلا بها ولا ينبني عليها أي عمل والخوض فيها وخصوصا في هذا العصر من الأمور التي يجب أن ينهى عنها، ويكفينا ما أجمع عليه المسلمون بأن القرآن كلام الله تعالى ونحن مطالبون بحفظه وفهمه وتدبره والعمل به.
2- إن هذه الفتنة حدثت في العراق في بداية القرن الثالث الهجري وكانت في بدايتها معركة جدلية بين بعض علماء المعتزلة والحاكم العباسي من جهة وبين الإمام أحمد بن حنبل وبعض من أتباعه من جهة أخرى. ولم يشترك فيها الإباضية لا من قريب ولا من بعيد, ففي الوقت الذي أثيرت فيها هذه القضية كان الإباضية في معزل عن هذا الجدل الفكري الذي شغل المسلمين سنوات عديدة.
3- دام الجدل في هذه القضية قرابة عشرين عاما(218-234) وتوالى على الحكم العباسي في هذه الفترة المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل في بداية عهده. وقد أعلن المأمون وهو الخليفة العباسي بوجوب الاعتقاد بخلق القرآن وأجبر الناس والعلماء على التصريح بذلك، وامتحن الناس والعلماء. وقصة الإمام أحمد بن حنبل في هذا معروفة ومشهورة. الغريب أنه في ذلك الوقت كان شغل الناس محصورا فقط في : هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ ولم يطرح أحد من العلماء السؤال الذي هو أهم منه وهو: هل يجوز للحاكم أو الخليفة أو غيره أن يكره أحدا من الناس على الاعتقاد بأمر مختلف فيه. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه (لا إكراه في الدين)، فكيف يحق لأي إنسان أن يكره الناس ويجبرهم على الاعتقاد بخلق القرآن أو غيره، فكتب التاريخ لم تذكر أن أحد من العلماء وقف ليقول للمأمون ومن معه : لا يجوز لكم أن تكرهوا الناس على الاعتقاد، كما أنه لم نقرأ في كتب التاريخ أن وقف أحد من هؤلاء العلماء لينكر الفساد واللهو المتفشي في المجتمع الإسلامي بصفة عامة وفي بلاط الدولة بصفة خاصة في ذلك الوقت. فكيف يسكت العلماء عن هذا الفساد ويهتموا بقضية فرعية من قضايا الدين. إن كان هذا يدل على شيء فإنه يدل على وجود أيدي خفية تسعى لبث الفرقة بين المسلمين حتى جرتهم إلى مثل هذا الجدل الذي لا هدف منه.
4- في الوقت الذي كان الجدل في هذه القضية على أشده كان للإباضية إمامة بالمغرب، عرفت في كتب التاريخ بعد بالدولة الرستمية، وقد شهد لها التاريخ بالعدل والاستقامة وإقامة الدين والحرية الفكرية وتعدد المذاهب والآراء والدعوة إلى الله كما هو مفصل في كتب للتاريخ[2]، كما كانت في تلك الفترة إمامة في عُمان توالى عليها عدة أئمة انتُخِبوا بالشورى وحكموا بالعدل.
5- إن اعتقاد المأمون بخلق القرآن لم يأت عن جهل أو إيحاء من ابن أبي دؤاد[3] كما تقول بعض كتب التاريخ - لإبعاد الشبهة عن المأمون - وإنما عن يقين واقتناع لأن كل كتب التاريخ تذكر أن المأمون كان قد حفظ القرآن ودرس الحديث واللغة والأدب والشعر، وفي الوقت الذي كان فيها أهل الحديث يحدثون كان يجتمع عليه التلاميذ، وقد صنع له منبرا كما صنع لهم وحَدّث كما حدّثوا، فهذا يدل أنه صاحب علم وأن اجتهاده لم يأت من فراغ وليس من الخطأ أن يقتنع بأن القرآن مخلوق أو غيرها من القضايا التي اختلف فيها العلماء، وإنما الخطأ الذي وقع فيه والذي يجب أن ينبه عليه من قبل العلماء هو إجباره الناس على الاعتقاد بما يعتقده هو. وكان واجبُ العلماء في ذلك الحين أن يركزوا في نقاشهم وبحثهم وردودهم علي قضية إجبار الناس على الاعتقاد بخلق القرآن وليس على قضية: هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟
6- عندما وصلت أخبار هذه الفتنة إلى الإباضية في عُمان والمغرب بدؤوا في نقاشها وبما أنهم لم يشتركوا في تلك الفتن ولم يقعوا تحت العواطف فكان بحثهم في القضية موضوعيا لأنهم انطلقوا من قاعدة الحجة والدليل وليس من باب التكفير والإكراه والضغائن والأحقاد. وهم أيضا اختلفوا فيها ولهم فيها رأيان معتمدان في المذهب، والاختلاف ناتج عن معنى كلمة القرآن. هل هو علم الله وكلامه الذاتي أم هو المصحف. فمنهم من قال بأن القرآن مخلوق، ومنهم من قال بأنه غير مخلوق ولكن لم يكفر أحد منهم الآخر كما حصل في العراق. فعلماء الإباضية في المغرب اتفقوا على أن القرآن مخلوق, أما في عُمان فقد اختلف العلماء في خلق القرآن ذلك الوقت في بداية الأمر وخصوصا بين محمد بن محبوب بن الرحيل وبين محمد بن هاشم واستمر النقاش فيها فترة من الزمن وعندما خافوا من الفتنة والانشقاق اجتمعوا في مدينة دما (السيب حاليا) واتفقوا على الاكتفاء بما كان عليه السلف وهو الكف عن التصريح بخلق القرآن أو عدمه[4].
7- ليس من مصلحة المسلمين اليوم إثارة مثل هذه القضايا من جديد والأفضل لهم الكف عنها وعن غيرها من القضايا التي لا طائل من ورائها، إذ لم يثبت أن قال أحد من الصحابة أو التابعين أن القرآن مخلوق كما لم يقل أحد منهم أنه قديم، بل إن الآثار المتواترة عنهم أن القرآن كلام الله، وفي هذا كفاية لجمع الأمة من جديد. والمشكلة في عمومها فلسفية كلامية أُقحمت فيها العامة إقحاما وأجبر فيها العلماء على قول واحد ولولا ذلك لما كانت مشكلة أصلا.
[1] أحمد الخليلي: الحق الدامغ

[2] عن الدولة الرستمية أنظر إبراهيم بحاز : الدولة الرستمية - دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية. الجزائر 1993

[3] أبي دؤاد: قاضي المأمون

[4] الحق الدامغ - أحمد الخليلي


حوار حول خلق القرآن

التقيت في أحد الأيام بأحد الإخوة من زنجبار وحدثني بقصة حصلت له مع رجل كان يجلس بجانبه في رحلة جوية بين جدة والقاهرة قال: بعد ان تعارفنا وتحدثنا في كثير من المواضيع سألني سؤالا محرجا فقال لي إلى أي مذهب تنتمي. قلت له أنا إباضي.
قال: إذا أنت من الخوارج.
قال: فغضبت غضبا شديدا ولكني كظمت غيضي ورردت عليه بهدوء قلت :وما دليلك أننا من الخوارج
قال: لعدة أسباب
قلت هاتها
قال: أولا أنكم تقولون بخلق القرآن
قلت له: إن كل الآشياء التى نتعامل معها ونعرفها إنما هي مخلوقة فكل ما في الكون مخلوق والله خالق كل شيء وماذا تقول أنت
قال لا أقول بخلق القرآن.
إذن ما ذا تقول
قال: أقول قديم
قلت: ماذا تقصد بقديم ..... فسكت

قلت له ما معنى قرآن؟ هل هو الكتاب المطبوع الذي بين يدينا أم الحروف أم كلام الله
. اذا كان القصد بالقرأن الكتاب بما يحويه من كلمات وحروف وحبر فهي أشياء لايشك عاقل أنها مخلوقة وإذل كان المقصود بالقرآن كلام الله فهو كلام الله دون أن نزيد على ذلك كون كلام الله مخلوق أو غير مخلوق.

ومع ذلك نقول أن الإباضية لم ي
نفردوا بالقول بخلق القرآن بل أن كثيرا من علماء السنة أنفسهم يقولون بخلق القرآن.

إن قضية خلق القرأن ليس قضية شرعية ينبني عليها حكم شرعي يترتب عليه ثواب وعقاب بل هي قضية فلسفية قابلة للتأويل وتحتمل أكثر من فهم وكل ع
الم فسرها حسب وجهة نظره
وهل قول الإباضية بأن القرآن مخلوق إذا تعارض مع قول غيرهم يخرجهم من الملة؟ أعتقد أن الأمر فيه شيئ من الإجحاف ولإذا كان هذا حقا فهذا ينطبق على كل قضية اختلف في تأويلها الناس

أنني أدعوا كل المتنطعين الذين الذين يبحثون عن القضايا الخلافية وتكبيرها أن يهدؤا قليلا ويعلموا أن الناس قد تغيرت أفهامها وأن على كل من يقول شيئا لا يكفيه أن يقول قال فلان أو علان ولو كان هذا الفلان شيخ الاسلام أو أحد الإئمة فقولهم إن لم يكن دليله قويا مقنعا يعتد به

إن
امتحان أحمد ابن حنبل في هذه القضية لا يعني أن قوله كان الحق وإن صبره على الأذى لا يقوي رأيه لكن القضية سياسية بحثة فلو افترضنا أن العكس كان .

ماذا لو كان
الحاكم العباسي (المتوكل) متبني الرأي الأخر وأحمد ابن حنبل تبني راى خلق القرآن وعذب وأوذي وسجن على هذا القول ألا يكون راي الحنابلة وأهل السنة ومن جاء بعدهم أن القرآن مخلوق

ثم أن الذي سجن وعذب ههو خليفة المسلمين أي أن الرأي الرسمي للدولة الاسلامية هو الق
ائل بخلق القرآن فهل خليفة المسلمين في ذلك الوقت خارج من الملة أو من الخوارج أو لديه خلل في العقيدة.
نسأل الله السلامة والعفو والعافية


عقيدة التوحيد للشيخ اسماعيل الجيطالي


قال مولّفها: ينبغي أن يلقَّن الصبي هذه العقيدة مشروحة في أوَّل نشأته، حتّى يحفظها حفظاً، وهي هذه:


إنَّ الله تعالى أوجب على كلِّ بالغ سالمٍ عاقل من الآفات أن يعتقد: أنَّ الله سبحانه إله واحد لا شريك له، منفرد لا نِدَّ له، قديم لا أوَّل له، مستمرُّ الوجود لا آخر له؛ ليس بجسم مصوَّر ولا بجوهر مقدَّر؛ ولا يماثل الأجسام ولا يتجزَّأ بالانقسام؛ ولا تحلُّه الجواهر والأعراض؛ ولا تعتريه الخواطر والأغراض، ولا تحويه الأقطار والجهات، ولا تكتنفه الأرض ولا السموات؛ منزَّه عن التمييز والانتقال، مقدَّس من الزوال؛ حيُّ قادر جبَّار قاهر، لا يعترضه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ملك الملكوت والعزَّة والجبروت، منفرد بالخلق والاختراع، متوحِّد بالإيجاد والإبداع، عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السموات.
لا يعزب عنه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماوات، يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، يعلم حركة الخواطر وما يختلج في مكنون الضمائر، عالم بما كان وبما يكون من ظاهر ومكنون، يعلم ذلك بنفسه وبذاته، لا بعلم متجدد قائم بالذات، تعالى الله عن حلول المعاني والصفات، وهو تعالى مريد للكائنات، مدّبر للحادثات، خالق لجميع الموجودات وأفعالِها، مقدِّر لأرزاقها وآجالها؛ لا يقع كفر ولا إيمان، ولا نكر ولا عرفان، ولا سهو ولا نسيان، إلاَّ بقضائه ومشيئته وحكمه وإرادته، لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه.

لم يزل قادراً مريداً في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدَّرها لها، فوجدت في أوقاتها كما قدَّرها، من غير تقدُّم ولا تأخُّر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته.


وهو سبحانه سميع لا تخفى عليه الأصوات، بصير لا تغيب عنه الألوان، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دقَّ؛ يرى من غير حدقة ولا أجفان، ويسمع من غير أصمغة ولا آذان، كما يعلم من غير قلب ولا جنان، وهو تعالى متكلم بلا شفة ولا لسان.
أمر بالطاعة والإحسان، ناه عن الإساءة والعصيان؛ وأعدَّ على طاعته ثواب الخلد والجِنان، متوعِّد على معصيته عقاباً بين أطباق النيران.


وإنَّه تعالى حكيم في أفعاله، عادل في حُكمه، متفضِّلٌّ بالإنعام، متمِّيزٌ بالإحسان، لا يظلم الناس شيئاً، ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون، لا يسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون.
وأنّه تعالى بعث رسوله النبي الأمين، محمدبن عبد الله خاتم النبيين إلى الجنِّ والإنس أجمعين، فنسخ بشريعته جميع الشرائع المتقدِّمة إلاَّ ما لا ينسخ، من التوحيد ومكارم الأخلاق، فختم به الأنبياء، وفضَّله على جميع أوليائه من الأنبياء والأصفياء، ومنع سبحانه كمال التوحيد الذي هو قوله: لا إله إلاَّ الله، ما لم تقترن به الشهادة لرسول الله، وألزم الخلق تصديقَه في جميع ما قاله وأخبر عنه: من أنَّ الموت حقٌّ، وأنَّ البعث حقٌّ، وأنَّ الحساب حقٌّ، وأنَّ الجنة حقٌّ، وأنَّ لله جملة الأنبياء والرسل، وجملة الملائكة والكتب، والإيمان بالقضاء والقدر، وولاية أولياء الله من الأوَّلين والآخرين، والعداوة لأعدائه من الإنس والجنِّ أجمعين، ومعرفة الشرك وأحكامه، ومعرفة كبائر النفاق، وفرز كبائر الشرك من كبائر النفاق، ومعرفة تحريم دماء المسلمين وأموالهم، وسبي ذراريهم بالتوحيد الذي معهم، ومعرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم وسبي ذراريهم، بالشرك الذي معهم، ومعرفة الملل وأحكامها، واعتقاد العبودية لله بجميع أوصافها.








من قضايا العقيدة






من المباحث اللغوية والمصطلحات الشرعية التي تناولتها أقلام أكثر علماء الإسلام، وَاتَّفَقت نظراتهم فيها حينا واختلفت حينا آخر، هي معاني كلمات: الكفر، والإيمان، والإسلام، والشرك، والنفاق، والعصيان، والكبيرة.
وللإباضية في هذه المواضع مفاهيم كما لغيرهم، فكل المذاهب تأخذ أحكامها من كتاب الله وسنة رسوله (ص)، ولكن قد يختلفون في طرق الاستنباط.
ومن هذه المفاهيم ما يلي:
? الإيمان والإسلام والكفر.
? كفر النعمة.
? الوعد والوعيد.
? الولاية والبراءة والوقوف.
? خلود العصاة في النار.
? الشفاعة.
وهذه القضايا مرتبطة ببعضها البعض، وتكمل بعضها بعضا، و يترتب عليها التعامل بين الناس.
مفهوم الإيمان:
يرى الإباضية أن النطق بالشهادتين وحده لا يكفي لأن يكون الإنسان مسلما، بل يلزم أن يترجم هذا القول والاعتقاد إلى عمل صالح، فالإسلام اعتقاد وقول وعمل، ولا يتم إسلام المرء إِلاَّ بهما معا. فالاعتقاد: هو الإيمان الخالص بالله وملائكته وكتبه ورسله. والقول: هو النطق بكلمة الشهادة، والعمل: هو الإتيان بجميع الفرائض، واجتناب جميع المحرمات، والوقوف عند الشبهات.
فطبيعة الإسلام تقتضي من الفرد المسلم أن يؤمن بالله ورسله، ثُمَّ يصرح بلسانه بهذا الإيمان، وبعدها يندفع للعمل بما جاء في هذه الرسالة التي آمن بها. ﴿ وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(33)﴾ (فصلت) والثواب والعقاب في الآخرة منوطان بالإيمان والعمل معا، وليس بالإيمان ولا بالقول فقط دون ارتباطها ﴿ يَـآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَاَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَـقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ(3)﴾ (الصف). ولقد كان رسول الله (ص) يقول وهو يدعو الناس إلى الإسلام في مَكَّة: «أيها الناس، قولوا لا إله إِلاَّ الله تفلحوا» وكفار قريش كانوا يعلمون أَنَّها ليست كلمة تلاك بالألسن ولو كانت كذلك لقالوهَا، وعصمت دماؤهم، وَإنَّمَا هي التزام بمقتضى هذه الكلمة، وانقياد كامل لله ورسوله، وهم غير مستعدين لذلك، ولذلك فلم يؤمن إِلاَّ من أدرك المعنى الحقيقي للكلمة. وعلى هذا الأساس يفهم قول النبي (ص): «من قال لا إله إِلاَّ الله دخل الْجَنَّة». فمن قال: «لا إله إِلاَّ الله مُحمَّد رسول الله» عليه أن يعمل بمقتضاها، وهذا الذي عليه الإباضية، أَمَّا غيرهم فإن الذي يقرأ في كتب الإيمان والعقائد يجد عدة تفسيرات لهذا الحديث تترد بين رأي الإباضية، وبين من يأخذ بظاهر الحديث، ويقول: إِنَّ كلمة التوحيد كافية لدخول الْجَنَّة.
ومن هذا نفهم أَنَّهُ لا يختلف مفهوم الإسلام عن مفهوم الإيمان عند الإباضية إذَا تفرقا، فكلاهما شيء واحد من الناحية الشرعية، أَمَّا من الناحية اللغوية فمعنى كُلّ منهما واضح، فالإسلام: يعني الانقياد، والإيمان: يعني التصديق.
يقول الشيخ علي يحي معمر: «لو ألقيت نظرة إلى العالم الإسلامي الذي يموج بملايين البشر، يشهدون أن لا إله إِلاَّ الله وأن مُحمَّدا رسول الله، ويفخرون بأنهم مسلمون لأذهلتك النتيجة. تجد أحدهم يقول: لا اله إلا الله مُحمَّد رسول الله، لكن قلبه ممتلئ بحب غير الله، وجوارحه تتسابق إلى ما نهى الله عنه. فما وزن المسلم الذي لا يقرب الصلاة، أو لا يؤدى حق الله في ماله، وما وزن المسلم الذي ينفق الأموال في كُلّ سبيل إِلاَّ سبيل الله، ويشترك في كل مشروع إِلاَّ مشروع الخير، ويغشى كل مجلس إِلاَّ مجلس الذكر.
إنك تستطيع أن تجد آلاف الصور لملايين من البشر كُلّها تخالف ما أنزل الله، وهؤلاء كلهم محسوبون على الإسلام.
إن عشرة آلاف من المسلمين عندما كان الإسلام إيمانا وقولا وعملا استطاعوا أن يهدوا الملايين إلى دين الله بسلوكهم قبل أن يهدوهم بأقوالهم وأسيافهم، واستطاع أولئك الآلاف القليلة أن يثبتوا حكم الله قويا مزدهرا في بلاد الله وإن كان أهلها على غير الإسلام، لأَنَّ أولئك القلة كانوا مسلمين حقا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم»[1].
كيف يحكم الإسلام على هؤلاء الناس الذي يؤمنون بالله ورسوله قولا، ويخالفون أوامر الله ورسوله عملا، وكيف يتعامل الفرد المسلم والمجتمع المسلم معهم. وما مصير هؤلاء في الآخرة. هذا ما سيأتي بيانه، ولكن قبل ذلك يلزم أن نبين أقسام الناس في الدنيا والآخرة وأقسام الذنوب.
كفر النعمة:
ينقسم الناس في الدنيا إلى مسلم وكافر.

أَمَّا المسلم فهو المؤمن التقي الموفي بدينه الحريص على إسلامه, القائم بالواجبات والمجتنب للمعاصي والسيئات، وهو الذي يرجو رحمة رَبِّه ويخشى عذابه ويتوب كُلَّ ما أذنب.

وأَمَّا الكافر: نوعان: كافر كفر شرك (الخارج من الملة) . وكافر كفر نفاق أو كفر معصية، وهو ما يطلق عليه الإباضية: كفر النعمة.
فالكفر بمعنى الشرك: لا يطلق إلاّ على من أنكر معلوما من الدَّين بالضرورة كوجود الله، أَو أشرك به غيره، أو أنكر شَيئًا الوحي أو الرسالة، أو البعث أو الحشر أو الحساب أو الجنة أو النار.
وكفر النفاق أو كفر النعمة: فيطلق على كُلّ من ارتكب كبيرة من الكبائر العملية كالسرقة والزنى والخمر، أو تركية كترك الصلاة وعدم صيام رمضان... وغيرها، والمذاهب التي لا تطلق الكفر على مرتكب المعصية الكبيرة، إِنَّمَا ذلك لأَنَّ الكفر عندهم مرادف للشرك[2].
وقد وردت كلمة الكفر بهذه المعاني في عدة آيات من القرآن الكريم، فأحيانا تأتي بمعنى الشرك، وأحيانا بمعنى كفر النعمة، كما وردت في أحاديث صحيحة عن النَّبِيّ (ص) ومن أمثلة ذلك من القرآن الكريم:
¨ قول الله تعالى: ﴿ لِيَـبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنـَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبـِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(40)﴾ (النمل)، ومعنى الكفر هنا: هو جحود نعمة الله تعالى وفضله وإحسانه.
¨ قول الله تَعَالىَ: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيـَةً كَانَتَ ـ امِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾ (النحل).
¨ قول الله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)﴾ (آل عمران) والكفر هنا يعني: ترك الحج مع الاستطاعة.
¨ قول الله تعالى ﴿ وَمَن لـَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ(44)﴾ (المائدة)
ومن الأحاديث:
¨ قول النبي (ص) «من ترك الصلاة فقد كفر» وقوله أيضا: «بين العبد والكفر ترك الصلاة».
¨ قول الرسول (ص) : «الرشوة في الحكم كفر».
¨ قوله (ص) فيمن أتى كاهنا: «من أتي كاهنا أو عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل على مُحمَّد».
¨ قوله (ص) فيمن يتهاون بالصلاة: «من ترك الصلاة كفر».
¨ قول الله تعالى فيمن يتعامل بالربا: ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ اَثِيمٍ(276)﴾ (البقرة)
وكثير من هذه النصوص التي وردت بهذا المعنى، والتي إذا أمكن تأويل بعضها بالشرك أو بالردة، فإن بعضها الآخر لا يمكن تأويله إِلاَّ على كفر النعمة الذي هو بمعنى العصيان أو الفسوق، أو ما يطلق عليه أهل الحديث: «كفر دون كفر».
ففي كل الأمثلة السابقة لا يمكن أن نحصر كلمة «الكفر» على الخروج من الملة أو الشرك بالله، ولذلك يتبين تقسيم الكفر عند الإباضية إلى قسمين:
كفر شرك ، وكفر نعمة.
فكفر الشرك: مرتبط بأصول العقيدة، وهو مرادف للشرك.
أَمَّا كفر النعمة: فهو مرتبط بالأعمال، وكلاهما سماه القرآن كفرا كما في الآيات السابقة.
ولقد استغل بعض الكتاب المتحاملين على الإباضية - قديما وحديثا - إطلاق الإباضية كلمة الكفر على مرتكبي الكبائر من المسلمين، فقالوا بأن الإباضية يقولون بكفر مرتكبي الكبائر من المسلمين دون أن يبينوا معنى الكفر المقصود، ذلك لأَنَّهُم يفهمون معنى الكفر بأنه الكفر المرادف لكلمة الشرك: وهو الخروج من الملة، ومن ذلك يفهم القارئ من هذه الكتب كأن الإباضية يقولون: بأن مرتكب الكبيرة مشرك، وهذه مخالفة للحقيقة، بل من الشبه التي استغلت على مدى التاريخ للصد عن الفكر الإباضي, فكثير من الناس حين يسمعون أن الإباضية يحكمون بكفر عصاة الموحدين، يحسبون أن هذا الحكم إخراج للمسلمين من الدين، وحكمٌ عليهم بالشرك، وهذا ما ذهب إليه الخوارج، فالإباضية فرقة من الخوارج، وهكذا يبنون نتائج على مقدمات كاذبة مشوهة، فيتورطون في خطأٍ شنيع، وينسبون إلى فرقة من أحرص فِرَق الإسلام على قول الْحَقِّ واتباعه، ومن أشدها تمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله، ينسبون إليها أقوالاً وآراءً هي أبعد عنها من الذين ينسبونها إليها، ولو رجع هؤلاء إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلى سنة رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، ثُمَّ اطلعوا على كتب الإباضيَّة وناقشوها في أدلتها ومستنداتها، وعرضوها على الميزان الذي وضعه مُحمَّد (ص)، وفهموا المعنى الذي يقصده الإباضية من كلمة الكفر حين تطلق على الموحدين، إِنَّهُم لو فعلوا ذلك لوفروا على أنفسهم وصمة الجهل، وعلموا أن هؤلاء الناس يحاسبون أنفسهم على كُلّ دقيقة وجليلة، قبل أن يحاسبهم الناس، وأَنَّهم لا يقدمون على قول أو عمل، إِلاَّ إذا انبنى على آية محكمة أو سنة متبعة. وأعتقد أن ما تَقَدَّم يكفي لإيضاح المقصود من إطلاق كلمة الكفر على العصاة ويقصد بذلك كفر النعمة.
وقد يسأل سائل لماذا استعمل الإباضية كلمة الكفر على العصاة، ولم يستعملوا كلمة أخرى مثل الفسوق والنفاق، والسبب كما يقول الشيخ علي يحي معمر رحمه الله :
«أَوَّلاً: أَنَّها الكلمة التي أطلقها القرآن والسنة النبوية عليهم في كثير من المناسبات كما ذكرنا بعضها فيما سبق.
وثانيا: أن كلمة النفاق كان لها أثرا خاصا في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول الله (ص)، آمنوا ظاهرهم ولم تؤمن قلوبهم. فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم ويفضح بعضهم، ويتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، حتَّى اشتهروا بهذا الاسم، وعرفوا به قال تعالى ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنم بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ, إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(67)﴾ (التوبة)
ولقد استعمل الإباضية كلمة الكفر في وصف العصاة الذين يرتكبون الموبقات أو ما يشبهها، لأَنَّ الرسول (ص) حين وصف تارك الصلاة والراشي والمرابي وغيرهما بالكفر، ولم يحكم عليهم بالشرك أو الردة أو الخروج من الملة.
فاستعمل الإباضية كلمة الكفر في المواضع التي استعملها القرآن الكريم ورسول الله (ص) وفيما يشبهها، وهي تعني كفر النعمة كما هو واضح من الآيات والأحاديث السابقة.
ومن الجدير بالذكر أنه قد وافق الإباضية على إثبات كفر النعمة جماعة كبيرة من العلماء؛ منهم: البيهقي، وابن الأثير، وابن العربي، والحافظ ابن حجر، والعيني، والقسطلاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وابن عاشور، وغيرهم»[3].
يقول الشيخ على يحي معمر : «ولو حكم بالشرك أو الخروج من الملة على كل من ارتشى وكل من رابى وكل من صدق كاهنا أو عرافا، وكل من تهاون في صلاة أو حج فريضة لما بقي من المسلمين إِلاَّ العدد اليسير. ولو سرنا مع هذا المنطلق لحكمنا عَلَى جميع المسلمين بالشرك أو الردة لقوله (ص) : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ولقد بدأ ضرب الرقاب بعده بقليل، ولم يتوقف حتَّى اليوم. بل إن رقاب المسلمين لتطير بأيدي المسلمين في كُلّ يوم حتَّى هذا العصر، ولا يبدو أنها ستتوقف، فهل نحكم على كُلّ هؤلاء بأنهم مشركون مرتدون. وهل نحكم على أولئك البسطاء السذج الذين يصدقون كُلّ شيء حتى العراف بأنهم مشركون مرتدون. فالإباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على موحد فهم يقصدون به كفر النعمة، وهو ما يقصد به الفسوق أو النفاق أو العصيان عند غيرهم. فكفر النعمة والفسوق والعصيان كلمات ثلاثة تدل على معنى واحد، وهذه الكلمات الثلاثة أطلقت على المنافقين في عهد النبي (ص) كما أطلقت على الذين يجاهرون بالمعصية»[4].
كيف يحكم الإباضية على المسلم العاصي؟ وكيف يتعاملون معه؟
إنهم ينزلون العصاة المنزلة التي أنزلها الله تعالى لهم، ويتعاملون معه كما بين القرآن الكريم، وكما تعامل معهم الرسول (ص). نجد هذا واضحا جليا في تعامله مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فقد أمر النَّبِيّ أصحابه أن يعتزلوهم ولا يكلموهم حتَّى تاب الله عليهم.
وهكذا سار الإباضية على هذا النهج فكانوا يتبرؤون من العصاة، وهكذا يجب أن تكون معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله أو ينافق في دين الله، أو يكفر بنعمة الله، فإنها معاملة العاصي المنتهك الذي يجب إرشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربه، فإن أصرّ واستكبر برئ منه ومن عمله وجافاه المسلمون حتى يتوب.
إذن لاَ بُدَّ أن نفرق في المعاملة بين المؤمن المتقي، وبين العاصي المرتكب لما نهى الله عنه، والثواب والعقاب مرتبطان بالعمل، يقول الله تعالى في سورة السجدة: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ(18) أَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَاوَىا نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(19) وَأَمَّا الذِينَ فَسَقُوا فَمَاوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوا أَنْ يـَّخْرُجُوا مِنْهَآ أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ(20)﴾.
فالمسلم العاصي والمجاهر بمعصيته يُنصح ويُدعى إلى التوبة والرجوع، فإن أبي تبرأ منه وجافاه المسلمون. وهذا ما يعرف عند الإباضية بالولاية والبراءة[5]، كما هو مفصل في مكان آخر من هذا الكتاب.
أقسام الذنوب
من المعلوم أن الذنوب أو المعاصي قسمان : كبائر، وصغائر.

فالكبائر جمع كبيرة: وهي كل ما عظم من المعصية مِمَّا فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، فالسرقة وشرب الخمر والزنا وقتل النفس التي حرم الله، والكذب وعقوق الوالدين والفرار يوم الزحف وترك الصلاة والامتناع عن دفع الزكاة وترك الحج مع الاستطاعة، وقطع الطريق والظلم، وإيذاء المسلمين وتخويفهم والفساد في الأرض، ونصرة الباطل والحكم بغير ما أنزل الله إلى غير ذلك من الأفعال المحرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، كل ذلك من الكبائر، وهي التي يترتب على ارتكابها وعيد في القرآن أو في السنة، سواء شرع لها حد في الدنيا كالزنا والسرقة أو لم يشرع كأكل الربا والميتة ولحم الخنزير»[6].

أما الصغائر فهي ما دون الكبائر وهي الذنوب التي بين العبد وبين الله تعالى، وقد ذكر أبو مسلم الرواحي في نثار الجوهر نقلا عن قطب الأئمة أمثلة منها: الغمزة والهمزة والنظرة والهم بالمعصية والكذب على غير الله ورسوله حيث لا ضرر على أحد، والدخول بغير إذن، وأخذ حبة أو حطبة أو غير ذلك من مال الغير، ولبس ثوبه وركوب دابته أو سقي بدلوه. ويمكن أن يقاس عليها ما تشبهها. وهذه الذنوب هي التي قال الله تعالى فيها ﴿ إِن تَـجْتَنِبُوا كَبَآئِـرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا(31)﴾ (النساء) وهي التي يغفرها لله للعبد، وتكفرها الصلوات المكتوبة والصدقات والصوم وصلاة الجمعة.

أما الكبائر فلا تغفر إِلاَّ بتوبة صادقة.

ومنها فإن مرتكب الكبيرة المصرّ عليها والذي يموت يخلد في النار كما سيأتي بيان ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

وقد وعد الله تعالى من عمل بطاعته الْجَنَّة، ولا خلف لوعده، وأوعد لمن عصاه النار إذا مات غير تائب من معاصيه وأصر عليها، ولا خلف لوعيده، ولا مبدل لقوله. قال تعالى: ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ(29)﴾ (ق)، وقال : ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)﴾ (آل عمران) فالوعد حق والوعيد حق، قال تعالى : ﴿ وَنَادَىآ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا وَعَدَ رَبـُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُم بَيْنَهُمُ, أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(44)﴾ (الأعراف).
فمن مات مؤمنا بالله تائبا، صادقا في توبته مخلصا لله في عمله، كان من أهل رضوان الله تعالى، ولا يؤخذ بما جناه قبل التوبة، ومن مات مصرا على شيء من معاصي الله، ولم يتب من المعاصي التي توجب التوبة، كان من أهل سخط الله، ولا ينتفع بما سبق من عمله. مصداقا لقول الرسول (ص): «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراعا فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراعا فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». فالعاقبة بحسن الخاتمة وطالما أن المرء لا يدرى متى تكون نهايته فإن عليه أن يعمل الصالحات طول حياته، وإن أخطأ فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه قبل أن يسبق عليه الكتاب. وعندها لا تنفعه توبة ولا شفاعة. فمن يموت بغير توبة فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.
أَمَّا الاعتقاد بأن الله يغفر الذنوب جميعا بدون توبة صادقة فإن هذا يجر إلى اللامبالاة بالمعاصي وتسويف التوبة، كما أنه مخالفة لكثير من الآيات القرآنية الكريمة.
أدلة خلود مرتكب الكبيرة في النار:
إن الإباضية تقول بخلود أهل الكبائر في النار وهي العقيدة التي نطق بها القرآن ودعمتها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وهي واضحة كل الوضوح لمن تدبر في آيات القرآن. وقضية الخلود في النار من القضايا المتعلقة بالعدل الإلهي وبالوعد والوعيد، وما ينتج عنه من ثواب وعقاب. والأدلة على خلود العصاة في النار كثيرة في القرآن والسنة. فمن القرآن الكريم:
· قول الله تعالى في سورة هود ﴿ فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبـُّكَ إِنَّ رَبـَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ(107) وَأَمَّا الذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبـُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)﴾.
· قول الله تعالى في البقرة: ﴿ الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فَمَن جَآءَهُ, مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبـِّهِ فَانتَهَىا فَلَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ, إِلىَ اللهِ، وَمَنْ عَادَ فَأُؤْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)﴾. هذه الآية تتوعد آكلي الربا بالخلود في النار والربا كما هو معلوم من أكبر الكبائر.
· يقول الله تعالى في سورة يونس: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىا وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ اُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26) وَالذِينَ كَسَبُوا السَّـيِّـئَاتِ جَزَآءُ سَـيِّئَةِم بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنـَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا اُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(27)
· قال الله تعالى بعد آية الوصية في سورة النساء ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُّطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13) وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(14)﴾.
فليس أصرح من هذه الآية في أن من يعصي الله تعالى يخلد في جهنم، وهذه الآية لا تخص الكفار وإنما تخص من يتعدى حدود الله عموما. يقول الشهيد سيد قطب وهو يعلق على هذه الآية: «لماذا تترتب كل هذه النتائج الضخمة في تشريع جزئي كتشريع الميراث، وفي جزئية من هذا التشريع؟ إن الآثار تبدو أضخم من الفعل لمن لا يعرف حقيقة الأمر وأصله العميق». ثم يجيب في شيء من التفصيل على هذا السؤال «بأن التشريع لله وحده، فالله وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم، والله وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم، والله وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم وليس لغيره - أفرادا أو جماعات - شيء من هذا الحق إلا بارتكان إلى شريعة الله». ويخلص في النهاية إلى القول: «هذا هو الأمر في جملته وفي حقيقته.. ومن ثم يستوي أن يكون الخروج في أمر واحد أو في الشريعة كلها. وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي تتكئ عليها نصوص كثيرة في هذه السورة وتعرضها عرضا صريحا حاسما، لا يقبل المماحكة ولا يقبل التأويل. وهذه هي الحقيقة الكبرى التي ينبغي أن يتبينها الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام في هذه الأرض ليروا أين هم من هذا الإسلام، وأين حياتهم من هذا الدَّين»[7].
· قول الله تعالى في سورة الانفطار: ﴿ إِنَّ الاَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ(15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِـبِينَ(16) ﴾ هذه الآية قسمت الناس يوم القيامة إلى قسمين: أبرار وفجار فالأبرار مصيرهم إلى الجنة وهم فيها خالدون، والفجار مصيرهم النار وهم فيها خالدون.
· قول الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿ وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا(65)﴾.
· قول الله تعالى في سورة الفرقان ﴿ وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا _اخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69) اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(70)
· قول الله تعالى ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىا وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ اُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26) وَالذِينَ كَسَبُوا السَّـيِّـئَاتِ جَزَآءُ سَـيِّئَةِم بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنـَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا اُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(27)
ومن السنة:

· روى البخاري ومسلم عن ابن عمر (رض) أن رسول اله (ص) قال: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة».
· روي الترمذي وابن ماجة والحاكم عن عثمان (رض) أن رسول الله (ص) قال: «إن القبر أول منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه».
· روى أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أنس (رض) أن رسول الله (ص) قال: «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله. قيل كيف يستعمله قال: يفتح له عملا صالحا قبل موته ثم يقبضه عليه».
· روى الشيخان عن ابن عمر (رض) أن رسول الله (ص) قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم ينادى مناد: يا أهل الجنة خلود بلا موت. يا أهل النار خلود بلا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم».
· روى أحمد والبزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر (رض) أن النبي (ص) قال : «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر». وفي رواية أخرى ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة : «مدمن خمر والعاق لوالديه والديوث»، وهو الذي يقر السوء في أهله.
· روى الشيخان عن رسول الله (ص) أَنَّهُ قال «من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة».
· روى البخاري عن رسول الله(ص) أنه قال: «من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الْجَنَّة».
· روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رض) أن رسول الله (ص) قال : «من تردى[8] من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ[9] بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».
· روى البخاري عن أبي هريرة (رض) أن رسول الله (ص) قال : «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار والذي يقتحم[10] يقتحم في النار».
· روى البخاري عن حذيفة (رض) أن رسول الله (ص) قال: «لا يدخل الجنة نمام وفي رواية قتات».
· روى البخاري عن ابن عمر (رض) أن رسول الله (ص) قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما».
· روى مسلم في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
والروايات كثيرة تارة تدل على الخلود بالنص عليه، وتارة بالجمع بينهن بين التأبيد، وأخرى بالتوعد بالحرمان من الْجَنَّة، أو حرمان شم ريحها.
ومحصل الأحاديث واحد وإن اختلفت ألفاظها، وهو أن مرتكب هذه الأعمال إن لم يتب قبل موته، فهو في نار جهنم مثله مثل الكافر إِلاَّ أَنَّهُ يجب أن نؤمن بأن الجنة درجات، وأن النار دركات، وأن أفضل درجات الجنة أعلاها وهي جنة الفردوس، وقد ورد في الحديث «اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى».
وأما النار فإن أشد الناس عذابا من في أسفلها قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَـجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾ (النساء) وأقل الناس عذابا من في أعلاها. نعوذ بالله من النار. وأن عذاب الناس يتفاوت كل حسب ذنوبه في الدنيا، ومن دخل النار فلن يخرج منها أبدا، ومن دخل الجنة فلن يخرج منها أبدا بصريح القرآن والسنة.
ولا توجد آية في كتاب الله تعالى تقول بخروج العصاة من النار بل إِنَّ آيات كثيرة تؤكد معنى التأبيد في جهنم للعصاة، وكلها آيات صريحة في دلالاتها قطعية في ثبوتها؛ وأما الأحاديث فقد وردت أحاديث في خلود العصاة في النار كما وردت أحاديث في خروج العصاة من المؤمنين من النار.
لكن إذا عرضنا هذه الأحاديث على كتاب الله نجد أنها أَوَّلاً: أحاديث أحادية، وثانيا: فإن هذه الأحاديث تعارض الكثير من الآيات القرآنية الصريحة، وغيرها من الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضا منها. وقضايا العقيدة لا تؤخذ إِلاَّ من القرآن الكريم، ومما تواتر من أحاديث النبي (ص)، أما الأحاديث الأحادية فلا يحتج بها في أمور العقيدة على رأي جمهور العلماء[11].
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أَنَّهُ عند قبض روح الإنسان، إما أن تقبضه ملائكة الرحمة، أو تقبضه ملائكة العذاب حسب أعماله في الدنيا.
فهذا المسلم العاصي الذي لم يتب من معصيته أيُّ الملائكة تقبض روحه؟ هل هي ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ فإذا كانت ملائكة الرحمة فلم يعذبه الله بذنبه في النار ثم يدخله الجنة, وإذا كانت ملائكة العذاب فقد سبق في علم الله أَنَّهُ من أهل الشقاء، فكيف يدخل الجنة بعد ذلك.
وكما ثبت من حديث النبي (ص): «أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». فالميت في قبره إما أن يكون سعيدا ينتظر قيام الساعة ودخول الجنة، وإما أن يكون شقيا يتمني عدم قيام الساعة حتى لا يعذب في جهنم.
ولقد عاب الله على الذين ورثوا الكتاب من قبلنا قولهم ﴿سيغفر لنا﴾ في قوله تعالى ﴿ فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الاَدْنَىا وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يـَّاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُوخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الاَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(169)﴾. كما عاب على بني إسرائيل قولهم في سورة البقرة: ﴿ وَقَالُواْ: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً، قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(80) بَلَىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)﴾. وقد فسر كثير من المفسرين أن معنى من أحاطت به خطيئته بمعنى مات على ذنبه أو خطيئته ولم يتب. فهذه آية صريحة في كتاب الله تبين أن مصير من لم يتخلص من ذنبه بالتوبة سيكون خالدا في النار مع الخالدين.
يقول الشيخ أحمد الخليلي في الحق الدامغ : «إن القول بتحول الفجار من العذاب إلى الثواب ما هو إلا أثر من آثار الغزو اليهودي للفكر الإسلامي، واستدل بقول الله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَقَالُواْ: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً، قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(80) بَلَىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)﴾ ومن أمعن النظر في أحوال الناس يتبين له أن اعتقاد انتهاء عذاب العصاة إلى أمد، وانقلابهم بعده إلى النعيم جرأ هذه الأمة كما جرأ اليهود من قبل على انتهاك حرمات الدين والاسترسال وراء شهوات النفس، ولا أدل على ذلك من الأدب الهابط الذي يصور أنواع الفحشاء، ويجليها للقراء والسامعين في أقبح صورها وأبشع مظاهرها، وقد انتشر هذا الأدب في أوساط القائلين بالعفو عن أهل الكبائر، أو انتهاء عذابهم إلى أمد انتشارا يزري بقدر أمة القرآن، وغلب على المؤلفات الأدبية مطولاتها ومختصراتها كالأغاني، ومحاضرات الأدباء، والعقد الفريد، حتى كاد الأدب يكون عنوانا على سوء الأدب.
وقد صان الله من ذلك أدب الإباضية الذي رسخ في قلوبهم ما جاء به القرآن من أبدية عذاب أهل الكبائر كأبدية المطيعين المحسنين. ولو قلبت صفحات أدبهم لوجدتهم في شعرهم ونثرهم - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - لا يعرفون خمرا ولا مجونا».
[1] علي يحي معمر : الإباضية في موكب التاريخ.

[2] فتاوى الشيخ بيوض ترتيب بكير محمد الشيخ بالحاج

[3] مقال لأبي عاصم الراشدي

[4] علي يحي معمر: مرجع سابق.

[5] أنظر فصل الولاية والبراءة .

[6] الحق الدامغ - أحمد الخليلي

[7] الضلال- تفسير سورة النساء

[8] تردى : أسقط نفسه عمدا

[9] يتوجأ : يضرب بها نفسه

[10] يقتحم: يرمي نفسه في النار

[11] ينظر كتاب السيف الحاد للشيخ سعيد القنوبى


أسباب الاختلاف

· أسباب الاختلاف
· أصول الاستنباط عند الإباضية
· الخلافات في العقيدة
· الخلافات الفقهية
مقدمة
الخلاف سنة كونية وطبيعة بشرية وقد جاء ذكر ذلك في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قول الله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) وقوله: (ولا يزالون مختلفين)، ولعل أول خلاف حدث في التاريخ هو الخلاف الذي حدث بين قابيل وهابيل ابني آدم عليه السلام وأدى ذلك إلى قتل هابيل كما ذكر القرآن في سور ة النساء.
ومن الخلاف ما هو مقبول ومنه ما هو مذموم، فالخلاف المقبول هو الذي يكون سببه الاختلاف في الفهم والاجتهاد في فروع الدين، ولعل هذا هو الخلاف الذي عناه الرسول (ص) بقوله (اختلاف أمتي رحمة). وأما الخلاف المذموم فهو الذي يكون بسبب التعصب وإتباع الهوى ، وهذا الخلاف يسبب الفرقة والتباغض، ونرجو أن يختفي من واقع المسلمين.
أسباب الاختلاف
إن وجهات النظر بصفة عامة تختلف من فرد إلى فرد ومن جماعة إلى جماعة ومن دولة إلى أخرى. وفي أي قضية من القضايا نجد أن درجة الاختلاف تتناسب مع درجة الوعي والتربية والمصلحة ودرجة التحضر والقوة والضعف فكل فرد أو فرقة ينظر إلى القضية الخلافية (أو غيرها) من زاويته الخاصة من خلال مصلحته وحسب ما تكوّن لديه من آراء, وبذلك يمكن القول بالنسبة للقضايا الخلافية إنه ليس هناك حق مطلق إنما كل رأي يملك قدرا نسبيا من الحق طالما أن الإخلاص وغاية الوصول إلى الحق هو ما يتصف به كل من المخالفين. وبالنسبة للقضايا الشرعية فبالإضافة إلى ما سبق فإن هناك أسبابا نتج عنها الاختلاف بين العلماء في كثير من الأحكام الشرعية نذكر أهمها باختصار :
1- الاختلاف في أصول التشريع، وبعض مصادر الاستنباط.
من أهم أسباب الاختلاف بين المذاهب هو الاختلاف في بعض الأصول الشرعية ومصادر الاستنباط، فرغم إجماع الأمة على أن القرآن والسنة والإجماع هي القواعد الأساسية لأصول الاستنباط، إلا أنهم اختلفوا فيما يأتي بعدها من الأصول فأبو حنيفة مثلا يقدم القياس على مرسل الحديث المرسل والإمام مالك يتوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة ويقدم عمل أهل المدينة على القياس .
2- تعارض الجرح والتعديل في الراوي الواحد.
من المعلوم أن عدم ثبوت الحديث يكون إما بانقطاع في سنده أو جرح في أحد رواته، وقد اختلف المحدثون في ترجيح وعدالة بعض الرواة
. (ولعل أول ظاهرة تستوقف الناظر في كتب الجرح والتعديل، هي ظاهرة التعارض في أقوال النقاد من الجارحين والمعدلين في الراوي الواحد، حيث يوثقه بعضهم ويجرحه آخرون، بل إنك لترى التعارض في الحكم يصدر أحيانا في الراوي الواحد، حيث يروى عنه تعديله مرة، وجرحه مرة أخرى)[1]. ولعل الاختلاف القائم في مسألة رواية المبتدع وما تفرع منها، كان له أكبر الأثر في حكمهم على الراوي الواحد. ولعل حشر الإباضية ضمن طائفة المبتدعين كان من أهم الأسباب التي من أجلها أهمل علماء السنة كثيرا من
الأحاديث المروية عن رواة الإباضية.
ويقول أحمد أمين في كتابه" فجر الإسلام" ما نصه (وكان للاختلاف المذهبي دور في التعديل والجرح، فأهل السنة يجرحون كثيرا من الشيعة حتى أنهم نصوا على أنه لا يصح أن يُروى عن علي ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح أن يُروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود، وكذلك كان الشيعة مع أهل السنة، فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت وهكذا. ونشأ عن هذا أن من يعدله قوم يجرحه آخرون. قال الذهبي (لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة) ومع ما في هذا القول من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في الجرح والتعديل. ولنضرب على ذلك مثلا: محمد بن إسحاق أكبر مؤرخ في حوادث الإسلام الأولى قال فيه قتادة : لا يزال الناس في علم ما عاش محمد بن إسحاق، وقال فيه النسائي : (ليس بالقوي)، وقال سفيان: (ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق)، وقال الدار قطني: (لا يُحتج به وبأبيه)، وقال مالك: (أشهد أنه كذاب) .... الخ.
ومثال آخر هو عكرمة مولى ابن عباس، وقد ملأ الدنيا حديثا وتفسيرا، فقد رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأي الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء، ورووا عن كذبه شيئا كثيرا فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه "برد" لا تكذب علي كما كذب عكرمة على مولاه. وقال القاسم إن عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه، وليس يحتج بحديثه. هذا على حين يوثقه آخرون ويعدلونه فابن جرير الطبري يثق به كل الثقة ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله، وقد وثقه أحمد بن حنبل واسحق بن راهويه ويحي بن معين وغيرهم من كبار المحدثين، فالبخاري ترجح له صدقه فهو يروي له في صحيحه كثيرا، ومسلم ترجح له كذبه فلم يرو له إلا حديثا واحدا في الحج ولم يعتمد عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه[2].
3- الاختلاف في فهم نص الحديث أو الآية
فقد يتفق العلماء في وصول الحديث وثبوته عندهم ولكنهم يختلفون في فهمهم لنص الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم : (لا يمس القرآن إلا طاهر) فهمه العلماء على عدة معان فكلمة طاهر قد تدل على طهارة الحدث الأكبر أو الأصغر وقد يراد بها من ليس على بدنه نجاسة. ومن ذلك اختلف العلماء في مس المصحف بدون وضوء فمنهم من أجازه، ومنهم من كره ذلك.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الأحزاب نزل عليه جبريل واستعجله بالذهاب إلى بني قريظة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مستعجلا لهم : (لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريضة) فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال آخرون:(بل نصلي، لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك). فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم جميعا على فعلهم, رغم أن اجتهاد بعضهم أدى إلى تأخير الصلاة عن وقتها عمدا - أخذا بظاهر النص- وأدى اجتهاد غيرهم إلى مخالفة ظاهر النص.
4- الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص.
اختلف العلماء في تأويل الأحاديث وترجيح بعضها على بعض حسب اختلافهم في فهمها، ولكن لم ينكر أحد منهم الحديث، وعدم الأخذ به لا يعني إنكاره وعدم الاعتراف به فالإباضية عندما تركوا الأخذ ببعض الأحاديث في البخاري ومسلم أو في غيرها من كتب السنة لا يعنى إنكارهم لها، ولكن رجحوا عليها غيرها من الأحاديث أو الآيات على ذلك الحديث، وليس هذا خاصا بالإباضية إنما هذا ما فعله كثير من العلماء والأئمة. ومن أمثلة ذلك الإمام الشافعي الذي لم يأخذ بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم الذي يقول أن النبي (ص) لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وهو الذي قال: (ليس لأحد بلغته سُنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يدعها لقول أحد). فهل كان الإمام الشافعي منكرا للحديث الصحيح، كلا, ولكن استنباطه للحكم لم يعتمد فقط على ظاهر الحديث.
ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين
إن الاختلاف الذي يكون سببه ما ذكرناه لا ينبغي أن يحدث فرقة بين المسلمين بل يجب أن تتسع له صدور العلماء وأن يحسنوا الظن بالمخالف، لأن هذا الخلاف لا يمكن القضاء عليه، فهو موجود من بداية البشرية وسيستمر إلى قيام الساعة. ومن يظن أنه سيأتي اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون على رأي واحد - في فروع الفقه أو العقيدة - فهو واهم وذلك ضرب من الخيال، لأن الصحابة ومن بعدهم اختلفوا ولم يتفقوا على رأي واحد في كل مسألة ولا يمكن أن نكون أحسن منهم. وإن الذين يحاولون جمع الأمة الإسلامية على رأي واحد بترجيح بعض الآراء والأحاديث على غيرها ما هو إلا تعصب لأحد الأقوال المعروفة ولن يزيدوا الأمر إلا تعقيدا, لأن سلف الأمة من الصحابة والتابعين كانوا أكثر علما بهذه القضايا وأقرب إلى النبع الصافي ورغم ذلك فقد اختلفوا فيها. وكما يقول صاحب كتاب "أدب الخلاف" فإن (الأصل في علماء الإسلام ودعاته ورجاله أنهم لا يختلفون رغبة في الاختلاف، ولا حبا في النزاع، ولا يكون دافعهم الشهوة، وإنما بحثا عن الحق ورغبة في رضوان الله، وحينئذ فلا بد أن يكون لكل صاحب قول دليل، أو لكل أهل مذهب دليل يستدلون به، أو أدلة يستدلون بها، ولا يجوز لك أن تأخذ أدلة القول من المذهب أو الجماعة من خصومهم وممن يخالفهم ما دام يمكنك معرفة أدلتهم مباشرة، أو مشافهة، وإما من كتبهم،وإما بمراسلتهم، وإما من خلال نقل الثقات من تلاميذهم)[3].
نستنتج مما سبق أنه لا يوجد مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر في هذا الكون يقصد أن يخالف سنة النبي (ص) سواء كانت قولية أو فعلية لمجرد المخالفة. إن كل مسلم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا، وعموم الناس مقلدون، والمجتهدون قلة في جميع الأزمان والعصور. وبالنسبة للقضايا العقيدية وقضايا الفقه المعلومة ليس هناك من جديد يمكن أن يضيفه المجتهدون في هذا الزمان.
الخلاف بين الإباضية وأهل السنة
إن أصل الخلاف بين الإباضية وغيرهم من بقية الفِرَق الإسلامية إنما هو خلاف سياسي في قضايا الخلافة والشورى ترتب عليه من جانب الإباضية عدم اعترافهم بالدولة الأموية والدولة العباسية كخلافة إسلامية مما جعلهم ينتقلون إلى أطراف الدولة الإسلامية ويقيمون دولا خاصة بهم، بينما عاشت بقية المذاهب الإسلامية في ظل هذه الدول ومن جاء بعدها من الدول المتعاقبة التي حكمت بلاد المسلمين.
كما ترتب عليه من جانب أهل السنة رفض الفكر الإباضي والفقه الإباضي والرأي الإباضي منذ القرن الأول الهجري، ويرجع سبب ذلك إلى اعتبار الإباضية - الذين لم يكونوا على وفاق مع الأمويين - فرقة من فرق الخوارج من قبل المؤرخين الأمويين ونسبتهم إلى أهل البدع والأهواء من قبل المحدثين، فلم يؤخذ حديثهم ولم تقبل آراؤهم. بل إن المحدثين والفقهاء من أهل السنة قد رفضوا كل رأي جاء به المعتزلة والخوارج والشيعة منذ ذلك الوقت ولا زال هذا قائما إلى الآن. يكفي أن يقال هذا قول المعتزلة أو هذا قول الخوارج فيُرفض سواء كان حقا أو باطلا. فكونوا حاجزا فكريا بينهم وبين مخالفيهم ومنهم الإباضية.
والذي نرجوه في هذا الزمان الذي ارتبطت فيه مصالح الناس، وسهلت فيه المواصلات والاتصالات هو أن تزول هذه الحواجز الفكرية بين فرق المسلمين الثلاثة الإباضية والسنة والشيعة وأن يتم الاستفادة من الفكر الإسلامي والتراث التاريخي والحضاري عند كل الفرق. ولا يتم ذلك إلا بالمعرفة والتعارف والاعتراف - كما قال الشيخ علي يحي معمر رحمه الله.

لماذا لم تنتشر آراء الإباضية كما انتشرت غيرها من الآراء.
قد تبدو بعض آراء الإباضية غريبة على كثير من المسلمين من غير الإباضية وخصوصا الذين لم يتصلوا بالإباضية لا من قريب ولا من بعيد وإنما عرفوا الإباضية عن طريق كتب الفِرَق والمذاهب التي للأسف لم تنصف الإباضية، والتي لا زالت مرجعا لكل باحث ولذلك أسباب كثيرة ليس هذا مجال التفصيل فيها، إنما أذكر أهمها باختصار لأن التفصيل فيها يحتاج إلى كتاب منفصل ودراسة تحليلية وافية. ونأمل أن يقوم أحد الشباب المسلم بدراسة تحليلية لهذه الأسباب التي من أجلها أُبعد الفكر الإباضي عن أمة المسلمين منذ زمن بعيد. ومن هذه الأسباب :
1- اهتمام أهل الحديث بكتابي البخاري ومسلم وشروحهما وجعلهما كأساس للسنة.
2- وجد من الدول الإسلامية من يتبنى مذهبا معينا وأن ينقل آراءه ويكتبها وينشرها.
3- منع كتب الإباضية من دخول بعض الدول الإسلامية.
4- ظلم الولاة والحكام الذين تسلطوا على الأمة الإسلامية وسياستهم الجائرة التي طاردت كل من رفع صوته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكرّهوا الأمة فيمن يقول بجواز الخروج على الحاكم ووصفوه بالخروج من الدين.
5- قلة مصادر تاريخ الإباضية بذهاب كثير منها نتيجة التعصب والظلم والحسد وحرق المكتبات.
6- انحسار الإباضية إلى مناطق بعيدة عن مراكز السياسة.
7- نسبة الإباضية إلى الخوارج جعلت بقية المسلمــين يعرضون عن الفكر الإباضي ويرفضونه أصلا.
8- ضعف العلاقة الاجتماعية بين المجتمعات الإباضية وبقية المجتمعات الإسلامية.
9- ثقة بعض الكتاب المعاصرين العمياء بما كتبه الأقدمون حول الفرق ومن بينها الإباضية.
10- اعتبار الإباضية من الفرق المبتدعة الضالة مما أدى إلى تجنب المحدثين الرواية عنهم لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا فقد جاء في مقدمة صحيح مسلم عن ابن سيرين قال : (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة: قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السّنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم).
وهذه القاعدة التي وضعت من زاوية ضيقة لم يتفق عليها علماء الحديث، فمنهم من رفض حديث المبتدع مطلقا (كالخارجي والمعتزلي) فقال : (لا يقبل من المبتدع أي حديث)، ومنهم من قال يقبل منه الحديث إلا إذا كان يدعو
إلى بدعته. ونتيجة لهذه القاعدة وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره لم يهتم علماء الحديث بالأحاديث التي دونها الإباضية كما لم يتعرضوا لرجال الإباضية بالجرح والتعديل.
فجمهور علماء الأمة الذين اهتموا بتتبع أحوال رواة الحديث واقتفاء آثارهم جرحا وتعديلا قد أهملوا أو أغفلوا ذكر رجال الإباضية في كتب الجرح والتعديل عدا ما قاله يحيى بن معين في كتابه التاريخ عن الربيع بن حبيب حيث قال: (الربيع بن حبيب يروي عن الحسن وابن سيرين وهو ثقة)[4].
بعد هذه المقدمة الضرورية يمكننا أن نقسم الخلاف بين الإباضية وغيرهم في أمور الدين إلى ثلاثة أقسام: الخلاف في العقيدة والخلاف في الفقه والخلاف الفكر.

[1] خلدون الأحدب - أسباب اختلاف المحدثين

[2] أحمد أمين -ضحى الإسلام: الجزء الثاني

[3] عوض القرني: أدب الخلاف ص. 17 دار الأندلس الخضراء ، جدة

[4] الربيع بن حبيب محدثا وفقيها عمرو بن مسعود الكاباوي




لماذا لا يرفع الإباضية أيديهم في الصلاة؟

أدلة الاباضية في أهم القضايا الفقهية التي تميز بها الإباضية عن غيرهم من المذاهب الإسلامية

مقدمة
رفع الأيدي في الصلاة لم يقل به أحد من علماء الإباضية، بل إن منهم من كرهه لاعتباره من الحركات المنافية للخشوع في الصلاة. ولهذا فقد تميز الإباضية منذ القرن الأول الهجري بعدم رفع أيديهم في الصلاة، أما المذاهب الأخرى فرغم ثبوت الرفع عندهم إلا أنهم مختلفون في حكمه فمنهم من أوجبه ومنهم من قال باستحبابه ومنهم من أجازه، كما اختلفوا أيضا في عدد مراته وتوقيته، هل هو قبل التكبير أو معه أو بعده،كما هو مفصل في كتب الفقه والحديث عندهم.
ومسألة الرفع هي من المسائل الجزئية في الفقه الإسلامي، وطرحها في هذا الوقت قد لا يأتي بجديد، كما أن الخلاف فيها قديم وهي من الخلافات الفرعية التي لا تمس العقيدة بشيء، ولا ينبغي أن تكون مثار خلاف ونزاع وجدال بين المسلمين؛ في وقت هم أحوج فيه إلى الوحدة والاجتماع والبعد عن الفرقة والاختلاف. لكن الدافع من طرحها الآن عدة أسباب منها:
أولا:- الإجابة على سؤال فقهي يتردد على ألسنة كثير من المسلمين من الإباضية وغيرهم. هذا السؤال هو: لماذا لا يرفع الإباضية أيديهم ولا يقبضونها في الصلاة؟ وما هي أدلتهم في ترك الرفع؟ ولماذا هم يختلفون عن بقية المذاهب في بعض جزئيات الصلاة، كالرفع عند التكبير، وترك التأمين والضم (وضع اليمنى على اليسرى)، وغيرها رغم وجود روايات في كتب الحديث استند عليها القائلون لهذه الجزئيات؟
ثانيا : إن بعض المعاصرين استغلوا كثرة الروايات الواردة في الرفع فوصفوا الإباضية بمخالفة السنة وإنكار الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهل حقا يخالف الإباضية سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل هم ينكرون أحاديث الرفع؟ هذا ما سوف يتم طرحه ومناقشته والإجابة عليه في هذا البحث.
ثالثا: انتشار تيارات في الأمة الإسلامية، تتعصب لرأيها وترفض الرأي المخالف، وتتبنى مبدأ التبديع والتفسيق لكل من يخالفهم. كما أنها تملك من الإمكانيات المادية والإعلامية ما مكنها من أن تؤثر في أفكار كثير من المسلمين الذين لم تتح لهم الفرصة للاطلاع على الفقه المقارن. ونظرا للآلة الإعلامية القوية التي يملكها بعض أصحاب هذا الفكر، والتي تتمثل في الكم الهائل من الأشرطة والكتب ومواقع الانترنت والفضائيات، فقد أدّى هذا إلى تهميش الفكر الإباضي ، بل تعدى إلى وصف أتباعه بأوصاف متعددة منها مخالفة السنة والابتداع.
رابعا: العزلة التي عاشها الإباضية على مدى التاريخ وجهل كثير من المسلمين بحقيقتهم وتاريخهم، بالإضافة إلى نسبتهم إلى أهل البدع والأهواء والخوارج من قبل المؤرخين وأهل الحديث قد أوجد فجوة فكرية بينهم وبين إخوانهم من بقية المذاهب، كان لهذا أثر كبير في عدم ذكر آراء الإباضية وأدلتهم حتى ولو كانت مستمدة من الكتاب والسنة، أو وافقت إحدى المذاهب الأخرى.
لقد أصاب الفكر الإباضي قدر كبير من التشويه من قبل المؤرخين القدامى وأصحاب المقالات ومن بعض علماء الحديث، نتيجة للفتن التي تعرضت لها الأمة الإسلامية في القرن الأول الهجري وللظروف التاريخية التي مرت على الإباضية، ولعل من أهم أسباب ذلك أن الإباضية الأوائل لم يكونوا على وفاق مع الأمويين بعد أن ألصقت بهم تهمة الخوارج والابتداع، ولعل هذا ما جعل أهل الحديث وفقهاء المدارس الأخرى يعرضون عن الروايات والآراء الإباضية إعراضا شبه تام.
فمن يقرأ في كتب الفقه عند غير الإباضية لا يجد ذكرا للرأي الإباضي إلا فيما ندر، ومن يطالع في كتب الحديث لا يجد إشارة إلى أي محدثين إباضية إلا قليلا. وهكذا تعاقبت الأجيال على جهل كامل بالفكر الإباضي نتيجة الاعتماد على ما كتبه المؤرخون وأصحاب المقالات من معلومات خاطئة عن الإباضية، قد لا يكون مقصودا لكنه موجود.
ومن أمثلة ذلك أن مسند الإمام الربيع وهو حجة الإباضية في الحديث والفقه لا زال مجهولا عند كثير من المهتمين بالحديث، ورغم أن أغلب الأحاديث الواردة في مسند الربيع مروية في كتب السنة، إلا أنه يوجد قديما وحديثا من ينكر وجود الكتاب، ومنهم من ينكر حتى وجود مؤلفه، وقد سئل أستاذ معاصر يحمل شهادة الدكتوراه في علوم الحديث عن مسند الربيع بن حبيب فكان رده: سمعت عنه ولم أره. وسئل آخر وهو يشغل منصب رئيس قسم التفسير والحديث في إحدى الجامعات المعتبرة عن الربيع ومسنده فأجاب باستهزاء: من الربيع وما مسند الربيع؟.
وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب في هذا الزمان الذي سهلت فيه الاتصالات ولم يعد العلم مكتوما أو مجهولا أو خافيا على أحد، فعن طريق البحث في الانترنت أو الاتصال عن طريق الهاتف أو السفر يستطيع أي شخص أن يتأكد من أي معلومة في أي مكان على وجه الأرض في وقت قصير لا يتجاوز عدة ساعات. ولذلك فإنه لا يعذر عند الله من لا يتحرى الصدق والإخلاص في البحث أو في نقل أي معلومة، ولا يعد منصفا من يتجاهل أقوال وآراء من يخالفه في الفكر وهو يعلم أنها موجودة وقريبة.
وبقدر ما نتأسف عند سماع ردود كهذه من رجال كرسوا حياتهم ودراستهم لعلم الحديث، إلا أنه قد نلتمس العذر لبعضهم، لأنه ربما لم تتيسر لهم الظروف للاطلاع على فكر الإباضية. ثم إن التعتيم السياسي والتاريخي على مدى أكثر من ألف عام كان له بالغ الأثر في صد المثقفين والباحثين عن الاطلاع على فكر الإباضية عموما.
كما أنه لا بد أن نسجل هنا أن الإباضية أنفسهم يتحملون نصيبا من جهل الناس لهم بسبب تقصيرهم في نشر فكرهم والتعريف بمذهبهم فيما سبق من الزمان. ورغم الجهود التي قام بها أمثال العلامة السالمي، والشيخ سليمان باشا الباروني، والشيخ أبو اسحق اطفيش، وما تقوم به وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان وجمعية التراث في وادي ميزاب بالجزائر وغيرهما؛ إلا أن الكثير من الكتب الإباضية لا تزال مخطوطة، تنتظر من ينفض عنها غبار النسيان ويريها نور المطابع.
ومن جهة أخرى نذكر بكل أسف أنه يوجد من الباحثين والمفكرين والفقهاء المعاصرين من يعرف عن الإباضية تاريخا وفكرا وعقيدة ومع ذلك يحاول - عن قصد أو غير قصد - تهميش الفكر الإباضي والتعتيم عليه والرد عليه بطريقة غير موضوعية ولا علمية. ولا ندري سبب ذلك في هذا العصر الذي نتوقع فيه توفر الأمانة العلمية، والنقاش العلمي المتزن، والتفتح الفكري والعقلي.
ولعل سائلا يسأل: لماذا لم تنتشر آراء الإباضية قديما كما انتشرت غيرها من الآراء؟ والجواب أنه – بالإضافة إلى بعض ما تقدم - هناك أسباب كثيرة ليس هذا مجال التفصيل فيها، وإنما أذكر أهمها باختصار. ونأمل أن يقوم أحد الباحثين بدراسة تحليلية لهذه الأسباب التي من أجلها أُبعد الفكر الإباضي عن أمة المسلمين منذ زمن بعيد.
من هذه الأسباب :
1- اهتمام أهل الحديث بكتابي البخاري ومسلم وشروحهما وجعلهما كأساس للسنة.
2- اعتبار الإباضية من الفرق المبتدعة الضالة، مما أدى إلى تجنب كثير من المحدثين الرواية عنهم لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا[1]. وكما تركوا الرواية عنهم تركوا ذكر كثير من رجالهم والقلة المذكورة لم تسلم في الغالب من الجرح[2] بسب انتمائها للفرق الضالة في زعم هولاء. وهذا بدوره جعل بقية المسلمين يعرضون عن الفكر الإباضي ويرفضونه.
3- قلة مصادر تاريخ الإباضية بذهاب كثير منها نتيجة التعصب والظلم والحسد وحرق المكتبات
4- تبني دولا إسلامية لمذاهب معينة تنقل آراءها وتنشرها.
5- منع كتب الإباضية من دخول بعض الدول الإسلامية.
6- ثقة بعض الكتاب المعاصرين العمياء بما كتبه الأقدمون حول الفرق ومن بينها الإباضية
7- انحسار الإباضية في مناطق بعيدة عن مراكز السياسية
8- ضعف العلاقة الاجتماعية بين المجتمعات الإباضية وبقية المجتمعات الإسلامية.
يأتي هذا البحث ليغطي جانبا مجهولا من الفقه اللاابضي وهو يتناول مسألة الرفع والقبض من منظور إباضي، وما هو محاولة لعرض بعض ما توصلتُ إليه من أدلة الإباضية في هذه المسألة، وليس قصدي من ذلك الرد على أحاديث الرفع والضم بقدر ما هو إثبات أن ترك الرفع والضم هو أحد الآراء الموجودة منذ القرن الهجري الأول.
يتكون البحث من أربعة فصول: الفصل الأول يتناول الاختلاف بين العلماء في مسألة الرفع. من حيث مشروعيته وعدد مراته ووقته. الفصل الثاني يبين أدلة الإباضية في ترك الرفع. والفصل الثالث عن الضم أو القبض في الصلاة وما قيل فيه. ثم فصل عن شبهة مخالفة السنة تليه خاتمة وملاحظات.
أرجو أن يكون هذا البحث مدخلا للتعرف على أدلة الإباضية في المسائل الخلافية عموما وفي رفع الأيدي وقبضها بصفة خاصة، وأنا أعلم يقينا أني لم أعط الموضوع حقه من البحث والدراسة ولكن أرجو أن يكون حافزا لغيري من المشتغلين بعلوم الفقه والحديث للتوسع فيه.
وأطمح أن يكون نشر آثار الإباضية دافعا لعلماء ومفكري الأمة الإسلامية للتعرف على فقه المذهب الإباضي ووضعه في مكانه الصحيح، من أجل توحيد صفوف المسلمين ولمّ شعثهم في عصرٍ هُم أحوج ما يكونون فيه للوقوف صفا واحدا لصد الغزو الفكري المتربص بهم في الداخل والخارج.
أسأل الله أن يلهمنا الرشد والتوفيق والهداية لأقوم طريق وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله من وراء القصد
جاء في مقدمة صحيح مسلم عن ابن سيرين قال : (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة: قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السّنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم). وتجدر الإشارة إلى وهذه القاعدة التي وضعت من زاوية ضيقة لم يتفق عليها علماء الحديث، فمنهم من رفض حديث المبتدع مطلقا (كالخارجي والمعتزلي) فقال : (لا يقبل من المبتدع أي حديث)، ومنهم من قال يقبل منه الحديث إلا إذا كان يدعو إلى بدعته.
[2] فجمهور علماء الأمة الذين اهتموا بتتبع أحوال رواة الحديث واقتفاء آثارهم جرحا وتعديلا قد أهملوا أو أغفلوا ذكر رجال الإباضية في كتب الجرح والتعديل عدا بعض الأقوال المتناثرة في بعض الكتب منها ما قاله يحيى بن معين عن الربيع بن حبيب حيث قال: (الربيع بن حبيب يروي عن الحسن وابن سيرين وهو ثقة. وقال أبوداود عن الوليد بن كثير " ثقة إلا أنه إباضي" وقال علي بن المديني عن أبي نوح صالح الدهان"ضعيف يرى رأي الاباضية" فضعفه لا لأجل روايته بل لإنتمائه الفقي والسياسي، لأنه كان ملازما لإمام الاباضية جابر بن زيد. – انظر الكابوي: الربيع بن حبيب محدثا وفقيها. والوهيبي: مقالات في السنة





المبحث الأول - الاختـلاف في مسألـة الرفـع
تمهيد
اختلف أهل العلم من المذاهب الأربعة في رفع الأيدي في الصلاة على عدة أوجه: أولا من ناحية مشروعيته، وثانيا في عدد مراته وثالثا في وقته. فمن ناحية مشروعيته منهم من قال باستحبابه، ومنهم من أجازه، ومنهم من نهى عنه، وقد تناولت العديد من كتب الفقه والحديث عند أهل السنة مسألة رفع الأيدي ولا يتسع المجال في هذا البحث الصغير للتوسع في ذكر ما قيل في الرفع في مختلف الكتب لكني اقتصر على بعض الأحاديث الواردة في الموضوع وعلى ما ذكره ابن حجر العسقلاني في" فتح الباري" لأنه اختصر أقوال من سبقوه من العلماء .
1- الاختلاف في حكم الرفع
نقل ابن حجر عدة أقوال في حكم الرفع منها قول النووي :أجمعت الأمة على استحباب رفع الأيدي في تكبيرة الإحرام ، ثم قال بعد أسطر: أجمعوا أنه لا يجب شيء من الرفع. كما نقل قول ابن عبد البر: "أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة". ونقل أيضا عن صاحب التبصرة عن مالك أنه لا يستحب. ونقل عن ابن المنذر عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها. ونقل عن القفال عن أحمد بن يسار أنه أوجبه، وإذا لم يرفع لم تصح صلاته[1].
فهذه بعض أقوال العلماء في حكم الرفع، وهي تتراوح بين الاستحباب والجواز وعدم الجواز والوجوب. وهذا الاختلاف يدل على أنه أمر زائد عن الصلاة، وليس سنة دائمة للرسول e. ولو كانت كذلك لما تباين الحكم فيها إلى هذه الدرجة.
2- الاختلاف في عدد مرات الرفع
أما عدد مرات الرفع فقد اختلفوا فيها على عدة أقوال، ودليل كل منهم يستند على أحد الأحاديث المروية في كتب السنة. ومن هذه الأقوال:
أ- الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط. وقد رُوي من عدة طرق أشهرها رواية عبد الله بن مسعود ورواية البراء بن عازب رضي الله عنهما. فعن عبد الله بن مسعود عند أبي داود والترمذي وأحمد بن حنبل قال: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله (ص) ، فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة.»[2] ورواه أيضا الإمام مالك في المدونة الكبرى كمارواه الدارقطني[3] والبيهقي[4] بلفظ «وصليت مع النبي (ص) وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستفتاح». ورُوي من طريق البراء بن عازب «أن رسول الله (ص) كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود». وروى مثله أبوهريرة.
والرفع عند تكبيرة الاحرام هو مذهب الإمام مالك وأتباعه. ففي المدونة الكبرى قال الإمام مالك: (لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة، يرفع يديه شيئا خفيفا، والمرأة في ذلك بمنزلة الرجل)، قال ابن القاسم[5] : (كان رفع اليدين ضعيفا إلا في تكبيرة الإحرام )[6]، وذكر القرطبي في تفسيره لسورة الكوثر بعد ذكر الخلاف في رفع اليدين قول ابن القاسم: (لم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام. قال: (وأَحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام )[7].
وهذا القول هو نفسه قول الإباضية. ويفهم من هذا أن الإباضية لم ينفردوا بترك الرفع وإنما هو أحد أقوال متقدمي المالكية.
ب - الرفع عند تكبيرة الإحرام وقبل الركوع وعند الرفع من الركوع ودليلهم الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر، وكذلك مسلم عن مالك ابن الحويرث، ونصه عند البخاري «رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود»[8].
ج - الرفع عند تكبيرة الإحرام وقبل الركوع وعند الرفع من الركوع وعند القيام من السجدتين لحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود والترمذي وأحمد ونصه: «عن علي بن أبي طالب عن رسول الله (ص) أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر. »[9]
د - الرفع عند المواضع السابقة وعند كل رفع وخفض وقيام وسجود وقعود كما ذكر ابن حجر نقلا عن الطحاوي في المشكل من طريق نصر بن علي عن عبد الأعلى بلفظ «كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود وبين السجدتين ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك»"[10]. ورغم أن ابن حجر علق على هذه الرواية بأنها شاذة إلا أنه ذكر بعد التعليق أن الحديث رُوي بطرق أخرى فقال: رواه الإسماعيلي عن جماعة من مشايخه الحفاظ عن نصر بن المذكور، وكذا رواه هو وأبو نعيم من طرق أخرى عن عبد الأعلى كذلك.
إذن لدينا خمس روايات مختلفة في عدد مرات الرفع تتراوح بين الرفع مرة واحدة والرفع في كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة يصل فيها عدد مرات الرفع إلى ست وعشرين مرة في الصلاة الرباعية. فأي من هذه الروايات هي السنة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم؟
3- الاختلاف في وقت الرفع
اختلف القائلون بالرفع في توقيت الرفع. هل هو مع التكبير؟ أو أن التكبير يسبق الرفع؟ أو العكس. ففي حديث ابن عمر رفع يديه ثم كبر، وفي حديث مالك بن الحويرث كبر ثم رفع يديه وعن وائل بن حجر رفع يديه مع التكبير. وقد ذكر ابن حجر الرفع عند التكبير في رواية وائل بن حجر، وذكر تقديم الرفع عن التكبير وعكسه في حديثين أخرجهما مسلم الأول عن ابن شهاب الزهري والثاني عن مالك ابن الحويرث ثم قال وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء.
مما سبق يتضح أن عدد روايات الرفع كثيرة وغير متفقة، فإذا أضفنا إليها روايات وضع اليد اليمنى على اليسرى والخلاف في موضع اليدين؛ هل توضع فوق السرة أو تحتها أو على الصدر؟ اجتمع لدينا عدد كبير من الروايات في هيئة الصلاة التي تتكرر عدة مرات في اليوم والليلة.
ومن خلال الروايات السابقة، لو تصورنا عمل الرسول (ص) في الصلاة لوجدنا أنه كان يصلي بإحدى الحالات الآتية:
· كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام مرة واحدة ثم يرسل يديه. وهم المشهور عند المالكية
· كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام مرة واحدة ثم يضع اليمنى على اليسرى. وهو رأي أبي حنيفة وأتباعه.
· كان يرفع يديه عند التكبير ثم يضع اليمنى على اليسرى. ثم يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع ولايرفع عند السجود. وهو رأي الحنابلة.
· كان يرفع يديه عند التكبير ثم يضع اليمنى على اليسرى. ثم يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع وعند السجود. وهو رأي بعض الوهابية[11]
· كان لا يرفع يديه لا عند التكبير ولا في غيره ولا يضع اليمنى على اليسرى. وهو رأي الإباضية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : أي من هذه الروايات هي السنة؟ ولماذا اختلفت الأمة الإسلامية في مسألة مثل هذه تكررت آلاف المرات في عهد رسول الله (ص) وفي زمن الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من التابعين؟
فمن المعلوم أن الصلاة فُرضت على المسلمين بمكة قبل الهجرة، عاش بعدها النبي (ص) في المدينة عشر سنوات صلى فيها إماما بالصحابة رضي الله عنهم ما لا يقل عن خمسة عشر ألف صلاة غير السنن والنوافل، ثم حج النبي (ص) حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، وحضر معه أكثر من مائة ألف صحابي من مختلف البقاع فصلى بهم في أيام الحج ثم خطب فيهم خطبته المشهورة، وبعدها بقليل إنتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وترك لنا الحديث المتواتر الذي يقول (صلوا كما رأيتموني أصلي)[12] ورغم ذلك، اختلف المسلمون في هيئة الصلاة وهي أكثر عبادة كررها النبي (ص) في حياته.
ويحق لكل مسلم أن يتساءل ما هي الهيئة الصحيحة التي كان يصلي بها الرسول ومن بعده من الصحابة والتابعين؟ هل هي هيئة واحدة أم أنه صلى بهيئات مختلفة؟ فكل مسلم يريد أن يحرص على السنة لينال أجر الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم). فهل كان النبي يرفع يديه في أول أمره ثم نهى عن الرفع بعد ذلك؟ أم أنه كان لا يرفع في البداية ثم رُوي عنه الرفع، وإذا كان يرفع فهل كان يرفع مرة واحدة عند التكبيرة الأولى فقط، أو كان يرفع كلما كبر؟
الحقيقة المطلقة في علم الله، لكن بما أن جميع هذه الروايات وردت وتناقلتها الألسن في مجالس العلم، فلا يجوز لأحد إنكار ما صح منها، لكن لكل مسلم الحق في الأخذ بما اقتنع به من رأي، أو أن يقلد أحد المذاهب المعروفة دون أن يصف غيره بإنكار حديث أو مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.


ابن حجر، فتح الباري، شرح صحيح البخاري الجزء الثاني،كتاب الآذان، ص 278 ، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الثالثة -2000م
[2] سنن أبي داود – كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، رقم 748 ،1 \199. سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن النبي (ص) لم يرفع إلا في أول مرة، رقم 257، 2\40. مسند أحمد، رقم 4211، 1\441 (م أ)

[3] سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب ذكر التكبير ورفع اليدين عند الافتتاح......، رقم 25، 1\295 (م أ )

[4] البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب ملم لم يذكر الرفع إلا عند الافتتاح، رقم 2365، 2\79 ( م أ ).

[5] ابن القاسم: عبد الرحمن بن القاسم، من تلاميذ الإمام مالك بن أنس ، توفي بمصر سنة 191 هـ

[6] مالك بن أنس، المدونة الكبرى ص 107 – دار الفكر بيروت 1998

[7] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ، تفسير سورة الكوثر، المجدل العشرون، ص 222

[8] صحيح البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا رفع، رقم 703 1\258 . صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الاحرام ... رقم 391، 1\293 ( م أ )

[9] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، رقم 748، 1\199. سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل، رقم 3423، 1\258. مسند أحمد، رقم 717، 1\93 (م أ ).

[10] ابن حجر فتح الباري، شرح صحيح البخاري الجزء الثاني،كتاب الآذان، ص 278 ، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الثالثة -2000م
[11] راجع الألباني – صفة صلاة النبي

[12] صحيح البخاري كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر، رقم 605، 1\226. مسند أحمد، 5\53(م أ)





المبحث الثاني - أدلة الإباضية في ترك رفع الأيدي في الصلاة
نظرا لعدم اتفاق العلماء على هيئة واحدة في الرفع، ووجود أحاديث في النهي عنه، فإن جميع علماء الإباضية – متقدميهم ومتأخريهم - يرون أن رفع الأيدي في الصلاة ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو عمل زائد عن الصلاة، نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة وردت في مسند الإمام الربيع كما وردت في صحيح مسلم وغيره، كما سيأتي بيانه.
ولأن هذه المسألة من فروع الفقه وليست من أركان الصلاة، فإن أهم كتب الفقه عند الإباضيةلم تتعرض لهذه المسألة بالتفصيل فكتاب الايضاح للشماخي وقواعد الاسلام للجيطالي وهما من علماء الإباضية في المغرب لم يتعرضا إلى الخلاف في هذه المسألة رغم أن منهم من ذكر الخلاف الوارد في المسائل الأخرى كالخلاف في البسملة والقنوت وقراءة السورة في الركعتيتن الأوليين من صلاتي الظهر والعصر والتأمين.[1]
يقول الشيخ محمد بن يوسف اطفيش: "ولا قائلا برفع اليدين منا معشر المغاربة الإباضية عند الإحرام فمن رفعهما أو إحداهما قبل الشروع فيها صحت صلاته أو قبل الفراغ فسدت بناء على أن الإحرام منها وصحت بناء على أنه ليس منها أو بعد الفراغ فسدت". وقال الشيخ خميس من مشارقة أصحابنا رحمه الله: ويكره الإحرام قبل التوجه عندنا ورفع اليدين عنده ووضعهما على السرة والإشارة بالإصبع والتورك على اليسرى ولا بأس قيل على من فعل ذلك. وغيرنا يراها سنة.[2]
وبعد أن ذكر الشيخ اطفيش أقوال العلماء من المذاهب الأخرى المستندة على بعض الأحاديث، قال: وهذه الأحاديث كلها لم يصح سندها عندنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا جابر بن زيد رحمه الله روى عن سبعين من الصحابة وأكثر الأخذ عنهم؛ منهم أبو هريرة وابن مسعود وعمار وأنس وغيرهم كابن عباس، بل قال حويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر ابن عباس فإني لم أرو جميع ما عنده. ولم يثبت رفع اليدين عنده في الإحرام ولا في خفض ولا في رفع ولو صح عنه صلى الله عليه وسلم لرواه عنهم ولرآهم يفعلونه. وجابر بن زيد ثقة عند قومنا كما هو عندنا وإذا كان الأمر هكذا ولم يصح السند في رفع اليدين كان رفعهما إلى المنع أقرب لأنه زيادة عمل في الصلاة ومناف للسكون في الصلاة[3]
أما علماء المشرق فإن الشيخ نور الدين السالمي أورد الرفع من ضمن مكروها ت الصلاة. قال: "رفع اليدين عند الإحرام مكروه ناقض للصلاة عندنا لأنه زيادة عمل في الصلاة، وهو ينافي الخشوع المأمور به أو ينقصه".[4]
ويقول العلامة سلمة بن مسلم العوتبي " أجمع أصحابنا على ترك رفع اليدين في الصلاة لأشياء صحت عندهم في ذلك."[5] ونقل قول أبي الحسن البسيوي:" ولم نر أسلافنا يعملون ذلك ولم نرهم يفسدون صلاة من فعله، ومن فعله لم نره يفسد صلاة من لم يفعله" ونقل أيضا قوله " عندي أن العمل في الصلاة بغير معنى الصلاة لا يجوز، ورأيت رفع اليدين في الصلاة عمدا ليس هو من الصلاة، وقد جاء النهي عنه"[6] .
هذاوقد أجاز الإباضية الصلاة خلف من يرفع، قال الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي: "أجاز المسلمون الصلاة خلف من يفرد الاقامة، ومن يسر ببسم الله الرحمن الرحيم، وخلف من يرفع يديه في الصلاة للتكبير، وخلف من يسلم مرتين، ولم يروا في ذلك زيادة ولا نقصان فيها"[7] .
وللاباضية أدلة اعتمدوا عليها في ترك الرفع وهي تنقسم الى قسمين: أدلة شرعية وأدلة عقلية.
1- وجود روايات تنهى عن الرفع:
جاء النهي عن الرفع في عدة أحاديث رواها أئمة الحديث منهم الإمام مسلم والنسائي وأبو داود، كما رواه الإمام الربيع بن حبيب ونكتفي براوية الإمام الربيع في الجامع الصحيحورواية الإمام مسلم في صحيحه.
أ - رواية الإمام الربيع :أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كأني بقوم يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس. »[8]
ب- : رواية الإمام مسلم: « حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ، قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ، قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ. وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. »[9]
فهذا الحديث الذي ينهى عن الرفع ثابت عند الإباضية وغيرهم، ورغم وضوح معناه، إلا أن القائلين بالرفع اعترضوا بأن النهي عن الرفع مقيد بحالة الرفع عند السلام وقد رواه حديثا غير واحد من المحدثين منهم البخاري في جزء رفع اليدين ومسلم في صحيحه[10]، لكن المتأمل فيما اعترضوا به يجد أن كلمة السلام لم ترد إطلاقا في هذا الحديث بل وردت في حديث آخر وأنه لا يمكن أن يكون الحديثان حديثا واحدا، فلا يثبت التقييد لأن ظاهر هذا الحديث ينهي عن مطلق الرفع في الصلاة بما فيه الرفع عند السلام.
2- وجود روايات تذكر التكبير في الصلاة بدون ذكر الرفع
وردت أحاديث في الصحاح عمن رُوي عنهم الرفع في البخاري ومسلم وغيرهما ولاذكر فيها للرفع، منها:
أ- الحديث المشهور باسم " المسيء في صلاته" الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وغيره« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلّى فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع يصلي كما كان صلّى، ثم جاء فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (ثلاثا) فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها»[11].
وهذا الحديث هو الأصل الذي بنيت عليه صحة الصلاة ولذلك قال بعض العلماء إن ما ذكر في هذا الحديث فهو واجب وما سواه فهو غير واجب. والرفع لم يذكر في هذا الحديث وكذلك وضع اليد اليمنى علي اليسرى. فلو كان الرفع والقبض من أعمال الصلاة لبينهما الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل.
ب - وفي صحيح مسلم أيضا من أكثر من طريق حديث عن أبي هريرة يتحدث عن التكبير ولا ذكر فيها للرفع. وهذا نص إحدى الروايات:
«حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج أخبرني بن شهاب عن أبي بكربن عبد الرحمن أنه سمع أبو هريرة يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام الى الصلاة يكبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع ثم يقول "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم "ربنا ولك الحمد" ثم يكبر حين يهوي ساجدا. ثم يكبر حين يرفع رأسه. ثم يكبر حين يسجد. ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس". ثم يقول أبو هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»[12]. وهذا الحديث رواه أيضا النسائي
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن يحي بن يحي قال: « قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يصلي لهم فيكبر كلما خفض ورفع فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»[13] .
فالروايتان السابقتان عن أبي هريرة خاليتان من الرفع عند التكبير رغم أن الأولي مروية عن ابن شهاب الزهري الذي روى حديث الرفع عند التكبير في الإحرام والركوع والرفع من الركوع، كما أن أبا هريرة (رضي الله عنه) الذي رُوي عنه الرفع عند التكبير الأول والركوع والرفع منه رُوي عنه أيضا الرفع مرة واحدة.
ج - روى أبو داود في باب من لم يذكر الرفع عند الركوع[14] عن مسدد « أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مدا. ومسدد هو نفسه روى حديثا في سنن أبي داوود عن وائل بن حجر في الرفع في أكثر من موضع. »[15]
د – روى أبو داود أيضا عن سالم البراد قال: « أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود فقلنا له حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فقام بين أيدينا في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه ثم قال سمع الله لمن حمده فقام حتى استقر كل شيء منه ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه ثم رفع رأسه حتى استقر كل شيء منه ففعل مثل ذلك أيضا ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة فصلى صلاته". ثم قال هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي. »[16]

والروايات السابقة تتوافق مع ما رواه أبوغانم الخراساني عن الربيع بن حبيب قال (حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام الى الصلاة كبر حين يقوم فيها، وإذا ركع كبر، وإذا طأطأ راسه في السجود كبر وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا كله )[17]
يُفهم من هذه الأحاديث أن الرفع ليس من الأعمال الأساسية في الصلاة، وأن الذي لا يرفع يديه مع التكبير ليس مخالفا لسنة أو منكرا لحديث كما يقول البعض، بل إن الذي يرفع يديه هو الذي يخشى عليه أنه خالف الأصل لورود النهي عن الرفع كما تقدم.
3- الاختلاف في مفهوم السنة
يرى الإباضية أن اصطلاح السنة يقصد به كل قول أو عمل أو تقرير صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت خلاف فيها. أما الروايات المختلف فيها أو في نسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا تدخل تحت إطار السنة الواجب العمل بها .
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: (إن الأعمال التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في بعض العبادات لسبب عارض، أو فعلها ولم يعد إليها، أو لم يثبت أنه داوم عليها، لا يعتبروها سنة، وإنما يرونها واقعة حال يمكن الإتيان بها في ظروف مشابهة فقط ، ومنها:القنوت في الصلاة، ورفع الأيدي عند التكبير والجهر بكلمة آمين بعد الفاتحة في الصلاة، وزيادة (الصلاة خير من النوم في أذان الفجر).[18].
يُفهم من قول الشيخ علي يحي معمر أن سنن الصلاة هي الأعمال التي داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت الاختلاف فيها، ومن أمثلة ذلك: المضمضة والاستنشاق وأوقات الصلوات وعدد الصلوات في اليوم، وعدد ركعات الصلاة. كل ذلك من المتواتر العملي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرف خلاف فيها. أما الرفع فإن الاختلاف فيه يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليه دواما يجعله يصل إلى مرتبة السنن المؤكدة.
4- القول مقدم على الفعل و النهي مقدم على الأمر
من القواعد الفقهية المقررة عند الفقهاء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فعله. يقول الشيخ علي يحي معمر "إذا تعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله، ولا يمكن الجمع بينهما، فالقول أقوى لأنه أساسا موجه إلينا أما عمله فيحتمل الخصوصية"[19]. ومن أمثلة ذلك ما رواه النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال" من أدركه الصبح وهوجنب فلا يصوم "[20] والذي يعارضه الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة وأم سلمة أن رسول الله ص كان يدركه الفجر وهو جنب "[21]. فالإباضية يعملون بحديث أبي هريرة بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم. أما غيرهم فأغلبهم يأخذون بحديث عائشة رغم أنه قد يحتمل الخصوصية. كما أن الأخذ بالقول هو نوع من الاحتياط.
وكذلك الرفع، فإذا ثبت أن النبي رفع يديه في الصلاة ، وثبت أيضا أنه نهى عن الرفع، فالأخذ بالنهي أولى. لأن النهي مقدم على الأمر وهو أيضا من القواعد الفقهية لقوله صلى الله عليه وسلم"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا"[22]
فحديث النهي عن الرفع واضح وصريح بينما الأحاديث المروية في الرفع ليست صريحة، فكل روايات الرفع ، إما هي من أقوال أو أفعال الصحابة، أو قول الصحابي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه أو ما شابه ذلك. فلم يثبت حديثا صريحا يأمر بالرفع كما ورد في النهي عنه.
5- الأخذ بمبدأ الاحتياط – الاكتفاء بالأصل خروجا من الخلاف
الاحتياط من المبادئ التي التزم بها الإباضية في العبادات والمعاملات منذ القرون الأولى. فهم يحتاطون في أمور الصلاة عامة وفيما يتعلق بالطهارة التي هي أساس الصلاة خاصة. ومن أجل هذا المبدأ فقد وصفهم بعض مخالفيهم بالتشدد في الدين وخصوصا فيما يتعلق بالطهارة للصلاة والشواهد على هذا كثيرة في الفقه الإباضي. ومن أمثلة ذلك القنوت في الصلاة، فبعض العلماء يرى أن القنوت في الفجر بينما يرى غيرهم أن القنوت في الوتر، أما الإباضية فلا يرون القنوت. كما يعتبرون الدم ناقضا للوضوء، ويقولون بإعادة الصلاة إذا تأكد المسلم أنه صلى في ثوب نجس، بينما من غيرهم من يرى أن الدم لا ينقض الوضوء، ولا إعادة على من صلّى بثوب نجس، إلى غير ذلك من الاحتياطات. كل ذلك خوفا من الوقوع في الشبهة أو مخالفة السنة.
يقول الشيخ أحمد الخليلي: "واعلم أن مسلك أصحابنا في الصلاة الاحتياط بعدم الأخذ إلا بالروايات التي لا يحوم حولها أي ريب في المسائل المختلف فيها لأن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الذي يلي العقيدة مباشرة، والمحققون من العلماء على اختلاف مذاهبهم لا يقبلون الحديث الآحادي كحجة في المسائل الاعتقادية، لعدم إفادته القطع، فكانت الصلاة المجاورة للعقيدة في الترتيب حرية بالحيطة، على أن من العلماء من قال في صلاة أصحابنا إنها ثابتة بالإجماع، لأن ما يتركونه من الأعمال فيها مختلف فيه عند غيرهم."[23]
فترك الرفع هو الأصل كما ورد في الأحاديث السابقة، وهو لا ينقص من أعمال الصلاة ولا يبطلها، كما أن الرفع قد يدخل المسلم في مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الرفع للحديث المتقدم ذكره، ويخشى منه عدم قبول الصلاة. وهذا من الاحتياط.
6- إجماع العلماء على صحة الصلاة بدون الرفع
مع كثرة الأحاديث الواردة في الرفع، فإن الفقهاء قالوا أن الرفع ليس شرطا في صحة الصلاة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري[24] نقلا عن ابن عبد البر: "أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة". والإمام أبو داود رغم ميله إلى الرفع في أكثر من موضع كغيره من أهل الحديث إلا أنه أفرد بابا خاصا بعنوان "الرخصة في ترك ذلك".
وهذا يدل على أنه ليس شرطا في صحة الصلاة، ولا يعتبر ركنا من أركانها، وليس من السنن المؤكدة، بل إن العديد من الفقهاء يذكرونه في المستحبات. يقول ابن عبد البر "رفع اليدين أو إرسالهما كل ذلك من سنن الصلاة"
فابن عبد البر ما كان ليقول هذا لو كان يعلم أن ترك الرفع مخالفةٌ للسنة، ولكنه وجدكثرة الجدال في هذه المسألة فأصدر هذا الحكم، رغم أن القول الذي قاله يحتاج أيضا إلى نظر فلا يمكن أن تكون السنة شيئين متناقضين.
7- تحفظ الإباضية على بعض أحاديث الرفع
كثير من الأحاديث المروية في الرفع فيها اضطراب في متنها أوسندها وقد قام الشيخ أحمد بن سعود السيابي بمناقشة بعض من هذه الأحاديث في رسالة "الرفع والضم في الصلاة" كما أن بعض علماء الإباضية، تحفظوا على الأحاديث المروية عن ابن شهاب الزهري ومنها الحديث الذي رواه عن ابن عمر في الرفع. وسبب التحفظ يرجع الى ارتباطه بحكام بني أمية. وقد أنكر كثير من العلماء حتى من غير الإباضية اتصال ابن شهاب الزهري بالأمويين وكتبوا له يلومونه على ذلك. قال الإمام أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان "فكتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل، منهم جابر بن زيد، ووهب بن منبه، وأبو حازم الفقيه، فقيه المدينة وأمثالهم وقد وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة إليه"[25]
7- اشتهار الإباضية بالصدق
شهد المخالفون للاباضية بأنه لم يعرف عنهم الكذب في الحديث عن رسول الله (ص). وقد روى عن بعض العلماء - منهم ابن تيميه - أن الخوارج من أصدق الناس في الحديث[26]. لأنهم يعتبرون الكذب من الكبائر التي يخلد صاحبها في النار إن لم يتب. ويقصدون بالخوارج هنا "الإباضية" لأنه من المعروف أن الخوارج لم يهتموا برواية الحديث أوالفقه لانشغالهم بالحروب عن العلم.
8- الرفع الوارد في الأحاديث قد يكون قبل النهي عنه
نظرا لورود الأحاديث المختلفة في الرفع فيمكن الجمع بين الروايات المختلفة في الرفع بالقول إن الرفع المذكور في الأحاديث كان قبل النهي عنه، وأن الرسول كان في أول أمره يرفع يديه في الصلاة، إما مرة واحدة في تكبيرة الإحرام ، أو عدة مرات في مواضع أخرى، ونقل عنه الصحابة هذه الأحاديث، ولكنه في آخر الأمر نهى عن الرفع لحديث جابر بن سمرة الذي تقدم ذكره.
9- الإباضية من أول المذاهب الإسلامية تَكَوّنا: فالإمام الأول للإباضية هو جابر بن زيد، ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعاش في البصرة التي كانت مركز الإشعاع العلمي في ذلك الوقت، كما عاصر كثيرا من الصحابة والتابعين و أخذ العلم على كثير منهم، كأم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم.
رُوي عنه أنه قال: "أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر". ولم يثبت عند الإباضية أن جابر بن زيد أو تلاميذه رفعوا أيديهم في الصلاة أو أمروا بالرفع. فلو كان رفع اليدين أو وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من السنن المؤكدة التي أجمع عليها الصحابة رضوان الله عليهم لكان أول من عمل بهما جابر بن زيد، ولو عمل بهما لنقلهما عنه تلاميذه وأشهرهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي تتلمذ عليه حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب وخراسان، الذين انتشروا في الأمصار منذ بداية القرن الثاني الهجري. فترك الرفع انتقل بالتواتر العملي منذ القرن الأول الهجري جيلا عن جيل حتى وقتنا هذا.







[1] الجيطالي، إسماعيل، قواعد الإسلام، تحقيق الشيخ بكلي عبد الرحمن، الجزء الأول، فصل التوجيه، ص 266.

[2] اطفيش، محمد بن يوسف، شامل الأصل والفرع، الجزء الثاني ص 63 طبعة وزارة التراث القومي والثقافة 1984

[3] اطفيش، المصدر السابق ، ص 65

[4] السالمي، نور الدين، معارج الآمال على مدارج الكمال، الجزء الثامن، ص 277-278 ن طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنه عمان 1983

[5] العوتبي، سلمة بن مسلم، كتالب الضياء، 5\151

[6] العوتبي، سلمة بن مسلم، كتالب الضياء، 5\153

[7] أحمدبن عبد الله الكندي، المصنف

[8] الفراهيدي، الجامع الصحيح،كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الإمامة والخلافة في الصلاة، رقم 213. ج1|ص 58 مكتبة مسقط

[9] صحيح مسلم،كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة رقم 430، ج1|ص 322

[10] البخاري، رفع اليدين في الصلاة، رقم 79،90- صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر والسكون في الصلاة رقم 431، ج1|ص 322

[11] صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم... رقم 757 ، ج1|207- صحيح مسلم، كتاب الصلاة،باب وجوب قراء الفاتحة، رقم 397، ج1|298

[12] صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، رقم 392. 1|293 . سنن النسائي، كتاب الافتتاح، باب التكبير للركوع رقم 1032، 2|181 (م أ)

[13] صحيح مسلم، نفس الاحالة السابقة

[14] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، رقم 753، ج1|200

[15] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب رفع الأيدي في الصلاة، رقم 726، ج 1|193

[16] سنن أبي داود، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم 863، 1\228. (م أ )

[17] أبو غانم الخراساني " المدونة الصغرى" ج 1 ص 25

[18] علي يحي معمر، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص 48، الطبعة الخامسة ،مكتبة الضامري للنشر والتوزبع

[19] معمر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص 47

[20] النسائي، السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب ما لا ينقض الصوم، رقم 2924، 2\176 . سنن ابن ماجة، كتاب الصيام، باب ما جاء في الرجل يصبح جنبا وهو يريد الصيام، رقم 1702، 1\543 ( م أ )

[21] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبا، رقم 1825، 2\679 ( م أ ).

[22] الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الربيع)، كتاب الحج، باب في فرض الحج، رقم 394، 2\100.صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله (ص) رقم 6858، 6\2658. صحيح مسلم كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، رقم 1337، 2\975 ( م أ ).

[23] أحمد بن حمد الخليلي : الفتاوى " ( الكتاب الأول ) ص 223 - 224

[24] ابن حجر، فتح الباري، باب الأذان، باب رفع اليدين ص..

[25] الوارجلاني، الدليل والبرهان ،1\20 . اطفيش: شرح النيل 16\258

[26] ) مصطفى السباعي ،.السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي


توقيع عابر الفيافي


لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس

 

 



Facebook Twitter