عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 10-08-2010
الصورة الرمزية عابر الفيافي
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
عدد المشاركات : 8,712
الإقامة: oman
قوة السمعة : 188
غير متواجد
 
Icon26 بيع الإقالة.. لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سؤال:
كثر التعامل في مجتمعنا بما يسمى بيع الإقالة أو بيع الخيار، ولا يخفى عليكم ما تنطوي عليه عقدة هذا البيع من مفاسد جمة، أصبح المجتمع يعاني من ويلاتها، فكم من محتاج لزت به حاجته إليه ورجا أن يجد فيه المخلص من مشكلته، فإذا به يخسر الطارف والتليد، ويبقى عائلا مسكينا بسبب استغلال المشترى وجشعه الذي لا يرق معه لحالة مضطر، وقد وجدنا من الناس من يروج لهذه المعاملة محاولا أن يضفي عليها الصفة الشرعية للبيوع، مستنكراً ما يقوم به المصلحون من النهي عنها بحجة أنه لم يتفق العلماء على منع هذا البيع، فجم غفير منهم أباحه كما تشهد به آثارهم وفتاواهم، ومن قلد عالما كان سالما، على أنه جرى العمل به بين ظهراني أئمة العدل وعلماء الإسلام، فلو كان محجورا لشددوا فيه، ومن هؤلاء من ينزع في الاستدلال لإباحته منزعا عجيباً، وذلك أنه يزعم أنه تناط به منفعة دينية ودنيوية، وهي أن فيه مندوحة للناس في حاجتهم عن القروض الربوية التي تقدمها مؤسسات الأموال مشروطة بالربا الصريح، فكانت إباحته -لهذا السبب- أمراً ضرورياً يقتضيه النظر في مصالح المسلمين، وقد أثرت هذه الشبهات في نفوس كثير من عوام الناس الذين لا يفرقون بين التمر والجمر ولا بين الذئب والحمل.
لذلك وجهنا إليكم هذا السؤال، راجين منكم تسليط الضوء على هذه المسألة بما فيه شفاء الغليل، وبما يقطع رأس كل شبهة، ويستأصل شأفة كل ريبة .
والله المسؤول أن ينعم علينا وعليكم بالتوفيق لما يحبه ويرضاه.


بيع الإقالة ص5 ـ 6



مصطلحات بيع الإقالة

الجواب :
بعد حمد الله بما هو له أهل، والصلاة والسلام على نبيه الذي كشف به الغمة، وأزاح بطلعته دياجر الجهل المدلهمة، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى لمن سرى في طلب الحق وأمه.
اعلم أن ما تعورف على تسميته عندنا ببيع الإقالة أو بيع الخيار بحثه علماء الأمة من شتى مذاهبها معنونا بأسماء مختلفة ، فالمشهور عند الحنفية تسميته بيع الوفاء ومنشأ هذه التسمية عند أهل سمرقند، وقد سمي عندهم بأسماء أخرى، فمنهم من يسميه البيع الجائز، ومنهم من يسميه بيع المعاملة، وسماه آخرون بيع الأمانة وهو المشهور بمصر، وبيع الطاعة أو الإطاعة وهو المشهور عند أهل الشام، وسمي عند حنفية تونس الرهن، أما المالكية فقد اشتهر عندهم ببيع الثنيا، كما اشتهر عند الشافعية ببيع العهدة، وعند الحنابلة ببيع الأمانة كحنفية مصر، ويسمى في طرابلس الغرب بيع الوعدة، وعند أهل اليمن بيع الرجاء، وأشهر أسمائه عند غيرنا بيع الوفاء، ولعل ذلك راجع إلى أن هذا الاسم هو الذي سماه به أول الناس تعاملاً به وبحثا في أحكامه وهم الحنفية كما سيأتي إن شاء الله .


بيع الإقالة ص7 ـ 8





نشأة هذا البيع:

ولم يكن التعامل بهذا البيع معهودا في الصدر الأول، ولذلك لم يرد له ذكر في الحديث الشريف، ولا في الآثار المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا في أقوال التابعين، بل ذهب كثير من الفقهاء الذين بحثوا أحكامه إلى أن نشأته كانت في القرن الخامس الهجري ببلاد ما وراء النهر، وفي هذا يقول العلامة محمد بن محمد بيرم الثاني - من علماء الحنفية - في كتابه "الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء" :
"أعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه قصد النفع الأخروي، حتى كان المقرض منهم يقرض لوجه الله عز وجل لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود، فلما انقلبت الأوضاع وغلب حب الدنيا على الطباع وصار الإنسان كما قال صاحب الفصول ( لا يقرض غيره شيئا كثيرا من ماله من غير أن يطمع بحصول نفع مالي ) أحدثوه لتحصيل الأرباح بطريق مباح، وأظن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند لأن الكلام فيه للسمرقنديين" .اهـ
وقال الأستاذ المحاسني في شرحه على المجلة: "إن بيع الوفاء حدث اعتباره والقول به بين العصر الخامس والسادس في ديار بخارى " وبيّن أن أصله أن تلك الديار تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة كادت تذهب بها .
وذكر العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء في بحثه "بيع الوفاء وعقد الرهن " أن أول ظهوره وتعامل الناس به في القرن الخامس الهجري في مدينة بلخ .

بيع الإقالة ص 9 ـ 10



الوجه الحقيقي لهذا البيع :

وهو بيع لم يقصد به إلا التحايل على الربا بأسلوب المخاتلة والخداع ليخفى هذا القصد، فإن المتعاملين به يعمدون إلى إظهار وجه البيع منه ومواراة وجه الربا، وقد تفطن لذلك أهل العلم، فمنعه جمهورهم من أصله لما ينطوي عليه من سوء المقصد ويترتب عليه من فساد في دين الأمة وأخلاقها، ولأن الحلال والحرام لا ينظر في حكمها إلى الصور الظاهرة، فإن الله العليم الخبير هو الذي تعبد عباده بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية مما يعتمل بين طوايا النفوس وحنايا الضمائر، والعبرة إنما هي بالجوهر لا بالشكل وبالحقيقة لا بالخيال، وهل تتحول النجاسة عن حكمها وتستحيل عن طبيعتها إن هي صبت في وعاء حسن الصورة نظيف المظهر طيب الرائحة ؟.

بيع الإقالة ص11



حكم هذا البيع عند الفقهاء:

وقد اشتهر الحنفية بالتسامح في المعاملات والتوسع في كثير من الأحكام حسبما يوحي به الظاهر أحياناً من عدم مجانبة شرع الله، لذلك كانوا أكثر المذاهب توسعاً في أحكام هذا البيع بل أصل نشأته كانت في أكنافهم، ولكنهم مع ذلك اختلفوا في حكمه إلى آراء متعددة، قال العلامة بيرم الثاني منهم: "والتحيل لذلك وإن كان مشروعاً لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين وليس هو من الأمر الهين، فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر" وقد أنهى العلامة البزازي في جامعه وهو من علماء الحنفية خلافهم في ذلك إلى تسعة أقوال، وهي مشروحة في أمهات كتبهم كما أوسعت في بحوثهم ورسائلهم بياناً وتفصيلاً، ولكن العلامة بيرم الثاني ردها إلى خمسة ثم قال: "وما زاد عليها راجع بقليل تأمل إليها" ومن أجل اختصار الجواب أقتصر فيه على إيراد هذه الخمسة بشيء من التلخيص والإيجاز فدونكها:


أولها: أن هذا العقد لا يعدو أن يكون رهناً في حكمه ولو عبر عنه بلفظ البيع حتى لا يكون للمشتري فيه غير حبس العين فيما يكون له على البائع من دين، ومعناه أنه ليس له أن ينتفع بشيء من ريعه، وهو مذهب أبي شجاع وابنه والسعدي وأبي الحسن الماتريدي والقاضي الأمير، استدلالا منهم بأن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها، بدليل جعلهم الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءته كفالة، وما هو إلا اعتبار لجانب المعنى وإلغاء لظاهر المبنى، والذي يفهم من الخيرية أن هذا هو رأي أكثر الحنفية، وما من ريب أن الأخذ بهذا الرأي يفوت على ذوي الأطماع ما يرومونه من التذرع بهذه المعاملة إلى أكل الحرام، فإنهم لا يجدون سبيلا إلى استغلال العين التي اشتروها رأي العين عندما يلزمون به .

ثانيها: أنه بيع جائز لازم إذا عقد بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه لا فرق بينه وبين البيع البات الصحيح في حكم ما ، فلا يسوغ فسخه من طرف واحد وإنما بالتراضي بين الطرفين على جهة الإقالة، وهو الذي نقل غير واحد عن النسفي اتفاق شيوخه في زمنه عليه، وحجتهم أن متعاقديه تلفظاً بلفظ البيع من غير ذكر شرط الفسخ فيه وإن أضمراه بقلوبهما، إذ ذاك أو شرطاه نصا قبل العقد بناء أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكراً باللسان دون تقدم ذكره عليه ولا قرانه به مضمرا بالجنان .
قلت: في هذا المذهب نظر لا يخفى على متأمل، ذلك لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطاً، فإن توارد المتعاقدان على ما في نفسيهما من الشرط الذي تشارطاه من قبل العقد أو تعارفا عليه وإن لم يذكراه رأسا لم يختلف حكمهما عما لو تشارطا ذلك في صميم العقد، إلا أنه مع هذا لا يتفق هذا المذهب مع ما يجري عليه عمل الناس من النص على ذكر شرط الإقالة في وثيقة البيع .


ثالثها: أنه بيع جائز لكنه غير لازم، فيحل للمشتري الانتفاع بالمبيع لجوازه ويفسخ بطلب أحدهما لعدم لزومه، وهو الذي ذكره قاضي خان أثناء كلام له، غير أنه يفيد أنه إن ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد، وهو كما ترى يقتضي أن لا يعتبر الشرط في صميم عقد البيع بل تسمية ذلك شرطاً من باب المجاز ليس إلا، إذ الشرط ليس كالوعد وقد عدوه من باب المواعدة، لذلك أنكر بيرم ما جاء من تصويره نقلاً عن حواشي جلال الدين على الهداية بأن يقول: "بعت منك هذه العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين إلي" إذ قال على أثره: "ولا يخفى أن هذا هو الذكر على وجه الشرط لكون كلمة "على" من أدواته عند الفقهاء لا المواعدة، ليت شعري أن لم يكن هذا ذكراً على وجه الشرط فما صورته؟! وإنما صورة الذكر على وجهها أن يقول أحدهما للآخر بعد الإيجاب والقبول: "أريد منك متى رددت عليك ما قبضت منك ترد عليّ ما قبضت مني" فيقول: "نعم" أو يقول للبائع ابتداءً: "إن رددت علي الثمن رددت عليك المبيع" ". اهـ

رابعها: أنه بيع فاسد سواء كان شرط الفسخ - أي الإقالة - مقرونا به أو سابقاً عليه أو جاء بعد العقد في مجلس العقد، وقيل ولو بعده - وهو الصحيح عندهم كما في الخانية - أو لم يكن ملفوظاً قط وإنما تواطأ عليه حسب العرف بينهما، وعلى الفساد صاحب العدة واختاره ظهير الدين.

خامسها: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات، على معنى أنه يعتبر رهناً بالنسبة للبائع حتى يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين ويضمنها له المشتري بالهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن، وبيعا باتا صحيحاً بالنسبة للمشتري في حق نزوله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكنا وزراعة وإيجارا، وعليه استقر عمل شيوخ النسفي على ما نقله عنه الزيلعي، وذكر العمادي أن فتوى جده برهان الدين وأولاده ومشايخ زمانهم على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزا في زوائد المبيع ولا يغرم لو استهلكها .
وهذا القول هو أقصى ما وصل إليه الحنفية من التوسعة والترخص فيه، وثم أربعة أقوال لهم غير ما ذكرت تركتها اختصاراً كما سبق، فمن أرادها فليرجع إليها في مظانها من كتبهم.
أما المالكية والشافعية والحنابلة فجمهور علمائهم على حرمة التعامل بهذا البيع وأنه فاسد من أساسه، وأن لم يخل مذهب من هذه المذاهب من اختلاف فيه.


بيع الإقالة ص12 ـ 17





رأي فقهاء الإباضية:


وأما أصحابنا رحمهم الله فإن أوائلهم لم يتعرضوا لحكم هذا البيع لأن الله تعالى عافاهم منه إذ لم يكن معهودا في زمانهم، وإنما سرى من بعدهم إلى أعقابهم داؤه واستشرى في مجتمعاتهم وباؤه، فكان بحاجة إلى بحث أحكامه وتفصيل أدلته من قبل أولى العلم والنظر كسائر العقود المستجدة، وقد تفاوتت نظرة أهل العلم إليه بين واقف على شكله الظاهر وغائص إلى أعماق جوهره الباطن، وقد جمع الشيخ الخراسيني من فتاواهم وأحكامهم وأقوالهم في مسائله كتاباً يشتمل على ثلاثة أسفار كل منها كبير الحجم سماه "خزانة الأخيار في بيوعات الخيار"، ومما جاء من قوله في خطبة الكتاب: "أما بيع الخيار ففي تحليله وتحريمه اختلاف بين أهل العلم لأنه لم يكن في قديم الزمان وإنما أحدثوه في آخر الزمان، فقد استهواهم الشيطان وزين لهم كثيرا من فعله وركض عليهم بخيله ورجله، للذي لا يريد الربا ظاهرا ويستحيي أن يكون منه شاهرا،ً فأعلمه ببيع الخيار ودله وحاد به عن الطريق وأزله، ولعمري أن أكثر الربا في التجارات لا سيما هذه البيوعات".اهـ وكلامه هذا دليل على الفطنة والدراية بما ينطوي عليه هذا البيع من الربا المبطن وما يترتب على التعامل به من فساد في الدين.
ومثله قول العلامة الصحاري صاحب كتاب "الكواكب الدري والجوهر البري" : "اختلف المسلمون في تحريمه وتحليله لأنه إنما هو محدث باستهواء الشيطان وتضليله، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم وركض عليهم بخيله ورجله فذلك أعمى لهم، ولعمري إنه المحض الخالص من الربا المرجح وإلى الشبهة في البيوعات أرجح".اهـ

وأنت ترى أن المؤلفين قد اتفقا على أن بيع الخيار لم يستلهم إلا من وحي الشيطان الذي لم يرد به إلا إضلال الناس وإغواءهم عن الحق وإيقاعهم في شراك حيله وأنه عين الربا المحرم بالنص والإجماع.
هذا وقد حكيا جميعا عن العلامة أبي عبدالله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد - رحمه الله تعالى - أن بيع الخيار يختلف حكمه باختلاف قصد المشتري بين ابتغاء غلته أو ابتغاء أصله وأضاف إلى ذلك صاحب الكوكب الدري قوله: "ومن ابتاع بيعا خيارا طمعا في غلته فهو المحرم المحجور لقوله -صلى الله عليه وسلم- : <<من أجبى فقد أربى>> ولأنهم جعلوا هذا سلما يترقون به إلى تحليل الثمرة لغباوة عقولهم إذ أتوا بأقوال وأعمال منكرة فصار أمرهم كمن تزوج بضة وأكن تحليلها لمن أبانها، وكمن باع نسيئة مثلاً بمثلين وأظهر في تأسيس البيع أنه بالتبر أو بالورق، وكمن فجر بخرعوبة وأظهر أنه نكحها ".

ثم أضاف إلى ما تقدم قوله أيضا: "حجة من حرم ثمرة المبيع بالخيار أنه إن كان البيع على أصل المبيع فهو وما أغل لمشتريه، وإن كان على الثمرة صح تحريم البيع في الثمرة قبل دراكها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد سماه رباً، وكذا صح نحوه عن بيع المعاومة". وحكى عن الشيخ عمر بن المعقدي رحمه الله قوله: "إن ثمرة بيع الخيار حرام، وهي كمن نكح أختا في عدة أختها حين طلق الأولى، وكمن طلق الرابعة من أزواجه فنكح الخامسة في عدتها، وهذا كله حرام محظور وفاعله تسنم المحجور، وقيل كمن باشر عرسه وقد طهرت من الحيض قبل أن تتطهر بالماء، وكمن طلق عرسه تطليقتين ثم باشر فرجها، وحكى عن الشيخ صالح بن وضاح قوله: "إنما أوقفوا بيوعات الخيار على زيادة الدراهم، وإذا كان البيع الصحيح على أعظم الخطر فكيف بالبيوعات الفاسدة؟ فنسأل الله تعالى النجاة مما يكره " .
وأمثال هذه النصوص واردة في خزانة الأخيار بكثرة، وقد حكى مؤلفها عن الشيخ الفقيه صالح بن وضاح - رحمه الله تعالى - أنه قال: "قد عاب هذا البيع بعض أصحابنا وأكثر مخالفينا وحرموه، وقالوا: هذا بيع وقع على تحليل الثمرة، ولم يقع على الأصل فهو حرام ، فصارت أكثر بيوعات الخيار لا تقع على بيع الأصل ولا على تحليل الثمرة وإنما على زيادة الدراهم يعطي الرجل صاحبه كذا وكذا دينارا ويبيع عليه مالاً لا يعرفه يربي عليه كل سنة كذا وكذا ديناراً، فهذا لا يسع كل مسلم إلا إنكاره، وإذا كان البيع الصحيح مختلفا فيه - أي مع شرط الخيار ولو استوفى شروط إباحته عند من أباحه - وراكبه على خطر فكيف بالسقيم؟ نسأل الله النجاة من كل ما دخله ضيق وحرج" .اهـ
وحكي عنه أيضاً أنه قال: " نشهد الله في ليلتنا ويومنا وما مضى من أيامنا وبقية أعمارنا أنا ناهون من رأينا وعاينا ومنكرون عليه بألسنتنا ما وجدنا إليه سبيلا - إلى أن قال - وقد كنت في بُهلا لحاجة عرضت، فكلمني في هذه البيوع التي أحدثت الفقيه الرضي النقي المرضي عمر بن أحمد بن معد، فكان جوابي له إن شاء الله تعالى لا نعملها ولا نفعلها ولا نأمر بها ولا نرضاها من فاعلها، وننهاه عنها وننكر عليه فعلها".اهـ
وحكي عن العلامة مداد بن عبدالله بن مداد أنه قال: "سألت عن تحريم غلة بيع الخيار؟ السبب فيه كثرة إظهار الربا، ولا يعقد البيع إلا على عدد الدراهم إن كثرت الدراهم كثرت الإجارة وإن قلت قلت الإجارة، ويقول المشتري عندي دراهم العشرة باثني عشر والعشرة بثلاثة عشر، ولا يعقدان البيع إلا تغطية، ويعقده المبيع سنين بكذا وكذا دينارا وهذا كله حرام حرام إلى يوم القيامة... " إلخ.
هذا وممن اشتد نكيرهم من العلماء على المتعاملين ببيع الخيار الشيخ الفقيه راشد بن خلف بن راشد المنحي من علماء القرن الثاني عشر وكان مما قاله فيه :
لقـد أكـل الربـا متجاهلونـا ***** وتابعهـم عليـه الجاهلونــا
ببيـع خيارهم أكلـوا حرامـا ***** وكانـوا للحـرام محللينــا
تراهـم قيمـة الألفـين نقـدا ***** بدون الألـف هـم يتبايعونـا
وبعـد فيأخـذون لكـل ألف ***** قعادات تسمـى فـي السنينـا
وسمـوها قعـادات لأصــل ***** وهـم فيهـا أراهـم كاذبينـا
وإن تنقـص دراهـم يكونـوا ***** بقـدر الناقصات مقصرينــا
فلا بيع هنالـك بـل خـداع ***** بـه أكـل الحـرام محللونـا
لقـد جمعـوا لغيرهـمُ حرامـا ***** ومـن أوزاره هـم يضّلعونـا
فتبـا ثـم بعـدا ثـم سحقـا ***** وتقبيحـا لفعـل الظـالمينـا
ولـم يتنـاه أهل عُمـان عنـه ***** وذلك بئس مـا هم يفعلونـا
وخوف العـار يستخفون ناسـا ***** ولا يخشـون خلاقـا مبينـا
لقد ضلوا جميعـا بـل أضلـوا ***** كثيراً ثـم أضحـوا هالكينـا
أليـس اللـه ربهــمُ عليمـا ***** بمـا تخفـى صـدور العالمينـا
فهم قد خادعوا ذا العرش عمـدا ***** وأنفسهـم أراهـم يخدعونـا
وهم قد حاربوا ذا الطول جهـلا ***** محـاربـة المجـوس المسلمينـا
أما يخشـون زجـراً يقتضيهـم ***** فينقلبـوا جميعــا خاسرينـا
عليهـمْ لعن خالقهـم مقيمـا ***** يعمهــمُ ولعـن الـلاعنينـا
يذيقهم الإلــه غـداً عذابـاً ***** أليما فـي جهنمهـم مهينـا
ونـبرأ مـن فعالهـم جميعــا ***** سوى قـوم لذلـك تاريكينـا
وقـوم راجعـين عـن المعاصي ***** وهم من كـل إثـم تائبونـا
وخـوف اللـه ردوا ما استردوا ***** إلى من منـه كانـوا آخذينـا
وإمـا ينتهـوا عـن ذا ولمــا ***** يكونـوا للنصحيـة سامعينـا
فقـد علـم الإله الظلـم منهم ***** "بإصرار" (1) فهـم لا يؤمنونـا
ومعذرة إلـى الرحمــن قلنـا ***** لعـل البعض منهـم يتقونـا


ويقول أيضاً :
ظهر الفساد في جميـع الـدار ***** في البحـر والبلـدان والأقطار
غرتهـم الدنيـا ولـذة عيشهـا ***** فتشاغلوا بتكاثـر وفخــار
عميت قلوبهــم التي بصدورهم ***** وعيونهم فصحيحـة الأبصار
قد أحدثوا حيلا بها أكلوا الربـا ***** واستخرجوها من بيوع خيـار
يتبايعـون أصولهـم بخيارهـم ***** من مثـل مال رائـق أو دار
لم ينو بائعهـم يبيـع ولا الذي ***** يشـري شراء الأصل والأشجار
فيحوز غلتـه الذي يبتاعــه ***** متغافـلا عــن نقمة الجبـار
فيحوز غلتــه وغلتـه ربــا ***** يهوي بآكلـه غـداً في النـار
فيجمـع الثمـن الكثير من الربا ***** ويبوء يـوم الحشـر بالأوزار
هم أظهروا بيع الخيـار بلفظهم ***** خوف المذمـة واتقـاء العـار
فالله يعلم ما تكن صدورهــم ***** وهو العليـم بغامض الأسرار
غفلـوا عن استدراج ربهـم ولا ***** غفلات ضأن عن هزبـر ضار
هلا تناهـوا عن فعالهـم التـي ***** ظهرت ظهور الشمس نصف نهار
ورؤسُ مالهــم لهـم فلينصفوا ***** لا غيرها طوعـا بحكم البـاري
ثم يردوا مــا استردوا بعد من ***** تمر وحب كـان أو دينــار
من بعد توبتهـم بقلب مخلـص ***** صاف من الإعجاب والأكدار


ويستخلص من هذه النصوص عن علمائنا - رحمهم الله تعالى - أمور:

أولها: أن بيع الخيار بيع مبتدع لم يكن معهوداً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في عهود الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة السلف، وإنما حدث بعد ذلك بقرون، وهو خلاف ما يروجه أولئك الذين يسعون إلى التلبيس على عوام الناس بإضفاء صفة الشرعية على هذه المعاملة.

ثانيها: أن أصحابنا - رحمهم الله -لم يختلفوا قط في حرمة التعامل ببيع الخيار عندما يكون القصد منه التوصل إلى ما حرم الله من الربا، ولو كان ذلك بمجرد أن يقصد المشتري الانتفاع بالغلة من غير قصد امتلاك الأصل، لأن هذه النية وحدها كافية في إضفاء حكم الربا على هذه المعاملة.

ثالثها: أن الخلاف بين علماء المذهب قائم فيما إذا ضبطت هذه المعاملة بالقيود الشرعية لصونها من تسرب آفة الربا إليها، فمنهم من يحرمها على الإطلاق لما يشوبها من العلل، ومنهم من يبيحها بشرط مراعاة جميع تلك القيود والحذر من التفريط في اتقاء المحارم والشبهات، وهذا الاختلاف يدل عليه كلام الإمام أبي نبهان رضوان الله عليه "إن كان مراده به الغلة فالحرام أولى بها، وإن أراد به الأصل فالخلاف في تحليلها وتحريمها" وقد حكاه عنه الإمام السالمي - رضي الله تعالى عنه - وأقره، كما أيده في مواضع جمة من آثاره.

رابعها: أن المسألة تخرج عن دائرة الرأي إلى حكم الدين القطعي عندما تكون المعاملة سببا للتذرع إلى ما حرم الله من الربا وأكل المال بالباطل، لذلك نص من نص من أولئك العلماء على لعن من وقع في ذلك والبراءة منه واستحقاقه وعيد الله الشديد لأكله الربا ، وهو الذي يؤذن به كلام الإمام السالمي - رحمه الله - في جوهره كما سيأتي .
وبالجملة فإن لأصحابنا رحمهم الله تعالى آراء في بيع الخيار، منهم من يرى بطلانه رأساً وفساده أصلاً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شرطين في بيع، وقد عدّ قائل ذلك شرط الخيار فيه بمثابة الشرطين لتركبه من أصل الخيار وتحديد زمنه فضلاً عن كونه مظنة التذرع إلى الربا؛ ومنهم من يرى صحته حال انضباط المتعاملين به بأحكام الشريعة من غير مقارفة لشيء من محارم الله وهؤلاء اختلفوا إلى رأيين:


أولهما: أنه يثبت من يوم العقد فيترتب عليه استحقاق مشتريه لغلته مع تحمله لجميع مغارمه، بشرط أن يكون قصد امتلاك الأصل لا نفس الانتفاع بالغلة فحسب .

ثانيهما: أنه موقوف إلى انتهاء مدة الخيار وعليه ففي مغنمه ومغرمه رأيان؛ قيل: لبائعه مغنمه وعليه مغرمه لأنه لا يستحقه مشتريه إلا بمضي مدة الخيار، وقيل: بل هما يدوران مع أصله فإن رجع الأصل إلى البائع بحكم الخيار كان له مغنمه وعليه مغرمه، وإن استحقه مشتريه بمضي مدة الخيار مع عدم فسخ البائع لعقدة البيع بما له من حق الخيار أخذ معه مغنمه وتحمل مغرمه، وقد حرر هذا الخلاف الإمام السالمي - رضوان الله عليه - في جوهره تحريراً لم يُسبق إليه، مع إنزاله قوارع إنكاره على الذين خلطوا بين فروع هذا الاختلاف وأصوله، فلم يلتزموا رد كل فرع إلى أصله، فنشأ عن هذا تذرع الناس بهذه المعاملة إلى أكل الحرام المحض والانغماس في رجس الربا الوبىء، وإليكم ما قاله بنصه وفصه:
إن الخيـار في البيـوع يوجـد ***** بعلــة أو بشـروط تعقـد
فالأول الموجــود في الأخبـار ***** أصــوله في جملــة الآثـار
والثاني أن يشترطـن المشــتري ***** أو بائــع مدتــه للنظـر
أو يجعلان لــهما الخيــارا ***** ينظــر كل واحد ما اختارا
إلى انقضاء ذلــك الزمــان ***** ثم يصير ثابــت الأركــان
وهو خيـار الشرط فيه اختلفوا ***** أثبتـه قــوم وقــوم وقفوا
وبعضهم أفســده لأجــل ما ***** حوى من الشرطين فيه فاعلما
هما حصــول مدة الخيــار ***** ونفسـه لبائــع وشــار
والقائلــون بالثبـوت قالـوا ***** يثبت ما لم تقصد الغــلال
فإن قاصـد الغــلال مربـي ***** في مـاله عند جميع الصحـب
وإنمــا يسوغونــه لمـــن ***** قد قصد الأصـل الذي يثبتن
يريــد أن يأخــذه تدرجـا ***** إذ لم يجـد للقطع حالا منهجا
هذا الذي قد جوزوه لا سـوى ***** لكن فشا في الناس أتباع الهوى
فلا ترى من يشتريـه أبـدا ***** منهم لغيــر غلــة قد قصدا
هم جعلـوه منهجـا للغـلل ***** واستسهلـوا مأخـذه للمأكل
تراهــمُ للمـال يشـترونـا ***** وهم به للأصـل لا يبغونـا
إن قـرب الـوقت يؤخرونـا ***** ومـدة أخـرى يمددونــا
ويجعلـون ذاك حـسن خلـقِ ***** وهو ضلال لا يكــون في تقي
حالهـما كحـال الزانــيين ***** كانــا علـى ذا متراضييـن
وقد مضـى أن الربــا أشـد ***** من الزنـا فالوصف لا يشتد
ومنهمُ مـن يزعمــن أنــا ***** مراده الأصــل ويكذبـنا
يخــادع اللـه بقـول كاذب ***** مع أنــه للأصـل غير طالب
يقــول لو قد تركــوه يوما ***** أريـده فـلا أخــاف لوما
فقولــه لـو تركـوه يقضـي ***** عليـه باستلزامـه ما يفضي
كأنه يقـول لســت ألقــى ***** بدا فـلا أتـرك مـالي ملقى
أمثل هــذا من يريد الأصلا ***** كلا وربــي ما أراد أصـلا
لكنه يريـد مــا استغــلا ***** من ذاك تلقــاه يبيع الأصـلا
ويشــتري مـالا على خيـار ***** يقول في الخيار رزق جــار
ينـال فـوق غلــة الأصـول ***** فتكـثر الخيرات في المحصول
غلتــه لبيتنـا تســـاق ***** تكثر عنـدنا بهــا الأرزاق
بائعــه يقــوم بالعمــار ***** يالــك من بيع بذا الخيـار
وهو لعمـر اللـه يأكلــنا ***** ربـا بـه غـدا يعذبنــا
إلا إذا ما تــاب من خطيئتـه ***** ودان للــه بحسـن توبتـه
وحيثمــا عمّ الفسـاد قمنـا ***** عن ارتكابــه نشددنــا
ومن يوقفـه يوقفــه إلــى ***** أن ينقضي الوقت الذي قد أجلا
وبعد أن تــم فيجعلنــه ***** للمشـتري وقبــل ينفينـه
فيجعل الغلــة للبائــع مـا ***** لم ينقض الوقت الذي قد أبرما
كذاك كــل مغـرم يلزمـه ***** فصاحب الأصل الذي يغرمه
وبعضهم يوقفــن الكــلا ***** حتى يرى من يأخذن الأصـلا
فيدفـع الغـرم ويأخـذ الغـلل ***** وذاك كلـه إذا تـم الأجـل
وأصله الخلف الذي عنه وجــد ***** في عقـده متـى تـراه ينعقـد
فبعضـهم يقــول عند الصفقة ***** وبعضـهم عند تمــام المـدة
وقبلــها يكـون مثـل الحوز ***** وهـو مـراد أكـثر المجـوز
كانت فتاويهم على ذا تخــرج ***** والنـاس عنها للحرام اندرجوا
وذاك أن بعـض من تأخــرا ***** صحح عقـده وحلل الشـرا
فأخـذوا بقولــه وعاملــوا ***** من بــاع بالوقوف إذ يعامـل
هـم يأخـذون غلــة المبيـع ***** ويلـزمونه عــنا التضييــع
وأنت تدري أنــه تخليــط ***** بــين الفـروع وهو التخبيط
مشابــه مسـألة الصبيـة ***** حالهمــا متحــد القضية
قد خلطـوا بيـن فـروع الكل ***** وقد كشفت فيهـا معنى العدل
رسالـة سميتهـا الإيضـاحا ***** أوضحت حقهـا بها إيضاحا
وإن نظـرت في فتاوى الأثر ***** وجدتها على الوقوف تنبري
في نادر الأحوال تلقى مسألة ***** على ثبوت عقــده مفصلـة
فمن غباوة عرتهـم حسبوا ***** بأنهــا فـرع لما قـد ركبوا
قالوا لنـا غلتـه حــلالا ***** والغــرم أنت قم به كمالا
والربـح بالضمان حكـم يعرف ***** بينهمُ فمـا لهــم تخلفــوا
أيأكلـونــه طريـا غضــا ***** والغـرم مضّ البائعين مضا

ثم أخذ يبين تلك الفروع التي وقع فيها التخليط بما يطول به المقام ، وكلامه إن دل على شيء فإنه يدل على أنه لا يرى تعامل الناس ببيع الخيار حسب النهج الذي اختطوه لأنفسهم يسوغ تخريجه على وجه من وجوه الإباحة قط، وهو الذي نص عليه في كثير من فتاواه كما في قوله: "أعلم أنهم اتفقوا على تحريم الخيار على قصد الغلة، وإنما أجازه من أجازه عند إرادة الأصل، وقد تساهل الناس في زماننا فجعلوه ذريعة إلى الربا - والعياذ بالله- فلو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس لصاحوا عن لسان واحد ما هذا الذي أجزنا؛ فإن لله وإنا إليه راجعون، انطمس العلم، وظهر الجهل، وذهبت الغيرة، وقلت الحمية الإسلامية، وكاد الناس أن يرجعوا إلى جاهليتهم الأولى" ، وقال فيه أيضا: "وأما معاملته في نفس ما اشتراه بهذه الصفة فحرام لأنه ليس بالبيع قطعاً، كيف يكون بيعا وهم على يقين أنهم لا يملكونه، إنما هو الربا في صورة الشراء سواء بسواء، فاللـه المستعان".
وعندما سئل عن حكم المكاتبة بين المتعاملين به أجاب: "هذا لا يصح أن يكتب وليس هو ببيع فمن كتبه بيعا فقد كذب، وأقول نصحاً وإرشاداً: إياك أن تكتب بيع الخيار فإن الناس قد عملوا فيه بغير الحق وجعلوه ذريعة إلى الربا، فإن كنت تحب سلامة دينك فاكسر القلم عن كتابته".
وليس إنكاره - رحمه الله تعالى - على المتعاملين ببيع الخيار والمشاركين فيه ولو بكتابة أو شهادة بدعا، فقد سبق إلى ذلك أهل العلم والبصائر منذ قرون قبله، عندما استشرى هذا الوباء الفتاك والداء العضال بين الناس لنهمهم على الدنيا وشغفهم بزخرفها ولهوهم بفتنتها، فقد اجتمع علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام محمد بن إسماعيل على كلمة سواء، وهي تحريم الانتفاع بغلة المبيع بالخيار ومنع الناس منعاً باتاً من الحوم حول حمى هذا الأمر استئصالاً لشأفة الفساد وقطعاً لدابر حزب الشيطان، وحرروا بهذا وثيقة شرعية أمضاها الإمام محمد بن إسماعيل وأكابر علماء عصره وإليكموها بنصها وفصها نقلاً عن كتاب "خزانة الأخيار في أحكام بيع الخيار":-

بسم الله الرحمن الرحيم

لما كان نهار يوم الأربعاء لست بقين من شهر جمادى الآخرة سنة ثماني وعشرين وتسعمائة، قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العدل إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين وما أجمعوا عليه، أن غلة بيع الخيار لا تجوز وأنها رباً حرام، لأن المراد بها الثمرة، ووافق ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - <<من أجبى فقد أربى>> وقد جاء في الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار أنه غير ثابت، وهذا قول من لا يراه ثابتا، الأصل فيه عنده أن هذا البيع قد وقع على الثمرة لا على الأصل، وكانت هذه حيلة على تحليلها، وكذلك قال الذين احتجوا بتحريمه قالوا لما صح عندنا أن بيع الخيار المراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع، وكان هذا موافقاً لما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: <<من أجبى فقد أربى>> والدليل على هذا ما صح عندنا أنهم جعلوا هذا البيع طريقاً يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجهلة من قولهم، وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز، وكان قولهم هذا موافقاً للرجل الذي تزوج المرأة في السريرة تحليلاً لمطلقها، أو كالرجل الذي في نيته في بيع باعه مكوكاً بمكوكين أو تمراً بحب أو حباً بتمر ثم أظهر عند عقدة البيع أنه بدراهم، وكالذي وطئ المرأة في السريرة فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحاً وأنه قد تزوجها ، وما يجئ نحو هذا، وهذا كله حرام، فقد قيل في النيات، هن المهلكات وهن المنجيات، وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : <<الأعمال بالنيات ولك امرئ ما نوى>> وقال : <<نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله>> وقد صح عندنا أن المراد ببيع الخيار الثمرة وإنما جعلوا هذا طريقاً فيما زعموا للتغطية على تحريمها، والدليل على فساد هذا إن كان هذا البيع وقع على النخلة وكانت الثمرة لربها، وإن كان المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : <<من أجبى فقد أربى>> فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك، والوجه الثاني مثل هذا كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثاً فتزوجها متزوج لإحلالها لزوجها الأول، وهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والثاني، والوجه الثالث كرجل وافق رجلاً على شراء حب أو تمر عنده المكوك بمكوكين أو تمرا بحب أو حباً بتمر ثم اشهد على نفسه أنه بدراهم فهذا بيع أيضا في السريرة حرام ، قال : فهذا قولنا في بيع الخيار والله أعلم. هكذا جاء في الأثر كتبته كما وجدته.

نعم ما كتب عني فهو من إملائي، والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال، كتبه الفقير إلى الله تعالى الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد الحاضري بيده حامدا لله وحده مصليا مسلما مستغفراً.

صحح ثابت ما حكم به الإمام من تحريم غلة بيع الخيار فهو الحق والصواب الموافق لآثار السلف، وبذلك جاء الأثر وعليه العمل، كتبه العبد الفقير لله مداد بن عبدالله بن مداد بيده .

صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب، وبه جاء الأثر وبه نعمل، كتبه العبد الذليل لله تعالى محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح بيده.

صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه، كتبه الفقير لله تعالى عبدالله بن محمد بن سليمان بيده .

صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب، هكذا جاء الأثر عن أولي العلم والبصر، وعمل به أشياخنا، وسطره أفقر خلق الله أبو غسان بن ورد بن أبي غسان بيده، حامدا لله وحده مصليا مسلماً .

صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم بيع الخيار فهو الحق والصواب وعليه العمل لا شك فيه ولا ارتياب، هكذا جاء الأثر عن أولي العلم والبصر وعن أشياخنا، كتبه العبد الأقل عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده ." اهـ

وقد أورد هذا الحكم العلماء الذين تعاقبوا من بعدهم كالعلامة أحمد بن مداد بن عبدالله بن مداد والعلامة عبدالله بن محمد القرن، وأورده إمامنا السالمي في تحفته، وكلهم أقروه وعولوا على مضمونه، وفي نصه ما يدل بوضوح عبارته أن هذا الرأي هو الذي درج عليه علماء السلف الذين كانوا قبل هؤلاء الحاكمين، وهو الحق الذي لا غبار عليه .

الهامش:
1) كلمة بإصرار غير موجودة بالأصل وفي موضعها بياض وإنما زادها المجيب ليستقيم الوزن وليتم المعنى.

بيع الإقالة ص17 ـ 38







الرأي المختار ودرء الشبه عنه:

ولعمر الحق أن بيع الخيار وباء منتشر وشر مستطير، أفسد على الناس دينهم وأخلاقهم، وأهلك طارفهم وتليدهم، ولا غرو فإن الله عز وجل قد آذنهم بحربه إن لم يذروا الربا في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (البقرة : 278 ـ 279) وقد وضح الصبح لذي عينين، فتبدى لكل ذي بصيرة أن التعامل به ليس هو إلا وسيلة من وسائل الربا، من أجل هذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى حرمته على الإطلاق، وهذا القول هو الذي أختاره وأعول عليه، وإن كنت لا أقطع عذر المخالف فيه ما دام يقيد الإباحة بما يمنع من سريان أحكام الربا إليه، فإنه ليس من شأننا أن نجعل الرأي ديناً، وإنما اخترت منعه على الإطلاق لأمرين :

أولهما : أن شرط الخيار فيه يعود على أصل البيع بالنقض، فإن مشتريه تبقى ملكيته فيما اشتراه غير مستقرة، إذ لا يدري متى يأتيه البائع لاسترداده منه وانتزاعه من يده، وهذا مما يؤدي إلى عدم اطمئنانه إلى عمارته وإصلاحه، فقد يكلفه ذلك نفقات قد لا يتمكن من استردادها عندما يفاجئه البائع بطلب انتزاعه منه قبل الانتفاع بغلته، وهذا من أنواع الغرر وهو ممنوع شرعاً، ولئن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل البيع والشرط، في حين أن الشرط يفوت على المشتري الانتفاع بما اشترى، كما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند الربيع - رحمه الله - أن تميما الداري باع داراً واشترط سكناها، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيع والشرط فأحرى أن يبطل البيع بالشرط الذي يعود على أصله بالنقض كما في مسألتنا، على أن من أهل العلم من يمنع الشرط في عقدة البيع مطلقاً، كما هو رأي ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال في حديث تميم الداري: "أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيع والشرط لأن الشرط كان في عقدة البيع؛ وقال في حديث جابر إذ باع للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعيراً فاشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - البيع والشرط، إنما أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع؛ قال الإمام السالمي - رحمه الله - "لعل أرباب هذه العلة يمنعون ثبوت الشرط في البيع مطلقاً لأنه يمنع المشتري من مطلق التصرف، وذلك مناف لحكمة البيع لأنه إنما شرع لأجل المنفعة. " اهـ.
هذا وإن من أهل العلم من نسب إلى الأكثر عدم التفرقة بين الشرط والشرطين في إبطال صفقة البيع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وقد احتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط، وحديث النهي عن الثنيا، ونحن وإن كنا لا نقول ببطلان مطلق الشرط ومطلق الثنيا، لأن حديث النهي عن بيع وشرط لا يخلو من مقال، ولأن النهي عن الثنيا مقيد بألا تعلم، ولتسويغ بعض الشروط في الحديث كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : <<من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع>> إلا أنا نقول بعدم صحة البيع والشرط إن كان الشرط يعود على صفقة البيع بالنقض، أو كان يقتضي تفويت منفعة المبيع على المشتري، أو كانت به جهالة، وحديث تميم الداري وأحاديث النهي عن الغرر كلها شاهدة على ذلك .
فإن قيل: جاء في الأحاديث ما يدل على تسويغ شرط الخيار في البيع .
قلنا: ليس ذلك من هذا القبيل وإنما هو في مدة يتبين فيها كل من المتبايعين الغبن من عدمه، فاشتراط الخيار إنما هو لتفادي الغرر، كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند أحمد والشيخين قال: ذكر رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يُخدع في البيوع فقال: <<من بايعت فقل لا خلابة>> و نحوه في رواية أنس عند أحمد وأصحاب السنن والحاكم، على أن من أهل العلم من يرى أن مدة هذا الخيار لا تتجاوز ثلاثة أيام وهو المروي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - وذلك في قوله: "ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبانِ، جعل له الخيار ثلاثة أيام إن رضي أخذوا إن سخط ترك" وبهذا أخذ أبو حنيفة والشافعي، وحديث المصراة يدل عليه، وأين هذا من خيار يدوم سنين أو عقودا من السنين مع ما ذكرناه من الجهالة والغرر، فقد يكون المبيع بيتا أو حانوتاً يحتاج إلى الترميم أو تجديد البناء، وقد يرجع البائع على المشتري بالخيار فور فراغه من ترميمه أو تجديد بنائه وهو قد أنفق فيه النفقات ولم يحصل منه على طائل، فالجهالة فيه قائمة والغرر حاصل .

ثانيهما: ما يُخشى من إباحته من تذرع ذوي الأطماع به إلى أكل الربا والانغماس في المعاملات المحرمة، وهذا هو الذي وقع فعلاً كما نقلنا عن العلماء الذين شددوا في هذه المعاملة، وكما سنبينه فيما سيأتي إن شاء الله، وسد ذرائع الفساد مطلب شرعي وأصل فقهي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعول عليه أهل العلم في الأحكام، ومن دلائل الكتاب عليه قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا} (البقرة: 104) فإن الله تعالى منع المؤمنين فيه من كلمة حق يقولونها لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تتذرع بها اليهود إلى مقصد سوء وإضمار تنقيص لقدره عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله تعالى: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}(الأنعام : 108) فقد منع الله سباب آلهة المشركين - مع ما في سبابها من الحمية للدين والغيرة على التوحيد وإهانة الشرك والمشركين - لئلا يؤدي إلى سباب المشركين لله عز وجل، وهو دليل لا غبار عليه أن الخير قد يجب تركه لئلا يفضي إلى شر أكبر؛ ومن أدلته في السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم- : <<لا يرث القاتل المقتول، عمداً كان القتل أو خطأ>>. وما ذلك إلا لأجل قطع السبيل على الذين يريدون التعجل في الميراث، ولا يؤمن منهم أن يغدرو بموروثيهم ويُدَّعوا الخطأ في فعلهم، هذا مع أن الإرث حق للوارث في مال موروثه نصت عليه الشرائع واتفقت عليه الأعراف، ولكن هذا الحق يسقط شرعاً بالقتل ولو كان خطأ صوناً للدماء وسداً لذرائع سفكها.
ومن ذلك ما جاءت به السنن من النهي عن التشبه بالكفار حتى في الأمور المعتادة كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان قائماً عند دفن ميت، وكان أصحابه معه قياماً فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد - صلى الله عليه وسلم - وأمر أصحابه بالقعود، مع أن القيام مباحٌ أصلاً وهو من الأمور المعتادة عند الناس، ولكنه -صلى الله عليه وسلم - آثر تركه خشية أن يتأثر المسلمون باليهود فيتبعوهم في سننهم، ومن هذا الباب ما نراه من تعليله صلوات الله وسلامه عليه كثيرا مما يأمر به أو ينهى عنه بمخالفة اليهود أو مخالفة أهل الكتاب أو المجوس أو المشركين لئلا تؤدي متابعتهم إلى ذوبان شخصية المسلم في عاداتهم .
وقد أخذ بسد الذرائع كثير من المسلمين وأوسعوه بحثاً وتمحيصاً، حتى أن من علماء العصر من ألف فيه كتاباً ضخماً كبيراً، وقد أطال ابن القيم في الاستدلال له وبيان وجوهه في كتابه "أعلام الموقعين" إذ ذكر له تسعة وتسعين وجها مما استظهره من أحكام الكتاب والسنة وأقوال سلف علماء الأمة، كما أطال في بيان حجيته ووجوب التعويل عليه وقوة الاستدلال به في كتابه هذا وفي غيره كما في تهذيبه لسنن أبي داود وكتاب إغاثة اللهفان.
وإذا عدنا إلى آثار أصحابنا رحمهم الله وجدنا أنهم قد تشجعوا في توسيع باب سد الذرائع بقدر ما لا نجده عند غيرهم، ومن هذا الباب ما ذهب إليه كثير منهم من تحريم المرأة على زوجها تحريماً أبدياً إن وطئها في حيضها أو في دبرها مع أن هذا التحريم يترتب عليه تحليلها لزوج آخر، والأصل فيها أن لا تحل له إلا بثبوت انفصالها عن الزوج الأول شرعاً لأن زواجه بها ثابت بالكتاب والسنة، فانظر كيف سوغوا التفريق بين الزوجين بسبب ارتكاب هذا الأمر المحرم مع علمهم بما يترتب عليه من نكاح المرأة رجلاً آخر، وما ذلك إلا لسد الباب على الشهوانيين الذين لا يبالون بالوقوع في الرجس وارتكاب المحظور من أجل إرواء سعار شهواتهم، وقد بين هذا الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - بقوله:-
وإنمـا فـرق من قـد فرقـا ***** لجعله بـاب المعاصي مغلقـا
رأوا بأن فـتح هـذا البــاب ***** بين الورى يفضي إلى العطاب
لأن غالـب الورى يخشونــا ***** فراقها والـرب لا يخشونـا
فعاقبـوه بفسادهـا لكــي ***** ينسد باب الفحش عن ذاك الفُتي
واستنبطوا حجتــه أن جعلـوا ***** ذلك مثل أرث من قـد يقتـل
أيضاً وفي الأصـول أن النهي قد ***** يفضي إلى فسـاد ما فيه ورد
من هاهنـا تشجعوا وفرقـوا ***** وحصل المطلوب حـين وفقـوا

ومن هذا الباب قولهم بحرمة نكاح الزاني بمزنيته، وحرمة المنكوحة في العدة بل شدد بعضهم فحرم نكاح المخطوبة في العدة؛ ولئن ساغ الأخذ بهذا في باب الأنكحة فإنه أحرى أن يؤخذ به ويعول عليه في المعاملات، لأن الأخذ به فيها لا يترتب عليه أي محذور بل هو مزيد احتياط في الدين وورع عن الوقوع في الشبهات والحوم حول حماها بخلاف ما يتعلق منه بباب الأنكحة، فإن الأصل في المرأة - كما قلنا - أن تكون حليلة لمن عقد عليها الزواج عقدا شرعيا حتى يثبت انفصالها عنه، وأنها لا تحل لغيره بدون ثبوت الانفصال، على أن الأصل حلية النساء للرجال بطريق النكاح الشرعي في غير ما دل الدليل الشرعي على منعه وذلك لعموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}(النساء : 24) .
هذا وقد علمتم أن نشأة هذه المعاملة من أول أمرها كانت من أجل تفادي أكل الربا ظاهراً مع انطوائها على حقيقة الربا في باطنها، وهذا كله مما يرجح وجوب ترك التعامل بها على الإطلاق.
هذا وقد علمتم أن نشأة هذه المعاملة من أول أمرها كانت من أجل تفادي أكل الربا ظاهراً مع انطوائها على حقيقة الربا في باطنها، وهذا كله مما يرجح وجوب ترك التعامل بها على الإطلاق.
وأما ما أصبح سائداً عند المتعاملين بها اليوم من التذرع بها إلى الربا الواضح فإن حرمته قطعية ولا مجال للنظر والاجتهاد فيه لقطعية النصوص المحرمة للربا، ولم يعد وجود قط للتقيد بما رآه المبيحون من شروط لحلها عندهم، فقد أصبح ذلك من مطويات النظريات التي لم يعد لها أثر في التطبيق، لذلك قلنا بأن هذه المعاملات مما يدخل في الحرام القطعي، وإن جادل في ذلك أولئك الذين استمرأوا الحرام حتى تخمت منه بطونهم، فعافت نفوسهم الحلال لما طرأ على فطرهم من الفساد، وعلى مداركهم من الضلال، والله المستعان.
ولهم في مجادلاتهم هذه طريقان كما جاء في السؤال:-
أولها: ادعاء أن في المسألة خلافاً لأهل العلم، وأن من أخذ برأي أحد من عدول العلماء فهو سالم.
ثانيهما: أن في هذه الإباحة كفاية للمحتاجين لئلا يندفعوا إلى بيوت الأموال الربوية للاقتراض منها فإنه إن سُد على الناس هذا الباب لم يجدوا مناصاً على التعامل بالربا المحض .
وليس فيما قالوه شيء من الحق ولا نصيب من الصواب .

بيع الإقالة ص 39 ـ 49





شبهة "من أخذ بقول عالم فهو سالم":

أما أولهما: فإنه لا قائل قط من أهل العلم بجواز بيع الخيار على الإطلاق حتى تكون معاملاتهم هذه مباحة على قول أحد منهم، لأن الربا فيها ظاهر كما قال الإمام السالمي: "لو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس اليوم، لصاحوا عن لسان واحد، ما هذا الذي أجزنا"، وإنما أجازه من أجازه بشرط كون المشتري ما قصد إلا الأصل ولم يكن مراده الانتفاع بالغلة وحدها وإلا كان واقعاً في الربا، وما جاء في الآثار عارياً عن هذا القيد فهو محمول عليه لأنه ظاهر معروف عند الجميع، وكما أن الأدلة الشرعية في الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام يجب حمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مبينها وعمومها على خصوصها فإن آثار أهل العلم هكذا يجب التعامل معها، وإلا وقع الناس في الضلال المبين والفساد الماحق، وما المجادلة المبنية على الاستدلال بالمطلق مع إلغاء قيده الشرعي في حين كون تقييده معلوماً إلا من باب المجادلة بالباطل لإدحاض الحق كما قال أحد مجّان الشعراء :
فالله ما قـال ويل لمـن سكـروا ***** وإنمـا قـال ويـل للمصلينـا
فأنتم ترون كيف جعل من الحق الذي أنزله الله وسيلة لنقض عرى الحق وهدم دعائم الدين واستباحة محارم الله، وذلك كله راجع إلى تمسكه بإطلاق الوعيد للمصلين وإلغائه القيد الذي قيد به، ونحو هذا ما لو استدل أحد بإطلاق الأمر بالإنفاق في العديد من الآيات كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ}(البقرة : 254) وقوله: { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ } (المنافقون : 10) على مشروعية الإنفاق فيما حرم الله كإنفاق المال في الخمر والدعارة وسائر وجوه الفساد .
ومما يقرب من هذا قول إحدى الشاعرات الداعيات إلى أن تعود المرأة المسلمة إلى تبرج الجاهلية وتخلع عنها جلباب الفضيلة الذي كساها الإسلام :
سـيرى كسـير السحــب ***** لا تـأني ولا تتعجلـى
لا تكسحي أرض الشوا ***** رع بــالإزار المسبـــل
أمـا السفــور فحكمــه ***** في الشرع ليس بمعضــلِ
ذهــب الأئمـة فيـــه ***** بيـن محـــرم ومحلــل
ويجـوز بــالإجـمــاع ***** عنـد قصـد تأهــــل

وذلك أنها استغلت خلاف العلماء في وجوب ستر المرأة وجهها فأضفته على السفور المعروف في عالم اليوم الذي هو عين تبرج الجاهلية، وجعلت إجماعهم على جواز رؤية الوجه لمن قصد الزواج وسيلة لإباحة رؤية ما زاد عليه، وهو من التلبيس الذي لا يكون إلا ممن مرضت نفسه .
وهب العلماء أباحوا بيع الخيار على النحو الذي يبيحه هؤلاء الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، أيكون قولهم حجة على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا وألف كلا، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} (الأحزاب : 36)، وما أشبه أولئك الذين يستدلون بمجملات الآثار ومطلقاتها على إباحة بيع الخيار مع تصاممهم وتعاميهم عن القيود التي قيدت بها هذه الإباحة عند المجوزين، ومع إهمالهم النظر فيما ارتكس فيه الناس اليوم من الربا الذي لا يماري في حرمته إلا من كان في قلبه مرض بسبب هذه المبايعة، ما أشبههم بالذين يستمسكون بمتشابه الكتاب ويتعامون عن محكمه، أولئك الذين قال الله فيهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران: 7) .

بيع الإقالة ص50 ـ 53





شبهة "فيه كف الناس عن بيوت الربا" :


وأما ثانيهما : فهو من غرائب الاستدلال وعجائب التلبيس لا ندري أصدر عن علم من قائله أو عن جهل منه .
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ***** أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
ليت شعري أتباح محرمة من محارم الله لأجل اتقاء الناس الوقوع في محرمة أعظم منها فإن ذلك يلزم قائله أن يبيح للناس الزنا لئلا يقعوا فيما هو أعظم منه وهو فاحشة قوم لوط، بل من البدهيات الظاهرة أنه يجب أن يكون الزنا مشروعا عند الذي ركن إلى هذا الاستدلال، خصوصا في ديار الغربة وفي أوساط الشباب ليتمكنوا من قضاء حاجتهم الشهوانية وإرواء ظمئهم الجنسي، لئلا يندفعوا إلى الشذوذ فيفقد بعضهم أو كلهم رجولته، وإلا فما الفارق بين الأمرين؟ هذا لو سلّم أن ما يجري به التعامل بين الناس اليوم وراء لافتة بيع الخيار هو أهون من الربا الصريح، ونحن لا نسلم لذلك، فإن الربا هو عين الربا سواء وقع مكشوفا أو باحتيال، قال الإمام السالمي - رحمه الله تعالى -:" وهيهات لم يحرم الله شيئاً ثم يحله بالحيلة ولا تخفى على الله خافية " وقال أيضاً : "إن الحق لا يدفع بالحيل وقد هلك أهل السبت من قبلكم حين احتالوا على الاصطياد يوم السبت، وضعوا الشباك يوم الجمعة ورفعوها ليلة الأحد وقالوا: ما اصطدنا يوم السبت، فجعلهم الله قردة وخنازير { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } (إبراهيم: 25 ، النور : 35) " .
وأقول بأن من أتى الحرام مخادعا محتالا هو أعظم جرما وأفحش إثما ممن أتاه بغير احتيال، لأنهما وإن اشتركا في الحرام فإن المحتال زاد على غير المحتال بمخادعته لله وللمؤمنين { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } (البقرة: 9) ، وهو لا يدل إلا على استخفافه بمقام الألوهية واستهزائه بشرع الله تعالى، ذلك ولا ينبئ إلا عن ضلال المعتقد في الله تعالى، وهو أبعد له عن المتاب لأن فجوره ناشيء عن انحراف في التصور وظلمة في الفكر وفساد في الاعتقاد، ولأن استحلاله لمحارم الله تعالى بهذه الحيل أدى إلى الانهماك في غيه والاسترسال في ضلاله، أما من كان غير محتال فهو أقرب إلى التوبة والرجوع لأنه يشعر بحرمة ما يأتي، فقد يؤنبه ضميره يوماً فيثوب إلى رشده ويرجع إلى طاعة ربه، ولله در أيوب السُّختياني حيث قال في أمثال هؤلاء: "يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل " .
هذا؛ ولا يكون في شرع الله بديلا عن الحرام ما كان فاسداً ضاراً، وإنما شرع الله تعالى أنواعاً من المعاملات فيها كفاية وغنى عن مقارفة المحرمات، فمالنا وللدعوة إلى أن يكون البديل نفسه رجساً محرماً يتوصل إليه بمخادعة الله تعالى والمؤمنين؟! فهلا دعا هذا المستدل بهذه الشبهة الواهية إلى الاستغناء عن الربا خفيه وجليه بالعقود المشروعة كالمضاربة والسلم وما استنتجت إباحته من الأدلة الشرعية كعقود الاستصناع وبيع المرابحة مع ضبط ذلك كله وقيده بقيود الشريعة العادلة؟ أليس في هذه كله ما يسد حاجة الناس ويغنيهم عن ارتشاف سموم الربا ويكفيهم عقوبة الله على مخادعته سبحانه ومخادعة عباده المؤمنين بالوسائل الملتوية والمسالك المنحرفة؟ ومع كل هذا فإن هناك حلا جعله الله وسيلة للتكافل الإجتماعي والترابط الإيماني بين أفراد المجتمع المسلم وهو القرض الحسن الذي يرفع الله تعالى به الدرجات ويضاعف من أجله الحسنات، فلئن كانت الصدقة بعشرة أمثالها فالقرض بثمانية عشر كما جاء به الحديث، وهو مكسب أخروي يحرص عليه المؤمنون مع ما يجعل الله بسببه من البركة في المال، أو ليس في إحياء ذلك كله غنية للعباد عن التهالك على الحرام والتدافع إلى الآثام؟ على أنه من الممكن أن يراعى في هذه الحلول تفاوت أحوال الناس، وانقسام مطالبهم إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، فما كان منها من قبيل الضروريات كالأقوات والمساكن والملابس التي لا بد منها، وإعفاف النفس بالزواج الأول، فيمن يخشى على نفسه العنت والفجور، فسبيل حلها الصدقات أو القروض الحسنة، وما زاد عليه ككسب المال الحلال الزائد على حاجات النفس الضرورية، فيمكن أن يرد إلى صنوف المعاملات المباحة كالمضاربة والسلم والمزارعة والمساقاة وأنواع الإيجارات الشرعية، وفي ذلك مصلحة للمجتمع كله عندما تحرك رؤوس الأموال بما يعود بالخير على أصحابها وعلى العمال، مع ما يترتب على ذلك من فرض الزكاة التي يرجع عائدها إلى ذوي الخصاصة وهذا كله يجب أن يؤطر في الإطار الشرعي لتجنب كل ما يؤدي إلى الانزلاق والوقوع في مهاوي الحرام، ولصون حقوق المحتاجين حتى لا تكون عرضة للتلف في مهب أعاصير شهوة المال في نفوس الأغنياء الذين ماتت ضمائرهم، فغارت ينابيع الرحمة في نفوسهم لاستبداد الطمع بمشاعرهم وأحاسيسهم، ليت شعري لِمَ لم يرجع من قال بضرورة إباحة بيع الخيار على علاتة بصره كرتين في هذه الجوانب، فيدرك ما فيها من السلامة وما يمكن أن تنتجه من ثمرات طيبة، عندما تصفو النوايا ويتعاون أصحاب رؤوس الأموال على إنشاء هذه المشاريع التنموية التي تصون مجتمعاتهم عن التردي في المهالك، أو أنها لا ترضي ضميره لأنها لا تسوق الناس جماعات ووحدانا إلى ارتكاب محارم الله والارتماء في أتون الربا المتأجج الذي يأتي على الطارف والتليد مما ملكت أيديهم؟! .
ما أعجب شأن من آثر الخبيث على الطيب والحرام على الحلال والباطل على الحق! على أنه لم يبق عند ذي لب أدنى ريب أن معاملات الناس اليوم التي يعنون لها ببيع الخيار، هي أبلغ في الإثم وأفحش في الحرمة وأبعد عن ساحة المباح مما اتفق العلماء على حرمته وأنكروه فيما دونوه من الآثار وعدوه من صنوف الربا، وهو أن يكون المشتري قصد من الابتياع الانتفاع بالغلة دون امتلاك الأصل، فإن تعامل الناس اليوم لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ما لم يكن يدور بخلد أحد من علماء السلف، فإن غالب معاملات الناس اليوم التي يكتنفها ما يسمى ببيع الخيار في صنوف العقار من البيوت أو الحوانيت أو غيرها، ولا يدور بخلد البائع أن يسلم المبيع ولا بخلد المشتري أن يستلمه وإنما يتفقان على صفقتين ، صفقة لما يسمونه بيع الخيار فيها إقرار البائع للمشتري بالبيع، وصفقة للتأجير فيها إقرار المشتري للبائع بتأجيره العين المبيعة، ولا تكون الأجرة بقدر قيمة العين الحقيقية ومنفعتها، وإنما هي بقدر ما دفع المشتري إلى البائع من المال الذي هو في صورته الظاهرة ثمن للبيع، وفي طوية المتبايعين قرض يدفعه صاحب المال إلى المحتاج في مقابل ما يتقاضاه منه من الربا في كل شهر أو في كل عام، وإنما يصور خديعة ومكراً أنه أجرة للعين المبيعة، وعندما يحتاج من يسمى البائع إلى مزيد من المال فالذي يسمى بالمشتري يقدم إليه الزيادة، وبقدرها يزداد الربا المسمى عندهم أجرة وتضم هذه الزيادة إلى أصل الثمن الذي هو في حقيقته قرض ربوي، ويالله للعجب من هذه المعاملة!! فإن كانت صفقة البيع واقعة بين المتبايعين وبموجبها استحق المشتري الانتفاع بالعين المبيعة فما بال هذه الزيادة تضاف مرة أخرى إلى الثمن حتى ولو كانت بعد الصفقة بأعوام!؛ وبأي تفسير تفسر!؟ وعلى أي محمل تحمل!؟ وهل سمعتم أن مشتريا يزيد بائعا فوق الثمن الذي تمت عليه صفقة البيع بعد امتلاكه المبيع؟ على أنه ثبت بالاستقراء وتتبع ما عند المتعاملين بهذه المعاملة أن كل زيادة تضاف إلى الثمن الأول يترتب عليها من الزيادة في الأجرة بقدرها، وهذا مما اعترف به الذين وقعوا في هذه المعاملة النكراء وصاروا يعضون على بنان الندم بما خسروه من أموالهم ولات ساعة مندم {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (القلم: 33)، والعجب كل العجب أن يتمالأ الناس على هذا الأمر فتكتب هذه الزيادة في الصكوك الشرعية بأيدي كتاب العدل في المحاكم، ويعتمد هذه الصكوك قضاة شرعيون! ليت شعري أو لم يطرق أسماع هؤلاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: <<لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه>> وقال: <<هم سواء>>، أم يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه حقيقة هذه المعاملة وأنه يخدع كما يخدع الأغرار من الناس؟
أما في قلوب هؤلاء رحمة بأنفسهم وإشفاق عليها من عذاب ربها؟
هذا وكما أن هذه الزيادة على الثمن الأصلي ولو بعد حين تقتضي الزيادة في الربا المسمى بالإيجار، فإن النقص منه باسترداد المشتري شيئاً من أصل ثمن البيع يؤدي إلى النقص في مقدار الربا الذي يتقاضاه المشتري من البائع في صورة الأجرة .

بيع الإقالة ص54 ـ 61





شبهة "تسليم البائع المفتاح للمشتري":

هذا وأما ما يفعله بعضهم من مجئ من يسمى بالبائع بالمفتاح وتسليمه للمشتري ثم استرداده منه بناء على أنه استأجر المبيع منه بعد تسليمه إياه، أو ما يكون من تخلية البيت أو الحانوت المبيع لبضع دقائق حسب تعارفهما، فما هو إلا إمعان في مخادعة الله تعالى والذين آمنوا، ولا يدل إلا على فساد عقيدة الذين يفعلون ذلك، وذلك أعظم جرما وأشد فحشا من الربا الصريح لما في هذا الفعل من ضميمة سوء المعتقد في الله إلى التعامل بالربا، ولئن انخدع الناس وظنوا أن الإيجار ما تم إلا بعد القبض فإن الله العليم بخفايا ما في الصدور لا يعزب عن علمه أن ذلك لم يرد به إلا المخادعة، وأن المشتري لم يدر بباله قط أن يستلم المبيع وأن يحوزه كما أن البائع لم يكن في قصده تسليم ما باعه للمشتري، فكل منهما ضامن لمبتغاه، فالبائع ضامن بأن المشتري لن يخرجه من البيت أو الحانوت الذي باعه إياه، والمشتري ضامن أن البائع سيظل حائزاً للعقار وسيظل يدفع إليه الربا في صورة الإيجار بمقدار ما دفعه إليه في صورة الثمن، وهبهما لم يتشارطا ذلك فإن ذلك مما تعورف عليه والمعروف عرفا كالمشروط شرطا.
على أننا لو سلمنا أن ما كان بينهما لا يعدو أن يكون بيعاً وإيجارا فإن هذا العقد باطل من أصله لأربعة أمور:-
أولها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - <<نهى عن بيعين في بيع>> كما في حديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه عند أحمد قال: "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة" ومما يندرج في مدلول هذا النهي اجتماع عقدين عقد إيجار وعقد بيع في عين واحدة وبعقدة واحدة ويؤيده نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن سلف وبيع كما سيأتي .
ثانيها : أنه - صلى الله عليه وسلم - : <<نهى عن شرطين في بيع>> رواه الربيع رحمه الله بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: <<لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع>> وأخرجه من طريقه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححه الترمذي وابن خزيمة قال الإمام السالمي - رحمه الله تعالى -: "واتفقوا على فساد ما فيه شرطان فأكثر" ولا يخفى أن في هذا العقد أكثر من شرطين، فالخيار نفسه شرط، ومدته شرط ثان، واستئجار البائع للمبيع شرط ثالث وتحديد قدر الإيجار شرط رابع .
ثالثها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن، بل صرح بعدم حله كما في رواية أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : <<لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم تضمن ولا بيع ما ليس عندك>> قال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح, ويشبه أن يكون تصحيحه له بالتصريح فيه بذكر عبدالله بن عمرو كما ذكره بعض أهل العلم بهذا الفن .
رابعها: أنه لا يرتاب عاقل في كون ذلك داخلاً في بيوع العينة لأنه مما يندرج تحت ذرائع الربا، ولا ريب في تحريم بيوع الذرائع فإن الذريعة إلى الحرام حرام، وقد سبق أن ابن القيم ذكر في استدلاله على تحريم ذرائع المحرمات تسعة وتسعين وجها في كتاب واحد، وقد جاءت الروايات عن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - دالة على منتهى التشدد في أمر الذرائع ومن هؤلاء عائشة وابن عباس وأنس، فعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت لأم ولد لزيد بن أرقم - حين بلغها دخوله في بيع الذرائع - : " أبلغي زيدا أن جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بطل إلى أن يتوب" رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما، وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن العينة فقال: "إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله"، وروى ذلك محمد بن عبدالله الحافظ المعروف بمطِّين في كتابه عن أنس - رضي الله عنه -، ورُوي عن أنس أنه قال : "اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة"، ولا غرو في ذلك فإن الله تعالى يحاسب عباده بنواياهم {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة : 284) ، ولئن كانت الصورة الصحيحة الشرعية للعمل لا تفيد شيئاً عندما يكون القصد به قصداً غير مشروع كما في حديث عمر رضي الله عنه: <<إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه>> فما بالك بما كان باطلا صورة ومعنى .
والوسيلة لا تبيح المحرم بل هي عينها حرام إن أدت إلى حرام كما ثبت في الصحيح من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: <<لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها>> ومعنى جملوها أذابوها وخلطوها، وهي بذوبانها واختلاطها لا تسمى شحما لغة ولا عرفا، ولكن لم يغنهم ذلك كله بل كانوا عرضة للعنة الله تعالى من حيث إنهم احتالوا على محارمه على أنهم لم ينتفعوا بأعيانها وإنما بأثمانها، وليت شعري ما هو الفارق بين صنيع اليهود هذا وصنيع الذين يتذرعون إلى استباحة ما حرم الله من الربا بطريق بيع الخيار؟ أوليس هؤلاء أحرياء بأن يعمهم الله بلعنته كما صنع بأولئك؟ .
ومثل ذلك ما كان من تحايل اليهود على اصطياد الحيتان التي تأتيهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فقد نصبوا لها الشباك يوم الجمعة وأخذوها ليلة الأحد، فعاقبهم الله بأن مسخهم قردة وخنازير ولم يعاقبوا على غير هذا من جرائرهم الكثيرة -كقتلهم الأنبياء بغير حق، وأكلهم الربا- بهذه العقوبة التي فيها عظة وذكرى لمن عاصرها ولمن أتى من بعدها، وما ذلك إلا لأنهم فعلوا ما فعلوا مخادعين لله ومن خادع الله كان حريا بمثل هذا العقاب، ولذلك قال تعالى تذكيراً لهم ولغيرهم: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}(البقرة : 65 ـ 66) ليت شهري أيأمن هؤلاء الذين يتذرعون إلى محارم الله ببيع الخيار أن يفعل الله بهم ما فعله ببني إسرائيل فيكونوا قردة خاسئين ولئن لم تمسخ أبدانهم ففي مسخ قلوبهم عظة للمتقين، أوليسوا يخادعون الله كما خادعه بنو إسرائيل، ولقد علموا -لو كانت لهم قلوب يعقلون بها- أن هذه المخادعة لا تفيد أحداً، ولو كانت تفيد لأفادت المحلِّلَ والمحلَّلَ له لأن نكاح كل منهما في صورته الظاهرة نكاح صحيح استوفى شرائط صحة النكاح لكن النية جعلته سفاحاً، فلذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: <<لعن الله المحلِّلَ والمحلًّل له>> وهو حديث مشهور رُوي من طرق شتى وبألفاظ متعددة إلا أنها تتحد في مؤداها، فقد أخرجه أحمد من طريق علي كرم الله وجه إلا أن إسناده لم يخل من مقال، وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق ابن مسعود رضي الله عنه، وقال فيه الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وأخرجه الترمذي من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة والحاكم وصححاه والبيهقي من طريق عقبة بن عامر رضي الله عنه ورواه ابن ماجة من طريق ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه عنه الجوزجاني بلفظ آخر، وكذا رواه الحكيم من طريق ابن عمر رضي الله عنهما بمعناه وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي بلفظ : "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له" من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وليس استحقاق اللعن إلا على كبيرة تؤدي إلى الطرد من رحمة الله والعياذ بالله، وما كان ذلك إلا لأن من ركب هذا الأمر قد خادع الله والمؤمنين بفعله إذ أتاه في صورة ما أباحه الله في شرعه مع انطوائه على قصد آخر، وهل في هذا فرق بين النكاح والمعاملات المالية؟ .
وقد أجاد تحرير هذا المقام ابن قيم الجوزية حيث قال: "فوازن بين قول القائل: آمنا بالله واليوم الآخر، وأشهد أن محمدا رسول الله، إنشاء للإيمان وإخبارا به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصد له ولا مطمئن به، وإنما قاله متوسلا به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة، وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه ولا مبطنا لحقيقة هذه اللفظة ولا قاصداً له ولا مطمئنا به وإنما تكلم بها متوسلا إلى الربا، وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة أو قبلت هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح ولا قاصداً له ولا مريداً أن تكون زوجته بوجه ولا هي مريدة لذلك، هل تجد بينهما فرقاً في الحقيقة أو العرف؟ فكيف يسمى أحدهما مخادعا دون الآخر؟ مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد به انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، بل قصده ما ينافي مقصود العقد أو أمر خارج عن أحكام العقد، وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق، وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق ومقاصد مظهراً لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطنا لخلافه، فالأول نفاق في أصل الدين وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمّي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعه، وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العينة فقالا: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله فسميا ذلك خداعاً كما سمى عثمان وابن عمر نكاح المحلل نكاح دلسة وقال: أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون عليّ وقال شريك بن عبدالله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة ".

بيع الإقالة ص62 ـ 71







دلائل أن تعامل الناس ببيع الخيار غير خارج عن الربا:

ولا يخفى على لبيب أن ما يروجه الذين راقت لهم هذه المعاملات المحرمة من أن بيع الخيار قال بجوازه طائفة من أهل العلم، لا يعدو أن يكون من ضروب هذه المخادعة الممقوتة وافتئاتا على العلماء الذين هم أنزه وأورع من أن يبيحوا للناس محارم الله، فإن القيد الذي قيدوا به هذه الإباحة لا يكاد يكون له وجود في معاملات الناس اليوم قط، وإن كنت لم تقنع بكل ما أسلفناه فدونك من الشواهد ما يستأصل شأفة كل ريب اللهم إلا ممن كابر عقله وأنكر حسه :

أولها: أن الصكوك التي تتضمن بيع الإقالة تشير بأن المعاملة لا تعدو أن تكون قرضاً جرّ منفعة، فهي وإن سميت بيعاً لم تنبن على البيع وإنما أسست على القرض، فالكُتَّابُ لا يكادون يكتبون إلا هذه العبارة "أقر فلان أن عليه لفلان كذا من المال، وقد باعه بحقه هذا بيته الفلاني – مثلا - واشترط عليه الإقالة لمدة كذا من السنين"، فبالله عليكم على ماذا تدل هذه العبارة؟ فإن لم تكن دليلاً على أن المعاملة مبنية على القرض فليس يصح في الأذهان شيء .

ثانيها : أنه لا يكون في قرارة نفس البائع انتقال ملك ما باع عنه، ولا في قرارة نفس المشتري انتقال ملك ما اشتراه إليه فعند كل منهما أن الملك إنما هو ملك البائع، وإنما المشتري مرتهن فحسب، ولذلك يسمونه رهنا، ولكنه رهن يستغله المشتري لمصلحته في مقابل الدين الذي على البائع، وهذا الاستغلال لا ريب في ربويته، ولو لم يكن من طريق مغرم يدفعه البائع على أنه إيجار للعين المبيعة، فإن الرهن المشروع إنما هو توثيق للدين بحيث يقبض الدائن عينا يملكها المدين إلى أن يأتيه بحقه، ولا بد من قبضه كما قال تعالى: { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ }( البقرة : 283) والأصل فيه أن يكون بيد ذي الحق -وهو الدائن- إلا أن اتفق مع المدين على أن يقبضه طرف ثالث يكون في حكم النائب عن المرتهن ففي ذلك خلاف لأهل العلم مبسوط في موضعه، ويبطل الرهن ببقائه في يد الراهن، ومن كل هذه الوجوه تنأى هذه المعاملة كل النأي عن الرهن الشرعي وإن سموها رهنا، كما أنها ليست من البيع في شيء، ولئن كانت بعيدة عن الرهن والبيع معا فهي لا تعدو أن تكون حيلة من أجل أكل الربا، فالعين المبيعة أو المرهونة -حسب قولهم- لا تخرج من يد البائع وإنما حسب المشتري منه أن يأتيه بريعها مدرارا حسبما اتفقا عليه؛ على أن ذلك إنما هو بمقدار الدين أو القرض وليس بمقدار الانتفاع بالعين كما ذكرته على أن الرهن الشرعي لا يغلق بمضي مدة محددة بل يبقى ملك المرتهن للراهن ففي الحديث <<لا يغلق الرهن>> وفي رواية زيادة على ذلك <<لصاحبه غنمه وعليه غرمه>> وهو دليل على عدم جواز انتفاع المرتهن بمنفعته -وهو عكس ما جرى عليه العمل في بيع الخيار- اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مما يدل على جواز الانتفاع ببعض ما يرهن في مقابل نفقته إن كان يستدعي الإنفاق، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: <<الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة>>، وتخصيص ذلك بهذا الحكم إنما هو من أجل التيسير فإن العين المرهونة لا بد من أن تكون في يد المرتهن ومع حاجتها إلى النفقة قد يتعذر أو يتعسر أن يكون المالك الراهن هو الذي يتولى ذلك في هذه الحالة فأبيح للمرتهن الانتفاع بقدر هذه النفقة .
وقد شدد علماؤنا رحمهم الله في انتفاع المرتهن بما ارتهن لما في ذلك من الزيادة على الدين أو القرض وهي عين الربا، قال الإمام السالمي رحمه الله:
ومالـه يستعمــل المرهونــا ***** لأنـه صـار لــه أمينــا
وبعد الاستعمــال يضمننــا ***** مـن بعـد أن كان يؤمننـا

وليس توارد هؤلاء جميعا على تسمية هذه المعاملة رهنا إلا دليلاً واضحا على أنهم لم يريدوا بهذه المعاملة بيعا ولا ابتياعا وإنما أرادوا ما يتوسلون بها إليه من أكل المال بالباطل، وهي أيضاً ليست رهنا شرعيا لما ذكرناه من الفرق بينها وبين الرهن.
فإن قيل: أن تسميتها رهنا لا يؤثر في العقد شيئاً كما يقتضيه جواب الإمام السالمي رحمه الله حيث قال: "لا يؤخذ في هذا بفلتات لسانه وإنما يعامل فيه بمقتضى العرف والعادة، ولا ضير في التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح إذ اتحد المقصود، ومن قواعد الفقه الشهيرة أن الأمور بمقاصدها، وفي الحديث: <<وإنما لكل امرئ ما نوى>> .
قلت: ما قاله الإمام رحمه الله هو كله حجة واضحة على أصحاب هذه المعاملة، إذ لم يكن قولهم هذا فلتة من فلتات اللسان، وإنما هو تعبير عن مكنون ضمير كل منهم، فإن الكل لا يتصورون خروج المبيع بهذه الصفقة عن ملك البائع وانتقاله إلى ملك المشتري، وليس في مقصود البائع أن يبيع ولا المشتري أن يشتري، وقرائن الأحوال التي ذكرها الإمام السالمي رحمه الله في جوهره وفي أجوبته شاهدة على ذلك، وأدل من هذا كله على هذا أن المبيع لا يكاد يخرج من يد البائع وإنما لمشتريه ما يتطلع إليه من ريعه الربوي الذي يتقاضاه من البائع في كل شهر، أو لا يكفي ذلك دليلا على هذه الطوية؟ وهل يستدل على المخبر إلا بالمظهر؟ .

ثالثها: أن المشتري لا يعنيه -حسبما هو متعارف عليه عندهم- شيء من ترميم المبيع وإصلاحه، وإنما ذلك كله مما يكون على حساب البائع .
رابعها : ما ذكرته من قبل من أن البائع عندما يحتاج إلى زيادة من المال لا يتردد المشتري أن يضيف إليه ما طلب مع إضافة ذلك إلى أصل الثمن، وما هذه الزيادة في الحقيقة إلا قرض جديد يضاف إلى سابقه ليضاف بسببه ربا فوق ربا القرض الأول، وإنما يلبس زوراً كما ألبس ما قبله ثوب الأجرة مخادعة لله وللمؤمنين، وهذا أمر لا يكاد ينكره أحد، فكم رأينا صكوك بيوع الخيار التي كتبت في المحاكم مذيلة بهذه الزيادات بأيدي كتاب العدل ومعتمدة من قبل القضاة الذين لا يتورعون عن هذه المعاملات، وأدهى من ذلك وأمر أن صاحب العقار الواحد قد يقترض في آن واحد من عدد من الناس ويكتب ذلك العقار نفسه لكل واحد من أولئك بطريق بيع الخيار من غير أن ينتقل إلى يد أحد منهم، وإنما يكتفي كل منهم بما تتلقفه يده في كل شهر من الربا المشروط المسجل أنه أجرة للعقار، وقد وقع هذا من رجل مرموق بما كان يشغله من منصب ديني جدير بان يكون صاحبه في غاية العفة والنزاهة، ولكن مما يدعو للأسف أنه استغل وجوده في هذا المنصب لينحدر به إلى أسفل دركات هذه المعاملة الدنيئة، إذ اقترض من أربعين رجلاً قرضاً ربوياً وكتب بيته الذي يسكنه لكل واحد منهم بطريق بيع الخيار، وهو يدفع لكل واحد من أولئك المنهومين بحب المال ربا على رأس كل شهر سجل أنه إيجار لذلك البيت، وقد سقط بموته برقع النفاق الذي كان يواري هذه الحقيقة، فإذا بكل واحد من أولئك المقرضين يطالب بما يدعيه حقه، ولم يدع ذلك الهالك من تركته إلا ذلك البيت الذي لم يف حتى بربع مقدار تلك القروض التي أسموها ثمنا له، فإنها بلغت مائة وثمانين ألفاً، بينما لم يتجاوز ثمن بيعه بعد موته أربعين ألفا، أليس في ذلك معتبر لأولئك الذي أوقعهم الشيطان في حبائل الهوى، واقتادهم بأرسان الطمع إلى مهاوي الردى، فأخذوا يدافعون عن مفاسد بيع الخيار بكل ما زينه لهم الشيطان من تدليس وتلبيس ومجادلة بالباطل لإدحاض الحق، ولعمر الله لو كان الحق أنشودتهم لكفتهم هذه العبر { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(النازعات : 26) .
وليس ما ذكرته دعوى اختلقتها ونسجت بردها من خيوط الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة وما يمنعني من التعريف بشخص المتورط المشار إليه إلا الحرص على ستر سوآت الموتى وعدم التشهير بهم، فإنهم أفضوا إلى ربهم: {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}(الإسراء: 17) .
على أن هذه القضية لم تكن فريدة من بين قضايا التعامل ببيع الخيار بهذا الأسلوب العجيب، فثم قضايا أخرى مثلها أو قريبة منها، ومن ذلك ما نبئته عن رجل من هؤلاء المحتالين -معرفتي به عن كثب- أنه باع مزرعة له عشرين بيعة خيار لعشرين رجلا في آن واحد .
وبعد فإنه لا يبقى عند من كانت الحقيقة أنشودته مجال للارتياب في كون هذا الذي يسمونه بيع خيار ليس بيعا أصلاً، وإنما هو وسيلة لا يواريها نسيج الباطل عن بصائر أولي البصر إلى ارتكاب المحارم والارتماء في مستنقعات الربا، وأنى للحقائق أن تخفى بما يضفي عليها من نسيج الزور وقد كتب الله إظهارها وفضح المتعاملين فيها بغير حق، وما أبلغ قول الشاعر:
ثوب الرياء يشـف عما تحتـه ***** فإذا التحفـت به فإنـك عـار
ولئن لم يكن ذلك بيعاً فما هو إلا قرض، وأنتم تدرون أن كل منفعة عاجلة تترتب على القرض فهي محرمة، فقد روى الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال : "بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الاحتكار، وعن سلف جر منفعة، وعن بيع ما ليس عندك"، وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر رضي الله عنه هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم .
وقد رُوي هذا الحديث من طريق علي كرم الله وجهه بلفظ <<كل قرض جر منفعة فهو رباً>> لكن في إسناده مقال، ورواه البيهقي في السنن الكبرى موقوفا على ابن مسعود وأبي بن كعب وعبدالله بن سلام وابن عباس رضي الله عنهم وهو مما انعقد الإجماع عليه فلا يسوغ فيه القول بخلافه ويعضده ما رواه ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أنه سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقرض أخاه المال فيهديه إليه فقال: <<إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك>> وما أخرجه البخاري في تاريخه عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : <<إذا أقرض فلا يأخذ هدية>>، ومهما قيل في هذين الحديثين فإن اتفاقهما مع أصول الشريعة يعضد دلالتهما وإجماع الأمة على حرمة أن يكون القرض وسيلة لمنفعة ينالها المقرض من المقترض هو الفيصل في ذلك.
قال الإمام السالمي رحمه الله في شرح الحديث: "والمراد بالسلف هنا القرض فإن السلف يطلق على معانٍ منها القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وهو عمل من أعمال البر ولا يجوز أخذ النفع العاجل على شيء من أعمال الآخرة" ، وقال في جوهر النظام :
وكل قرض جر نفعـا فربــا ***** ويهلكـن من لـذاك ركبــا
وفي مغني ابن قدامة "وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فاسلف على ذلك أن أخذ الزيادة في ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة، ولأنه عقد إرفاق وقربى فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحا أو نقداً ليعطيه خيرا منه، وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز - إلى أن قال - وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها أو على أن يهدي له هدية أو يعمل له عملا كان أبلغ في التحريم، وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئاً جرت العادة به قبل القرض لما روى الأثرم أن رجلا كان له على سَماَّك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقوّمه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم، وعن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب مرة ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي فقال لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبِمَ منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل، وعن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: "إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال إنك تأتي أرضا فاش فيها الربا، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد إليه هديته، رواهما الأثرم، وروى البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال : قدمت المدينة فلقيت عبدالله بن سلام -وذكر حديثا وفيه- ثم قال لي: "إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا، قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملاً لم يكن ليستعمله على مثله قبل القرض كان قرضا جر منفعة ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله" .
ومثله في الشرح الكبير وهو مما تواردت عليه آثار أهل العلم، ولئن كان علماء الأمة سلفهم وخلفهم يتشددون في انتفاع المقرض من المقترض ولو في توافه الأمور كالهدية المتواضعة أو الحمل على المركوب أو الضيافة ويعدون ذلك ربا ولو لم يكن بتشارط بينهما، فكيف بهذا القرض الذي يصور أنه بيع خيار ويترتب عليه إرهاق المقترض بضرائب الربا، وإن لم يسموه باسمه، وادعوا أنه إيجار فإن الله الذي حرم الربا لا تخفى عليه هذه النوايا فهو بها خبير .

بيع الإقالة ص72 ـ 84





خـاتمـــة

ولئن ساغ لبعض علمائنا فيما تقدم أن يبيحوا بيع الخيار مع تقييده بشروط لصونه من تسرب الربا إليه، فإنه لا يسوغ الآن - بعدما وضح الصبح لذي عينين، وتبين لكل الناس كيف استغلت هذه الرخصة للوصول إلى الحرام المحض - أن يقال بإباحته، وإن عجبت فإني أعجب من وجود هذه الرخصة في المذهب عندنا، وإن كانت لبعض علمائنا دون بعض مع ما عرفوا به من الاحتياط والتشجع على إغلاق الأبواب في وجوه الذين لا يؤمن منهم أن يتذرعوا بالرخص إلى محارم الله حتى أنهم بنوا على قاعدة سد الذرائع أحكاما في الفقه لم يبنها علماء أي مذهب آخر، كالذي أشرنا إليه فيما يتعلق بالأنكحة فكيف فاتهم أن يبنوا على هذا الأصل أحكام هذه المسألة ؟
هذا ولا ريب أن الذين سبقوا إلى إباحة بيع الخيار كانوا أكثر احتياطا من الذين جاؤا من بعدهم لأنهم قالوا بوقفه وإن اختلفوا في مغنمه ومغرمه هل يرجعان إلى البائع إلى أن تمضي مدة الخيار أو أنهما موقوفان كالأصل فمن استحق الأصل بعد مضي مدة الخيار فاز بالمغنم ولزمه المغرم؟
وإنما انفتح باب الربا في معاملات الخيار عندما قيل بثبوت البيع واستحقاق المشتري لريعه مع عدم انضباط الناس وتقيدهم بما وضعه أصحاب هذا القول من القيود على هذه المعاملة .
هذا ولا استبعد من الذي يغصون بكلمة الحق في هذا الجواب أن يملأوا الدنيا ضجيجاً –كعادتهم - بأن ما قلته تنقيص من أقدار العلماء الغابرين واجتراء على مقاماتهم وتفنيد لآرائهم، وما عليّ من هذا الضجيج شيء فالله هو الخبير بنيتي ونواياهم، فإن أولئك العلماء أنفسهم لو عادوا اليوم إلى الدنيا لضاقت صدورهم مما يرونه من أعمال هؤلاء وانشقت حناجرهم بالإنكار عليهم، ولو علموا أنه سيأتي أقوام لا هم لهم إلا أن يقتنصوا من أقوالهم ما يتذرعون به إلى ارتكاب المحارم لما فاهت أفواههم ولا سطرت أقلامهم شيئاً قط مما يتذرع به هؤلاء إلى هذه العظائم التي ترتكب والحرمات التي تنتهك فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وبعد ما أقبلت -في هذا الأمر- حجة الحق تتبختر اتضاحاً وأدبرت شبهة الباطل تتضاءل افتضاحاً لم يبق - في أيدي الذين يتعامون عن الحقيقة ويؤثرون الوهم عليها، ويستحبون الباطل على الحق والضلال على الهدى- ما يتشبثون به إلا المكابرة والعناد وما لأحد بهؤلاء حيلة فإن الله تعالى يقول: { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } (النحل: 37) وقال: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج : 46)، ومع ذلك كله أدعوهم إلى أن يتقوا الله -معذرة إلى ربي سبحانه- وأن يفكروا في عاقبة هذه المخادعة لله وللذين آمنوا بترويج هذا الباطل والدفاع عنه، فإنهم ما يخدعون بذلك إلا أنفسهم ألا وليتق الله كل من رحم نفسه وأشفق عليها من عذاب ربها وليدع قربان أي شيء من هذه المعاملات ولو بالكتابة أو الشهادة أو الإمضاء أو الحكم بموجب ما يقتضيه هذا التعامل { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } (لقمان:33).
آلا هل بلغت اللهم فاشهد، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
9 أنور الربيعين 1423هـ


بيع الإقالة ص85 ـ 88







fdu hgYrhgm>> gslhpm hgado Hpl] fk pl] hgogdgd lpl] gslhpm hgogdgd hgado hgYrhgm fdu pgn






توقيع عابر الفيافي


لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس