عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 08-24-2011
الصورة الرمزية عابر الفيافي
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : Jan 2010
عدد المشاركات : 8,712
الإقامة: oman
قوة السمعة : 188
غير متواجد
 
افتراضي وحي السنة في خطبتي الجمعة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة بسم الله الرحمن الرحيم


بحث (( وحي السنة في خطبتي الجمعة ))
لسماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة


المقدمة :
الحمد لله وكفى وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه وسائرعباده الذين أصطفى ، أما بعد:
فإن خير قدوة عرفه التاريخ وأفضل إمام سار علىهديه الراشدين هو رسول الله –صلى الله عليه وسلم- باب الهدية ومفتاح السعادة ، لذلككان التأسي به –عليه أفضل الصلاة والسلام- آية الإيمان وكمال التصديق ، قال اللهتعالى :}} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌحَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَكَثِيرًا ] {{ سورة الأحزاب /آية 21[.
ومن ثم كانت سنته –صلى اللهعليه وسلم – مصدرا هاما من مصادر التشريع ، فإنها مرآة تعكس معاني التنزيل ومعالميهتدي بها إلى حقائق التأويل ، وما أحوج العالم والعامل إلى جعل السنة نصب أعينهمايستوحيان بها الدراية ويستمدان منها الهداية وهذا شأن كل من أراد السلامةلنفسه.
ولكن السنة قد تشتبه أحيانا بالبدعة بسبب إلتباس بعض الروايات ببعضحتى يعرض الناس عنها حرصا على سلامة دينهم من المحدثات ، ويلوموا من عمل بها كأنماارتكب فجورا أو أخل بلازم ، ومن ذلك سنة تثنية الخطبة يوم الجمعة والجلوس بينالخطبتين ، فقد ظنها بعض أصحابنا –رحمهم الله- من محدثات معاوية بن أبي سفيانفتركوها ولم يعملوا بها ، بينما هناك فريق آخر عرف المسألة حق المعرفة فحض علىإتباع السنة فيها وكلا الفريقين من أهل نحلة الاستقامة.
وفي هذا العصر وقع الاختلاف فيها بين مشائخ العلم بقطرناحتى بقي في نفوس بعض الناس خواص وعوام حرج على من عمل بها لعدم إيلافهم إياها ، ولاغرو فان الطباع تشمئز مما لم تألفه والقلوب لا تطمئن إلا إلى ما كان معروفا عندها ،ومن حيث إن إظهار الحجة ودرء الشبهة في هذه الحالة مما يلزم القادر ، رأيت ضرورةكشف الستار عن حقيقة الموضوع بنصب الأدلة وإظهار العلة ، فإن الأقوال إن لم يؤيدهاالدليل وتصدقها الحجة –وإن جلت منزلة من قالها- لا قيمة لها عند من رام التحقيق فماهي إلا كالهياكل التي فقدت الأرواح أو كالمصابيح التي نضب منها الوقود ، وما أبلغقول من أجاب وقد سئل فيم لذتك؟ فقال في حجة تتبختر اتضاحاً وشبهة تتضاءل افتضاحاً ،هذا وإلى القارئ الكريم ما فتح الله على عبده في المسألة والله ولي التوفيق.
(( حكم الخطبتين يوم الجمعة والجلوس بينهما ))
إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما مما ثبت عن رسولالله –صلى الله عليه وسلم- وعمل به أصحابه –رضي الله عنهم- فقد روى البخاري عن ابنعمر –رضي الله عنهما- قال: ( كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم – يخطب خطبتين يقعدبينهما ).
وروى النسائي والدار قطني من هذا الوجه ( كان يخطب خطبتين قائما يفصلبينهما بجلوس ). وروى الجماعة عن ابن عمر أيضا قال: ( كان النبي –صلى الله عليهوسلم – يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون اليوم ) . ولفظ البخاري ( كما تفعلونالآن ) .
وهو يدل على أن ذلك قد استقر عليه عمل الصحابة –رضي الله عنهم- ، وقوله: (ثم يقوم ) يعني يقوم خطيبا مرة ثانية كما تدل عليه الروايات الأخرى .
وأقوى ما يوضحذلك حديث جابر بن سمرة –رضي الله عنه- الذي أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سماكقال: أنبأني جابر بن سمرة: ( أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – كان يخطب قائما ثميجلس ثم يقوم فيخطب قائما فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ، فقد والله صليتمعه أكثر من ألفي صلاة. (

وروى مسلم وغيره عن سماك عن جابر بن سمرة أيضاقال: ( كانت للنبي –صلى الله عليه وسلم – خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكرالناس(.
هذا كلام من صلى مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم – أكثرمن ألفي صلاة كما أخبر بنفسه ، ويعني بقوله يقرأ القرآن ويذكر الناس حال الخطبة لاحال الجلوس بين الخطبتين لما جاء في رواية ابن عمر التي أخرجها أبو داود قال: ( كانالنبي –صلى الله عليه وسلم – يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذنثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب).
فقد استفيد من هذه الرواية أنالنبي –صلى الله عليه وسلم – لا يتكلم بشيء حال الجلوس بين الخطبتين .
ورواية أبيداود لحديث ابن عمر هذا –وإن ضعفت بعبدالله العمري- فهي صالحة للتقوي بها على إيضاحإبهام الرواية الصحيحة ، وأيضا فإن ذلك يتأيد بما ألف عند الجميع إن قراءة القرآنوالتذكير إنما يكونان حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين.

هذا ما ثبت عنالهادي الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام في الصحاح والسنن وكفى به حجة ودليلا لمن أراد التأسي به عليه صلوات الله وتسليماته امتثالا لأمرالله سبحانه الذي يحض على اتباعه صلى الله عليه وسلم وينص على جعل ذلك من مقتضياتالإيمان برسالته ، فالله تبارك وتعالى يقول:
))
لقد كان لكم في رسول الله أسوةحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر )) { الأحزاب - آية 21{
ويقولسبحانه:
))
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهمحرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )) { النساء - آية 65}

ويقول عز شأنه:
(( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )) { الحشر - آية 7}

وقد أتتفي هذا المعنى أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قوله: ( تركتفيكم ما إن تمسكتم بهلن تضلوا أبدا كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي ).
وقوله: ( أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد ... (الخ.
ومن هنا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان –رضي الله عنهموأرضاهم- أحرص الناس على التأسي به –عليه أفضل الصلاة والسلام- وإتباع سنتهوالاستضاءة بنوره واستمداد المعارف من فيضه.
وهذه هي طريقة أهل الاستقامة فيالدين إذ لم يكونوا يعدلون بسنته –صلى الله عليه وسلم – سنة أحد من الناس ولا يرضونبتقليد غيره في أمور دينهم ، فهذا الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيمالوارجلاني –رضوان الله عليه- حكي عنه أنه لما حج وزار قبره –صلى الله عليه وسلمقال مشيرا إلى القبر الشريف لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر وأما الصحابة فهم أولىبالأتباع لعهدهم برسول الله –صلى الله عليه وسلم – وأما التابعون فهم رجال ونحنرجال ، حكى هذه القصة العلامة ابن أبي نبهان نقلا عن والده البحر الزاخر الإمام أبينبهان –رضي الله عنهما- وناهيك بما قرره في ذلك حامل لواء السنة إمامنا نور الدينالسالمي –رضوان الله عليه- في غير ما موضع من مؤلفاته الفائقة ومن ذلك قوله فيأنوار العقول :
والأصل للفقه كتاب الباري *** إجماع بعد سنةالمختار
والاجتهاد عند هذي منعا ***ذ وهالك من كان فيه مبدعا


وهذه مقتطفاتمما قاله في جوهره في الموضوع :
نقدم الحديث مهما جاء *** على قياسنا ولامراء
حسبك أن تتبع المختارا *** وإن يقولوا خالف الآثارا
فنحن حيث أمر القرآن***لا حيثما قال لنا فلان
لأنني أقفو الدليل فاعلما *** لم أعتمد على مقالالعلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا *** من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجالوسواهم رجل *** والحق ممن جاء حتما يقبل
وهكذا شأن فحول العلماء الذين لا يأسرهم التقليد ولايمتلكهم الهوى ، فكيف يلام بعد هذا من عمل بسنة ثابتة لأجل مخالفة فلان أو فلان ،على أنك تعلم أن الحديث إذا ورد عمل به على الصحيح في خصوصه وعمومه وإن خالفت مذهبالصحابة الذي رواه لأنه الحجة في روايته لا في مذهبه مع احتمال أن يطرقه الذهولوالنسيان ، وإذا كانت مخالفة الصحابي الراوي للحديث لا تلغي شيئا من دلالة الحديثولا تسقط العمل بموجبه من أن الصحابي أدرى بموجب الرواية وملابساتها فكيف بمخالفةمن عداه ، ولعمري لا أعجب إلا ممن يرضى بتقليد من يخطئ ويصيب ويعروه الذهولوالنسيان ويدع تقليد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي المحفوف بالعصمةالموصوف بقول الله عز وجل :(( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّاوَحْيٌ يُوحَى((

وهل عرف الدين إلا به أم هل برزت الشريعة إلا من بابهعليه أفضل الصلاة والسلام- وهل يكون غيره صلى الله عليه وسلم وإن امتطى السماء أوناطح الجوزاء إلا مدينا له ومتعبدا باتباعه إذ لا يمكن أن يهتدى إلا بهداه ولا أنيستضى الا بشمسه فكيف يعارض قوله صلى الله عليه وسلم بقول غيره أو عمله بعمل سواهولله در نور الدين السالمي –رحمه الله- حيث قال :

ولا تناظر بكتاب الله *** ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيرا *** ولو يكون عالماخبيرا

وحكم فعله في ذلك كحكم قوله ، فإن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعالهوتقريراته تشريعاته لأمته ، على أننا نقول ليس في الخطبتين ولا في الجلوس بينهما مايخالف طريقة أسلافنا –رحمهم الله- فهذه آثارهم –بحمد الله- ناطقة بأن للجمعةخطبتين.

وممن نص على ذلكالإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي –رحمه الله- في مختصر الخصال حيثقال:
والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال إحداهما الجمعة ... إلخ
وتابعه الإمامنور الدين السالمي –رحمه الله تعالى- في مدارجه حيث قال:

لجمعة عرفة عيدين *** يخطب فيهن بخطبتين
وتستحب سكتة بينهما *** حتى تكون فصلا لهما

وبمثلهذا صرح في الحجج المقنعة ، ونحو ذلك للشيخ إسماعيل في القواعد والقناطر والشيخعامر في الإيضاح والإمام ضياء الدين عبدالعزيز الثميني في النيل –رحمهم الله تعالىجميعا-

غير أن الإمام نور الدين السالمي حكى عن أصحابنا إن المفروضة هيالخطبة الأولى والثانية سنة يجوز تركها وهو ظاهر كلام الإمام أبي إسحاق –رحمه الله- في خصاله وهو الذي حكاه العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعيوإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنيل في وراية قال: وإليه ذهبجمهور العلماء كذلك في نيل الأوطار للشوكاني وذهب الشافعي وأحمد في أشهر الرواياتومالك في رواية ابن الماجشون عنه إلى اشتراط الخطبتين ، وحكاه القاضي عياض عن عامةالعلماء ، وليس هذا موضع بحث أدلة القولين.

وأما الجلوس في بين الخطبتين فقد اختلف فيه أصحابنا –رحمهمالله- منهم من استحسنه ومنهم من كرهه ، والخلاف مذكور في الذهب والنيل والقواعدوالايضاح ونص عبارة الإيضاح:
قد اختلف أصحابنا في الجلوس بين الخطبتين وقالبعضهم يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة وقد روي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه خطبخطبتين وجلس جلستين ، ولعله ذكر الجلسة قبل أن يخطب منتظرا لفراغ الأذان ولذلك ذكرالجلستين والله أعلم. وما ذكر احتماله في الرواية عن ابن عباس –رضي الله عنهما- هوعين ما صرح به حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- في بيان خطبة رسول الله –صلى اللهعليه وسلم على حسب رواية أبي داود المتقدم ذكرها وعلى القول بالجلوس بين الخطبتيناقتصر الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى في القناطر حيث قال:
(وهما خطبتان بينهماجلسة خفيفة) ولم يذكر قولاً آخر وأنت إذا أوسعت المسألة بحثا لم تجد للقول بكراهةالجلوس بين الخطبتين مستنداً إلا توهم بعض السلف إن ذلك أمر محدث لم يفعله رسولالله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وعمر وعلي وإنما أحدثه عثمان حينما كبر وشقعليه الاستمرار على أداء الخطبة قياماً ، ومنهم من نسب ذلك إلى معاوية حينما كثرشحم بطنه ولحمه فشق عليه القيام وقد صار هذا الظن متداولا في الأسفار ينقله الآخرعن الأول وهذا ما قاله ابن بركة –رحمه الله- في جامعه:
ولم يرفع إلينا أن أبابكر ولا عمر ولا عليا كانوا يجلسون وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر ، وقالبعض معاوية هو الذي أحدث الجلوس اهـ. وقد حذا حذوه في ذلك جميع العلماء الذين لميروا الجلوس وهذا نص كلام الإمام نور الدين السالمي –رضي الله عنه- في الحججالمقنعة بعد أن ذكر الاختلاف فيمن أحدث الجلوس هل هو عثمان أو معاوية قال:
وأنتخبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثا فالمندوب تركه ، وأما الثانية فلأنعثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس لما حصل له من العذر فلا ينبغي للصحيح الغيرمعذور أن يتأسى بالمعذور ، وإن كان فعل المعذور جائزا مثلا إذا كان المشروع خلافهوالفضل في غيره .

فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظنحدوثه ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الرواياتالواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه ، وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولتهالألسنة وتناقلته الأقلام حتى جرى من أفهام بعض مشائخ عصرنا مجرى اليقين ، وخلاصةالأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثه عثمان وماأحدثه معاوية ، أما عثمان فإنه لما تقدم في العمر استرخت قوائمه فلم يقدر علىالقيام حال أداء الخطبة فكان يتخلل خطبته جلوس غير الجلوس المشروع بين الخطبتين ،وأما معاوية فإنه لما كثر شحم بطنه ولحمه شق عليه القيام فخطب جالسا واقتدى به فيذلك بعض عماله ، وقد استجر ذلك إنكار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلىمن اقتدى به من عماله ، وبفعل هؤلاء يعرض جابر بن سمرة حينما قال بعد ما وصف خطبةالنبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب فقد والله صليتمعه أكثر من ألفي صلاة ) .
وروى مسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجدوعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: ( انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا).
وقال الله تعالى: (( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما )).
وفي رواية ابن خزيمة: ( ما رأيت كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس) يقولذلك مرتين ، ولعل بعض الروايات التى وردت في قصة معاوية كانت سببا للبس الحاصل لعدموضوح ألفاظها كرواية ابن أبي شيبة عن طاوس خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماوأبو بكر وعمر وعثمان ( وأول من جلس على المنبر معاوية ) فقد يوهم قوله: ( واول منجلس على المنبر معاوية ) أن مراده به الجلوس بين الخطبتين ولكن الرواية الأخرى تدفعهذا الإيهام فقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس أيضا: ( وأول من خطب قاعدا معاوية حينكثر شحم بطنه (

قال إمام المحدثين الحافظ ابن حجر في الفتح هذا مرسل يعضدهما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: ( أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمانوكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم وأول من خطب جالسا معاوية ) وروي عن معمر عنقتادة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعةقياما حتى شق على عثمان القيام فكان يخطب قائما ثم يجلس فلما كان معاوية خطب الأولىجالسا والأخرى قائما).

هذه الروايات تجلو الحقيقة وتكشف اللبس مع أن المبصر إذاتأمل رواية طاوس الأولى طالعته الحقيقة من ثنايها بعد دقة الإمعان فإن قوله: ( وأولمن جلس على المنبر معاوية ) مسبوق بقوله ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماوأبو بكر وعمر وعثمان ) وهي يقتضي أن جلوس معاوية حال الخطبة لا بين الخطبتين فإنهبذلك يكون التضاد بين فعله وفعلهم وبهذا كله تعلم أن ما نقله الإمام نور الدينالسالمي رحمه الله عن طاوس أنه قال: ( الجلوس يوم الجمعة بدعة وأول من فعله معاويةثم ردوه من بعد ) يريد به الجلوس حال الخطبة لا بين الخطبتين -كما حمله عليهالإمام- وهو ظاهر في ما نقله عن الشافعي أنه قال إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحمبطنه ولحمه.
ثم إن الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله- بعد ما قرر فيحججه أن الجلوس بين الخطبتين محدث التفت إلى قول من يراه سنة وإلى رأي من استحبه منأصحابنا -رحمهم الله- ومن خلال ذلك استشف حقيقة ما أحدثه معاوية ، وإليك عبارتهبتمامها قال:
"
وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما صرح بهالأصحاب -رحمهم الله- وقيل إنه غير محدث وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلكففي كشف الغمة ( أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين ويقرأالقرآن ويذكر الناس ) ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتينوحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين مع قوله إنما خطب معاوية جالساحين كثر شحم بطنه ولحمه ، ويجمع بين قوليه بأن يقال أن الذي حكاه عن معاوية هوالجلوس في حال الخطبة وأن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين والله أعلم.

وذكر صاحب القواعد عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين ولعله لأجل ماروي من الحديث المتقدم ذكره ، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا على القولباستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يتكلم فيها الخطيب بشيء والله أعلم كلامه رحمهالله .

وإذا استقر أن في المذهب قولين في المسألة فهل الأجدربالعاقل أن ينساق وراء القول العاري من الدليل إلا مجرد وهم اصطبغت به أفكار بعضالعلماء أو الوقوف مع السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني لا أخالأحدا ممن يريد السلامة لنفسه يختار الوجه الأول إلا إذا آثر الرجوع من البصيرة الىالعمى ومن الحقيقة إلى الوهم ، وأما قول ابن بركة -رحمه الله- ولم يشاهد مشائخنابحضرموت يجلسون فنحن على فعلهم فمردود بأن السنة هي الحجة على فعلهم وليس فعلهم حجةعلى السنة واتباعها وإيثارها على كل حجة بعد كتاب الله تعالى وإحياء ما اندرس منرسمها ، وما أحوجنا اليوم -ونحن في عصر هبت فيه عواصف الزيغ والالحاد فأطفأت مشاعلالحق وطمست معالم الحقيقة ونشرت أوبئة الفساد -أن نحرص على اتباع هدي نبينا صلىالله عليه وسلم وتطبيق سنته وعدم التساهل في شيء منها.

هذا ولا ريب أن كثيرا من الناس يقولون كيف تخفى هذه السنةعلى جهابذة العلماء المتبحرين وتظهر لأمثالكم من الضعفاء وشتان بين الأرض والسماءوأين الغزالة من الذبابة؟

والجواب:
أن من استقرأ أحوال العلماء لم يدربباله هذا الإشكال ، فكم رأينا عالما خفي عليه ما ظهر لمن هو أقل منه علما بمراحل ،والإحاطة بسنته صلى الله عليه وسلم مستحيلة حتى على أكابر المحدثين كما بينهالعلامة ابن تيمية في دفع الملام عن الأئمة الاعلام ، كيف وهؤلاء أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم الذين كانوا أكثر الناس التصاقا به واطلاعا على أحواله وحفظالسنته قد كانوا بحيث يخفى على أحد كبرائهم من سنته ما يرويه له من هو أقل منه صحبهوأدنى منه مرتبة وأيسر منه علما ، ناهيك بالعمرين اللذين كانا رضي الله عنهما بحيثلا يجهل قدرهما علما وعملا وملازمة للرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الانفكاك عنصحبته ومع ذلك فقد خفي عنهما كثير من سنته صلى الله عليه وسلم مما حفظه غيرهما ممنلا يعتبر من كبار الصحابة ، وقد اضطرا إلى البحث والسؤال عما حفظ عن النبي صلى اللهعليه وسلم مرارا عديدة فوجدا ضالتهما عند من لا يقاس ما عندهما ولم يكن في ذلك حطمن لقدرهما ولا خفض لمنزلتهما.

وأيضا فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر فقد يطلعالعالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه ، ولذلك تجد كثيرا من أئمة الحديث تخالفآراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام- ومن بين هؤلاء بعضكبار أئمتنا ، فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي اللهتعالى عنه نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقهفي المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها كتحديد مدة الحيازة بعشرين عاما معأنه روى تحديدها بالعشر بإسناد صحيح ، وكقوله بكراهة التنزيه في ذوات الناب منالسباع والمخالب من الطير ، مع أنه روى عن جابر بن زيد عن أبي هريرة رضي الله عنهماعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أكل ذوات الناب من السباع والمخالب منالطير حرام ) ، ومثل ذلك وقع لتلميذه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رضوانالله عليه فيما رواه في المسند الصحيح من الأحاديث ونقل عنه من الآراء ، فهل يظنبهما انهما يتعمدان مخالفة السنة أو أنهما يدلسان في روايتهما؟

كلا والله ،بل هما أورع من ذلك وأنزه وأحرص على إتباع الحق وابعد من الحوم حول الباطل ، وماعلينا إلا أن نحملهما على حسن الظن ، وأن لا نشك في صحة ما روياه وفي وجوب العملبه.
وباستقراء هذه الحقائق يتجلى إمكان خفاء سنة الجلوس بينالخطبتين على بعض أسلافنا -رحمهم الله- وأن ذلك لا يخل بمقامهم ولا ينقص من أقدارهم، كما أن ذلك لا يقتضي ترك هذه السنة عند من ثبثث عنده ولا يقتضي القدح في رواية منرواها ، فإن الاحاطة بجميع السنة -امر مستحيل- كما قلنا ، والله سبحانه وتعالى قالفي كتابه: {{ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }} { النور - آية 33}، ومن رجع إلى آثار السلف وجد فيها رداً لأحاديث رواها الإمام الربيع بن حبيب -رحمهالله- بأصح إسناد عندنا. فهذا العلامة ابن مداد -رحمه الله- قال:
"
إن حديثالعرنيين غير صحيح " ، مع أن الحديث في المسند الصحيح للإمام الربيع عن أبي عبيدةعن جابر بن زيد عن أنس بن مالك -رضي الله عنهم- عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدتجاسر ابن مداد -عفى الله عنه- على إنكاره لعدم إطلاعه عليه فالله المستعان.
ووقع مثل ذلك لكثير من العلماء كالإمام ابن أبي نبهان الذيأنكر حديث سنة الزوال الثابت في المسند الصحيح وغيره من كتب الحديث المعتبرة وقدجره إنكار الحديث إلى القول بكراهة هذه السنة الشهيرة وعزا ذلك إلى أبيه العلامةالكبير أبي نبهان -رضي الله تعالى عنه- وكالإمام ابن بركة الذي قال: أن أن أباعبيدة ومالكا كانا متعاصرين وكانا يطعنان في حديث أبي هريرة في تحريم ذوات الناب منالسباع وهو الحديث المتقدم ذكره ، مع أنك تعلم أن أبا عبيدة هو الذي روى هذا الحديثبإسناد أشهر صحة من الشمس في رابعة النهار ، وكذلك رواه أئمة الحديث عند قومنا منطرق صحيحة حتى أن ببعضهم وصفه بأنه متواتر ، وإنما أوهم ابن بركة أن هذين الإمامينيطعنان في الحديث ما روي عنهما من القول بكراهة السباع فقط ، مع أن ذلك لا يعنيطعنهما في الحديث ، على ان الإمام مالكا قد صدر كلامه في هذه المسألة في المدونةبالتحريم حسبما جاء به الحديث ، وقد تابع ابن بركة على هذا الظن الإمام نور الدينالسالمي -رحمه الله- في المشارق مع جلالة قدره وعلو كعبه في علم الحديث وسائر علومالشريعة ، ثم أنه رضي الله عنه أنتبه لهذا الخطأ فرده في شرحه الحافل على مسندالإمام الربيع بن حبيب -رحمه الله- ومثل هذا يقع كثيرا من العلماء المحققين للدلالةعلى نقص البشر وعلى انفراد الله بالكمال.

وبعد ... فإني لا أظن شكا يبقى في مسنونية الخطبتين للجمعةوالجلوس بينهما ، لذلك اهيب بمشائخ العلم وأئمة الجمع أن يحيوا هذه السنة ليحرزواأجرين أجر أحيائها وأجر إرشاد الناس إليها وإبادة الشك الذي لابسهم فيها ، وإن كنتلا أقول بوجوبها إلا أن في إتباعه -صلى الله عليه وسلم- ما لا يجهل من الفضيلة التييجب الحرص عليها والمسابقة إليها ، ولا يظنن أحد أنني أردت بما كتبت الرد على أحدأو النيل منه ، فتالله لم يكن ذلك من مقصدي ، ولكنني أردت إزالة الحرج الذي وجدهبعض إخواننا في صدورهم على من عمل بهذه السنة ، والنصيحة لهم ليعيدوا ويمعنوا النظرفيها.

إن أريد اللإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليهأنبت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله عليه وعلى سيدنا محمدوعلى آله وصحبه أجمعين.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

,pd hgskm td o'fjd hg[lum hgskm o'fjd td






توقيع عابر الفيافي


لا يـورث الـعلم مـن الأعمام **** ولا يـرى بالليـل فـي الـمنـام
لـكــنـه يحصـــل بالتـــكـــرار **** والـدرس بالليـــل وبـالـنـهار
مـثاله كشجرة فـــي النــفس **** وسقيه بالدرس بعد الـغرس