شبكة نور الاستقامة
الثلاثاء 04 / ربيع الأول / 1440 - 12:48:16 صباحاً
شبكة نور الاستقامة

ازداد عدد الناس الذين...

المفتي : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

السؤال

ازداد عدد الناس الذين يشعرون أن سبب أمراضهم مردها على العين أو الحسد أو الجان فازدحموا على بيوت المعالجين ، هل كل هذا العدد الهائل - في وجهة نظركم سماحة الشيخ - مرده إلى المسببات أو الجانب النفسي له دور في شيوع مثل هذه النوع من الأمراض ؟

الجواب

نحن لا ننكر أن الحسد له أثر ، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد علمنا ذلك بقوله سبحانه ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) (سورة الفلق) . وكذلك نجد أن الله سبحانه يحكي عن عبده يعقوب عليه السلام أنه قال لبنيه ( يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا )(يوسف: 67-68) ، وقالوا إن هذه الحاجة هي أن لا يصابوا بالحسد من قبل أحد عندما يراهم إخوة سويي الفطرة قويي البنية متكاملين من كل ناحية . فهذا يدل على اتقاء الحسد . وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر . فنحن لا ننكر أن يكون للحسد أثر في مثل هذه الحالات . كما لا ننكر أن يكون أيضاً للشياطين والمردة أثر في بعض الأشياء التي تحدث لأن الله تعالى حكى عن عبده أيوب عليه السلام أنه قال ( مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ )(صّ: من الآية41) ، لكن لا يعني أن هذا الكم الهائل وهذه الأعداد الوافرة كلها أصيبت بسبب حسد حاسد ، أو بسبب سحر ساحر ، أو بسبب مس من الشيطان أو نحو ذلك ، لا . الناس كلهم معرضون للأمراض ، وكل أحد ما دام في هذه الدنيا هو عرضة لأن يصاب بشتى الأمراض . الجسد عرضة للأمراض . على أن الإنسان ينشأ من ضعف ثم يتحول إلى قوة ثم يعود إلى ضعف مرة أخرى ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً )(الروم: من الآية54) ، فالإنسان يبدأ بالضعف وينتهي إلى الضعف إن أنسئ له في عمره كما قال سبحانه وتعالى ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ )(يّـس: من الآية68). فالإنسان يصعد شيئاً فشيئاً في هذه الحياة ، يبدأ كما قلنا من نقطة الضعف إذ يولد وهو غير قادر على شيء حتى أنه لا يستطيع أن يذب عن عينيه أو عن أي شيء من جسده أي شيء يلم به ، ثم بعد ذلك يتدرج في مدارج القوة والنمو شيئاً فشيئاً حتى يتكامل عندما يبلغ نحو سن الأربعين ، ثم يبدأ بعد ذلك في الإنحدار مرة أخرى ويأخذ في الضعف شيئاً فشيئاً ، يأخذ الضعف يدب إليه شيئاً فشيئاً ، ويتسارع الضعف في الإنسان لأنه في حالة إدبار بعدما يتجاوز العمر الذي جعله الله تبارك وتعالى فيه اكتمال قواه واكتمال مداركه واكتمال طاقاته . هذه هي طبيعة الإنسان ، ولكن الناس بسبب ما تراكم على نفوسهم من هذه الأخبار التي لا أساس لها من الصحة ، وبسبب إخلادهم إلى الخرافات صاروا يعتقدون أن كل ما يصيبهم إنما يصيبهم إما بسبب حسد حاسد ، وإما بسبب سحر ساحر ، وإما بسبب مس من الجان ، حتى أن أحداً لو أصيب بوجع في رجليه لاعتقد أن ذلك بسبب الجن أو بسبب الجن أو بسبب أي شيء ، لو أصيب أيضاً بوجع في عينيه أو بصداع في رأسه أو بأي شيء من هذا النوع فإنه يعتقد أن ذلك لم يصبه إلا بهذا . فهذه الأوهام بسبب تراكمها على الإنسان ولّدت هذه الأحاسيس ، وصار الإنسان عرضة للوساوس النفسية ، والوساوس هي نفسها مرض فتاك ، لأن الإنسان عندما يعتقد شيئاً ما ويتصوره تصوراً قاطعاً يؤدي به إلى أن يحس به إحساساً كأنما هو ماثل أمامه ، هذه قضية مسَلّمة ، فربما أدى الوسواس وأدى الوهم بالإنسان إلى أن يتصور إلى أنه شُق شيء منه مع إنه لم يشق شيء منه لكنه يتصور هكذا ، أو أنه أصيب بداء معين وما به ذلك الداء ، وإنما يحس بالإحساس الذي يحس به صاحب الداء . أخبرني أحد أنه ذهب إلى أحد الأطباء من أجل فحصه وغلط الطبيب قال له : إنك مصاب السكري . فصار يتردد إلى بيت الماء في كل ليلة عدة مرات ، وصار يشرب الماء كثيراً ، كما هو شان من أصيب السكري . ثم بعد ذلك فحص عند طبيب آخر فإذا به يقول له : لا يوجد فيك شيء من السكري ، والفحص السابق كان خاطئاً . فتحولت هذه الحالة التي كانت في نفسه ، وزال أثر على الجسد ، وصار سوياً على حسب العادة في شربه الماء وفي قضاء حاجته ، ما صار يتردد إلى بيت الماء كما كان من قبل يتردد . فإذن الوهم له أثره في نفس الإنسان ، ربما تصور الإنسان أنه أصيب بمرض ما وإذا بعوارض ذلك المرض يحس بها إحساساً كأنما هذا المرض نزل به وهكذا . فهؤلاء الذين يعتقدون مثل هذه المعتقدات بسبب ما تراكم عليهم من هذه الأوهام يتصورون تصوراً جازماً أنهم مصابون بعوارض هذه الإصابات ، ويرسخون ذلك في نفوسهم ، وبقدر ما تمضي الأيام تترسخ هذه الأوهام في النفس فتصبح جزءاً منها بحيث لا يستطيع الإنسان أن الفكاك عنها .

اترك تعليقا