شبكة نور الاستقامة
الثلاثاء 18 / ربيع الثاني / 1438 - 06:50:43 صباحاً
شبكة نور الاستقامة

هل حقا أن الإيصاء بالعدالة...

المفتي : فضيلة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض

السؤال

هل حقا أن الإيصاء بالعدالة من باب الوصية للوارث فيمنع، أم هو إقرار بحق فيؤدى؟

الجواب

العدالة بين الأولاد في المأكل، والمشرب، والملبس، ونحو ذلك كالمداواة من الأمراض ليست بواجبة على الأب بل هي غير ممكنة مطلقا. فإن من الأبناء الكبير، والصغير، والقوي، و الضعيف، والصحيح، والمريض، والعالم، والقاضي، والفلاح، والعامل، وغير ذلك من مختلف الطبقات الطبيعية والاجتماعية فكل منهم يأكل ويشرب ويلبس ويركب ما يليق به حسب طبيعته، وطبقته، وحرفته، أي لكل ما يصلح له بقدر حاجته من مالي أبيه، وذلك هو الواجب على الأب من حقوق بنيه، وأما تمليك الأصول، أو العروض بالهبة، أو الوصية، أو نحو ذلك فإن العدالة بين الأولاد في ذلك واجبة عندنا معشر الإباضية، وعند جمهور الأمة لثبوت السنة الصحيحة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا، وعملا. فقد روي في الصحيح من كتب السنة "أن بشير بن سعد الأنصاري جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليشده على عطية أعطاها لابنه الصغير النعمان بن بشير –وله أولاد غيره- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أشهد على جور" وروي أنه قال: "فليس يصح هذا وإني لا أشهد إلا على حق" وروي أنه غضب فقام، ثم أمره برد عطيته"(1) ويدخل في هذا الباب كما نص عليه في كتب الفقه، أن يزوج الرجل أحد أولاده الذكور ويدفع الصداق من ماله، أي مال الأب أو يزوج إحدى بناته ويجهزها حسب المعتاد من ماله، فعليه العدل في ذلك بين الذين زوجهم وبين غيرهم، وهذا هو المتعارف عندنا، والمقصود بلفظ –العدالة- في اصطلاح كتاب الوصاية. حيث يقول الكاتب: أوصى فلان بالعدالة لولده فلان، أو بكذا وكذا من ماله لولده فلان عدالة. أو يقول: أوصى بالعدالة لمن يزوجه من أولاده. أو نحو ذلك من العبارات. وعلى ذلك فإن العدالة حق واجب ثابت بذمة الأب، والوصية بذلك في الحقيقة إقرار بحق ثابت متعلق بذمة الموصي وليس وصية إحسان، أو تبرع، والحق أن يعبر عنه بالإقرار حتى يرتفع الوهم والالتباس، وتعبير الكاتب للوصية في مثل هذا بكلمة (أوصي لفلان بمائة دينار ثمن سلعة اشتراها منه، ولم يدفع ثمنها) كان ذلك إقرارا بدين يجب قضاؤه من الكل لا من الثلث، ولا يسوغ مطلقا اعتباره وصية يردها الورثة إن شاؤوا إلى الثلث، أو يبطلوها، تعلقا بكلمة (أوصى). وبعد، فإن الوصية بالعدالة لأحد الأولاد ليست من الوصية للوارث الباطلة شرعا بنص حديث "لا وصية لوارث" بل هي إقرار بحق متعلق بذمة الموصي للموصى له به، وارثا كان، أو غير وارث، كما في سائر الحقوق المتعلقة بالذمة، فهي إذا دين يخرج من التركة قبل الميراث، بيد أنها تفارق سائر الديون في بعض الأحكام، منها أنها لا تدرك على الورثة إذا لم يوص بها الأب، ولو علموا بها إلا إن يشاؤوا. ومنها أنها لا تحاصص الغرماء في التركة إن ضاقت التركة عن الديون، وهذا عند بعض العلماء، وقال آخرون: إنها تحاصص الديون. ملاحظة: إتماما للفائدة أبدي لك رأيي في قضية العدالة بين الأولاد في أمر التزويج: وجدت الناس يعتبرون العدالة بمقدار ما ينفقه الأب في واجب صداق الابن، وواجب تجهيز البنت، فيوصي لمن لم يزوجه من بنيه بمقدار الصداق الذي دفعه على من زوجه منهم، وبنصفه للبنت التي لم يزوجها. وكذلك يوصي لمن لم يزوجه من بنيه بضعف ما جهز بنته التي زوجها، وبمقدار جهازها لبنته التي لم يزوجها. و لا يزالوا يعملون بذلك، إذ يعتبرون العدالة إنما في مقدار المال الذي دفعه في صداق الابن، أو جهاز البنت، قل ذلك أو كثر وفى بضرورة صداق الابن، وجهاز البنت الموصى لهما أم لم يف. لكنني لما ابتليت بما ابتليت به من أمور العامة، وخاصة مسائل الوصايا و الفتاوى، وحل مشاكل الخصومات، والمنازعات، وإصلاح ذات البين، ولمست ما لمست بالممارسة من تبدل الأسعار، وسقوط قيمة العملات، وارتفاع مستوى المعيشة بصورة فاحشة، ولا سيما أثناء وبعد الأحداث الكبرى العالمية التي تهز العالم هزا، عنيفا، يقلب أوضاعه، ويغير قيمه مثل الحربين، العالميتين الأولى، والثانية، وعرضت علي وصايا كثيرة فيها عدالات للأبناء الذكور لا تتجاوز بعض مئات من الفرنكات. منها وصية والدي –رحمه الله- لمن لم يتزوج من بنيه بثمانمائة فرنك، ولمن لم يتزوج من بناته بأربعمائة فرنك، وقد توفي سنة 1921، وتزوج ابنة أخي بيوض بكير سنة 1928، وقد أوصى له بثمانمائة فرنك عدالة، وأنفقنا في تزوجيه عشرات الآلاف، وقس على ذلك. . . لما رأيت كل ذلك أيقنت أن العدالة هي في أن يزوج الأب ابنه الثاني، أو بنته، كما زوج ابنه الأول، أعني أن عليه أن يأتي بزوجه لابنه الثاني بما كان من صداق مهما، قل أو كثر، ويزوج بنته كما زوج ابنه الأول، أو بنته الأولى مهما بلغت قيمة جهازها الضروري، ولا ينظر مطلقا إلى ما أنفقه في نكاح الأول ابنا كان، أو بنتا، ومعنى ذلك باختصار أن يقول الابن لأبيه: زوجني –ائتني بامرأة- كما زوجت أخي وأتيته بامرأة، وتقول البنت: زوجني –ائتني برجل- كما زوجت أخي أو كما زوجت أختي، بهذا فقط يتحقق العدل. فإن الشيء المعطى للابن، أو البنت، والذي أشبه بالتمليك الذي تجب فيه العدالة، إنما هو الزوجة للابن، والزوج للبنت، لا مبلغ الصداق، ولا قيمة الجهاز، ولعل اضطراب الأسعار، وتغير قيمة العملات ارتفاعا، وانخفاضا، في آماد قصيرة هو اليوم أشد من أي وقت مضى مما عرفناه في التأريخ. وعلى ذلك فإني أنا أكتب، وأوصي كتاب الوصايا أن يكتبوا الوصية بالعدالة بمثل هذا النص: (و أوصي أن يزوج من لم يزوجه في حياته من تركته من أولاده ذكورا كانوا، أو إناثا) أو يذكرهم بأسمائهم إن لم يخف أن يحدث له غيره –فيزوجون من تركته عند بلوغهم سن الزواج حسب المتعارف يومئذ، وللورثة عند قسمة التركة قبل بلوغ سن الزواج أن يتفقوا مع هؤلاء الأولاد غير المتزوجين، أو مع وكلائهم على تخصيص مبلغ لهم من التركة يكفيهم –حسب تقديرهم- لصداقهم، وجهازهم، ولهم أن يعتبروا في الكفاية ما يثمره هذا المقدار المخصص لهم إذا كان يمكن استثماره بأي وجه من الوجوه المشروعة قبل بلوغ أمد النكاح. ويؤيد ما ذهبت إليه في رأيي، أننا لم نسمع أن أحدا من العلماء أوجب العدالة في فضل ما بين الصداقين، أو الجهازين بين زوجهم من أولاده في حياته، مثل أن يزوج أول أولاده بصداق ألف دينار، ثم يزوج الثاني بصداق خمسمائة دينار، أو العكس بأن يصدق عن الأول خمسمائة دينار، وعن الثاني ألفا، فليس لمن قل صداقه منهما أن يطالب أباه بمثل ما زاده في صداق أخيه. وليس على الأب أن يستشعر بأن لولده ناقص الصداق حقا متخلفا بذمته بمقدار الفضل بين الصداقين حتى يمنحه إياه، أو يوصي له به، ما سمعنا بدعوى وجوب العدل في ذلك قط، على كثرة ما بلوناه، ورأيناه من أمثال هذه الحالات الكثيرة المتعددة طوال ما يقرب من ثلثي قرن من الزمن، فتحقق لدينا ما قلناه من أن العدل إنما يجب في أصل التزويج، لا في مقادير الصدقات، ولا في قيم الأجهزة الضرورية للبنات. وأنت خبير بأنه لا اعتبار مطلقا لما ينفقه الآباء في الولائم، والحفلات التي يقيمونها لمناسبة زواج أبنائهم، فلا تدخل في باب العدالة بأي وجه من الوجوه، فافهم ولا تهم، فقد بلغت –فيما أظن- المراد من إيضاح هذه المسألة لتكون نبراسا لك تسير على ضوئه فيما ابتليت به من فتوى، وتوجيه، وإرشاد. =============== 1: رواه مسلم في كتاب الهبات بطرق عدة يؤخذ لفظ الحديث و معناه من مجموعها. كما رواه النسائي و أحمد.

اترك تعليقا