شبكة نور الاستقامة
السبت 28 / جمادى الأولى / 1438 - 11:26:12 صباحاً
شبكة نور الاستقامة

العمانيون ونشر الإسلام والثقافة العربية في شرق أفريقيا

العمانيون

العمانيون ونشر الإسلام والثقافة العربية في شرق أفريقيا

الأستاذ: زياد بن طالب الـمعولي

مدير معهد العلوم الشرعية (سلطنة عُمان)

ترجع بداية الاتصال العُماني بالساحل الأفريقي إلى حقبة مبكرة في التاريخ أرجعها البعض إلى مرحلة تسبق ظهور الإسلام، إلاَّ أن الحدث البارز والأكيد لشرق أفريقيا هو هجرة الأميرَين العُمانيَّين من أبناء الجلندى.

وقد حدثت هذه الهجرة نتيجة للصراع الدائر بين عُمان الطامحة للاستقلال الذاتي من جهة والدولة الأموية في دمشق الراغبة بإخضاع جميع الأقاليم المحيطة سلطة الدولة من جهة أخرى. وقد حدا ذلك بالحجاج بن يوسف الثقفي عامل بني أمية، إلى توجيه جيش لقمع ثورة سعيد وسليمان ابني عباد بن عبد الجلندانيين في الفترة الأخيرة من القرن الأول للهجرة، ونتيجة لعدم تكافؤ الجيش الثائر مع حملة الحجاج، خرج هذان الأميران فرارا من بطش جيش الحجاج متوجهين إلى إفريقيا، وكانت تلك الهجرة عام 82هـ إذ توجها إلى أرخبيل «لامو» الكائن حاليا في كينيا على الساحل الأفريقي(1).

oman-zenzibar1.jpg

ويعزو البعض سبب توجه الأميرين للساحل الأفريقي ـــــ دون غيره من السواحل ــــ إلى سبب يؤكد معرفة العُمانيين بالطريق البحري الجنوبي، وكذلك وجود علاقات تجارية ــــ بحرية ضاربة في القدم يرجعها بعض المؤرخين إلى القرن الأول للميلاد(2).

إن ارتحال هذين الأميرَين إلى ساحل أفريقيا وما تبعه من هجرة لأنصارهما، ساعد على توالي الهجرات إلى الساحل الأفريقي، وكان ذلك بداية الطريق لتعرف الأفارقة على الدين الجديد الذي حمله هؤلاء الوافدون.

وقد أكد أحد الباحثين على أن التجار العُمانيين ومنذ القرن العاشر للميلاد، هم أول من نشر الإسلام داخل القارة الأفريقية، وأن التاجر العُماني حمل إسلامه مع سلعته، فكان تاجرا وداعية في نفس الوقت(3).

وقد ساعدت الهجرات العُمانية إلى أفريقيا على ازدهار المدن الساحلية وأصبحت هناك مدن متناثرة على طول الساحل الأفريقي كمقديشو، وممباسا، ومالندي، وبمبا، وزنجبار، وكلوة، كل هذه المدن تجمع بين السكان الأفارقة إضافة إلى العرب الوافدين القادمين بديانتهم ودعاتهم، سواء من الساحل العُماني أم غير ذلك من سواحل البلدان المجاورة كما هو عليه الحال لسكان اليمن وحضرموت.

وقد أشار المؤرخ المسعودي إلى دور العُمانيين في القرن الرابع الهجري حيث بين اتصالهم بلاد الحبشة وبحر الزنج وصولا إلى جزيرة قنبلو (مدغشقر حاليا). وقال: إنَّ «هؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عُمان عرب من الأزد»(4).

كما يشير ابن بطوطة الرحالة المشهور إلى رحلة بحرية حملته من جزيرة كلوة إلى ظفار، وذلك حوالي عام 731هـ(5).

ونعود للمؤرخ المسعودي الذي ركب هذا الخطَّ البحري بنفسه من جزيرة مدغشقر إلى عُمان عام 304هـ(6) حيث تحدث عن وجود ربابنة عُمانيين.

كما وصف المسعودي «سفالة» (موزنبيق) فقال: هي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العُمانيين(7).

ويبدو أن تجارةً نشطت بين الساحل الأفريقيِّ وعُمان، وأن عُمان كانت معبرًا لتصدير عاج الفِيَلَة إلى الهند والصين(8).

إن اتصال العُمانيين المبكر مع الساحل الأفريقي قد ساعد على وجود هجرة منتظمة للقبائل العُمانية، وقد اتخذ بعضها خيار الهجرة إما لدوافع سياسية أو لدوافع تجارية، وهو الأمر الذي ساعد على وجود مجتمعات عربية على طول الساحل الأفريقي.

ويتحدث المؤرخون عن استيطان قبيلة الحرث في مقديشو بين عامي 291 و301هـ حيث أسست هذه القبيلة دولة خاصة بها استمرت في حكمها حتى قدوم البرتغاليين(9). ونظرا لطول مدة حكم هذه الأسرة فقد بذلت جهدها في تعريب الكثير من القبائل الصومالية، وخاصة الساحلية التي دخلت الإسلام على أيديهم(10) وعليه فتكون هذه الهجرة تالية لهجرة الأسرة من آل الجلندى إلى «لامو» بـ«كينيا».

وقد أشارت كتب التاريخ إلى هجرة لقبيلة عُمانية أخرى هي قبيلة النباهنة في أوائل القرن السابع الهجري إذ أقامت تلك القبيلة سلطنة إسلامية لها في «بات» ظلت موجودة حتى عام 1861م(11).

ويبدو أن قبيلة النباهنة في «بات» في أرخبيل «لامو» (كينيا حاليا) قد جاءت متزامنة مع حكم هذه الأسرة لعُمان خلال الفترة من عام 500هـ وحتى قيام الدولة اليعاربة أي عام 1024هـ.

ويشير بعض المؤرخين إلى أن قدوم الأمير سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني إلى «بات»، هو بداية هذه الدولة النبهانية عام 599هـ حيث تزوج هذا الأمير بأميرة سواحلية هي ابنة إسحاق حاكم وقتذاك، وعلى أثر هذا الزواج نقل الأمير النبهاني بلاطه من عُمان إلى الساحل الأفريقي الشرقي(12).

إن هذا النزوح والاندماج العربي قد تكرر في أكثر من مدينة على طول الساحل الأفريقي كما هو الحال عليه في ممباسا حيث استوطنتها عائلات من قبيلة المناذرة العُمانية وكذلك قبيلة المزاريع حيث تسلسلت الريادة والحاكمية في بعض هذه الأسر إلى عدد من السلاطين والزعماء، فقد وصل عدد الحاكمين من أسرة بني نبهان إلى اثنين وثلاثين سلطانا حتى عام 911هـ أي مع وقت قدوم البرتغاليين(13).

وقد نقل العرب العُمانيون عقيدتهم الإسلامية إلى السواحل الأفريقية كما نقلوا معهم عاداتهم ولغتهم العربية محدثة اندماجا فريدا مع لغة السكان الأصليين، فنتج عنها لغة جديدة عرفت بالسواحلية تتغلغل فيها المفردات العربية إلى ما يقارب 45% ولكن هذه العربية هي بطابع عُماني ملحوظ حتى وقتنا هذا، يلمسه الزائر ويحسُّ به بمجرد التعرُّف على سكان تلك الشعوب من المواطن الساحلية من مقديشو وحتى جزر القمر.

إن الحدث البارز في العلاقات العُمانية الأفريقية قد تُوِّج بأمرين بارزين يجدر الإشارة إليهما، ونهرج على ذكرهما كالآتي:

أولا: مساندة العُمانييـن لإخوانــهم الأفارقة في إنهاء الوجود البرتغالي:

وذلك أنَّ الساحل الأفريقي قد تعرض لاحتلال برتغالي تام كما جرى لعُمان والسواحل العربية والإسلامية الأخرى حيث قاوم العُمانيون هذا العدوان على أراضيهم مدة قاربت المائة والخمسين عاما.

وقد تمكن العُمانيون في ظل الدولة اليعربية من دحر الدخلاء البرتغاليين، ومطاردة فلولهم، وكذلك تصفية وجودهم حتى من الساحل الأفريقي. وتُعَدُّ الفترة من عام 1498م وحتى عام 1730م فترة الصراع بين البرتغاليين من جانب، وأئمة عُمان من جانب آخر، وذلك منذ لحظة وصول «فاسكو دي جاما» إلى «مُمْبَاسَا» عام 1498م(14).

وعندما حلَّ الاستعمار البرتغالي في شرق أفريقيا استنجد الأفارقة بإخوانهم العُمانيين للقضاء على هذا الاستعمار، وجاء دور اليعاربة الذين قاوموا الاستعمار البرتغالي واستخلصوا منهم القلعة التي كانوا يسمونها قلعة "يسوع" وتتبعوا خروجهم من السواحل الأفريقية (15).

وقد كلف تحرير ممباسا العُمانيين جهدا كبيرا حتى يمكن القول: إنه من الإنجازات البارزة التي تسجل لتاريخ الدولة اليعربية(16).

لقد استطاع العُمانيون الاستيلاء على قلعة يسوع بعد حصار دام ثلاثة وثلاثين شهرا أي من 13مارس 1696 وحتى 14ديسمبر 1698م، وبسقوط ذلك الحصن المنيع وضعت دولة اليعاربة النهاية لتفوق البرتغاليين في شرق أفريقيا(17).

وقد جاءت استجابة الحاكم العُماني الإمام سلطان يوسف بن سيف اليعربي لنداء الاستغاثة الموجه له من سكان ممباسا فأرسل قوة بحرية مكونة من سبع سفن حربية، وعشرة زوارق وحوالي ثلاثة آلاف جندي لإنقاذ المدينة من طغيان البرتغاليين(18)، وقد جاءت أبيات الشاعر بشير بن عامر الفزاري معبرة عن هذا الفتح بقوله:

هَذَا هُوَ الفَتْحُ العَظِيمُ الأَزْهَرُ .:.:. هَذَا هُوَ النَّصْرُ المبِينُ الأَكْبَرُ

فَالحَمْدُ للهِ الذِي نَصَرَ الوَرَى .:.:. بِإِمَامِ صِدْقٍ فَضْـلُهُ لاَ يُــــنْكَـــرُ

عَدْلٌ أَبِيٌّ يَعْرُبِيٌّ خَاشِعٌ لِلـ .:.:. ــــهِ لا يـَزْهُـــو وَلاَ يَتَــكَـــبَّــــــرُ

بَعَثَ الجُيُوشَ إِلَى النَّصَارَى غَازِيًا .:.:. دُوَلاً لَهُمْ بِالكُفْرِ كَانَتْ تَعْمُرُ(19)

لقد كان الحكم البرتغالي للساحل الأفريقي فترة مظلمة من الاستعباد والتسلط وقد كانت سياسة فتح البلاد لديهم التدمير بلا رحمة، اعتمادًا على مدافعهم البالغة الأهمية، ولقد صور ملك «مُمباسا» الذي شهد تدمير مدينته على يد البرتغاليين صورة معاناة شعبه في رسالة موجهة إلى جاره ملك ماليندي قائلا إن الغازي «لم يكتف بقتل الرجال وحرقهم، بل أسقط الطيور في السماء»(20).

وعليه فإن الفتح العُماني للساحل الأفريقي يعد بحق بمثابة الرحمة التي أنقذت الساكنين من نير الطغيان الذي عصف بهم فترة من الزمن.

ثانيا: نشوء السلطنة العُمانية في زنجبار على الساحل الأفريقي:

إنَّ الحدث الذي ذكرناه آنفا قد مهد الطريق لنشوء الدولة العُمانية، فبعد أن تم تطهير الساحل العُماني من الوجود البرتغالي زادت الهجرة العُمانية من جديد إلى الساحل الأفريقي، واتسع مدى الاتصال البحري تجاريا واجتماعيا بين الجانبين حتى اقتضت الحاجة نشوء دولة عُمانية على الساحل الأفريقي كانت مركزا للإشعاع الحضاري والإسلامي والعربي واستمر لعصور طويلة.

ويعد حكم السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي 1804_1856م تحولا بارزا في سماء العلاقات العُمانية الأفريقية، فقد حول عاصمة ملكه من مسقط إلى زنجبار، وبدءا من عام 1832م أصبحت زنجبار عاصمة الإمبراطورية العُمانية، وقد أدى ذلك إلى انتقال طائفة من العُمانيين إلى شرق أفريقيا(21).

كما امتدت سلطة السيد سعيد إلى جميع الجزر الأفريقية الشرقية وكان نفوذه يمتد شمالا وجنوبا حتى قبل: إنه إذا ضرب السيد سعيد طبله في زنجبار، رقصت عليه كل غابات أفريقيا(22).

هذا النفوذ في الشرق الأفريقي أدى بدوره إلى قيام دولة إسلامية عربية لها تاريخها وتراثها فطبعت الساحل الأفريقي بطابعها الإسلامي- العربي المتميز وهو ما سهل انتشار الإسلام كدين جديد بين السكان المحليين، سواء في الجزر أم على امتداد المدن الساحلية.

وقد أدى استقرار الحاكم السيد سعيد بن سلطان في زنجبار إلى قيام نهضة زراعية وتجارية، فقد جلب شجر القرنفل من جزيرة موريشوس واعتنى بزراعته الأمر الذي زاد من ثروة البلاد وانتعاش اقتصادها، وأصبحت زنجبار من أغنى البقاع بسبب زراعة القرنفل وتجارته(23).

وكدولة ذات كيان ومكانة بارزة، فقد ارتبطت بمعاهدات واتفاقات مع الدول الكبرى ذات النفوذ آنذاك، كما هو الحال مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا(24).

كما أوفد السيد سعيد سفيره أحمد بن نعُمان الكعبي إلى أمريكا سنة 1840م ليصل إلى نيويورك على السفينة سلطانة(25).

ويذكر صاحب كتاب "جهينة الأخبار" كيف أرست هذه الدولة أسس التعايش السلمي بين المذاهب الإسلامية القائمة في زنجبار آنذاك، فقد صدرت أوامر من السيد سعيد بعد التعرض للمذاهب الدينية وأن كل مذهب يتبع حكم مذهبه(26).

وقد بلغ الأمر ذروته في ظهور الإسلام وعلو شأنه، حتى إنَّ زنجبار وشقيقتها الجزيرة الخضراء (بمبا) ضمتا 357مسجدا، وكانت الدروس تلقى في أروقة المساجد على يد نخبة من الرجال الأفذاذ الذين بلغوا أعلى المستويات الدينية(27).

وقد أصبحت عاصمة الدولة العُمانية على الساحل الأفريقي مركز إشعاع للدين الإسلامي في كل ما جاورها على البر الأفريقي إذ أشرق نور الإسلام لأول مرة في المناطق الداخلية من البر الأفريقي، واستشرف آفاقا جديدة في ربوع أوغندا وأعالي نهر الكونغو وفي رواندا وبورندي وذلك فضلا عن تنجانيقا (تنزانيا حاليا) ومنطقة نياسا (مالاوي) وزامبيا وموزنبيق(28).

العُمانيـون ونشر الإسـلام والثقافـة العربية:

ليس خافيا على أحد الأثر الذي أحدثه العُمانيون بنشر الإسلام على الساحل الأفريقي وكيف كان ذلك بفعل الاستيطان السكاني واندماج العُمانيين مع السكان الأصليين فكان أن نقلوا ثقافتهم ولغتهم، إضافة إلى عقيدتهم الإسلامية إلى غيرهم من الأفارقة.

ولم يكن أمر نشر الإسلام ليمر دون تضحيات ومصاعب تصدى لها هؤلاء الوافدون، لكن الإصرار والعزيمة كانا من عوامل النجاح فأمكن للإسلام أن يرفع رايته، ويعلو صوت آذانه، وتخشع لقرآنه قلوب المؤمنين في جزر الساحل والأراضي المتاخمة لها.

إن العرب العُمانيين هم أوَّل من اكتشف أفريقيا وجاس خلالها إلى حوض نهر الكونغو، وهم الذين أخبروا عن البحيرات والجبال المعممة رؤوسها بالثلوج على الرغم من مشاق الأسفار، وعلى الرغم من وحشية الأهالي الذين يأكل بعضهم بعضا. وقد توغلوا في الغابات المظلمة وسط الضباع الضارية مخاطرين بأرواحهم وأموالهم. كما ثبت أن الأوروبيين اعتمدوا على عرب شرق أفريقيا في ارتياد مجاهل القارة الأفريقية ومداخلها(29).

حقا لقد كانت التضحيات المبذولة عظيمة، ولكن الإنجاز كان أعظم إذ تسنى لنور الإسلام أن يضيء سناه هذا الجزء الهام من القارة الأفريقية.

وقد شهد لنتائج تحول الساحل الأفريقي إلى الإسلام ابن بطوطة عندما زار هذا الساحل عام 731هـ، فقرر أن كل الناس الذين رآهم في المدن التي زارها كانوا مسلمين(30).

كما أثار ذلك دهشة «فاسكو دي جاما» عندما وفد على هذا الساحل الأفريقي عام 904هـ فوجد أهلها قد تطبعوا بطابع العرب من العُمانيين في عاداتهم ولباسهم، ووجد في إحدى المدن شيخا بالثياب الحريرية متقلدا السيف والخنجر، وفي معيته أقوام في أفخر الثياب(31).

ولعلنا نتعرض إلى دورهم في نشر الإسلام من ناحيتين:

الناحية الأولى من دور الدعـاة العُمانـيين في نشر الإسلام:

لربما يحاول البعض تشويه صورة العرب والمسلمين في دخولهم لأفريقيا، وحصر هذه الصورة في قضايا الرق والاستعباد واستغلال الأرض، دون الإشارة إلى هدف حقيقي هام يعول عليه، ولا غرابة في أن يصدر هذا القول من أعداء الإسلام الذين هالهم ما وصل إليه الدين الإسلامي في شرق القارة من تمكن ونفوذ.

إن العُمانيين الداخلين إلى لبلاد الأفريقية وإن كان منهم الذي تدفعه روح المغامرة للكسب والغنى، إلا أن انتماءهم العقدي لدينهم الإسلامي هو الذي تحكم في حركتهم وتجولاتهم، وندلل على ذلك بالقصة التي يوردها الكاتب جراي عن الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري التاجر العُماني الذي وصل من زنجبار إلى بلاط الملك (سنا) بمملكة يوغندا عام 1260هـ/1843م، حيث أبدى هذا الشيخ شجاعة فائقة في بلاط الملك كانت سببا في إسلام أهل يوغندا(32).

فقد جرت العادة وفق الطقوس التي يعتنقها أهل يوغندا آنذاك وعلى رأسهم «الكباكا» (الملك)، تقديم عدد من الرعايا الأبرياء كقرابين للآلهة؛ وذلك بذبحهم وسفك دمائهم، فما كان الشيخ أحمد ــــ وقد وفد على «الكباكا» في يوم مشهود لتقديم هؤلاء القرابين ــــ إلا أن وقف متحديا «الكباكا»، وذلك وسط دهشة المشاهدين مخاطبا ومعاتبا له قائلا: «مولاي إنَّ هؤلاء الرعايا الذين تسفك دماءهم كل يوم بغير حق إنما هم مخلوقات الله ــــ سبحانه وتعالى ــــ الذي خلقك وأنعم عليك بهذه المملكة». وقد كرَّر الشيخ ذكر قدرة الله خالق الكون، وأنه الواحد الأحد... ورويدا رويدا انفتح عقلُ «الكباكا» وقلبه لكلام الشيخ إذ أقنعه بالدين الجديد الذي جاء يحمل مبادئه.

وقد أسفرت صحبة الشيخ للكباكا عن تعلم الأخير لأربعة أشياء من القرآن الكريم، وكذلك مبادئ الدين الإسلامي قبل وفاة الكباكا عام 1237هـ/ 1856م، وبهذه الخطوة انفتح الباب على مصراعيه للإسلام فانتشر في أوغندا والمناطق المجاورة لها(33).

هذه القصة التي جرت مع حاكم يوغندا لم تكن الوحيدة التي سطرها التاريخ، بل هنالك حوادث أخرى تدل على دور الدعاة العُمانيين في نشر الإسلام. وقد أخبرني غير واحد من العُمانيين القادمين من شرق أفريقيا ـــــ الذين نشأ عدد من العاملين الأفارقة الوثنيين في مزارع آبائهم ـــــ عن دور العُمانيين في نشر الإسلام بين هؤلاء المزارعين من خلال تعليمهم مبادئ الدين الإسلامي وكذلك تسميتهم وتنشئتهم وتزويجهم على أسس الإسلام وتعاليمه.

كما عمل الدعاة العُمانيون على مقاومة نشاط الجمعيات الكنسية،وعارضوا حركة الإرساليات. ومن الأسماء التي ترددت في وثائق الكنيسة أسماء عُمانيين قاوموا هذا النشاط كمثل الشيخ سليمان بن زاهر الجابري، وهو من سكان يوغندا المقربين للسلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار، كما جرى ذكر عدد آخر من التجار العُمانيين الذين تصدوا لحركة الكنيسة في تنصير الساكنين الأفارقة(34).

الناحية الثانية من دور العلماء العُمانيين في نشر الإسلام:

وقد تميَّز هذا الدور بنواح عدة جمعت بين القيام بواجبات الإفتاء والقضاء، والنواحي الرسمية بما يمليه واجب الدولة ومسؤولياتها، وكذلك التدريس والتأليف ونشر العلم حيث دل عليه وجود الكتب والمؤلفات ونشاط المدارس العلمية والفقهية.

وتعد زنجبار بعد قيام الدولة البوسعيدية قصبة العلم التي هوت إليها أفئدة العلماء، فهاجروا إليها من عُمان واستقروا فيها، فكانوا أن أسهموا في نهضتها العلمية والفكرية، الأمر الذي عد فخرا لسكانها وقاطنيها.

وقد تنوعت الأسباب والدوافع التي حدت ببعض العلماء للهجرة نحو الساحل الأفريقي، كما عاود البعض منهم حنينا إلى بلدهم الأصلي فترددوا بينها وبين موطنهم الجديد كقول العالم الشاعر أبي مسلم البهلاني متشوقا لموطنه عُمان:

تِلكَ المعَاهِدُ مَا عَهْدِي بِهَا انْتَقَلَتْ .:.:. وَهُنَّ وَسْطَ ضَمِيرِي الآنَ سُكَّانُ

نَزَحْتُ عَنْهُمْ بِحُكْــــمٍ لاَ أُغَــالِبُهُ .:.:. لاَ يَغْلِبُ القَدَرَ المحْتُومَ إِنْسَانُ(35)

ويبدو أن ترحيب سلاطين زنجبار بهؤلاء العلماء، ومدهم بالعون والمؤازرة والاعتماد عليهم في ترسيخ قدم الدولة وبسط نفوذها شجع على الهجرة والاستيطان على الساحل الأفريقي، نذكر من بينهم العلامة المشهور الشيخ ناصر بن أبي نبهان الذي انتقل بصحبة السلطان سعيد بن سلطان إلى شرق أفريقيا، ومع تردده على عُمان، إلا أنه استقر بعُمان وتوفي فيها عام 1263هـ ولا يزال قبره معروفا هناك(36).

وللشيخ ناصر المذكور مؤلفات مشهورة كمؤلفه «الحقُّ اليقين» في العقيدة، وكذلك كتابه المسمى «لطائِفُ الـمِنَن في أحكَامِ السُّنَن» وقد بوب فيه الشيخ «الجامع الصغير» للإمام جلال الدين السيوطي.

وللشيخ أيضا كتاب في الطب سمَّاه: «السرُّ الجلي في ذكر أسباب النبات السواحلي» حيث شرح فيه فوائد النبات والأشجار الموجودة بالساحل الأفريقي، وقارن أسماءها مع ما هو معروف منها في البلاد العربية.

ونجد كذلك من بين علماء زنجبار الشيخ محمد بن علي المنذري، وكان رئيسا للقضاء في عهد السلطانين سعيد بن سلطان وولده ماجد بن سعيد، ولهذا الشيخ مؤلف في العقيدة هو «الخلاصة الدامغة» وقد توفي عام 1314هـ/ 1869م. وقد تولى ابنه الشيخ علي بن محمد المنذري منصب قاضي زنجبار في عهد السيد خليفة بن حارب، وله كتاب في التربية تحت مسمى "اختصار الأديان"(37)، وله كتب أخرى كمثل "نور التوحيد" وكذلك كتاب "الرد على النصراني الكندي" الذي رد فيه على أحد النصارى في عهد الخليفة المأمون.

ومن بين العلماء الذين تقلدوا قضاء «مُمباسة» الشيخ علي بن عبد الله المزروعي الذي برز في عهد السلطان ماجد بن سعيد (1856-1870م) وكذلك ابنه الشيخ الأمين بن علي المزروعي، وللمزروعي الأب مؤلفات منها:مخطوطة "الدروع السابغة" و«السبل الواضحة في شرح دلائل الخيرات».

أما المزروعي الابن فهو قاضي قضاة كينيا وقد اهتم بالصحافة والنشر، وله دورية أسماها "الصحيفة" ظهرت عام 1930م، وكذلك جريدة الإصلاح الصادرة في شوال 1350هـ/1932م باللغتين العربية والسواحلية.

ومن العلماء البارزين في ساحة العم على الساحل الأفريقي، العالم الشاعر أبو مسلم بن ناصر سالم بن عديم البهلاني الذي له عدة مؤلفات مشهورة مثل «نثار الجوهر» وهو كتاب في الفقه، وكتاب «النور المحمدي» و«الكنوز الصمدية في المفاخر المحمدية»، وكتب أخرى في العقيدة، وله ديوان شعر مطبوع في وزارة التراث لسلطنة عُمان تظهر فيه براعته في الصياغة الشعرية فهو يمتاز بنفس شعري عميق، وحس مرهف، وبلاغة قلما يشهد لها مثيل. ويجمع الشيخ بين مواهب متنوعة في القضاء والشعر والصحافة والنثر. ففي مجال الصحافة نجد المجلة التي أنشأها بعنوان «النجاح»، وقد تولى تحريرها، فقد كان متابعا لما عليه حال المسلمين في أنحاء العالم، يدل على ذلك قصيدته التي نشرها وأرسلها للمؤتمر الإسلامي برئاسة رياض باشا في مصر، حيث أثيرت قضية مصر الفرعونية وقتذاك.

ومما يدلنا على فكر العلامة أبي مسلم في استيعابه لمقتضيات العصر تلك الرسالة التي وجهها إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي (حكم 1331 ــــ 1338هـ) في عُمان بتاريخ 14 ربيع الثاني 1333هـ التي حملت أفكارا تفصح عن بعد النظرة لما هو الحال الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة.

وقد أشار الشيخ على الإمام بإنشاء مطبعة لبيت مال المسلمين وضرورة فتح المدارس بل والأخذ بمبدأ التعليم أو التعليم الإجباري حيث جاء فيها: «وأحثك سيدي على فتح المدارس العلمية في بلادك، وحث أهل الخير على التبرعات في سبيل هذا المشروع العظيم، فإنَّ مصرك عُمان لم يسقط هذه السقطة العظيمة إلا من جهة الجهل، والجهلُ أمُّ المصائب في الدين الدنيا، وبِوُدِّي لو ساعدني العلماء هناك على الرأي الذي أراه، وهو جواز جبر الأولاد على التعلُّم، وهي لعمري مصلحة عظيمة في الأمَّة، ثم تجعل نفقة الفقراء منهم على بيت المال، ونفقة الأغنياء منهم على آبائهم، وهي طريقة سياسية دينية تدل لها أصول من الكتاب والسنة»(38).

ونستخلص من هذه الأفكار التي قدمها أبو مسلم بُعد النظرة وعميق الفكر لديه، وكيف أن مكوثه في زنجبار في الساحل الأفريقي قد أتاح لهذا العالم تكوين نظرة عصرية تسبق في توقيتها الزمني الواقع الذي يعيشه الوطن الأم عُمان آنذاك.

وكذلك نجد أن لديه أفكارا تربوية بنيت على استنباط فقهي قد تحلُّ أزمة التعليم القائمة في دول كثيرة من بلداننا إذ نجد أن أبناء الأغنياء يحصلون عل نفس ميزات أبناء الفقراء في التعليم، والمفاضلة تكون فقط على أسس النتائج الدراسية في القبول في الجامعات والمدارس، ولا اعتبار مطلقا لدخل الأسرة، وقدرة الآباء على نفقات التعليم وما إلى ذلك.

وفي هذه الرسالة يدعو أبو مسلم الإمامَ سالم أيضا إلى وجوب المصالحة مع الدول المحيطة والمهادنة معها لما فيها من صالح للمسلمين وصالح للرعية، أي إقامة علاقات جوار ودية، وهو أمر ينمُّ عن بعد النظرة والوعي السياسي حيث تنبه لما فيه صلاح الأمة وقوتها.

لقد عززت حركة النشر والتأليف من ارتباط عرب الساحل بغيرهم من إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي من جهة، وأكدت على ربط هذه الأواصر بحال إخوانهم من الأفارقة الذين نقلوا إليهم إسلامهم وثقافتهم، ولم يكن التأليف قاصرا على اللغة العربية، بل تعداها إلى اللغة السواحلية التي مزجت مفرداتها بكلمات ومعان من اللغة العربية، ومن ذلك نجد العناية بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة السواحلية التي بدأت بترجمة سورتي الفاتحة والبقرة بواسطة الشيخ الأمين بن علي المزروعي. ثم جاءت ترجمة كاملة للقرآن بواسطة الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي الذي تبوأ منصب قاضي القضاة بكينيا. وللشيخ عبد الله مؤلفات عدة باللغة السواحلية كمثل: شعائر الصلاة، والصوم، وأحكام الزواج، وتاريخ السيرة النبوية، وتاريخ السيد سعيد بن سلطان وكذلك أحكام المواريث.

ومن العلماء العُمانيين في عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان العالم الشيخ يوسف بن ناصر الخروصي الذي هاجر إلى أفريقيا عام 1300هـ، وكان قاضيا ومُفتِيًا لزنجبار ومن مؤلفاته «الجامع لأركان الإسلام».

ومن بين العلماء صاحب المقامات العُمانية والصحارية الشيخ محمد بن علي بن خميس البرواني الذي برع في أدب المقامة. وفيهم كذلك العلامة سالم بن سعيد الشعبي وهو شافعي المذهب وله كتاب في علم الفرائض "أسمى المقالب المبهمات".

وقد عُنِي بعض العلماء العُمانيين عناية خاصة بالتاريخ، كمثل الشيخ سعيد بن علي المغيري صاحب كتاب «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» الذي ولد في عُمان ثم ارتحل إلى زنجبار عام 1300هـ وقد عينته الحكومة عضوا في المجلس التشريعي بزنجبار عام 1351هـ(39).

إن من ذكرناه من علماء الساحل الأفريقي ومثقفيه هو غيض من فيض يطول ذكرهم علماء الساحل الأفريقي ومثقفيه هو غيض من فيض يطول ذكرهم وذكر مآثرهم التي تنوعت بين مؤلفات وصحف،وشعر ونثر. ولقد عنيت بطبع البعض منها وزارة التراث القومي بسلطنة عُمان، وبقي جزء آخر مخزونا في مخطوطاته ينتظر جهود الباحثين والمثقفين، والكتاب والمحققين حتى يعنوا بإبرازه وكشف كنوزه وهو ما يدلنا على عمق الأثر العلمي الذي أحدثه نقل الإسلام والحضارة العربية الإسلامية إلى الساحل الأفريقي. هذا الأثر الذي أينع ثمره وزكى بعد سنين دأبت من الاتصال الحضاري والتبادل الثقافي والتمازج المكاني والسكاني بين العرب العُمانيين وإخوانهم من الأفارقة على مر التاريخ.

لقد أحدث ولوج العُمانيين للساحل الأفريقي نهضة علمية وثقافية واسعة المجال كما أن اهتمام السلاطين العُمانيين بنشر العلم، وتشجيع العلماء زاد في هذا الجانب حيث رسخ جذور اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وطبع اللغة المحلية (السواحلية) بطابع العربية تحدثا وكتابة.

ولعل من أبرز ما يجدر ذكره في هذا الجانب، إنشاء المطبعة السلطانية التي دفعت إلى قيام الصحافة العُمانية إبان حكم السيد برغش بن سعيد بن سلطان خلال الفترة من (1287ـــ1306هـ) (1870ــــ 1888م). ويذكر الشيخ سعيد المغيري صاحب كتاب «جهينة الأخبار» أن السيد برغش أنشأ مطبعة لطبع الكتب الدينية والأدبية قد طبعت عددا من كتب الفقه الإباضي كقاموس الشريعة، وهميان الزاد، ومختصر البسيوي(40).

وبوجود هذه المطبعة برزت حركة تأليف وطباعة، كما ازدهرت صناعة الصحافة إذ برزت صحف عدة كالنجاح، والفلق، وجريدة زنجبار، وغيرها.

ولعلنا نقف لنمر سريعا على دور الصحافة العربية التي أسسها العُمانيون في أرض المهجر لندرك أن هذه الصحافة قد حملت على عاتقها دورا إصلاحيا لواقع البلاد الأفريقية هذا مع وجودها كمنبر ثقافي لنشر الثقافة العربية الإسلامية في تلك البقاع.

وقد جاءت في شعار جريدة الفلق مثلا أنها "جريدة أدبية سياسية، أخلاقية، زراعية" هذه الموضوعات تعكس هموم الشارع الأفريقي آنذاك إضافة إلى الفكر الذي حاول القائمون للصحيفة أن يروجوا له"(41).

كما أن رواد هذه الصحف العُمانية وكاتبيها لم يغيبوا عن النشاط الصحفي في أجزاء من العالم العربي نستدل على ذلك من نشر مجلة الهلال المصرية في عددها الصادر في 29 جمادى الأولى 1324 هـ لمقال أسهم به الشيخ ناصر بن سليمان اللمكي كموضوع افتتاحي تحت عنوان "أشهر الحوادث وأعظم الرجال: حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو" وتعد هذه الدراسة توثيقا لأحد المغامرين العُمانيين الذين توغلوا في أصقاع الكونغو وكانت لهم فتوحات مشهودة في هذا الجانب(42).

ونعود إلى جريدة الفلق التي قاومت في مقالات لها سياسة الإدارة البريطانية في زنجبار لتحويل الكتابة من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية بالنسبة للغة السواحلية حيث نشر الكاتب مسلم بن حميد الرحبي مقالا يدعو فيه إلى الاهتمام باللغة العربية في عددها الصادر في 11/07/1956م(43).

وتعد صحيفة النجاح التي أصدرها الشيخ أبو مسلم البهلاني من أُولًى الصحف العُمانية فقد أصدر عددها الأول في 09 شوال 1330هـ/12 أكتوبر 1911م، وقد اهتمت بنقل أخبار العالم الإسلامي والعالم من حوله، فمثلا تمت تغطيتها لحرب الدولة العثمانية مع الطليان، وكذلك أخبار أخرى جرت في العالم الإسلامي.

ومما يزيد من قيمة هذه الصحيفة شأنا أسلوب أبي مسلم الأدبي وقدرته العلمية في تأليف المقالة، كذلك وجود كُتَّاب آخرين إلى جانبه كمثل الشيخ ناصر بن سليمان اللكمي الذي تناوب على رئاسة تحريرها مع الشيخ أبي مسلم.

وقد امتدت نهضة علمية لتعليم مبادئ الدين والقرآن الكريم قراءة وتجويدا في كل مدن الساحل وصولا إلى جزر القمر، حتى إن سكان مدينة مدغشقر كانوا يكتبون بالأحرف العربية قبل احتلال فرنسا لها(44).

وقد انتشرت المدارس التي تعنى بتدريس علوم الدين على يد مشايخ عُمانيين وغيرهم من العرب الحضارمة، وكذلك بعض المسلمين من الهنود.

اللغة العربية واللغة السواحلية:

إن وجود العرب العُمانيين في الساحل الأفريقي مدفوعين بدينهم وتراثهم، وكذلك لغتهم، كل ذلك أدى إلى امتزاج حضاري مع الواقع المعيش للإنسان الأفريقي لاسيما في ثقافته ولغته.

ويلاحظ أن معظم البقاع التي انتشر فيها الدين الإسلامي كتركيا، والهند، وإيران، وأندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وغيرها قد امتزجت لغاتها الأصلية باللغة العربية لغة القرآن والرسالة المحمدية.

إلا أننا نلاحظ في الشرق الأفريقي ملحظا خاصا وهو أن العربية امتزجت باللغة الأفريقية السائدة وقت هجرة العُمانيين، وكونت اللغة السواحلية، وقد حملت طابعا خاصا، وهو المفردات العُمانية المستخدمة في اللغة العربية.

فالزائر إلى دول الشرق الأفريقي ككينيا وتنزانيا مثلا تقابله عبارة الترحيب باللغة السواحلية (كريبو karibu) إذ وجدتها شخصيا عند نزولي في مطار «دار السلام» وقد كتبت بخط واضح للترحيب بالقادمين. هذه الكلمة هي ذات الكلمة العربية المستخدمة لدى مجموع العُمانيين تقال عند الترحيب بالضيف أو القادم "قرب" بالتشديد على الراء وهي بمعنى إقرب وتفضل واقترب معنا.

وعندما يتجول السائح العربي في شوارع دار السلام عاصمة تنزانيا أو نيروبي عاصمة كينيا، ويقترب متّأمِّلا العبارات التي كتبت باللغة السواحلية بأحرفها اللاتينية اليوم، لا شك أنه سيقف مندهشا أمام الكم الهائل من مفردات العربية المتغلغلة في السواحلية.

وعندما يدقق النظر في لافتات كتبت للدعاية والإعلان مثلا سيسترعي باله منتج ما روج له بكلمات مثل ladha kamali, sifa thabiti أي بمعنى صفة ثابتة ولذة كاملة بأسطر كاملة لمفردات عربية تبدو من النظرة الأولى سواحلية ولكنها عند تدقيق النظر تنجلي عن صفحتها العربية، فتشعُر حينها بعزَّة الصناعة الحضارية التي أوجدتها دون تذكر للتضحية الكبرى لمن ركبوا أهوال البحر للوصول إلى تلك المناطق من أجداد العُمانيين.

بل إن اللافت للنظر أن هناك كلمات كان يرددها العُمانيون في لغتهم العربية منذ السالف وقد تخلوا عنها اليوم، إلا أنها حفظت في اللغة السواحلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر كلمتي sahihi بمعنى صحيح أو signature أي توقيع باللاتينية فعندما يقال في الكتب القديمة صححه فلان أي أمضاه أو بتوقيع فلان.

وكذلك من الكلمات المستخدمة biashara أي بيع وشراء، وهي اللفظة المستخدمة عند العُمانيين بمعنى التجارة.

وهكذا تجول متأملا المفردات المستعملة في اللغة السواحلية، فتدرك غزارة الاستخدام للمفردات العربية المنبثة في السواحلية، وقد قامت بحوث تبين هذه العلاقة بين اللغتين(45) إلا أن مرادي هو تبيين هذه الخصوصية إي طبيعة العلاقة مع العربية التي حملها العُمانيون لتلك الديار.

ويقرر الدكتور إبراهيم الصغيرون أنه «من الحقائق التاريخية المهمة والجديرة بالتسجيل أن انتشار اللغة السواحلية وتوغلها في أواسط أفريقيا قد ارتبط بمرحلة النفوذ العُماني في شرق أفريقيا وبخاصة في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي أرسى قواعد الدولة البوسعيدية»(46).

وغاية القول: إن السواحلية قد غدت لغة جميع الساحل الشرق الأفريقي انطلاقا من زنجبار، بحيث أصبحت زنجبار هي المصدر لهذه اللغة بكل مفرداتها وآدابها، كما أنها صارت المصدر لمعلمي السواحلية الذين استعانت بهم جميع مدن الساحل، وكذلك البر الأفريقي المجاور.

ويمتلئ الأدب السواحلي ــــ كما يقول أحد الباحثين ــــ «شعره ونثره بالإشارات إلى الفقه الإسلامي، وفي ترغيب المؤمنين في كل كلمة من كلماته، وتشكل معرفة الشريعة الإسلامية مطلبا أساسيا لفهم الأدب السواحلي، وخصوصا فيما يتعلق بتشريعات الزواج والتشريعات العائلية(47).

وقد نشطت حركة الترجمة من العربية إلى السواحلية بحيث تم نقل مؤلفات عدة إلى اللغة السواحلية، ومع ذلك فإنَّ تعليم العربية ظل منتشرًا في المدن الساحلية بوصفها لغة القرآن والدين الإسلامي. وقد ازداد عدد المتحدثين باللغة العربية طرديا مع انتشار الدين الإسلامي بين مدن الساحل الأفريقي.

الثقافة والعمران في الساحل الأفريقي:

إن دخول الإسلام والنهضة العلمية والفكرية التي أحدثتها هجرة العرب من العُمانيين إلى الساحل الأفريقي قد أثر أيما تأثير في الثقافة الأفريقية السائدة، فاصطبغت وانطبعت بالطابع الذي حمله هؤلاء الوافدون، فغدا أثرها واضحا على عاداتهم وتقاليدهم وكذلك فنون العمران والملابس والأزياء.

وقد زاد في ذلك الانصهار والاندماج بين العرب والأفارقة، سواء بالمجاورة أم الزواج، فأوجد نمطا متآلفا من العيش والتقاليد العربية والإسلامية. فالزائر إلى مدن الساحل الأفريقي سوف يلحظ التجانس في الأزياء ذات الجذور العربية والإسلامية بدءا من مقديشو وانتهاء بجزر القمر، بل إنه وحتى بعد أن غير الاستعمار الأوروبي هذا الملمح سوف يجده القادم متمثلا في المناسبات واللقاءات ذات الطابع الإسلامي.

فيوم الجمعة يؤدي المصلون صلاتهم وقد اتشح غالبيتهم بالأثواب العربية التي تحاكي الثوب العربي المستخدم في عُمان، وكذلك القبعة التي توضع على الرأس، بل إنه في مناسبات الزواج وعقد القرآن لن تفاجأ إذا رأيت العريس وقد تقلد سيفا، عربيا وتمنطق خنجرا عربيا، ثم لف على رأسه العمامة الذي تذكر بعرب شمال البحر.

كذلك هو الشأن بالنسبة لزي المرأة الأفريقية التي أخذت طابعا من ملابس المرأة العربية، ولنستمع إلى وصف تاريخي يسوقه صاحب كتاب «جهينة الأخبار» عن زي المرأة قائلا: «وأما لباس المرأة في ذلك الزمن، فخمارٌ على رأسها، وقميصٌ وسراويل، وشيلةٌ تعمُّ سائرَ جسدها، وجواربٌ وحُقٌّ»(48)، وهو يشير إلى زمن السلطنة العُمانية قبل السيطرة الاستعمارية وقبل دخول العادات الغريبة التي جلبها الأوروبيون.

امتد هذا التأثير أيضا إلى العادات والآداب بدءا من الاستقبال والترحيب إلى القيام بواجبات الضيافة الأخرى. وقد نتج كل هذا بفعل التعايش والاندماج بين العرب الوافدين والسكان المحليين.

أما فيما يتعلق بالعمارة الإسلامية فتجدها ماثلة للعيان في معظم مدن الساحل الأفريقي وبصفة خاصة في المساجد والقلاع والبيوت القديمة حيث هي تنبئ عن هويتها العربية.

وعلى سبيل المثال لا تزال هناك آثار وشواهد دالة على هذه الآثار العمرانية كما هو حال الرسم بالمسجد الموجود ببلدة شوكة في الجزيرة الخضراء، حيث يبدو جليا الرسم الذي هو على شكل خنجر عربي في المحراب القديم لهذا المسجد، ويعود تاريخ هذا المحراب إلى سنة 812هـ/1412م(49).

ومن بين المساجد القديمة التي عثر عليها في مدينة مقديشو مسجد نقشت عليه كتابة تبين تاريخ تأسيسه وهو عام 637هـ في عصر السلطنة الحارثية، أي قبل مرور ابن بطوطة بها بنحو من الزمان.

وبنظرة على طريقة بناء بعض المساجد القديمة في الساحل الأفريقي نتعرف على مدى التشابه بين أسلوب عمرانها مع تلك الموجودة في عدد من البلدان العُمانية، أذكر مثلا زيارتي لبلدة كجمبوني في ناحية من ناحية دار السلام عاصمة تنزانيا حيث يوجد بناء لمسجد قديم، وقد لاحظت أن محراب المسجد الذي بني قبل أربعة مائة عام يماثل في بنيانه المحاريب المبنية في المساجد القديمة في عُمان حيث يكون المحراب بدون تجويف .

بل إن شواهد القبور القائمة والمحاذية للمسجد قد اتخذت طابعا وشكلا يماثل عددا من شواهد القبور القديمة في عُمان، هذه الآثار كلها تصور لنا هذا التأثير الثقافي الذي ظلت دوارسه وآثاره شاهدة على سنين من التعايش والاندماج الثقافي والعمراني.

 

--------------------

قائمة المراجع

1 - إبراهيم الزين الصغيرون: الإسهام العُماني في المجالات الثقافية والفكرية والكشف عن مجاهل القارة الإفريقية في العهد البوسعيدي، المنتدى الأدبي، حصاد ندوة 1991 ـ 1992م، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان،1993.

2 - ابن بطوطة (779هـ/1377م): محمد بن عبد الله اللواتي، تحفة الأنظار في غرائب الأمصار، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1985م.

3 - أحمد بن حمد الخليلي (سماحة الشيخ): العُمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق إفريقيا، المنتدى الأدبي، حصاد ندوة 1991 ـ 1992م، وزارة التراث القومي، 1992م.

4 - أحمد حمود المغيري: عُمان وشرق إفريقيا، ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان، ط2، 1992م.

5 - جيان (ربان سفينة): وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية، كتبه عام 1865م، نقله إلى العربية ملخصا يوسف كمال، القاهرة، ط، 1345هـ/1962م.

6 - حسن أحمد حمود: انتشار الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، ط2، 1984م.

7 - خالد ناصر الوسمي: عُمان بين الاستقلال والاحتلال، مؤسسة الشراع العربي، الكويت، 1993م.

8 - رجب محمد عبد الحليم: العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، مكتبة العلوم، سلطنة عُمان، 1929م.

9 - سالم بن أحمد الطيواني: زنجبار منذ دخول الإسلام حتى قيام اليعاربة، مخطوط بمكتبة معهد العلوم الشرعية، سلطنة عُمان، 2000م.

10 - سعيد بن علي المغيري: جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، وزارة التراث القومي، ط4، سلطنة عُمان، 2001م.

11 - سلطان بن محمد القاسمي: تقسيم الإمبراطورية العُمانية، مؤسسة البيان للصحافة والنشر، دبي، ط2، 1989م.

12 - عائشة علي السيار: دور اليعاربة في عُمان وشرق آسيا، مطابع دار الصحف الوحدة، أبو ظبي، ط3، بدون تاريخ.

13 - عبد الرحمن عبد الكريم العاني: تاريخ عُمان في العصور الإسلامية الأولى، دار الحكمة، لندن، 1999م.

14 - علي بن الحسين بن علي المسعودي، أبو الحسن (ت346هـ/957): مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4 أجزاء، دار الكتب العلمية، بيروت، ط، 1986م.

15 - فليبس وندل: تاريخ عُمان، ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان، 1981م.

16 - فهمي جدعان وتوفيق مرعي: عُمان والحضارة الإسلامية، وزارة التربية والتعليم، سلطنة عُمان، 1984م.

17 - محمد بن سليمان الحضرمي: الصحافة العُمانية في زنجبار، مخطوط بمعهد العلوم الشرعية، سلطنة عُمان، 2001م.

18 - محمد صالح ناصر:

أ) أبو مسلم الرواحي حسَّان عُمان، سلطنة عُمان، 1996م.

ب) منهج الإباضية في الدعوة، مكتبة الاستقامة،سلطنة عُمان،1997م.

19 - محمد عبد الله النقيرة: انتشار الإسلام في شرق إفريقيا ومناهضة العرب له، دار المريخ للنشر، 1402هـ/1982م.

20 - نايف عيد وجابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، دار الوطن، الكويت، 1994م.

21 - وزارة الإعلام: عُمان في التاريخ، سلطنة عُمان، 1995م.

--------------------

ملحق: خريطة الساحل الشرقي لأفريقيا في العصور الوسطى

المصدر: عبد الرحمن علي السديس: تطور حركة انتشار الإسلام في شرق افريقية في ظل دولة البوسعيديين

--------------------

الهوامش

(1) محمد النقيرة، انتشار الإسلام في شرق أفريقيا.

(2) أحمد حمودي ال

اترك تعليقا